فوضى المفاوضات وهندسة النظام الإقليمي

 

يشهد الشرق الأوسط لحظة تاريخية تتجاوز في أهميتها كثيرًا الأزمات المتلاحقة التي عرفتها المنطقة منذ نهاية الحرب الباردة. فما يجري اليوم لا يمكن تفسيره باعتباره سلسلة مفاوضات منفصلة، أو صراعات محلية بين دول متجاورة، بل هو جزء من عملية أوسع لإعادة تشكيل النظام الإقليمي برمته . إن المفاوضات الأمريكية–الإيرانية، والاتصالات المباشرة وغير المباشرة بين لبنان وإسرائيل، وإعادة ترتيب المشهد السوري ، والدور التركي المتصاعد ، والتحولات في العراق، جميعها تمثل مسارات متداخلة ضمن مشروع إقليمي جديد، لا تزال معالمه قيد التشكل.

 

ومن منظور نظريات العلاقات الدولية، ولا سيما الواقعية الهجومية، ونظرية المجمعات الأمنية الإقليمية، فإن ما يحدث ليس انتقالًا نحو السلام ، بل انتقال إلى توازن قوى جديد، تُستخدم فيه المفاوضات أداة لإعادة توزيع النفوذ، وليس لإنهاء التنافس.

 

 

 

المفاوضات الأمريكية – الإيرانية هي إدارة للصراع لا إنهاؤه

 

 

 

منذ سنوات، لم تتوقف قنوات الاتصال بين واشنطن وطهران ، رغم التصعيد العسكري والسياسي ، ويعكس ذلك حقيقة استراتيجية مفادها أن الولايات المتحدة لا تسعى إلى إسقاط النظام الإيراني بقدر ما تسعى إلى ضبط سلوكه الإقليمي ومنع تحوله إلى قوة نووية عسكرية غير قابلة للاحتواء.

 

في المقابل ، تدرك إيران أن استمرار المواجهة المفتوحة يهدد اقتصادها واستقرارها الداخلي ، لكنها تسعى إلى ترجمة نفوذها الإقليمي إلى مكاسب تفاوضية ، ولذلك يمكن فهم المفاوضات الجارية باعتبارها مفاوضات على النفوذ أكثر منها على البرنامج النووي.

 

ومن المرجح أن تمر هذه العملية بثلاث مراحل : مذكرة تفاهم غير معلنة، تليها مفاوضات تقنية وسياسية، ثم اتفاق مرحلي إذا توافرت الظروف الإقليمية والدولية ، غير أن نجاح هذه العملية سيؤدي إلى إعادة رسم قواعد الاشتباك في العراق وسوريا ولبنان والخليج، وليس فقط إلى معالجة الملف النووي.

 

 

 

المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية ليست أكثر من ترسيم أو تطبيع محدود

 

المفاوضات الجارية بين لبنان وإسرائيل ، سواء تعلقت بالحدود أو الترتيبات الأمنية ، لا يمكن فصلها عن المشروع الأمريكي لإعادة تنظيم البيئة الأمنية في شرق المتوسط ، فالهدف يتجاوز معالجة النزاعات الحدودية ، ليصل إلى إنشاء منظومة أمنية تقلص احتمالات الحرب المباشرة ، وتوفر بيئة مستقرة لاستثمار الطاقة ، وتمنح إسرائيل عمقًا أمنيًا جديدًا ، مقابل إدماج لبنان تدريجيًا في منظومة إقليمية مختلفة ، غير أن نجاح هذه المفاوضات سيترك آثارًا عميقة على الداخل اللبناني، إذ سيعيد فتح النقاش حول مفهوم السيادة ، ودور الدولة ، ومستقبل السلاح خارج المؤسسات الرسمية ، وطبيعة العقد السياسي الذي قام عليه لبنان منذ اتفاق الطائف . وفي الوقت نفسه ستكون سوريا الأكثر تأثرًا بهذه الترتيبات ، لأن أي استقرار على الحدود اللبنانية – الإسرائيلية سيعيد توجيه الاهتمام نحو الجبهة السورية ، بما يفرض على دمشق إعادة تموضعها ضمن معادلات إقليمية جديدة.

 

 

 

سوريا والعراق وتركيا… إعادة توزيع الأدوار

 

 

 

تمثل سوريا اليوم نقطة التقاء معظم مشاريع النفوذ في الشرق الأوسط ، فالولايات المتحدة تملك حضورًا عسكريًا في الشرق ، وروسيا تحتفظ بقاعدتها البحرية ، وتركيا تسيطر على مناطق واسعة في الشمال ، بينما لا تزال إيران تمتلك نفوذًا عسكريًا وسياسيًا داخل البلاد ، هذا التداخل يعكس ما تصفه نظرية المجمعات الأمنية الإقليمية بأن أمن كل دولة أصبح مرتبطًا مباشرة بأمن جيرانها ، بحيث يستحيل إنتاج استقرار منفرد.

 

أما العراق ، فيبقى ساحة التوازن بين النفوذ الأمريكي والإيراني ، مع تزايد الحضور الاقتصادي الصيني ، بينما تسعى تركيا إلى تثبيت حضورها الأمني شمال العراق ، انطلاقًا من اعتبارات الأمن القومي ومواجهة حزب العمال الكردستاني ، إضافة إلى مصالحها في الطاقة والممرات التجارية.

 

وهكذا، تتحول كل من سوريا والعراق من دولتين وطنيتين إلى ساحتي تفاعل إقليمي ودولي ، تتحدد فيهما موازين القوى أكثر مما تتحدد داخليًا.

 

 

 

مضيق هرمز… الجغرافيا التي تحكم السياسة

 

تؤكد الجيوبوليتيكا الكلاسيكية أن السيطرة على الممرات البحرية تعادل في أهميتها السيطرة على الموارد الطبيعية ، ومن هذا المنطلق ، يمثل مضيق هرمز أحد أهم عناصر القوة الإيرانية ، فإيران لا تحتاج إلى إغلاق المضيق بصورة دائمة ، بل يكفي امتلاك القدرة على تهديد الملاحة فيه ، حتى تؤثر في أسعار الطاقة ، وسلاسل الإمداد ، وحسابات القوى الكبرى ، لكن هذا النفوذ لا يقتصر على الخليج ، فكل توتر في هرمز ينعكس مباشرة على البحر الأحمر ، وشرق المتوسط ، وقناة السويس ، ويؤثر في اقتصادات دول الخليج ومصر وتركيا وباكستان والصين والهند ، التي ترتبط بدرجات متفاوتة بأمن طرق التجارة والطاقة.

 

ومن هنا، فإن الصراع على هرمز ليس صراعًا محليًا، بل جزء من المنافسة العالمية على السيطرة على الممرات البحرية ، وفقًا لنظرية القوة البحرية التي تجعل من البحار عنصرًا حاسمًا في موازين القوى.

 

 

 

انعكاسات التحولات على القوى الإقليمية

 

 

 

تسعى المملكة العربية السعودية إلى ترسيخ موقعها بوصفها مركزًا اقتصاديًا ولوجستيًا ، ولذلك فإن أي تهدئة أمريكية – إيرانية ستمنحها مساحة أكبر لتنفيذ مشاريعها التنموية ، لكنها ستدفعها أيضًا إلى تعزيز استقلال قرارها الاستراتيجي.

 

أما تركيا ، فإنها ترى في التحولات الجارية فرصة لإعادة تكريس دورها كقوة إقليمية تربط أوروبا بالشرق الأوسط وآسيا الوسطى، مستفيدة من موقعها الجغرافي وشبكاتها الاقتصادية والعسكرية.

 

وتبقى مصر معنية بصورة مباشرة باستقرار البحر الأحمر وقناة السويس، لأن أي تحول في طرق التجارة العالمية سيؤثر في أحد أهم مصادر دخلها القومي.

 

أما باكستان، فرغم بعدها النسبي عن المسرح العربي، فإنها تراقب بحذر التوازن بين إيران والخليج ، لما لذلك من تأثير على أمنها الحدودي ، وعلاقاتها مع الصين، ومشروع الممر الاقتصادي الصيني–الباكستاني.

 

 

 

هل نشهد نهاية نظام سايكس–بيكو؟

 

 

 

لا تبدو الحدود الدولية مرشحة للتغيير الرسمي في المستقبل القريب ، إلا أن مفهوم الحدود نفسه يتعرض لتحولات عميقة ، فالنفوذ العسكري، والاقتصادي، والرقمي، والمذهبي، أصبح يتجاوز الحدود السياسية، ما أدى إلى ظهور مناطق نفوذ تتقاطع مع الحدود ولا تتطابق معها. ومن هنا، فإن الحديث عن سقوط سايكس – بيكو قد يكون مبالغًا فيه قانونيًا ، لكنه يعكس واقعًا جديدًا يتمثل في تراجع قدرة الحدود التقليدية على ضبط الحركة السياسية والأمنية والاقتصادي ، إننا لا نشهد انهيارًا للحدود، بل إعادة تعريف لوظيفتها.

 

 

 

أزمة النظام الدولي

 

 

 

تكشف التطورات الأخيرة حدود قدرة الأمم المتحدة ومجلس الأمن على إدارة النزاعات الكبرى ، فالقرارات الدولية غالبًا ما تبقى رهينة حق النقض ، بينما تتجه القوى الكبرى إلى إدارة الصراعات عبر التحالفات المؤقتة ، والردع العسكري ، والدبلوماسية القسرية ، بدلًا من المؤسسات متعددة الأطراف ، وهذا التحول يعكس انتقالًا تدريجيًا من نظام دولي قائم على الشرعية القانونية إلى نظام تحكمه موازين القوة والمصالح الاستراتيجية.

 

 

 

إلى أين يتجه الشرق الأوسط؟

 

 

 

تشير المؤشرات الحالية إلى أن المنطقة تتجه نحو مرحلة إعادة هندسة للنظام الإقليمي، أكثر من توجهها نحو سلام شامل أو حرب إقليمية مفتوحة ، فالمفاوضات الأمريكية–الإيرانية، واللبنانية–الإسرائيلية، ليست مسارات مستقلة، بل أدوات ضمن عملية أوسع لإعادة توزيع النفوذ وتثبيت قواعد اشتباك جديدة ، غير أن نجاح هذه العملية سيظل مرهونًا بقدرة الأطراف على الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء توازنات مستقرة . وفي المقابل، فإن فشلها قد يعيد المنطقة إلى دوامة الصراعات ، ولكن ضمن خرائط نفوذ مختلفة ، وأدوات صراع أكثر تعقيدًا.

 

إن الشرق الأوسط يقف اليوم على أعتاب مرحلة انتقالية قد لا تغير الخرائط السياسية رسميًا، لكنها ستعيد تعريف مفهوم الدولة ، ووظيفة الحدود ، وأدوات القوة ، وطبيعة التحالفات ، وفي هذا السياق، تبدو المفاوضات المتعددة ليست نهاية للصراع ، بل إحدى أدواته ، ووسيلة لإدارة عملية إعادة تشكيل الإقليم وفق موازين القوة الجديدة التي تتبلور في النظام الدولي.

 

 

العميد د. بهاء حلال

 

العميد بهاء حلال

 

 

 

 

 

 

 

 

كاتب ومحلل استراتيجي حاصل على عدة اجازات الماجيستير في العلوم الأمنية وإدارة الأعمال الدولية والعلوم الاستراتيجية والدبلوماسية و دكتوراه في العلوم السياسية – فرع العلاقات الدولية ، له عدة ابحاث عن تاثيرات الحروب على دول المنطقة.

 

شارك