
بين المواطنة الموعودة والقيود الطائفية: الحضانة في لبنان
في بلدٍ لا تزال فيه الدولة تتنازل عن أكثر حقوقها خصوصيةً لصالح رجال الدين، تجد المرأة اللبنانية نفسها أمام معادلة مُرّة: هي مواطنة كاملة في خطاب الدستور، وقاصر حقوقيًّا في أروقة المحاكم الدينية . ولا شيء يُجسّد هذه المفارقة بوضوح كقضية الحضانة؛ تلك الخيوط الرقيقة التي تربط الأم بطفلها، والتي تتحكم في مصيرها ليس قانونٌ مدني موحّد، بل منظومة متشعبة من الأحوال الشخصية الطائفية ، تتباين في مبانيها وتتفق في نتائجها : المرأة دائمًا في الهامش.
تنطلق هذه الورقة من تساؤل جوهري طالما رفعته الجمعيات النسوية اللبنانية : لماذا لا تزال الأمومة رهينة الطائفة ؟ ولكي نُجيب ، لا بدّ من ثلاث محطات : استيعاب واقع قانون الحضانة في لبنان بتعدّديته الطائفية ، ثم البحث في إمكانية قانون مدني يوحّد هذا الشتات، وأخيرًا استشراف الحلول الممكنة.
أولًا – الحضانة في مرآة القانون اللبناني — أرخبيل من القواعد المتناثرة
لبنان لا يملك قانونًا موحدًا للأحوال الشخصية ، ما يملكه هو خمس عشرة منظومة دينية متوازية، كل منها يُشرّع للزواج والطلاق والحضانة والميراث وفق مرجعيته الخاصة ، وفيما يخص الحضانة تحديدًا، يمكن تصنيف هذه المنظومات في ثلاثة مدارات كبرى:
في المدار الإسلامي السني والجعفري، تقوم الحضانة على مبدأ الحنان والرعاية في السنوات الأولى من عمر الطفل ، فتمنح الأم حضانة الذكر حتى سن السابعة، والأنثى حتى التاسعة في المذهب السني ، فيما يمتد هذا الحق أحيانًا إلى ما بعد ذلك في بعض التفسيرات الجعفرية فتكون مدة الحضانة اقل بكثير مما هي عليه في المذهب السني ، و بعد هذه السن، تنتقل الحضانة قانونيًّا إلى الأب أو العصبة الذكورية، ولا تحتفظ الأم بها إلا بقرار قضائي استثنائي ، والأخطر من ذلك أن زواج الأم يُسقط حضانتها فورًا وبشكل تلقائي وفق أغلب التفسيرات الفقهية المعتمدة.
في المدار المسيحي (المحاكم المارونية، الروم الأرثوذكس، الروم الكاثوليك وسواها)، تستند معايير الحضانة نظريًا إلى مصلحة الطفل الفضلى ، وهو مفهوم أقرب إلى القانون الدولي لحقوق الطفل ، غير أن التطبيق العملي يكشف تفاوتًا واسعًا بين الطوائف وبين قضاة بعينهم، إذ كثيرًا ما يطغى السياق الاجتماعي والتوجه اللاهوتي على النص القانوني.
في المدار الدرزي، تخضع الحضانة لاجتهادات المحكمة المذهبية بما قد يختلف جوهريًّا عن المعايير المعتمدة في الطوائف الأخرى، وغالبًا ما تتمتع الأم بحضانة أوسع نسبيًا في مراحل الطفولة المبكرة.
الجامع بين هذه المدارات جميعها هو غياب معيار قانوني موضوعي وموحّد ، فالطفل اللبناني لا يولد مواطنًا يحمي القانون حضانته ، بل يولد ابن طائفة يُقرّر فقهاؤها مصير علاقته بأمه ، وهذا بحد ذاته إشكالية دستورية قبل أن تكون إشكالية اجتماعية.
ثانيًا – القانون المدني الموحّد — حلم مُعلَّق على جدار الطائفية
منذ عام 1951، حين أعدّت الحكومة اللبنانية مشروع قانون مدني للأحوال الشخصية، وهذا الملف يُطرح ويُعلَّق ويُطمر في أدراج البرلمان . وفي كل مرة تقترب فيها فكرة القانون المدني من التحقق، تنهض المؤسسات الدينية ببيانات النذير وخطاب التحذير من ضرب الهوية الوطنية.
لبنان هو من الدول النادرة في العالم التي تفتقر كليًّا إلى قانون مدني للزواج والأحوال الشخصية ، بل إن الزواج المدني الذي أبرم عام 1998 على يد الراحل نزيه طيارة وزوجته خلال عهد الرئيس الياس الهراوي، لم يُقنَّن رسميًّا حتى اليوم، وأحكامه تبقى رهينة التفسير القضائي لا التشريع الصريح.
المطالبة بقانون مدني لا تعني حرب الدولة على الدين، كما يصوّرها معارضوها ، إنها تعني ببساطة أن يُحكَم بين المواطنين وفق مبادئ حقوقية موحّدة، يبقى الاختيار الديني إلى جانبها لمن يريد ، دول ذات غالبية مسلمة كتونس وتركيا اعتمدت هذا النموذج دون أن تنهار هويتها الدينية. لكن لبنان يمضي في استثناء نفسه من كل تجارب التحديث القانوني في المنطقة.
الجمعيات النسوية اللبنانية، من كيان إلى نظرة إلى المفكرة القانونية ، لا تتوقف عن رفع هذا المطلب ، ووثيقة الاتفاق الوطني الصادرة عام 2021 عن تحالف نسوي واسع طالبت صراحةً بإنهاء احتكار الطوائف للأحوال الشخصية ، لكن المطالبة وحدها لا تكفي في غياب إرادة سياسية حقيقية.
ثالثًا – ماذا تخسر المرأة اليوم — وراء الأرقام نساء حقيقيات
الأرقام وحدها لا تُوجع كما توجع القصص ، ففي المحاكم الشرعية يُسجَّل كل عام المئات من قرارات نزع الحضانة عن الأمهات بمجرد انقضاء السن المحددة، أو بمجرد زواجهن من آخر ، امرأة أمضت سنوات في رعاية أطفالها تجد نفسها فجأة غريبة قانونية عن أطفالها الذين أرضعتهم وسهرت على وجعهم ، هذا الألم لا ينتمي إلى أي عقيدة دينية في جوهرها — بل هو نتاج تفسير فقهي تشكّل في سياقات تاريخية بعيدة عن مصلحة الطفل والأم معًا.
فضلًا عن ذلك، تعيش المرأة اللبنانية في فخّ قانوني : إذا طالبت بحقوقها في المحكمة الدينية ، خضعت لفقه يُضيّق عليها ، وإذا حاولت الالتجاء إلى القضاء المدني في مسائل الحضانة، لا تجد سندًا تشريعيًّا واضحًا ، هي محاصرة بين دولة تتخلى عن واجبها وطوائف تتمسك بسلطتها.
رابعًا – من خطاب المطالبة إلى أجندة التغيير
الخروج من هذا المأزق ممكن ، لكنه يستلزم خطوات متزامنة على مستويات ثلاثة:
على الصعيد التشريعي: إقرار قانون مدني اختياري للأحوال الشخصية يكفل لكل مواطن حق الاختيار بين المرجعية الدينية والمدنية، مع اعتماد معيار المصلحة الفضلى للطفل أساسًا وحيدًا لأي قرار حضانة، بمعزل عن الانتماء الطائفي للوالدين ، ولا بدّ من تضمين هذا القانون أحكامًا صريحة تمنع إسقاط الحضانة عن الأم بسبب زواجها من آخر.
على صعيد الإصلاح الديني الداخلي: المؤسسات الدينية ليست كتلة صماء ، ثمة فقهاء ومرجعيات تُجدّد في التفسيرات المتعلقة بحق الأم وبمصلحة الطفل ، و تشجيع هذا الإصلاح الداخلي ودعمه أكاديميًّا وإعلاميًّا يمثّل رافعة حقيقية لا يُستهان بها.
على صعيد المجتمع المدني: يجب أن تُبنى شبكة دعم قانوني مجاني للأمهات في نزاعات الحضانة، وأن تُوثَّق القضايا النموذجية وتُرفع أمام محاكم دولية حين تنتهك معايير حقوق الطفل المعترف بها ،فلبنان دولة موقّعة على اتفاقية حقوق الطفل — هذا التوقيع يجب أن يُحوَّل من ورقة بروتوكولية إلى سلاح قانوني.
خاتمة
ثمة فكرة يجب أن تُقال بصوت عالٍ: الحضانة ليست امتيازًا أنثويًّا تطالب به النساء حسدًا أو سلطةً ، بل الحضانة هي، في جوهرها، حق للطفل في أن يحظى برعاية من يُحبّه ويعرفه ويُحسن تنشئته. وحين يُحرَم الطفل من أمه بقرار تُمليه الطائفة لا مصلحته، فنحن أمام انتهاك مزدوج: للأم ولطفلها في آنٍ واحد.
لبنان الذي يتغنى بتعدديته وحريته يُناقض نفسه حين يُبقي أكثر القضايا إنسانيةً رهينة أكثر المؤسسات تحجّرًا ، والمرأة اللبنانية التي أسهمت في بناء هذا الوطن في السياسة والاقتصاد والثقافة لا تستحق أن تكون في مسألة أطفالها مواطنةً من الدرجة الثانية.
التغيير ممكن. والدليل أن دولًا أكثر تعقيدًا دينيًّا من لبنان استطاعت أن تُفصّل بين السلطة الروحية والسلطة القانونية دون أن تفقد نفسها ، فما ينقص لبنان ليس الحلول، بل الإرادة السياسية التي لا تأتي إلا حين يُحوَّل صوت النساء إلى ضغط لا يُحتمل السكوت عنه.

الأستاذة سوسن شومان ناشطة حقوقية ومنسقة لغة فرنسية إضافة إلى أنها ناطقة باسم مبادرة نون ومدربة وعي قانوني مع جمعية عدل بلا حدود.



