
حفيدة الاغتراب
بقلم: أمين السكافي
للاغتراب وجوه كثيرة؛ بعضها يطل عليك منذ اللحظة الأولى فتتهيأ له، وبعضها الآخر يبقى متوارياً خلف الأقدار حتى إذا داهمك كشف لك من الآلام ما لم يخطر لك على بال. فالاغتراب ليس مجرد انتقال من وطن إلى وطن، ولا هو مجرد عبور بين مطارين أو ختم على جواز سفر، بل هو ولادة بطيئة للأوجاع، ومخاض عسير للقلب، تتبدل فيه ملامح الحياة، وتتعلم فيه أن الفراق لا يحدث مرة واحدة، بل يتكرر كل يوم بأشكال مختلفة.
قد يظن الناس أن الغربة امتحان يخوضه المسافر وحده، لكن الحقيقة أن أكثر من يدفع ثمنها هو الذي يبقى واقفاً عند عتبة البيت، يراقب الأبواب وقد أصبحت أقل حركة، والكراسي وقد فقدت أصحابها، والضحكات وقد غادرت مع أصحاب الحقائب.
تشتد قسوة هذا الامتحان عندما تكون الغربة من نصيب ابنتك، ومعها زوجها، ذلك الابن الذي رزقك الله إياه على كبر، فأحببته كما لو كان قطعة من روحك، أو عندما تكون من نصيب ابنتك التي جاءت إلى حياتك بعد طول انتظار فكانت حلم إبنك الذي تحقق، فكانا هدية العمر المتأخرة، ثم شاءت الأقدار أن يصبح كل واحد منهما في وادٍ من أودية الاغتراب، يطارد حلماً بعيداً، بينما يبقى قلبك موزعاً بين القارات.
وتبدأ الحكاية دائماً بفكرة.
مجرد فكرة.
حديث عابر عن السفر إلى بلاد أخرى، بحثاً عن فرصة لم يجدها الإنسان في وطنه، أو سعياً وراء نجاح حالت الظروف دون تحقيقه، أو إكمالاً لدراسة فتحت أبوابها جامعات بعيدة وأغلقتها الظروف في بلده الأم.
في تلك اللحظة يخدعك عقلك.
يقنعك بأنها مجرد فكرة، وأنها قد لا تتحول إلى واقع، وأن لأولادك جذوراً هنا، وأصدقاء، وأهلاً، وذكريات، فلا داعي للقلق من الآن.
لكن الأفكار، حين تكتب على الأوراق، تكف عن أن تكون أفكاراً.
ما إن تبدأ معاملات السفر، ويكتمل إعداد المستندات، وتتوالى الموافقات، حتى تشعر بأن مكونات رأسك بدأت بالغليان، وأن الحقيقة تزحف نحوك بخطوات ثابتة، وأن موعد الرحيل لم يعد احتمالاً، بل أصبح تاريخاً محفوراً على تذكرة طائرة.
هناك فقط يبدأ الوجع الحقيقي.
هناك تدخل الأسرة كلها في أصعب امتحان للصبر.
الأب… والأم… والإخوة… وحتى الأصدقاء والأقارب.
كلهم يتقنون تمثيل بطولة لا وجود لها.
تبتسم، بينما قلبك يتمزق بصمت.
تبارك لهم، بينما روحك تتعلق بأهداب ثيابهم.
تحدثهم عن المستقبل، وأنت تود لو توقف عقارب الساعة عند هذه اللحظة.
تقول لهم إن هذا لمصلحتهم، لأنك تعرف أنه بالفعل لمصلحتهم، لكنك في داخلك تتمنى لو استطعت أن توفر لهم من أسباب الحياة في وطنهم ما يغنيهم عن الرحيل.
ليس حباً في امتلاكهم…
وليس خوفاً من استقلالهم…
بل لأن الحب الأبوي لا يعرف لغة المسافات، ولأن القلب الذي ربّى صغيراً، يستصعب أن يراه كبيراً يبتعد حتى يصبح الوصول إليه رحلة طويلة، لا مجرد زيارة عابرة.
ثم يأتي اليوم الموعود…
يوم النزول إلى المطار.
هناك من يرافق أبناءه حتى آخر لحظة، يسرق بعينيه ما بقي من ملامحهم قبل أن يبتلعهم باب المغادرة، وهناك من يبقى في المنزل متذرعاً بأي عذر، خوفاً من أن تنهار دموعه أمامهم، فيزيد غربتهم غربة.
وفي كلتا الحالتين، يبدأ سؤال لا ينتهي.
هل وصلوا بخير؟
كيف ستكون أيامهم الأولى؟
من سيقف إلى جانبهم إن ضاقت بهم الدنيا؟
هل سيجدون ما خرجوا يبحثون عنه؟
وهل ستكون الحياة هناك رحيمة بقلوب لم تعرف إلا دفء الوطن؟
وفي تلك اللحظات، يفتح القلب ألبومه القديم.
تعود إليك صورهم أطفالاً.
ضحكاتهم الصغيرة.
مشاجراتهم.
ألعابهم.
مداعباتهم.
حتى لحظات معاقبتهم على أخطائهم البريئة.
تتذكر كيف كنت تمسك بأيديهم ليعبروا الطريق، فإذا بك اليوم تسلمهم إلى الحياة نفسها، ليخوضوا معاركها وحدهم.
إما أن يغلبوها…
وإما أن تغلبهم.
ومنذ تلك اللحظة تبدأ حكاية أخرى.
حكاية الشوق.
وحكاية البعد.
وحكاية الحنين الذي لا ينام.
ذلك الحنين الذي يقض مضجعك، خاصة عندما تعلم أن المسافات، أو ظروف الإقامة والعمل، لا تسمح لهم بالمجيء كلما اشتاقوا، ولا تسمح لك بالذهاب كلما ضاق قلبك.
فتصبح الذكريات وطناً آخر.
هنا كانوا يجلسون.
وهنا كان صوتهم يملأ المكان.
وهذا هو طبقهم المفضل.
وهذه كانت آراؤهم في هذه القضية أو تلك.
حتى الأشياء الجامدة تصبح شاهدة على الغياب.
ويمضي الزمن…
تمضي الأيام…
فالأسابيع…
فالأشهر…
وكلها تمشي ببطء حين تنتظر، وبسرعة حين تلتفت إلى العمر الذي يركض دون استئذان.
فتخاف.
ليس من الشيخوخة…
بل من أن يمضي العمر وأولادك بعيدون عنك.
وتظن، بعد كل ذلك، أنك عرفت كل ألوان وجع الاغتراب.
وتقول في نفسك إن القلب قد تأقلم أخيراً، أو لعله تعب من كثرة الألم حتى قست جوانبه، فلم يعد شيء قادراً على مفاجأته.
لكن الحياة كانت تخبئ لك امتحاناً آخر.
امتحاناً لم يخطر لك يوماً على بال.
يأتيك الخبر…
ابنتك تحمل طفلتها.
وفجأة يعود قلبك شاباً.
تمتلئ رأسك بالأسئلة.
متى ستولد؟
كيف ستكون ملامحها؟
لمن ستشبه؟
كيف سيكون صوتها؟
وكيف سأراها؟
وهل سأحملها قريباً؟
ثم تأتي إلى الدنيا.
ذلك الكائن الملائكي الصغير.
أعظم هدية يهبها الله لقلب جد.
وهنا تبدأ مرحلة لم تعشها من قبل.
مرحلة لا يشبه حبها أي حب آخر.
عشق وجودي خالص.
عشق لا تفسير له.
كأن الدنيا كلها أصبحت في كفة، وهذه الصغيرة في كفة أخرى.
تكتشف أنك تستطيع أن تحب إنساناً إلى هذا الحد، رغم أنك لم تلمسه بعد.
لم تشم رائحته.
لم تضمه إلى صدرك.
لم تقبل جبينه.
ولم تمسك أصابعه الصغيرة بين يديك.
كل ما تملكه هو صورة.
أو تسجيل صوت.
أو مقطع فيديو قصير يرسله لك أولادك عبر تلك الشاشة الصغيرة.
شاشة لا تشبع قلباً، ولا تطفئ نار شوق، ولا تعوض حضناً، ولا تختصر المسافات.
فتعيد الصور مرة بعد مرة.
وتستمع إلى الأصوات عشرات المرات.
وتراقب تفاصيلها كلها.
استيقاظها…
نومها…
ابتسامتها…
حركات يديها…
ملامح وجهها…
فتراها نسخة من أمها.
وكأن الزمن أعاد إليك طفلتك الأولى، ولكن بثوب جديد.
عندها فقط…
تعلم علم اليقين أن كل ما ظننته ألماً قبلها، لم يكن إلا تمهيداً لهذا الوجع الجميل.
وتدرك أن رحلات الشوق السابقة، على قسوتها، لم تكن سوى مقدمات لرحلة أكبر.
رحلة اسمها…
حفيدة الاغتراب.
فالاغتراب لا يكتفي بأن يأخذ أبناءك بعيداً عن عينيك، بل يبتكر ألماً جديداً، حين يمنحك حفيدة تعشقها قبل أن تلامس كفها، وتشتاق إليها قبل أن تسمع ضحكتها، وتعيش تفاصيل نموها من خلف شاشة باردة، بينما قلبك يتمنى لو يختصر الله المسافات، فتضمها إلى صدرك، وتخبرها، بصمت الجدود الذي لا يحتاج إلى كلمات، أنها جاءت إلى الدنيا ومعها ولد في قلب جدها وطن جديد… اسمه الحب.



