حسين راغب

رئيس حزب الإصلاح الوطني

 

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف

2025غزة هي شريط ساحلي محاط برياً بمستوطنات غلاف غزة وممر بري بينه وبين مصر، لا يملك أي مقدرات اقتصادية ويعتمد في إمداداته بمقومات الحياة على معابر وممرات تتحكم فيها إسرائيل،

* تحول قطاع غزة تدريجياً منذ عام 2007 إلى (سجن كبير) تزيد أعداد قاطنيه يوماً بعد يوم لتصل إلى 2,3 مليون نسمة بينما تقل مساحته تدريجياً بفعل ممارسات الحكومة الإسرائيلية الاستيطانية مخالفة لقرارات الأمم المتحدة.

ولأن الأخيرة اعتادت انتهاك القوانين الدولية وعدم الاكتراث بقرارات الأمم المتحدة مارست سياسات خانقة على القطاع وأهله على مدار 16 عاماً، حتى أصبحت الحياة فيه خانقة وصعبة، بل وتتصف بكل مظاهر الممارسات الاستعمارية والاستيطانية التي باتت جزء من سرديات التاريخ في كل العالم، في السابع من تشرين الأول عام 2023 قامت كتاب القسام بتحرك عسكري باتجاه مستوطنات مدن غلاف غزة بإعلان حالة الحرب والاستنفار العام وشن ضربات صاروخية شديدة العنف على قطاع غزة.

 

دوافع عملية طوفان الأقصى

رغم ما شكلته معركة طوفان الأقصى من مباغتة للكيان الصهيوني من حيث كونها شكّلت أكبر ضربة موجعة إلا أن ثمة مقدمات كانت تنذر باشتعال الأوضاع، وذلك وفقاً لعدد من المحفزات:

1 ـ أولها انسداد الأفق أمام حل الدولتين، فبعد مرور 30 عاماً على أوسلو تبين أنها لم تخدم إلا المشروع الصهيوني الاحتلالي الاستيطاني والذي تم تعزيزه من خلال الشروع في تنفيذ (الضم الزاحف) في الضفة الغربية، والذي تبناه (سموتريتش) القائم على الضم والتهجير مع استكمال تهويد القدس والتمهيد لمحو المقدسات الوطنية خاصة المسجد الأقصى لصالح ما يسمى (الهيكل الثالث) مع تصاعد وتيرة اهتمامات المسجد الأقصى في إطار الحرب الدينية التي شنتها تلك الحكومة المتطرفة، وفي هذا الشأن أشار تقرير صدر عن محافظة القدس إلى أن عدد المقتحمين منذ مطلع العام 2023 تجاوز الأربعين ألفاً.

2 ـ أولوية التطبيع على تسوية القضية الفلسطينية، حيث أعطت إدارة (بايدن) الأولوية بتعزيز علاقات التطبيع العربي الصهيوني مع الاقتصار على التعاطي مع القضية من منظور إنساني مزعوم تحت مسمى (السلام الاقتصادي)، مقابل تركيز الإدارة الأمريكية على إزالة العراقيل أمام تطبيع دول عربية أخرى مع الكيان الصهيوني.

3 ـ توجه حكومة نتنياهو المتطرفة نحو حسم الصراع وتنفيذ سياسة الاغتيال لقيادات في المقاومة والتضييق على الأسرى فضلاً عن اقتحام المدن الفلسطينية في الضفة كما حدث في أريحا ونابلس وجنين إلى جانب التضييق على الفلسطينيين في الداخل المحتل (فلسطينيي 48) ودعم وتشجيع إرهاب المستوطنين في حوارة ومدن أخرى، وبحسب تقرير مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة (أوتشا) فقد استشهد منذ بداية عام 2023 وحتى شهر آب 172 فلسطينياً، وأصيب 7372 فلسطينياً بجراح كما تم هدم 780 منزلاً في الضفة، كما أشارت (أوتشا) إلى معدل اعتداءات شهرية للمستوطنين يصل إلى نحو 100 اعتداء شهرياً ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية بحماية الاحتلال منذ بداية هذه السنة بزيادة 39% عن المعدل الشهري لسنة 2022، وفي الأشهر السبعة الأولى قتلت القوات الإسرائيلية 40 طفلاً فلسطينياً في أجواء إرهابية متصاعدة، وتم إستنتاج وجود تشابه بين مسببات طوفان الأقصى إلى حد كبير مع معركة سيف القدس في عام 2021 من حيث مركزية المسجد الأقصى والقدس.

* تطور قدرات المقاومة الفلسطينية ومعركة طوفان الأقصى.

لم تكن المقاومة بمقدرتها أن تتحدى إسرائيل بشبه معركة طوفان الأقصى إلا بعد أن تطوّرت قدراتها العسكرية وأداءها العملياتي، لذلك حرصت مع كل جولة صراع تخوضها مع إسرائيل على تحديث ترسانتها من الأسلحة والصواريخ، ومن بين ترسانتها الصاروخية (قسام 1) والذي لم يتجاوز مداه 3 كيلومترات فقط، وصاروخ (إم 75) الذي وصل مداه إلى 80 كيلومتراً وصاروخ 555، والذي يبلغ مداه 55 كيلومتراً، وصاروخ (آر 160)، هذا فضلاً عن صاروخ J80 (جعبري 80) بالإضافة إلى صاروخ (إم – 302 دي) ومن أبرز التطورات التي أدخلتها سرايا القدس صاروخ (بدر 3) والذي بلغ مداه أكثر من 160كم فضلاً عن صواريخ كورنت المضادة للدبابات، وهي ذات قدرة تدميرية للآليات المدرعة بما فيها (دبابة الميركافا) والتي تعتمد عليها إسرائيل في هجماتها البرية، بالإضافة إلى (عياش 250) والذي يبلغ مداه أكثر من 250 كيلومتراً، ويمتلك قدرة تدميرية عالية وصاروخ (SH 85) الذي يبلغ مداه 85 كم واستخدم لأول مرة في أيار 2021، كما تمتلك القسام الطائرات المسيرة عن بعد (درونز) وهي (أبابيل) و(شهاب) و(الزواري)، وقد أعلنت كتائب القسام دخول نحو 35 مسيرة من طراز (الزواري) الخدمة خلال معركة طوفان الأقصى، وشاركت في التمهيد الناري لعبور عناصر القسام إلى مستوطنات غلاف غزة.

وكان أول ظهور قتالي لها في 19 أيار عام 2021 خلال معركة (سيف القدس) كما تمتلك القسام الغواصة المسيرة التي تعمل بنظام تحديد المواقع GPS، وفي معركة طوفان الأقصى أدخلت حماس صاروخ (رجوم) للمرة الأولى وهو قصير المدى من عيار 114ملم، وتكمن أهميته في أن الراجمة التي تطلق هذا الصاروخ تحتوي على 15 فوهة، أي أنها يمكنها إطلاق 15 صاروخاً بشكل متتالي، كذلك صواريخ محلية الصنع من منظومة الدفاع الجوي طراز (متبر 1) وهي مصممة لاستهداف المسيرات أو الهيلكوبتر القتالية، وبالنسبة لتطوير تكتيك القتال فهناك حالة من توازن الرعب استطاعت الفصائل إحداثها مع تعدد وتنوع بنك الأهداف، وتوسيع المسرح العملياتي لصواريخها التي شملت تل أبيب والقدس، والأهم حيفا التي تبعد عن غزة بنحو 150كم وتم استهدافها بصاروخ (آر 160)، كما كشف أداء المقاومة في ميدان المعركة عن فشل استخباراتي إسرائيلي كبير حينما تمكن مقاتلو القسام من تخطي أنظمة الإنذار الإلكترونية الحدودية، والعدد الكبير من كاميرات وأجهزة الاستشعار وقاموا بعمل أكثر من 10 فتحات عبر الجدار الذي انتهى الجيش الإسرائيلي من بناءه بطول 65 كيلومتر حول قطاع غزة في نهاية عام 2021.

وعلى المستوى الاستراتيجي حافظت المعركة على ربط القدس بغزة ذلك التغيير في قواعد الاشتباك الذي حققته المقاومة في سيف القدس عام 2021 وحرصت على تثبيته على النحو الذي أفشل استراتيجية (شارون الانقسامية) بين غزة والضفة، حينما أعلنت المقاومة أن من بين الدوافع الرئيسية للمعركة منع الانتهاكات التي يتعرض لها الأقصى، أضف إلى ذلك فإن المقاومة حرصت على ترسيخ قواعد اشتباك جديدة من خلال عدم الاكتفاء بشن طلعات جوية وصاروخية وضربات مكثفة على مدن إسرائيلية مثلما حدث في 2021 بل الجديد هو نقل المعركة إلى داخل الأراضي الإسرائيلية المحتلة عام 48 في مستوطنات غلاف غزة.

كما حرص المقاومون على أسر العديد من الرهائن الذين بلغوا حسب التقديرات الإسرائيلية 150 أسيراً إسرائيلياً بينهم مستوطنون وجنود، بالإضافة إلى تصوير الهجوم بكاميرات متقدمة، وبثها إعلامياً كإحدى أدوات الحرب النفسية ضد الكيان الصهيوني. وقد ساعدها في ذلك سلاح المظلات (التركترون الطائر بالبراشوت) والذي يعد من ضمن المعدات الجديدة التي استخدمها مقاتلو القسام للمرة الأولى في صباح 7 تشرين الأول 2023 ومكنتهم من الوصول إلى مستوطنات غلاف غزة وتحطيم الجدار وذلك تزامناً مع ضربات جوية للتمويه على تنفيذ عمليات التسلل والاقتحام.

ومن بين التكتيكات الأخرى التي اتبعتها حماس إرباك القبة الحديدية من خلال إطلاق عدد ضخم من الصواريخ على نحو متزامن يفوق قدرة منظومة القبة الحديدية على الصد، وقد تسبب ذلك في إحداث ما يسمى بـ(التشبع) حينما أطلقت المقاومة 5000 صاروخ في الـ24 ساعة الأولى من الهجوم، في حين كان الرشقة الواحدة من 100 إلى 150 صاروخاً.

* فيما يخص (عنصر المفاجأة) فقد نجح تكتيك الخداع الاستراتيجي في مباغتة إسرائيل بالهجوم وعدم توقعه، ويعود نجاح المقاومة في تحقيق ذلك إلى عاملين أولهما: يعود إلى قدرات المقاومة في المناورة بالعدو وخداعه من خلال تصدير مشهد أن إسرائيل نجحت في احتواء حماس، وأن تنفيس الغضب داخل القطاع والضغط على إسرائيل لن يتجاوز حدود التصعيد المحدود وحوادث الاحتكاك في عدة مواقع على طول السياج الحدودي مع قطاع غزة مع السماح باستئناف مسيرات العودة وذلك في 30 آب 2023 مع تركيز المطالبات على زيادة عدد تصاريح العمال في الداخل الصهيوني.

ثانيهما: حدوث قصور في التقديرات الإسرائيلية منبعه الغطرسة الإسرائيلية بأن لديها جيش لا يهزم، واستبعاد المؤشرات التي كانت ترى احتمال تفجر الأوضاع رداً على سياسات الحكومة الإسرائيلية المتطرفة، وكانت هناك تحذيرات من جانب حماس نقلها الوسطاء في التهدئة محذرين إسرائيل بأن سياسات تصعيد اليمين المتطرف ضد الأقصى والقدس والأسرى ستؤدي حتماً إلى انفجار الأوضاع.

* الدعم الأمريكي لإسرائيل في مواجهة معركة طوفان الأقصى:

الحسابات الأمريكية ترتبط (قبل حرب غزة) بمحاولة الوصول إلى تهدئة مؤقتة لمعظم الملفات الإقليمية الرئيسية في المنطقة، إن لم يكن مجملها، وهو ما يمكن تفسيره في ضوء عوامل رئيسية ثلاثة:

أولها اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية في تشرين الثاني 2024 حيث كان قد بقي لها نحو عام تقريباً، وهو ما حيث سعى الرئيس بايدن إلى تجديد ولايته الرئاسية لفترة جديدة، وربما يجادل البعض في هذا السياق بأن حرص الرئيس (بايدن) على إعلان (الدعم الكامل لإسرائيل فرصة لتعزيز حظوظه في هذا الصدد لاسيما لجهة استقطاب دعم اللوبي الصهيوني داخل الولايات المتحدة الأمريكية).

ثانيها: الانشغال بإدارة الصراع غير المباشر مع روسيا من خلال الحرب في أوكرانيا، حيث سعت واشنطن عبر إدارة الصراع إلى محاولة توجيه النتائج التي سوف تنتهي إليها هذه الحرب في مسار يحفظ للولايات المتحدة الأمريكية مكانتها باعتبارها القوى الدولية الرئيسية في النظام الدولي، بعد أن كانت هذه المكانة تتعرض لضغوط بفعل التطورات التي طرأت على الساحة الدولية في العقد الأخير على الأقل.

وثالثها الدفع في اتجاه إبرام المزيد من اتفاقيات التطبيع بين الكيان الصهيوني والدول العربية، حيث رأت إدارة بايدن أن نجاحها في تحقيق هذا الهدف كفيل بتعزيز فرص الرئيس بايدن في تجديد ولايته الرئاسية مرة أخرى في عام 2024.

2 ـ في 10/10/2023 ألقى الرئيس الأمريكي (بايدن) كلمة أكد فيها استمرار هذا الدعم وهاجم من خلالها حركة حماس ووجه عبرها تحذيرات إلى أطراف ثالثة من التدخل في الحرب لاستحصال مكاسب منها، وفي هذه الأثناء أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) أن حاملة الطائرات الأمريكية (يو إس إس جيرالد آر فورد) وصلت إلى شرق البحر المتوسط، كما أعلنت أن معدات عسكرية وصلت إلى إسرائيل بالفعل.

وقد أوحت هذه التظاهرة العسكرية الأمريكية الداعمة لإسرائيل أن الولايات المتحدة الأمريكية في طريقها إلى الانخراط في الحرب فعلاً إلى جانب حليفتها الاستراتيجية، لكن التمعن في الملابسات التي صاحبت هذه التحركات فضلاً عن الظروف الداخلية الأمريكية والإقليمية والدولية المعقدة يوحي بأن العكس هو الصحيح.

إذ إن واشنطن حاولت قدر ما تستطيع عبر التلويح باستخدام القوة تجنب المغامرة بالانخراط في مواجهة عسكرية جديدة، خاصة إذا كانت هذه المواجهة في منطقة الشرق الأوسط.

3 ـ اندلعت احتجاجات طلابية في الجامعات الأمريكية لتتحول إلى انتفاضة عارمة رافضة لحرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة ومطالبة بوقف تسليح الولايات المتحدة لإسرائيل، وامتدت الاحتجاجات التي بدأت في جامعة كولومبيا إلى نحو 44 جامعة وكلية أمريكية رغم حملات الاعتقال الجماعية التي نفذتها السلطات المحلية بحق الطلبة والمتظاهرين المساندين لهم وتهديد إدارات الجامعات بتنفيذ المزيد من الاعتقالات في حال استمرت التظاهرات والاحتجاجات.

ودعت شخصيات سياسية لاستخدام وحدات الحرس الوطني للتصدّي للطلاب المناهضين لإسرائيل، فيما حثت منظمة العفو الدولية الجامعات الأمريكية على احترام وحماية حق الطلاب في الاحتجاج السلمي.

في 18 نيسان 2024 بدأ طلاب مؤيدون لفلسطين في جامعة كولومبيا بالولايات المتحدة اعتصاماً في حديقة الحرم الجامعي احتجاجاً على الاستثمارات المالية المستمرة للجامعة في الشركات التي تدعم احتلال فلسطين والإبادة الجماعية في غزة، حيث تم اعتقال أكثر من 100 طالب خلال المظاهرات.

وفي وقت لاحق امتدت مظاهرات الطلاب المؤيدين للفلسطينيين إلى جامعات رائدة أخرى في الولايات المتحدة مثل جامعات نيويورك وسيشل ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وجامعة كارولينا الشمالية.

من لوس أنجلوس إلى نيويورك مروراً بأوستن وبوسطن وشيكاغو وأتلانتا اتسعت الحركة الاحتجاجية للطلاب الأمريكيين المؤيدين للفلسطينيين حيث نظمت احتجاجات في عدد من الجامعات المرموقة عالمياً مثل هارفرد ويال وبرينستن.

وتكرر المشهد في أنحاء مختلفة من البلاد، حيث قام طلاب بنصب خيام في جامعاتهم للتنديد بالدعم العسكري الذي تقدمه الولايات المتحدة لإسرائيل والوضع الإنساني في قطاع غزة.

* ؟؟؟ من جرائم الكيان الصهيوني في قطاع غزة.

إن قوات الاحتلال الصهيوني ارتكبت في قطاع غزة أشد الجرائم المعرفة في القانونين الإنساني والجنائي الدولي جسامة لتحقيق أهدافها في الهجوم على القطاع، ومنها إجبار السكان المدنيين على النزوح داخل القطاع ثم التهجير خارج القطاع، ويمكن إجمال تلك الجرائم في الآتي:

1 ـ القتل العمد للمدنيين لاسيما النساء والأطفال.

2 ـ استخدام الذخائر المحرمة دولياً.

3 ـ استهداف الأعيان المدنية من مستشفيات ومدارس وأماكن عبادة وأماكن أخرى للنازحين المدنيين.

4 ـ منع المساعدات الإنسانية بهدف تجويع السكان.

5 ـ ولم تتورع قوات الاحتلال الصهيوني عن توسيع وتكثيف هجماتها خارج إطار القانون الدولي على نحو مرشح لتوافر مقومات جريمة الإبادة الجماعية ذلك:

1 ـ تصريحات العديد من القيادات الإسرائيلية أثناء شن الحرب على قطاع غزة بغرضهم المتمثل في محو أهل غزة وقطاع غزة.

2 ـ تصريحات المسؤولين الإسرائيليين بسياسات العقاب الجماعي (للحيوانات البشرية) في غزة.

3 ـ الحصار المطبق لقطاع غزة ومنع سبل المعيشة الأساسية واتباع سياسة التجويع.

4 ـ استخدام الأسلحة والذخائر المحرمة دولياً التي لا تفرق في الضحايا ما بين المدنيين والعسكريين وتحدث أكبر عدد من القتلى.

5 ـ الإفراط في استخدام ذخائر واسعة التدمير في مناطق مكتظة بالسكان.

6 ـ الاستهداف المكثف للأماكن المكتظة بالسكان المدنيين مثل المدارس والمستشفيات وأماكن اللجوء ومعسكرات النازحين.

7 ـ عدم التوقف عن قصف الأماكن المدنية خاصة المستشفيات رغم الإنذارات العديدة بقتل العديد من المدنيين والأطفال الرضع والمبتسرين بها، والمئات من النساء الحوامل، ومرضى الرعاية المركزة.

8 ـ اتباع سياسة الأرض المحروقة بتسوية أحياء كاملة بالأرض وتدمير كافة البنى التحتية بهدف القضاء على مظاهر الحياة.

9 ـ قطع الكهرباء والاتصالات بالقطاع أثناء الاجتياح البري لإيقاع المزيد من الضحايا وعرقلة نقل ما يقع في القطاع من مجازر عن طريق وسائل الإعلام.

10 ـ العدد الهائل من الضحايا المدنيين لاسيما النساء والأطفال الذين يوجدون في مساحات صغيرة خلال مدة زمنية قصيرة.

11 ـ ومن المظاهر المميزة للعدوان الصهيوني على غزة ـ التي لم نرى لها مثيلاً في أقذر الحروب ـ أنه لا يستهدف بهجماته حصراً المستشفيات بل نظام الرعاية الصحية كله بالخراب والتدمير بطريقة ممنهجة وعلى نطاق واسع، بدءاً من منع الوقود عن المستشفيات وانتهاء باستهداف الطواقم الطبية بالقتل، مما تسبب في توقف العديد منها عن تقديم الرعاية الصحية جزئياً أو كلياً، ولم تتورع قوات الاحتلال عن مهاجمة المستشفيات ذاتها بالقصف والاقتحام بهدف التأكد من انهيار نظام الرعاية الصحية تماماً، تنفيذاً لغرضه الإجرامي المُبيت بمنع سبل الحياة الأساسية في القطاع وتفريغه من ساكنيه، بما يؤكد وجود نية الإبادة الجماعية في ظل سياسة واضحة للتطهير العرقي.

جرائم الكيان الصهيوني في قطاع غزة في القانون الدولي.

وفقاً للقانون الدولي الإنساني وعلى لسان المفوضية العليا لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة فإن فرض الحصار والذي من شأنه تهديد حياة المدنيين بحرمانهم من السلع والخدمات الأساسية الضرورية لبقائهم على قيد الحياد هو أمر مخالف للقانون الدولي الإنساني وما لم يكن هناك ضرورة عسكرية تبرره فإنه يصنف أحد مظاهر العقاب الجماعي والذي تجرمه اتفاقية جنيف للقانون الدولي في البروتوكول الثالث في المادة 87 والبروتوكول الرابع في المادة 33 وملحقها في المادة 50 والقاعدة رقم 103 والقانون الدولي الإنساني العرفي، كما أنها إشارة إلى أن فرض قيود على حركة الأفراد والبضائع الذي من شأنه تهديد حياة المدنيين هو أمر محظور بموجب القانون الدولي.

وبناء عليه:

* جريمة الإبادة الجماعية:

كجريمة قانونية تعرف بأنها (ارتكاب أي عمل من الأعمال الآتية بقصد الإبادة الكلية أو الجزئية لجماعة ما على أساس القومية أو العرق أو الجنس أو الدين مثل:

أ ـ قتل أعضاء الجماعة.

ب ـ إلحاق الأذى الجسدي أو النفسي الخطير بأعضاء الجماعة.

جـ ـ إلحاق الأضرار بالأوضاع المعيشية للجماعة بشكل متعمد بهدف التدمير الفعلي للجماعة كلياً أو جزئياً، منها الحرمان من الحصول على الطعام والدواء لإهلاك السكان.

د ـ فرض إجراءات تهدف إلى منع المواليد داخل الجماعة.

هـ ـ نقل الأطفال بالإكراه من جماعة إلى أخرى.

وتعتبر الإبادة الجماعية إحدى جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي نظر إليها نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، وهي الجرائم التي ترتكب في سياق نزاع دولي مسلح انتهاكاً لاتفاقيات جنيف والقوانين والأعراف السارية على النزاعات الدولية.

* أما مفهوم العقاب الجماعي فيعرف في القانون الدولي على النحو التالي: (عقاب يتم ممارسته تجاه كل الأشخاص بدون تمييز بما فيهم المحميين بموجب القانون الدولي في حالة الحرب نتيجة لأفعال بعض الأفراد أثناء الصراع المسلح).

ويعتبر فرض العقاب الجماعي جريمة حرب لأنه يعاقب الأفراد على أفعال لم يرتكبوها.

من جهة أخرى واستناداً إلى المادة رقم 32 من اتفاقيات لاهاي 1907 التي تمنع هدم أو انتزاع المنازل والأراضي الزراعية والممتلكات الخاصة في حالات النزاعات المسلحة إلا لمقتضيات الضرورة في النزاعات المسلحة، تمثل الضربات الصهيونية الموجهة عمداً إلى المنازل والممتلكات الخاصة خرقاً لهذا القانون فضلاً عن أن المادة رقم 53 من معاهدة جنيف الرابعة تتضمن عدم أحقية قوات الاحتلال من تدمير الأملاك الخاصة بالمحتلين (يحظر على دولة الاحتلال أن تدمر أي ممتلكات خاصة ثابتة أو منقولة تتعلق بأفراد أو جماعات أو بالدولة أو سلطات العامة أو المنظمات الاجتماعية أو التعاونية، إلا إذا كانت العمليات الحربية تقتضي حتماً هذا التدمير).

والقانون الدولي الإنساني لا يترك مسألة الضرورة العسكرية بدون تنظيم حتى لا يساء استخدامها بل يضع ضوابط لهذه الضرورة، وتشدد اتفاقيات لاهاي وجنيف على ضرورة وجود تهديد حقيقي وإلا يكون إجراء هدم ونزع الملكية استباقياً أو انتقامياً لردع أو ترهيب المدنيين.

مما سبق يتضح أن القصف العشوائي والمستمر لقطاع غزة وتعطيل مرافق الصحة والخدمات والصرف فضلاً عن منع وصول الكهرباء والمياه النظيفة والغذاء يمثل (عقاباً جماعياً) وجريمة حرب بحق 2,3 مليون شخص أغلبهم من الأطفال يعيشون محاصرين في غزة بين أراضي فلسطينية محتلة وبين معبر مغلق بالقوة في الجانب المصري وحاملتي طائرات أمريكيتين في البحر المتوسط.

* التداعيات الجيوبوليتيكية للصراع الفلسطيني الصهيوني: في ضوء عملية طوفان الأقصى كشفت معطيات العملية العسكرية، وما خلفته من توابع وتداعيات جيوبوليتيكية عن أن قراءة هذه التداعيات غير ممكنة بالمنظور الضيق للأدبيات التقليدية للصراع، خاصة وأنها لا تنفك عن التحولات الجيوبوليتيكية للسياق الدولي والإقليمي من ناحية احتدام التنافس الدولي بين القوى الكبرى، وكذلك المشروعات الإقليمية المشار إليها سابقاً والتي سعت إلى إنهاء الصراع دون حلول تشمل الأطراف الرئيسية للنزاع، في إغفال تام لقدرة أطرافه (الطرف الفلسطيني) على تجديده وبث الروح فيه من جديد في إطار أعمال المقاومة المسلحة.

* مثلت عملية (طوفان الأقصى) التي قادتها حركة المقاومة الفلسطينية في 7 تشرين الأول 2023 مفاجأة لم تتوقف تأثيراتها عند حدود القضية الفلسطينية وما تضمنه من صراع مصيري بل تجاوزه لذلك الحسابات الإقليمية وتصنيع التقديرات الدولية للصراع العربي الصهيوني في دائرة التقييم على المستويين الرسمي والشعبي وخاصة في الدول الداعمة للحقوق الفلسطينية، فقد كشفت عملية طوفان الأقصى عن خلل في المنظومة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية وسوء تقدير لقدرات المقاومة الفلسطينية مما أدى إلى فقدان إسرائيل لقوة الردع، وفي طريقها لاستعادة قوة الردع انتهكت فلسطين كل الأعراف والمواثيق القانونية الدولية في العدوان على قطاع غزة تحت ذريعة القضاء على حركة حماس مخلّفة الآلاف من الضحايا في ظل دعم أمريكي وغربي كبيرين واتهامات لدول إقليمية بمساعدة المقاومة، ومحاولات لوقف إطلاق النار في القطاع.

* مع انطلاق عملية طوفان الأقصى التي باغتت جميع الأطراف الإقليمية والدولية فقد أوجدت معطيات جديدة للصراع جعلت حسابات الطرف الفلسطيني حاضرة كرقم مهم في أية معادلات إقليمية ودولية خاصة منطقة الشرق الأوسط بالإضافة إلى تشكيلها نقاط جذب لتحفيز مشاركة خصوم الولايات المتحدة على غرار روسيا التي برز حضورها خلال التعامل مع تداعيات العملية العسكرية الفلسطينية على نحو عكس إشارات محتملة بالتدخل لاستغلال ما يحدث من أجل موازنة نفوذ واشنطن وتضييق الخناق عليها في المناطق الجيوسياسية لمصالحها ومصالح حلفاءها الاستراتيجية على النحو الذي يسهم في تخفيف الضغط الغربي في الفضاءات الحيوية لموسكو.

* تتجاوز تداعيات العملية العسكرية الفلسطينية طوفان الأقصى ما سبقها من آثار أبعاد الصراع في ذاته إلى الصورة الأوسع التي رسم إطارها حالة احتدام التنافس بين القوى الكبرى وتحولات النسق الدولي بين القوى المتنافسة على غرار الولايات المتحدة والصين وروسيا، فتحركات الولايات المتحدة خلال السنوات الماضية لمواجهة الصعود الصيني ـ الروسي في مناطق الإندوباسيفيك والبلقان وآسيا الوسطى يجعل منطقة الشرق الأوسط رغم تراجع أهميتها بالنسبة لواشنطن أحد مسارح توازن القوى العكسية التي يستخدمها خصوم هذه الأخرى لتقويض وموازنة نفوذها المتزايد في مناطق التماس الاستراتيجي لهذه القوى، وذلك عبر خريطة (أحزقة التحطيم) التي أوجدت مناطق نفوذ ومواطئ قدم استراتيجية للقوى المناوئة لواشنطن وحليفتها الاستراتيجية تل أبيب، على نحو مكنها من تطويق هذه الأخيرة عبر (حزام تحطيم) بؤر الصراعات بمنطقة الشرق الأوسط بكل من سورية ولبنان والعراق.

ويمكن الاستدلال على ذلك بمؤشرات التحرك الأمريكية في المنطقة، على سبيل المثال يبرز التفاعل غير المسبوق الذي تقوم به الولايات المتحدة في اللحظة الراهنة لدعم حليفتها تل أبيب بتحريك بعض القطع الحربية لأسطولها البحري مثل حاملة الطائرات (جيرالد آر ـ فورد) من أجل إيصال رسائل ردع للأطراف المنخرطة في مناطق التطويق الاستراتيجي لإسرائيل، وذلك ضمن تفاعلات استراتيجية الكبرى لموازنة نفوذ خصومها، وعبر عن ذلك بوضوح الرئيس (بايدن) في كلمته في 10 تشرين الأول 2023 بتحذيره للأطراف الدولية باستغلال التصعيد الراهن قائلاً (أحذر أي بلد أو منظمة من استغلال هذا الوضع، وبشكل عام أقول لأي شخص يفكر في استغلال هذا الوضع لا تفعل ذلك).

* إن أحد أسباب الإخفاق الأمني الكبير الذي مُنيت به إسرائيل خلال تلك العملية (طوفان الأقصى) والذي اعترف به رئيس جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي (شين بيت) روني نبار الذي أعلن تحمله المسؤولية عن ذلك يكمن في وجود تصورات نمطية مسبقة بأن العمليات التي يحتمل أن تشنها الفصائل الفلسطينية لا يمكن أن تصل إلى هذا المستوى من الدقة والتنظيم، وأن أقصى ما يمكن أن تقوم به الأخيرة هو شن (رشقات صاروخية) ضد بعض المدن الإسرائيلية.

وأمام هذه الجولة الجديدة من الصراع الفلسطيني ـ الصهيوني وما أسفرت عنه من نتائج كانت الكارثة الإنسانية الملمح الأبرز لها، إلا أن هذه الجولة أعادت القضية الفلسطينية إلى واجهة الأحداث الدولية مرة أخرى بعد أن أبعدت العديد من الأحداث الدولية ومنها الحرب الروسية الأوكرانية هذه القضية وممارسات الاحتلال الصهيوني

شارك