شيلوا صورة ميسي… وارفعوا صورة كرامة مصر

«شيلوا صورة ميسي… وارفعوا صورة كرامة مصر».

كتبت / نعمة حسن
حين لا يكون الغلاف بريئا
إلى شركات مصر: لا تبيعوا لنا صورة البطل القادم من معسكر خصمنا… بينما تتجاهلون من وقف مدافعا عن كرامتنا
ليست كل العبوات مجرد أغلفة.
بعض الصور التي توضع على المنتجات تدخل بيوتنا وتجلس على موائد أطفالنا وتملأ واجهات متاجرنا، حتى تتحول من إعلان تجاري عابر إلى رسالة يومية تحدد من يستحق الاحتفاء، ومن ينبغي أن يبقى خارج الصورة.
ولهذا، بعد ما جرى في مباراة مصر والأرجنتين، لم يعد السؤال فقط: لماذا أُلغي هدف مصر؟ ولماذا لم تحتسب بعض التدخلات التي احتج عليها المصريون؟ ولماذا شعر الملايين بأن منتخبهم خرج من كأس العالم محملا بمرارة لم تصنعها النتيجة وحدها؟
السؤال الذي صار مطروحا أمام الشركات العاملة في السوق المصرية هو:
هل من المقبول أن تستمر صورة ليونيل ميسي على منتج يشتريه المصريون، بينما لا تجد صورة حسام حسن، أو منتخب مصر، أو حتى عبارة تحترم وجع الجماهير، مكانا على الغلاف نفسه؟
مصر خسرت المباراة بنتيجة ثلاثة أهداف مقابل هدفين بعد أن كانت متقدمة بهدفين، وسط جدل واسع بشأن إلغاء هدف لمصطفى زيكو، وعدم احتساب تدخل على محمد صلاح قبل الهجمة التي انتهت بالهدف الأرجنتيني الثالث. الاتحاد المصري أعلن اعتراضه على قرارات وصفها بأنها أثارت تساؤلات جدية بشأن الاتساق والعدالة، بينما دافعت لجنة الحكام في فيفا عن القرارات ونفت وجود أي انحياز.
إذن نحن أمام خلاف حقيقي ومعلن، لا أمام خيال صنعته مواقع التواصل.
لكننا أيضا أمام حقيقة أخرى يجب ألا نختبئ منها: ميسي لم يكن الحكم، ولم يجلس في غرفة تقنية الفيديو، ولم يلغ هدف مصر بيده.
لسنا في حاجة إلى كراهية لاعب عظيم حتى ندافع عن منتخبنا.
ولسنا مطالبين بإهانة الأرجنتين حتى نثبت حبنا لمصر.
المطلوب أبسط وأعمق من ذلك: أن تدرك الشركات أن السوق ليس مجرد أرقام مبيعات، وأن المستهلك المصري ليس جيبا مفتوحا بلا ذاكرة أو كرامة أو شعور.
الصورة عقد وجداني وليست مساحة مطبوعة
حين تضع شركة صورة نجم عالمي على ملايين العبوات، فإنها لا تبيع البطاطس فقط.
إنها تبيع رمزية النجم.
تبيع انتصاراته.
تستعير مجده لتضيفه إلى منتجها.
وتطلب من المستهلك، بصورة غير مباشرة، أن يربط بين لذة المنتج وصورة هذا البطل.
ميسي مرتبط منذ سنوات طويلة بعلامات تابعة لشركة بيبسيكو، ووصفته الشركة في موادها الرسمية بأنه سفير عالمي طويل الأمد لعلامة «ليز». ولذلك فإن وجود صورته على منتجات مرتبطة بكرة القدم ليس صدفة، بل جزء من استراتيجية تسويقية دولية محسوبة.
لكن ما يصلح لحملة عالمية لا يصلح بالضرورة لكل سوق وفي كل لحظة.
الإعلان الذي يبدو عاديا في دولة قد يبدو مستفزا في دولة أخرى.
والصورة التي كانت رمزا رياضيا محبوبا قبل المباراة قد تتحول، بعد ليلة شهدت جرحا جماهيريا واسعا، إلى تذكير يومي بما حدث.
ليست المشكلة في ميسي كشخص.
المشكلة في توقيت الصورة والسياق الذي تباع داخله.
فالشركة التي تعرف كيف تدرس أذواق المستهلكين لتحدد درجة الملح وحجم الكيس وسعره، تستطيع أيضا أن تدرس مشاعرهم قبل أن تقرر الوجه الذي تستقبله به كلما دخلوا متجرا.
وحسام حسن؟ لماذا يبقى خارج الصورة؟
في لحظة اشتعلت فيها المباراة بالاعتراض، ظهر حسام حسن وهو يعقد ذراعيه أمام الحكم.
وهذه ليست حركة عشوائية؛ فإشارة تقاطع الذراعين تبنتها فيفا كرمز رسمي يسمح للاعبين والمدربين ومسؤولي الفرق بالإبلاغ عن واقعة عنصرية أو تمييزية. وأكدت فيفا أن الإشارة جزء من إجراءاتها لمواجهة العنصرية داخل الملاعب.
وتشير تغطية «سكاي سبورتس» إلى أن حسام حسن قام بالإشارة عقب الهدف الأرجنتيني الأخير وحصل على بطاقة، مع ملاحظة أنه لم يوضح بعد المباراة الواقعة المحددة التي قصدها بالإشارة. ولذلك لا يجوز لنا أن نجزم بحدوث واقعة عنصرية بعينها من دون تحقيق أو دليل معلن.
لكن الصورة في الوجدان المصري تجاوزت تفاصيلها الفنية.
لقد رأى فيها كثيرون مدربا يقف غاضبا، لا طلبا لمكسب شخصي، بل احتجاجا على ما اعتبره ضياعا لمجهود منتخب وشعب كامل.
ومن هنا تأتي الفكرة:
لماذا لا تطلق الشركات المصرية، بالتنسيق مع حسام حسن والاتحاد المصري وأصحاب الحقوق، إصدارا خاصا يحمل صورته وهو يرفع إشارة «لا للعنصرية والتمييز»؟
ولماذا لا تتحول العبوة من سبب للغضب إلى رسالة عالمية تقول:
مصر تنافس بشرف… وتطالب بالعدل… وترفض الكراهية؟
ليس المطلوب استغلال حسام حسن تجاريا من دون إذنه. فالاستخدام التجاري لصورة اللاعب أو المدرب يرتبط بحقوق الصورة وعقود الرعاية، ويحتاج إلى موافقات وترتيبات قانونية واضحة. ويمنح التشريع المصري الشخص حقا في التحكم في الاستغلال التجاري لصورته، مع تنظيم حالات النشر المتعلقة بالشخصيات العامة.
المطلوب أن تتحرك الشركات للتفاوض، لا أن تختبئ خلف الصمت.
خطوة شيبسي… جيدة إن تحولت من تسريب إلى موقف
بحسب تقارير صحفية منشورة في التاسع من يوليو 2026، أوقفت شركة «شيبسي» إنتاج عبوات جديدة تحمل صورة ميسي، بينما أوضحت المصادر أن العبوات الموجودة حاليا في الأسواق صنعت قبل انطلاق البطولة.
هذه خطوة تحترم، إن تأكدت رسميا.
لكن الجمهور لا يحتاج إلى قرارات تتسرب عبر مصادر مجهلة ثم تختفي بعد انتهاء موجة الغضب.
الجمهور يستحق بيانا مؤسسيا واضحا يقول:
نحن نسمعكم.
نحترم مشاعركم.
أوقفنا الحملة.
وسنخصص مساحة لمنتخب مصر ورموزه.
فالفرق كبير بين شركة توقف حملة خوفا من تراجع المبيعات، وشركة تتخذ موقفا لأنها تعتبر نفسها جزءا من المجتمع الذي تحقق منه أرباحها.
المصريون لا يطلبون معروفا.
إنهم يطلبون من الشركات التي بنت انتشارها بأموالهم أن تثبت، في لحظة الاختبار، أنها تفهمهم ولا تنظر إليهم باعتبارهم مجرد أرقام في تقارير الأرباح.
لا تطبعوا غضبنا… حوّلوه إلى قيمة
إن استبدال صورة بصورة وحده لا يكفي.
فالوطنية ليست موسما إعلانيا.
وليس المطلوب أن تطبع الشركات العلم المصري أسبوعا، ثم تعود بعد انتهاء الأزمة إلى تجاهل الرياضة المصرية وشبابها.
المطلوب حملة وطنية متكاملة تحمل عنوانا مثل:
«مصر تلعب بكرامة»
تظهر فيها صورة المنتخب المصري، وحسام حسن بإشارة رفض العنصرية، وأطفال من مراكز الشباب، مع تخصيص جزء معلوم من أرباح الإصدار لدعم كرة القدم في القرى والمناطق الأكثر احتياجا.
عندها لا تصبح العبوة مجرد رد فعل غاضب.
تصبح ملعبا جديدا.
كرة في يد طفل.
منحة للاعبة مصرية ناشئة.
وتدريبا لحكم شاب حتى نشارك في صناعة العدالة الكروية بدلا من الاكتفاء بالشكوى من غيابها.
هذا هو الفارق بين التسويق الذي يركب الموجة والتسويق الذي يترك أثرا.
هل يجب على الدولة أن تعاقب الشركات؟
هنا يجب أن نكون أكثر حرصا؛ لأن حب مصر لا يعني أن نطلب ظلما جديدا باسم مقاومة الظلم.
لا يجوز معاقبة شركة لمجرد أنها لم تضع صورة حسام حسن على منتجها، ما لم يوجد التزام تعاقدي أو قانوني يفرض عليها ذلك.
ولا ينبغي للدولة أن تتحول إلى مصمم لأغلفة المنتجات أو أن تجبر مؤسسة خاصة على تبني وجه إعلاني محدد.
نحن نريد دولة قانون قوية، لا دولة غضب.
الدولة تتدخل بالعقوبة عندما تقع مخالفة قانونية: إعلان مضلل، استغلال غير مشروع لصورة شخص، انتهاك لحقوق المستهلك، أو ممارسة تخالف القواعد المنظمة للسوق. ويشكل قانون حماية المستهلك رقم 181 لسنة 2018 الإطار الأساسي المنظم لحماية المستهلك ومواجهة الممارسات التجارية المخالفة.
أما في هذه القضية، فالأقوى والأكثر احتراما أن تتحرك الدولة عبر:
دعوة الشركات الراعية الكبرى إلى اجتماع عاجل مع وزارة الشباب والرياضة والاتحاد المصري.
إطلاق ميثاق وطني للتسويق الرياضي يراعي المشاعر العامة ويحترم الرموز المصرية.
إعطاء الأولوية في الرعايات والفعاليات الرسمية للشركات التي تستثمر فعليا في الرياضة المصرية.
ومراجعة الحملات التي تستخدم أحداثا وطنية كبرى لتحقيق الأرباح من دون أن تقدم شيئا للمجتمع الذي تخاطبه.
العقاب لا يكون دائما غرامة.
قد يكون حرمان الشركة من لقب «الراعي الوطني».
وقد يكون استبعادها من حملات رسمية مستقبلية وفقا لشروط معلنة مسبقا.
وقد يكون، قبل كل ذلك، حكم المستهلك نفسه.
فالمستهلك ليس متلقيا عاجزا.
هو صاحب المال.
وصاحب المال يستطيع أن يسأل الشركة قبل أن يشتري منها:
ماذا قدمتم للمنتخب الذي تستخدمون كرة القدم لبيع منتجاتكم باسمه؟
لا نريد مقاطعة عمياء… نريد محاسبة واعية
الغضب مفهوم.
لكن تحويله إلى شتائم ضد ميسي أو الشعب الأرجنتيني لا يعيد هدفا، ولا يخدم مصر.
والعنصرية لا تواجه بعنصرية مضادة.
والظلم لا يقاوم بظلم.
نريد حملة مدنية واعية تطالب الشركات بمواقف واضحة، وتنشر أسماء المؤسسات التي استجابت، وتسأل التي لم تستجب عن أسبابها، وتمنح المستهلك حق الاختيار بناء على المعلومات.
من احترم مشاعر المصريين نشكره.
من تجاهلها نسأله.
ومن حاول استغلالها تجاريا بلا التزام حقيقي نكشف تناقضه.
هذا أرقى من الغضب العابر، وأشد تأثيرا من الصراخ.
لسنا سوقا بلا ذاكرة
يا شركات مصر:
هذه الجماهير التي تشترون إعلاناتكم للوصول إليها، هي نفسها التي بكت بعد المباراة.
هؤلاء الأطفال الذين تضعون صورة ميسي على أكياسهم كانوا يحلمون بأن يروا مصر في ربع نهائي كأس العالم.
وهذه البيوت التي تدخلها منتجاتكم كانت تردد أسماء لاعبي المنتخب وتنتظر لحظة تاريخية.
فلا تطلبوا من المصري أن يفصل بين قلبه ومحفظته.
ولا تقولوا إن الرياضة شيء والتجارة شيء آخر، بينما أنتم تستخدمون الرياضة نفسها لبيع منتجاتكم.
من حقكم اختيار سفرائكم.
ومن حقنا اختيار من نشتري منه.
ومن حق الدولة أن تشجع الشركات الأكثر التزاما بمجتمعها، في إطار القانون والشفافية.
ومن حق حسام حسن والمنتخب المصري أن يريا صورتهما على منتجات مصرية، لا على سبيل المجاملة، بل لأن من صنعوا لحظة الفخر المصرية أولى بالمساحة المصرية.
ارفعوا صورة مصر
نحن لا نطالب بمحو ميسي من التاريخ.
ولا بإنكار موهبته.
ولا بتحويل مباراة كرة قدم إلى خصومة بين شعبين.
نطالب فقط بأن تعرف الشركات الفارق بين النجم العالمي والوجدان المحلي.
وأن تدرك أن احترام السوق أهم من استغلاله.
وأن العبوة التي تحمل صورة بطل ليست قطعة بلاستيكية صامتة، بل رسالة.
فلتكن الرسالة المقبلة:
صورة حسام حسن رافعا إشارة رفض العنصرية.
إلى جواره لاعبو مصر الذين قاتلوا حتى اللحظة الأخيرة.
وخلفهم علم لم ينكسر بالخسارة.
وتحت الصورة عبارة واحدة:
«قد تخرج مصر من البطولة… لكن كرامتها لا تخرج من الملعب»
أوقفوا الحملات التي تجرح الناس.
أعلنوا مواقفكم بوضوح.
ادعموا منتخب مصر وشباب مصر.
ولا تنتظروا حتى يتحول غضب الجماهير إلى قرار شراء.
فالمصريون قد يغفرون خسارة مباراة.
لكنهم لا ينسون من احترم وجعهم…
ولا ينسون من حاول بيعهم صورة، بينما كان الوطن كله يبحث عن إنصاف.
تحيا الوطن ..
تحيا مصر ..
مع تحياتي ..
نعمة حسن

شارك