
الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة الأمريكية
حسين راغب رئيس حزب الإصلاح الوطني
جميع الحقوق محفوظة للمؤلف
2025
* أهمية الانتخابات الرئاسية الأمريكية
تلقي الانتخابات الرئاسية الأمريكية بظلالها على الأحداث العالمية كافة مرة كل أربع سنوات، وتهيمن سيرورتها ووقائعها على مختلف وسائل الإعلام، وتفرز لها الصحف والمجلات والقنوات الفضائية مساحات تشي بضخامة الحدث وأهميته على الصعيد الداخلي والخارجي الأمريكيين، فلا غرو أن أذرع الولايات المتحدة كقوة عسكرية واقتصادية كبرى، تصل إلى مختلف مناطق العالم، ولشخصية الرئيس الجديد وتوجهاته وانتمائه الحزبي دور كبير في التأثير في كثير من علاقات الولايات المتحدة الدولية، ووجودها في الخارج من عقد اتفاقيات السلام والتعاون وحل النزاعات إلى شن الحروب كما حصل في عهد بوش الابن باحتلال أفغانستان والعراق وكما فعل مثله فرانكلين روزفلت بدخوله الحرب العالمية الثانية إلى جانب الحلفاء.
أما على الصعيد الداخلي فيتوسم الكثير من الأمريكيين أن يمتلك الرئيس الجديد في جعبته حلولاً لمشاكلهم في تحسين مستوى دخولهم، ومساعدتهم على خلق فرص عمل جديدة، والتقليل من تكاليف الرعاية الصحية لتشمل أفقر الشرائح الاجتماعية واستعداده لدعم برامج الضمان الاجتماعي وخزانة التقاعد والتقليل من معدل الجريمة وضمان الأمن الداخلي وغيرها.
شروط تولي منصب رئاسة الجمهورية:
تنص الفقرة الأولى من المادة الثانية من الدستور الأمريكي على أن تناط السلطة التنفيذية برئيس الولايات المتحدة الأمريكية.
وبناء عليه فإن رئيس الجمهورية في الولايات المتحدة الأمريكية يتولى كلاً من رئاسة الدولة ورئاسة الفرع التنفيذي للحكومة الفيدرالية. وينص الدستور الأمريكي على أن يكون أهلاً لتولّي منصب رئاسة الجمهورية كل من تتوافر فيه الشروط الآتية:
1 ـ أن يكون مواطناً أمريكياً بالبلاد.
2 ـ أن يكون قد بلغ الخامسة والثلاثين عاماً من عمره.
3 ـ أن يكون مقيماً في الولايات المتحدة الأمريكية لفترة لا تقل عن أربعة عشر عاماً.
ومدة ولاية الرئيس الأمريكي هي أربع سنوات قابلة للتجديد لمرة واحدة فقط، وهذا ما نصّت عليه الفقرة الأولى من التعديل الثاني والعشرين لدستور الولايات المتحدة الأمريكية (الذي اقترح في عام 1947، وتمت المصادقة عليه في عام 1951) بقولها: (لا يجوز انتخاب أي شخصية لمنصب رئيس الجمهورية لأكثر من مرتين متتاليتين).
وقد هدف ذلك التعديل إلى عدم إتاحة الفرصة لأي شخص أن يستحوذ على قدر كبير من السلطة لفترة طويلة.
ووفقاً لما تنص عليه الفقرة الأولى من المادة الثانية من الدستور فإنه يتم في نفس الوقت انتخاب الرئيس (انتخاب شخص آخر لمنصب نائب الرئيس، وتكون مدة ولايته نفس مدة الرئيس) أي لأربع سنوات أيضاً.
ويجب أن تتوافر فيه كل الشروط الواجب توافرها في رئيس الجمهورية نفسه ويبدو أن ذلك منطقي، لأنه في حالة عزل الرئيس من منصبه أو وفاته أو استقالته أو عجزه عن القيام بسلطات ومهام منصبه ستؤول سلطات ومهام المنصب الرئاسي إلى نائب الرئيس، ويظل هذا الأخير متولياً منصب الرئاسة حتى نهاية المدة المحددة لسلفه، حيث تجري انتخابات الرئاسة في موعدها المعتاد.
* يمنح الدستور الأمريكي الصادر عام 1787 رئيس الولايات المتحدة عندما يدخل البيت الأبيض صلاحيات على المستويين الداخلي والخارجي وتكون له الكلمة الحسم في القرارات الكبرى التي تمر عبر عدد من الوزارات والأجهزة، علماً أن الكونجرس يعترض بعضها.
… وتتمثل أهم صلاحيات الرئيس الأمريكي الذي يفوز بالانتخابات الرئاسية في تشرين الثاني ويتسلم مهامه يوم 20 كانون الثاني من العام التالي في ما يلي:
المستوى الداخلي:
ـ الرئيس الأمريكي هو المسؤول الأول عن السلطة التنفيذية للحكومة الاتحادية والقائد الأعلى للقوات المسلحة، وهو من يفرض حالة الطوارئ في البلاد ويعلن التعبئة في حالات الضرورة.
ـ يحق للرئيس الأمريكي أن يستخدم سلطته لحفظ النظام بناء على طلب إحدى الولايات، وبإمكانه أيضاً استدعاء الحرس الوطني للولايات الأمريكية، وقد استخدم دوايت آيزنهاور، وجون كينيدي هذه الصلاحيات إثر اضطرابات عرقية بجنوب البلاد في خمسينيات وستينيات القرن الماضي.
ـ يتولى مسؤولية تعيين المكتب التنفيذي المرافق له والمستشارين.
ـ يتولى مسؤولية عقد وتأجيل جلسات مجلس النواب والشيوخ في ظل ظروف استثنائية.
ـ يعين الرئيس الأمريكي الوزراء والقضاة في المحكمة العليا شرط موافقة غالبية مجلس الشيوخ لتثبيتهم في مناصبهم.
ـ يخول الدستور الأمريكي للرئيس صلاحية منح العفو ووقف تنفيذ العقوبات في الجرائم المرتكبة باستثناء القضايا المتعلقة بالإقالة بقرار قضائي.
ـ يملك الرئيس حق الاعتراض (فيتو) على نصوص القوانين التي يقرها الكونجرس عدا التعديلات الدستورية، غير أن الكونجرس يمكنه بعد ذلك تجاوز الفيتو الرئاسي عبر التصويت بغالبية ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ والنواب، كما حصل في حالة ما يعرف بقانون (العدالة ضد رعاة الإرهاب) في أيلول عام 2016 وذلك في ولاية باراك أوباما.
ـ نص الدستور الأمريكي في البند الثالث من مادته الثانية على أن الرئيس يُطلع الكونجرس من وقت لآخر على ما يجري، لكن بسبب أن مضمون المادة لم يكن محدداً بدقة فقد أصبح التقليد يتجسد في إلقاء الرئيس خطاباً سنوياً بمقر الكونجرس الكابيتول في جلسة مشتركة بين إدارة البيت الأبيض ومجلس النواب والشيوخ بحضور قضاة المحكمة العليا.
ويكون خطاب حالة الاتحاد عادة في مساء أحد أيام كانون الثاني أو شباط من كل سنة، ويستدعي الرئيس ضيوفاً خصوصيين إضافة إلى زوجته يصل عددهم إلى 24 شخصاً لحضور الخطاب وهو نفس العدد الذي يمكن لرئيس مجلس النواب استدعاؤه.
المستوى الخارجي:
ـ يملك الرئيس الأمريكي صلاحيات على مستوى السياسة الخارجية للولايات المتحدة، فله حق إبرام معاهدات مع القوى الأجنبية، بمشورة وموافقة مجلس الشيوخ، وهو من يعين السفراء ويشارك شخصياً أو من خلال ممثليه في المفاوضات الدولية.
ـ يمكن للرئيس الأمريكي إرسال قوات عسكرية إلى مناطق خارج البلاد لمدة 30 يوماً، لكن إذا أراد تمديد مهمة القوات المرسلة فعليه الحصول على موافقة الكونجرس، ولا يملك الرئيس مبدئياً صلاحية إعلان الحرب لأن القرار يعود إلى الكونجرس.
على صعيد الشؤون العسكرية يعتبر رئيس الولايات المتحدة القائد الأعلى للقوات المسلحة الأمريكية، وهو يتولى بهذه الصفة مهمة تحديد السياسة الاستراتيجية العسكرية، وما يستتبع ذلك من اتخاذ القرارات الهامة والخطيرة في مجال إنتاج واستخدام الأسلحة الجديدة، كما يتولى قيادة العمليات الحربية في الخارج، ويقرر اللجوء لاستعمال القوات المسلحة من أجل تطبيق القوانين في الداخل، إلا أن الرئيس لا يتمتع بحق إعلان الحرب رسمياً، فهذا الحق يعود لاختصاصات الكونجرس.
ويمكن للرئيس في أوقات الأزمات الكبيرة ولا سيما الحروب أن يتمتع بصلاحيات واسعة، إذ يصبح باستطاعته الطلب إلى الكونجرس منحه الإذن لإصدار قرارات يعود الأصل في اتخاذها للكونجرس، واتخاذ إجراءات خاصة كحجز الأموال والأشخاص لحاجات الدفاع الوطني، إلا أن على الرئيس ممارسة هذه المهمة تحت مراقبة المحكمة العليا، وعرض القرارات والإجراءات التي اتخذها فيما بعد، وعندما تسمح الظروف بذلك على الكونجرس بقصد المصادقة عليها، والواقع أن الدستور الاتحادي لم ينص على مثل هذه الصلاحيات المسماة بالصلاحيات الاستثنائية، لكن بعض الرؤساء الأمريكيين بادروا لاكتسابها عن طريق الاجتهاد بعد أن احتجوا لذلك بأن واجبهم الأساسي كرؤساء للاتحاد يملي عليهم، في أوقات الأزمة اتخاذ كافة التدابير التي من شأنها حماية وحدة الاتحاد وسلامته.
* يعقب الرئيس ونائب الرئيس بالمرتبة 15 وزارة والعديد من الوكالات التي تتشكل منها مجتمعة الحكومة التي نراها كل يوم.
يكون الوزراء مسؤولين عن تنفيذ القانون وفرضه وتأمين مختلف الخدمات الحكومية، وهناك خمس عشرة وزارة (وزارة الزراعة، وزارة التجارة، وزارة الدفاع، وزارة التعليم، وزارة الطاقة، وزارة الصحة والخدمات الإنسانية، وزارة الأمن الوطني، وزارة الإسكان والتنمية الريفية، وزارة الداخلية، وزارة العدل، وزارة العمل، وزارة الخارجية، وزارة النقل، وزارة المالية، وزارة شؤون المحاربين القدامى).
يرأس كل وزارة وزير يعينه الرئيس في هذا المنصب ويخضع تعيينه لتثبيت مجلس الشيوخ يشكل الوزراء بالقانون المجلس الاستشاري للرئيس وهو يتألف من مجموعة من الناس يستشيرهم الرئيس حول الموضوع المتعلق بمسؤولياتهم.
وبإمكان الرئيس أيضاً منح صفة الوزير إلى رسميين آخرين في الفرع التنفيذي نموذجياً يشمل ذلك المنح نائب الرئيس، ورئيس هيئة موظفي الرئيس ومدير مكتب الإدارة والموازنة والممثل التجاري للولايات المتحدة والمناصب الأخرى التي هي حالياً أو التي اعتبرت مؤخراً ثمانية مناصب بمستوى وزاري تشمل: مدير وكالة حماية البيئة، ومدير وكالة الاستخبارات المركزية، ومستشار الرئيس للأمن القومي.
علاوة على الدوائر من درجة الوزارات هناك العديد من الوكالات واللجان المستقلة ضمن الفرع التنفيذي، والبعض منها كبير جداً كخدمة بريد الولايات المتحدة، ووكالة حماية البيئة، والوكالة القومية للملاحة الجوية والفضاء ناسا NASA.
* نص الدستور الأمريكي حين صدوره في عام 1787 على طريقة معينة لانتخاب رئيس الجمهورية، لكن هذه الطريقة عُدِّلت عملياً نتيجة تأثير نظام الثنائية الحزبية السائد في البلاد، كما أن هيمنة الحزبين الكبيرين الديمقراطي والجمهوري على الحياة السياسية الأمريكية أدت لاستحداث مرحلة تمهيدية لانتخابات الرئاسة تجري فيها اختيار مرشح الحزب (ونائبه) لمنصب الرئاسة.
1 ـ انتخاب الرئيس بموجب نص الدستور:
نص الدستور الأمريكي على أن رئيس الولايات المتحدة يُنتخب من الشعب بصورة غير مباشرة، وفق أسلوب يشتمل على خطوتين:
أ ـ الخطوة الأولى: التي تجري في أول يوم ثلاثاء من شهر تشرين الثاني ويقوم فيها المواطنون المتمتعون بحق الانتخاب في كل ولاية بانتخاب ناخبين كبار (أو ناخبين رئاسيين) يبلغ عددهم في كل ولاية عدد أعضاء مجلس النواب والشيوخ الذين يمثلون الولاية في الكونجرس الاتحادي، وبذلك يبلغ عدد أعضاء هيئة الناخبين الكبار في الولايات المتحدة 538 (وهو عدد أعضاء مجلس الشيوخ (100) + أعضاء مجلس النواب (435) + 3 ناخبين كبار ينتخبهم الناخبون في مقاطعة كولومبيا التي تقع فيها العاصمة واشنطن).
ويتم الانتخاب هؤلاء بصفة عامة على مستوى كل ولاية وفق أسلوب الاقتراع الأكثري ذي الدورة الواحدة، وعلى أساس اللائحة المغلقة بحيث يتنافس أمام المواطنين، في كل ولاية، لوائح تضم كل منها عدداً من المرشحين لعضوية هيئة الناخبين الكبار تساوي العدد المحدد لكل ولاية في الهيئة الناخبة، ويفوز نتيجة الاقتراع في كل ولاية كل أعضاء اللائحة التي حصلت على أكبر عدد من الأصوات حتى ولو تفوقت على أقرب لائحة منافسة لها بصوت واحد.
وهذا ما يطلق عليه في الولايات المتحدة بقاعدة (الفائز يأخذ كل شيء) وقد حظر الدستور الأمريكي أن يكون الناخبون الكبار أعضاء في الكونجرس الاتحادي أو أن يكونوا شاغلين لمناصب رسمية.
ب ـ الخطوة الثانية: وهي تجري خلال شهر كانون الأول حيث يوجه الناخبون الكبار الذين تم انتخابهم في الولايات، رسائل إلى رئيس مجلس الشيوخ يعلنون فيها اسم المرشح لمنصب رئاسة الولايات المتحدة لذلك يصوتون لصالحه، ويقوم رئيس مجلس الشيوخ رسمياً بإعلان نتيجة لهذا التصويت بالمراسلة في أوائل شهر كانون الثاني التالي، وينبغي لأحد المرشحين لكي يُعد فائزاً أن يحصل على تأييد 270 صوتاً من أصوات الناخبين الكبار وهي الأغلبية المطلقة لعدد أعضاء هيئة الناخبين الكبار.
* وفي حال عدم حصول أحد المرشحين على هذه الأغلبية المطلقة المطلوبة للفوز يقوم مجلس النواب بانتخاب واحد من المرشحين الثلاثة الذين حصلوا على أكبر عدد من أصوات الناخبين الكبار ليكون رئيساً للولايات المتحدة، ثم ينتخب مجلس الشيوخ واحداً من الاثنين الباقيين ليكون نائباً للرئيس، وقد حدثت هذه الحالة مرتين في تاريخ الولايات المتحدة، الأولى في عام 1800 حيث تم انتخاب توماس جونسون لمنصب الرئاسة والثانية في عام 1824 حين انتخب (كون كوينسي أدامز) لهذا المنصب.
وتجدر الإشارة إلى أنه بسبب النظام الانتخابي المُعتمد لاختيار الناخبين الكبار والمتمثل بقاعدة (الفائز يأخذ كل شيء) ولعدم وجود تناسب دقيق بين العدد الحقيقي للسكان في كل ولاية وعدد الناخبين الكبار المخصص لها، فإنه يمكن أن يحدث أن لا يكون المرشح الفائز بتأييد الأغلبية المطلقة للناخبين الكبار، والذي سيكون الرئيس المقبل للولايات المتحدة، وقد حصل على تأييد أكبر عدد من المواطنين المشاركين في الاقتراع لانتخاب الناخبين الكبار وهذا ما حصل مرتين في تاريخ الولايات المتحدة الأولى حين انتخب الرئيس روتر هايس في عام 1876 والثانية حين انتخب الرئيس بنجامين هاريسون في عام 1888.
وعلى أثر إعلان رئيس مجلس الشيوخ اسم المرشح الفائز بمنصب رئيس الولايات المتحدة يقوم هذا الرئيس بمباشرة مهامه في 20 كانون الثاني بعد أداء القسم الدستوري أمام رئيس المحكمة العليا.
طريقة اختيار انتخابات الرئيس الأمريكي
ويتم اختيار الرئيس ونائبه في آن واحد من قبل الشعب ولكن على درجتين أي وفقاً لمبدأ الانتخاب الشعبي غير المباشر من قبل هيئة كبار الناخبين (المجمع الانتخابي) المؤلفة من ممثلين عن الولايات، لكل ولاية عدد من الممثلين في هيئة كبار الناخبين مساو لعدد المقاعد المخصصة لها في الكونجرس أي في مجلس الشيوخ ومجلس النواب معاً)، أي أن عدد كبار الناخبين هو 535 شخصاً (يمثل هذا العدد عدد أعضاء مجلس الشيوخ البالغ 100 عضو + عدد أعضاء مجلس النواب البالغ 435 عضواً) يضاف إليهم ثلاثة ممثلين عن مقاطعة كولومبيا وتسمى (واشنطن دي سي) (مركز العاصمة الفيدرالية) بموجب التعديل الدستوري الثالث والعشرين الصادر سنة 1963. صحيح أن الفرع التنفيذي يتشاطر سلطاته بالتساوي مع فرعي الحكومة الآخرين، غير أن الرئيس هو الفرد الأقوى في الحكومة.
* الانتخاب العارض أو الطارئ
* ينبغي على المرشح الرئاسي لكي يظفر بمنصب الرئاسة أن ينال الأغلبية المطلقة لمجموع عدد أصوات الناخبين، وهذه الأغلبية تساوي أكثر من نصف مجموع عدد الأصوات أي 270 صوتاً من أصل إجمالي عدد الناخبين الرئاسيين البالغ 538 صوتاً.
وقد عالج المشرّع الدستوري في الفقرة الأولى من المادة الثانية من الدستور الأمريكي وتعديله الثاني عشر الصادر عام 1804 حالة عدم حصول أي من المرشحين لمنصب الرئيس ونائب الرئيس على الأغلبية المطلقة للأصوات الانتخابية اللازمة لإعلان فوزهما، فأوكل إلى مجلس الكونجرس مهمة اختيار كل من الرئيس ونائبه وهو ما يطلق عليه الانتخاب العارض أو الطارئ.
أولاً: انتخاب الرئيس من قبل مجلس النواب: يتولى مجلس النواب الأمريكي في حال عدم حصول أي من المرشحين لمنصب الرئاسة على الأغلبية المطلقة للأصوات المعطاة في عملية الاقتراع مهمة اختيار الرئيس من بين المرشحين الثلاثة الحاصلين على أكبر عدد من الأصوات الانتخابية على أن يكون لكل ولاية من الولايات الخمسون صوت واحد فقط في هذا الاختيار، وذلك بغض النظر عن عدد ممثليها في مجلس النواب، ويفوز بمنصب الرئاسة المرشح الذي يحصل على عدد من الأصوات يساوي الأغلبية المطلقة لعدد جميع الولايات وليس عدد الولايات الحاضرة منها فقط (أي يلزم الحصول على أصوات 26 ولاية على الأقل) ولا يعتبر الاجتماع المقرر لإجراء عملية اختيار الرئيس صحيحاً إلا بتوافر النصاب القانوني الذي يتطلب حضور ممثلين عن ثلثي مجموع عدد الولايات على الأقل (ونسبة الثلثين هذه تساوي حالياً 34) ويتم أخذ الأصوات بطريق الاقتراع السري.
ثانياً ـ انتخاب نائب الرئيس من قبل مجلس الشيوخ:
في حال عدم حصول أي من المرشحين لمنصب نائب الرئيس على الأغلبية المطلقة للأصوات الانتخابية اللازمة للظفر بمنصب نائب الرئيس، فإن المشرّع الدستوري في الولايات المتحدة أوكل إلى مجلس الشيوخ مهمة انتخاب نائب الرئيس من بين أكثر مرشحين حاصلين على أصوات الناخبين لهذا المنصب، ولا يعتبر اجتماع مجلس الشيوخ لهذا الغرض صحيحاً من الوجهة القانونية إلا بتوافر النصاب المقرر للحضور وهو ما يتطلب حضور ثلثي أعضاء المجلس على الأقل (أي حضور 67 شيخاً على الأقل) مع ملاحظة أن المرشح لا يعتبر فائزاً إلا إذا حصل على عدد من الأصوات تعادل الأغلبية المطلقة لمجموع عدد أعضاء المجلس (وهذه تتطلب حصول المرشح على 51 صوتاً على الأقل).
* نظراً لأن الدستور الأمريكي لم يتضمن لا هو ولا أي تعديل من تعديلاته حتى عام 1967 أي تنظيم لمواجهة حالة خلو منصب نائب الرئيس، فقد صدر عام 1967 التعديل الخامس والعشرون للدستور الأمريكي، حيث قرر في الفقرة الثانية منه بأنه (في حالة خلو منصب نائب الرئيس، فإن رئيس الجمهورية يرشح نائباً للرئيس ويتولى هذا المرشح منصبه بعد موافقة الأغلبية المطلقة لأعضاء مجلس الكونجرس.
في حالة خلو منصب نائب الرئيس يتم تعيين نائب الرئيس في مثل هذه الحالة بالاتفاق بين رئيس الجمهورية والكونجرس حيث يقوم الرئيس بترشيح من يراه أهلاً لتولي هذا المنصب، ثم يعرض اسم المرشح الذي اختاره على مجلس الكونجرس، ولا يتولى هذا المرشح منصبه إلا بعد موافقة الأغلبية المطلقة لأعضاء مجلس الكونجرس، وبناء على ذلك فإن نائب الرئيس يتولى مهام منصبه في هذه الحالة ليس عن طريق الانتخاب كما هو الوضع المعتاد، ولكن نتيجة لتفاهم واتفاق مشترك بين كل من الرئيس والكونجرس بمجلس النواب والشيوخ، وقد تم تطبيق الفقرة الثانية من التعديل الخامس والعشرين منذ أن اكتملت إجراءات التصديق عليه من قبل مختلف الولايات في 10 شباط عام 1967 حتى الآن (أواخر عام 2014) مرتين متتاليتين في عام 1973 و1974، ففي العاشر من تشرين الأول عام 1973 قدم سبيرو أغينو استقالته من منصبه كنائب للرئيس نيكسون (بعد توجيه التهمة إليه بارتكاب عدة جرائم كان من بينها الرشوة والابتزاز والتهرّب من دفع ضريبة الدخل، وحكم على أثرها بالسجن 3 سنوات وبغرامة مالية قدرها 10 آلاف دولار) وبعد مرور ثلاثة أيام على تاريخ الاستقالة قام الرئيس نيكسون بتعيين عضو مجلس النواب جيرالد فورد نائباً له خلفاً لنائبه المنتخب سبيرو أغينو، وقد صدق الكونجرس في السادس من كانون الأول عام 1973 على قرار تعيين فورد في منصب نائب الرئيس ثم أدى فورد اليمين الدستورية في وقت لاحق من ذلك اليوم.
وأما بالنسبة للمرة الثانية التي لجأ فيها الرؤساء إلى الفقرة الثانية من التعديل الخامس والعشرين للدستور لملء الشاغر في منصب نائب الرئيس فكانت بعد مرور عشرة أشهر فقط على الحادثة الأولى، فبعد أحد عشر يوماً من تولي (جيرالد فورد) رئاسة الدولة عقب استقالة الرئيس ريتشارد نيكسون من منصبه بسبب تورطه في فضيحة ووترغيت في 20 آب عام 1974 رشح الرئيس جيرالد فورد حاكم نيويورك السابق (نيلسون روكيفيلر) ليخلفه في منصب نائب الرئيس الذي أصبح شاغراً بمجرد تولي فورد الرئاسة، وبعد تحقيق مطول حول الشخص المرشح استمر 121 يوماً وافق الكونجرس في النهاية على تعيين (نيلسون روكيفلر) في منصب نائب الرئيس، وأدى اليمين الدستورية في 19 كانون الأول 1974.
في مقابل الصلاحيات المذكورة أعلاه يحق للكونجرس الأمريكي بغرفتيه الشيوخ والنواب عزل الرئيس بعد إدانته بالخيانة أو الفساد أو أي جرائم وجنح يجرمها القانون الأمريكي.
وقد تعرّض ثلاثة رؤساء أمريكيين للمتابعة القضائية وهم أندرو جونسون 1968، وريتشارد نيكسون 1974 والثالث بيل كلينتون عام 1998، إلا أن مجلس الشيوخ برّأ كلينتون وأندرو بينما استقال نيكسون قبيل إدانته في فضيحة ووترغيت الشهيرة، وواجه الرئيس ترامب دعوى قضائية في كاليفورنيا رفعها ضده طلبة سابقون في جامعة ترامب عام 2010 يزعمون فيها أنهم تعرضوا للاحتيال خلال سلسلة من الحلقات الدراسية عن العقارات.
ورغم أن الرؤساء يتمتعون بحصانة من أي دعاوى قانونية تنشأ نتيجة مهامهم الرسمية فقد قضت المحكمة الأمريكية العليا بأن هذا لا ينطبق على أفعال يزعم أنها ارتكبت قبل توليهم الرئاسة، وصدر هذا الحكم عام 1997 أثناء دعوى تحرش جنسي ضد بيل كلينتون رفعتها بولا جونز وتمت تسوية الدعوى قبل أن تذهب إلى ساحات المحاكم.
يذكر أنه بعد انتخاب الرئيس الأمريكي تطلعه وكالات المخابرات الأمريكية على نفس معلومات الأمن القومي العالية السرية ويشمل بعضاً من أدق الأسرار الحكومية ومنها تفاصيل عمليات التجسس وطرق جمع المعلومات السرية كعمليات التنصت المثيرة للجدل التي تقوم بها وكالة الأمن القومي.
ينص البند السادس من الفقرة الأولى من المادة الثانية من الدستور الأمريكي على أنه (في حال عزل الرئيس أو وفاته أو استقالته أو عجزه عن القيام بسلطات وواجبات منصبه، يؤول المنصب المذكور إلى نائب الرئيس وللكونجرس أن يحدد بقانون الأحكام الخاصة بعزل أو وفاة أو استقالة أو عجز الرئيس ونائب الرئيس كليهما معاً، ثم يقرر من هو الموظف أو المسؤول الذي يتولى مهام الرئاسة ويبقى مثل ذلك المسؤول قائماً بمهام الرئاسة إلى أن يزول العجز أو ينتخب رئيس آخر.
وتطبيقاً لأحكام الدستور الأمريكي وتعديله العشرين النافذ بتاريخ 23 كانون الثاني عام 1933 أصدر الكونجرس في الولايات المتحدة في 18 تموز عام 1947 بناء على اقتراح من الرئيس (هاري ترومان) تشريعاً حمل اسم قانون الخلافة الرئاسية 1947 وهذا التشريع مازال معمولاً به حتى يومنا هذا مع بعض التعديلات الطفيفة عليه، والتي كان آخرها تعديل سنة 2007 ويقضي هذا التشريع بأنه في حال عزل أو وفاة أو استقالة أو عجز كل من الرئيس ونائب الرئيس معاً، فإن رئيس مجلس النواب هو الذي يخلف الرئيس، شرط أن يستقيل من منصبه كرئيس لمجلس النواب وكعضو في هذا المجلس، فإذا كان هناك حائل يمنعه من ذلك فإن الرئيس المؤقت لمجلس الشيوخ، هو الذي يخلف الرئيس على أن يستقيل أيضاً من منصبه كرئيس مؤقت لمجلس الشيوخ ومن عضويته في هذا المجلس، ويليه بعد ذلك في حال خلو منصبه أو وجود حائل يمنعه من خلافة الرئيس.
* التقويم الانتخابي:
تستغرق الحملة الرئاسية والعملية الانتخابية برمتها نحو السنتين تقريباً، ويمكن تلخيص مفاصلها الأساسية في ما يلي:
ـ الرئيس السابق للسنة الانتخابية: يعلن المرشحون عن نيتهم خوض الانتخابات الرئاسية.
ـ من الصيف إلى شهر كانون الثاني من السنة السابقة للسنة الانتخابية: مناظرات حزبية وأخرى تمهيدية.
ـ من كانون الثاني إلى حزيران (الانتخابات التمهيدية والحزبية).
ـ من تموز إلى بداية أيلول (تجمعات ومؤتمرات رسمية لمرشحين بما فيها الأحزاب الصغيرة).
ـ من نهاية أيلول إلى شهر تشرين الأول (مناظرات رئاسية).
ـ بداية تشرين الثاني (اليوم الانتخابي).
ـ كانون الأول (انتخابات المجمع الانتخابي لاختيار الرئيس ونائب الرئيس).
ـ بداية كانون الثاني من السنة التالية (الكونجرس يفرز أصوات المجمع الانتخابي ويصادق عليها).
ـ 20 كانون الثاني من السنة التالية: تولي الرئيس لمنصبه وأداؤه للقسم.
الحملات الانتخابية وجماعات الضغط
لا يزال تمويل الحملات الانتخابية وبخاصة الرئاسية مثاراً للجدل في السياسة الأمريكية منذ عام 1867، فقد وقعت بين مطرقة التعديل الأول للدستور الذي ينص على حرية التعبير وبين الادعاءات بالفساد الناجم عن التمويل غير المحدود والحاجة إلى المساواة والعدل في الإنفاق على هذه الحملات بين المرشحين الذين تتفاوت مصادر تمويلهم، ولم تظهر التشريعات الأولى التي تنظم وتقنن عملية وحجم التمويل إلا في بداية السبعينيات من القرن العشرين، ومع ذلك لم تصل إلى نهايتها بعد لصعوبة التحكم فيها، ولوجود طرق كثيرة للتحايل عليها.
أقرّت المحكمة الأمريكية الفيدرالية في 2010 حق جماعات الضغط في الولايات المتحدة في الحصول على مبالغ غير محددة من المال لتمويل أنشطتها السياسية، ومنذ هذا الإقرار تعاظم دور جماعات الضغط في توجيه دفة القرارات الصادرة من واشنطن وبخاصة الدور الكبير لهذه الجماعات في دعم مرشحي الرئاسة الأمريكية.
جماعات الضغط أو ما تعرف بالـ PACS هي مؤسسات الهدف الأساسي منها جمع المال من المتبرعين لتمويل نشاطات سياسية تؤثر في القرار السياسي في اتجاه معين مستثمرة آليات العمل الديمقراطي من كل جوانبه، وتسعى هذه الجماعات إلى تمويل ودعم حملات انتخابية تتبنى مواقف قريبة منها، بهدف تمرير قوانين أو سياسات تتفق مع مواقفها.
جدير بالذكر كذلك أن مرشحي الحزب الجمهوري دائماً ما يحصلون على الدعم الأكبر من هذه الجماعات بسبب سياسات الحزب الداعمة للس



