بائع الورد الأعمى..

حينما تبصر القلوب ما تعجز عنه العيون

  • في حافة الساحة الكبرى للمدينة، حيث يهرع المارة بخطوات متسارعة تملؤها المادية والوجوه الصامتة خلف شاشات هواتفهم، كان العجوز “عم مراد” يجلس على مقعده الخشبي المعتاد محاطاً بدلاء ممتلئة بأزهار الياسمين والورد الجوري. كان مراد قد فقد بصره منذ طفولته المبكرة، لكنه لم يفقد يوماً بصيرته أو شغفه بالحياة؛ فقد كان يمتلك قدرة سحرية وعميقة على معرفة أحوال زوار كشك الصغير بمجرد سماع نبرة أصواتهم أو وقع خطواتهم على الرصيف.
في مساء هذا اليوم، اقترب منه شاب بدا من خطواته الثقيلة والمتعثرة أنه يحمل هموماً تزن الجبال. وقف الشاب صامتاً أمام الورد، فتنهد عم مراد وقال بنبرة دافئة تملؤها السكينة: “يا بني، اختبر وردة واحدة بقلبك ولا تنظر لثمنها، فالزهور جُعلت لتضميد الجراح غير المرئية”. ذُهل الشاب وسأله بكبرياء مكسور: “وكيف عرفت أنني مجروح وأنت لا تراني؟”، فابتسم العجوز بوقار وأجاب: “العين يا بني تخدعها المظاهر، لكن القلوب الصادقة تبصر النبض والأثر الطيب؛ فرائحة حزنك سبقت كلماتك”.
قدم له العجوز غصناً من الياسمين الأبيض النقي، ولمس يد الشاب بلطف ممرراً طاقة من الأمل واليقين بأن العواصف الحياتية لا بد أن تهدأ. أخذ الشاب الوردة، وشعر فجأة بأن حملاً ثقيلاً قد انزاح عن صدره، وتيقن في تلك اللحظة أن برزخ الظلام الذي يعيشه بائع الورد الأعمى يحمل ضياءً وعاطفة يفتقدها الكثير من الأحياء المبصرين. غادر الشاب الساحة وهو يبتسم لأول مرة منذ أشهر، بينما ظل عم مراد في مكانه، ينثر عطر الوفاء والمحبة في زوايا المدينة الصامتة، مؤكداً بأفعاله البسيطة أن الجمال الحقيقي يبدأ أولاً من وعينا الداخلي وتصالحنا مع الحياة.

العبرة من القصة:
“إن البصر الحقيقي ليس في سلامة العيون، بل في نقاء البصيرة والقدرة على الشعور بآلام الآخرين ومواساتهم. في عالم سريع يركض خلف الماديات والشاشات الصامتة، تظل العاطفة الإنسانية الصادقة والأثر الطيب هما اللغز الوحيد الذي يمنح الحياة معناها الحقيقي، فالقلوب النقية تبصر من الجمال والعمق ما تعجز عن رؤيته الأعين المبصرة.”

شارك