
حين تُسرق الأمم مرتين مرة من ملاعبها ومرة من ذاكرتها
حين تُسرق الأمم مرتين
مرة من ملاعبها ومرة من ذاكرتها
كتبت / نعمه حسن
ليست أقسى السرقات هي التي ينتزع فيها منك هدف أمام ملايين المشاهدين.
فالهدف المسروق قد يبدد فرحة ليلة ويغير نتيجة مباراة وربما يحرم جيلا من بطولة، لكن السرقة الأخطر هي أن ينتزع منك تاريخك ثم يقنع العالم بأنك لم تصنع شيئا، وأن تؤخذ عقولك إلى مختبرات الآخرين ثم تنسب إنجازاتها إلى المؤسسات التي احتضنتها، وأن يموت علماؤك في حوادث غامضة أو اغتيالات معلنة، ثم تتحول ملفاتهم إلى أوراق باردة في أرشيف لا يفتحه أحد.
لقد عرفت منطقتنا أشكالا متعددة من الاستنزاف: استعمار الأرض ونهب الموارد والاستيلاء على الآثار والمخطوطات، وفرض خرائط النفوذ من خارج المنطقة، واستقطاب العقول، وقتل بعض العلماء والباحثين، ثم أخطر من ذلك كله: إعادة كتابة الذاكرة بحيث يبدو صاحب الحضارة مجرد متلق متأخر لها.
لكن الدفاع عن تاريخنا لا يكون بصناعة أساطير مضادة، ولا بوضع كل وفاة غامضة تحت عنوان المؤامرة، ولا بالقول إن كل اكتشاف غربي مسروق منا. الحقيقة أقوى من المبالغة، وتاريخنا الحقيقي أعظم من أن يحتاج إلى اختلاق الأدلة.
هناك اغتيالات ثابتة، ووفيات أحاطت بها الشبهات دون دليل قاطع، وعلوم عربية وإسلامية انتقلت إلى أوروبا بالترجمة والتطوير، وإنجازات جرى تهميش أصحابها أو إخفاؤهم خلف أسماء لاتينية. وهناك أيضا تقصير عربي داخلي فتح الأبواب أمام الاستنزاف، لأن السارق لا يدخل دائما من نافذة مكسورة؛ أحيانا نعطيه نحن المفتاح.
السرقة تبدأ من الاسم
من أبسط وسائل محو الذاكرة أن يتغير اسم صاحب الإنجاز.
فالحسن بن الهيثم أصبح في المراجع الأوروبية Alhazen، وابن سينا أصبح Avicenna، وابن رشد صار Averroes، والزهراوي تحول إلى Albucasis.
لم تكن لاتنة الأسماء في ذاتها مؤامرة؛ فقد كانت ممارسة معتادة عند ترجمة الأسماء إلى اللاتينية. لكن المشكلة بدأت حين بقي الاسم اللاتيني في الكتب، واختفى السياق الحضاري الذي أنتجه. عرف طلاب أوروبا “أفيسينا” و“ألهازن”، بينما لم يعرف كثيرون أن هذين الاسمين يعودان إلى عالمين من قلب الحضارة العربية الإسلامية.
لقد كانت العربية، لقرون، لغة دولية للعلوم والفلسفة والطب والفلك. وتؤكد دراسات اليونسكو أن انتقال العلوم العربية والإسلامية إلى الغرب أصبح حركة واسعة، خصوصا عبر مراكز مثل طليطلة، حيث ترجمت المؤلفات العربية إلى اللاتينية والعبرية، وانتقلت من خلالها معارف الرياضيات والطب والفلك والفلسفة إلى جامعات أوروبا.
وهنا يجب أن نكون منصفين: الحضارة الإسلامية نفسها لم تبدأ من فراغ. فقد ترجمت التراث اليوناني والفارسي والهندي، ثم لم تكتف بنقله، بل نقدته وصححته وأضافت إليه. وهكذا تعمل الحضارات الحقيقية: تستقبل المعرفة ثم تحولها إلى شيء جديد.
إذن المشكلة ليست في أن أوروبا ترجمت علوم المسلمين، بل في السردية التي قدمت النهضة الأوروبية كأنها قفزة خرجت مباشرة من أثينا وروما، متجاوزة قرونا كاملة كانت فيها بغداد والقاهرة ودمشق وقرطبة وبخارى ومرو وسمرقند مراكز كبرى للبحث والتأليف.
الخوارزمي… الرجل الذي يعيش داخل كل هاتف
كل مرة يكتب فيها مبرمج كلمة Algorithm، فهو ينطق ـ ولو بصورة غير مباشرة ـ اسم محمد بن موسى الخوارزمي.
فكلمة “Algorithm” مشتقة من الصيغة اللاتينية لاسمه، أما كلمة “Algebra” فترجع إلى عنوان كتابه «المختصر في حساب الجبر والمقابلة». ويعد مؤرخو الرياضيات هذا الكتاب من أقدم الأعمال التي قدمت الجبر باعتباره علما منظما مستقلا، لا مجرد مسائل حسابية متفرقة.
الخوارزمي ليس حكاية فخر تراثي نضعها في كتب المدارس ثم ننساها. إنه حاضر في البرمجيات ومحركات البحث والذكاء الاصطناعي وأنظمة الملاحة والتشفير والأسواق المالية.
ومع ذلك، كم طفلا عربيا يستخدم كلمة “خوارزمية” ويعرف أن الاسم ليس ترجمة عربية لكلمة أجنبية، بل إن الكلمة الأجنبية نفسها خرجت من اسم عالم عاش وعمل في بيت الحكمة؟
هذه ليست سرقة براءة اختراع بالمعنى القانوني، لكنها مثال صارخ على سرقة الوعي: أن تستخدم البشرية يوميا اسما عربيا بعد أن أفرغته من صاحبه وبيئته وتاريخه.
ابن الهيثم… قبل أن تتعلم أوروبا كيف ترى
قبل قرون من الثورة العلمية الأوروبية، رفض ابن الهيثم فكرة أن العين تطلق أشعة نحو الأشياء، ودرس الضوء والانعكاس والانكسار والرؤية من خلال الملاحظة والاختبار.
وتصفه اليونسكو بأنه رائد في علم البصريات ومن رواد المنهج العلمي التجريبي، وتشير إلى أنه سبق جاليليو في جوانب من التفكير الفيزيائي بنحو خمسة قرون. وقد فتحت دراساته في الضوء الطريق أمام تطورات بعيدة المدى وصلت لاحقا إلى الكاميرا والتلسكوب والمجهر وتقنيات التصوير الحديثة.
لم يقل ابن الهيثم: “وجدت الحقيقة في رأي السابقين وانتهى الأمر”.
بل شك واختبر وكرر وراجع، وهي روح العلم في أنقى صورها.
ومع ذلك، تبدأ بعض السرديات الحديثة للمنهج التجريبي من أوروبا وكأن قرونا كاملة من العمل العلمي في العالم الإسلامي لم توجد.
هل هذه سرقة مباشرة؟ ليس دائما.
لكنها إزاحة متعمدة أو جاهلة لنقطة البداية، وهي من أكثر أشكال الاستيلاء على التاريخ هدوءا وخطورة.
ابن النفيس… قلب سبق أوروبا بثلاثة قرون
في القرن الثالث عشر، رفض علاء الدين ابن النفيس الاعتقاد الجالينوسي القائل بوجود ثقوب غير مرئية في الحاجز الفاصل بين بطيني القلب. وشرح أن الدم ينتقل من الجانب الأيمن للقلب إلى الرئتين، ثم يعود إلى الجانب الأيسر، وقدم بذلك أقدم وصف معروف للدورة الدموية الرئوية.
سبق هذا الوصف كتابات أوروبية مماثلة بنحو ثلاثة قرون، كما تنبأ بوجود اتصالات دقيقة بين الشرايين والأوردة الرئوية قبل اكتشاف الشعيرات الدموية بالمجهر بقرون.
لكن مخطوطته لم تدخل السردية الطبية الأوروبية الحديثة في وقتها. ولم يعد اسمه بقوة إلى تاريخ الطب إلا بعدما عثر الطبيب المصري محيي الدين التطاوي على مخطوطته في مكتبة ببرلين في عشرينيات القرن العشرين.
وهنا تظهر المأساة كاملة: عالم عربي يكتب اكتشافه في القاهرة أو دمشق، فتغيب مخطوطته قرونا، ثم يحتاج أحفاده إلى الذهاب إلى مكتبة أوروبية كي يعثروا على الدليل بأن جدهم سبق العالم.
ولا توجد أدلة قاطعة على أن علماء أوروبا الذين وصفوا الدورة الرئوية لاحقا نقلوا نص ابن النفيس مباشرة. بعض المؤرخين طرح احتمال انتقال المعرفة، بينما رأى آخرون أن الاكتشافات الأوروبية جاءت بصورة مستقلة. والأمانة تقتضي ألا نسمي ما لا نستطيع إثباته سرقة مباشرة.
لكن المؤكد أن ابن النفيس حرم طويلا من مكانه المستحق في الذاكرة العلمية العالمية.
الزهراوي… حين كانت الجراحة تتحدث العربية
قدم أبو القاسم الزهراوي في كتابه «التصريف لمن عجز عن التأليف» وصفا تفصيليا للعمليات الجراحية، ورسوما لمئات الأدوات، وابتكر أو طور المقصات الجراحية والملاقط وأدوات التوليد وعلاج الكسور واستخراج الحصوات.
وتبين الدراسات الطبية التاريخية أن رسوم أدواته كانت من أقدم الرسوم المنهجية الموضوعة لتعليم الجراحين، وأن مؤلفاته ترجمت إلى اللاتينية وظلت مؤثرة في الطب الأوروبي قرونا.
وفي الطب أيضا، أصبح «القانون في الطب» لابن سينا مرجعا رئيسيا في أوروبا، واستعمل في تدريس طلاب الطب في جامعات منها جامعة بادوفا. ويشير متحف المتروبوليتان إلى أن المعرفة الطبية في العالم الإسلامي كانت، خلال مراحل من العصور الوسطى، أكثر تقدما من نظيرتها في أجزاء واسعة من أوروبا الغربية.
إذن لم تكن الحضارة الإسلامية مجرد “ساعي بريد” نقل كتب اليونان إلى أوروبا.
لقد ترجمت ونقدت وشرحت وشخصت واخترعت وراقبت وداوت وأقامت البيمارستانات وطورت أدوات الجراحة والصيدلة والتجريب.
ومع ذلك، حين تعرض تاريخ الطب في بعض المناهج المختصرة، يقفز السرد من أبقراط وجالينوس إلى عصر النهضة، وكأن ألف عام اختفت من التقويم.
هل جاءت علوم المسلمين من القرآن؟
القرآن ليس كتاب تشريح ولا مرجعا في الفيزياء النووية ولا بديلا عن المختبر.
وقوة القرآن لا تحتاج إلى أن نحمل كل آية اكتشافا علميا معاصرا أو أن نعيد تفسير النصوص كلما تغيرت نظرية.
لكن القرآن أقام منظومة معرفية دفعت الإنسان إلى القراءة والنظر والتدبر والسير في الأرض والتفكير في الخلق:
اقرأ باسم ربك الذي خلق
قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق
إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب
هذه الآيات لم تعط ابن الهيثم معادلة جاهزة لانكسار الضوء، ولم ترسم للزهراوي أداة جراحية، لكنها صنعت بيئة ذهنية ترى البحث في الكون عبادة، وترى العقل أمانة، وترفض أن يكون الإيمان مرادفا للجهل.
علماء الحضارة الإسلامية لم يضعوا الآية مكان التجربة. لقد قرؤوا الآية ثم دخلوا المختبر والمرصد والمستشفى والمكتبة.
وهذه نقطة شديدة الأهمية: القرآن منح الدافع الأخلاقي والمعرفي، أما الاكتشاف فجاء بالعمل والقياس والتجربة والتراكم.
إن الزعم بأن كل علوم الدنيا موجودة في النص بصورة تفصيلية قد يرضي العاطفة، لكنه يسيء إلى إنجاز علمائنا؛ لأنه يحولهم من باحثين عظماء إلى مجرد قارئي شفرات، بينما عظمتهم الحقيقية أنهم أسسوا مؤسسات وراجعوا النظريات وصنعوا الأدوات وكتبوا الموسوعات.
سميرة موسى… الحلم الذي لم يعد إلى مصر
في العصر الحديث، تمثل الدكتورة سميرة موسى واحدا من أكثر النماذج إيلاما.
كانت أول عالمة ذرة مصرية، ومن أوائل النساء اللاتي حصلن على موقع أكاديمي في جامعة القاهرة، وركزت على الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، خصوصا توظيف الإشعاع في علاج الأمراض بتكلفة يستطيع الفقراء تحملها.
وخلال وجودها في الولايات المتحدة ضمن بعثة علمية، أتيحت لها زيارة منشآت ذرية، وعرض عليها البقاء والعمل، لكنها اختارت العودة إلى مصر. غير أنها توفيت في حادث سيارة في الولايات المتحدة في أغسطس 1952 قبل أن تحقق مشروعها العلمي في وطنها.
تحولت وفاتها في الذاكرة المصرية إلى قصة اغتيال، وترددت روايات عن دفع السيارة من أعلى الطريق وعن اختفاء السائق وعن دور استخباراتي أجنبي.
لكن التفريق واجب بين الوجع والدليل: لا توجد وثيقة قضائية منشورة أو تحقيق حاسم يثبت اغتيال سميرة موسى أو يحدد جهة مسؤولة عنه. الرواية الرسمية المتاحة في المصادر الأمريكية تصف الوفاة باعتبارها حادث سيارة، بينما بقيت فرضية الاغتيال حاضرة بقوة في الوجدان المصري.
لا ينتقص هذا التحفظ من قيمة سميرة موسى ولا من غرابة رحيلها المبكر. بل يحمي سيرتها من أن تتحول إلى مادة سهلة الطعن.
فالمأساة المؤكدة ليست فقط كيف ماتت، وإنما أن مشروعا علميا مصريا كاملا مات معها، وأن الدولة لم تكن قد بنت بعد المؤسسة القادرة على أن تجعل المشروع أكبر من صاحبه.
يحيى المشد… اغتيال ثابت وفاعل بلا حكم
أما الدكتور يحيى المشد، فالقضية مختلفة.
كان عالما مصريا في الهندسة النووية، وانتقل للعمل في العراق وأصبح من الشخصيات المحورية في برنامجه النووي. وفي يونيو 1980 عثر عليه مقتولا في غرفته بأحد فنادق باريس بعد تعرضه لاعتداء عنيف.
إذن القتل هنا ليس شائعة؛ يحيى المشد اغتيل بالفعل.
لكن القضية الفرنسية أغلقت لعدم كفاية الأدلة، ولم يصدر حكم قضائي نهائي يحدد الجهة التي أمرت بالاغتيال أو نفذته. وقد نسبت كتب وتحقيقات صحفية العملية إلى جهاز الموساد الإسرائيلي في سياق العمليات التي استهدفت البرنامج النووي العراقي، إلا أن النسبة بقيت خارج إطار الإدانة القضائية المثبتة.
والفارق بين الحالتين مهم:
سميرة موسى ماتت في حادث أحاطت به روايات اغتيال لم تثبت.
أما يحيى المشد فقد قتل عمدا، لكن هوية الجهة المسؤولة لم تحسم قضائيا.
حين نضع الحالتين في صندوق واحد ونقول “كل علمائنا اغتيلوا”، نضعف القضية. أما حين نقدم كل واقعة بدرجة إثباتها، يصبح خطابنا صالحا لأن يواجه العالم، لا لأن يصفق له جمهورنا فقط.
العراق… حين اغتيلت الجامعة
بعد غزو العراق عام 2003، لم يتعرض البلد لتدمير منشآت الدولة والجيش والبنية التحتية فقط؛ بل تعرض رأسماله البشري والعلمي لنزيف هائل.
أشارت وثيقة لليونسكو إلى مقتل أكثر من مئتي أكاديمي عراقي خلال السنوات الأولى بعد الغزو وفقا لأحد مراكز الدراسات، فيما تحدثت تقارير أخرى عن فرار آلاف الأساتذة والعلماء نتيجة القتل والخطف والتهديد والفوضى الأمنية.
لم تثبت جهة واحدة وراء جميع هذه الجرائم. فقد تعددت الميليشيات والتنظيمات والمصالح السياسية وشبكات الجريمة والانتقام الطائفي.
لكن النتيجة كانت واحدة: إفراغ العراق من جزء معتبر من ذاكرته العلمية.
حين يقتل أستاذ الطب أو عالم الجيولوجيا أو الباحث في الفيزياء، لا يموت شخص واحد. تموت معه سنوات من التدريب، ومدرسة علمية، وعشرات الأبحاث التي لم تكتب، ومئات الطلاب الذين لم يتعلموا على يديه.
ولهذا فإن تدمير الجامعات لا يحتاج دائما إلى قصف مبانيها. يكفي أن تجعل الأستاذ خائفا، وأن تدفع الباحث إلى المنفى، وأن يصبح الطريق إلى المختبر أخطر من الطريق إلى الجبهة.
من الاغتيال إلى الاستقطاب… السرقة الناعمة للعقول
ليس ضروريا أن يقتل العالم حتى تفقده أمته.
قد يحصل الباحث العربي على منحة في الخارج لأنه لم يجد في بلده مختبرا أو تمويلا أو حرية أكاديمية أو راتبا يحفظ كرامته. ثم ينجح ويبتكر ويسجل براءته باسم الجامعة أو الشركة التي وفرت له الإمكانات.
هذا ليس سرقة قانونية بالضرورة؛ فالمؤسسة التي تمول البحث لها حقوق، والعلم بطبيعته عابر للحدود. لكنه يمثل خسارة استراتيجية للدولة التي أنفقت على تعليم الباحث ثم عجزت عن الاحتفاظ به.
وصفت اليونسكو هجرة العلماء منذ عقود بأنها انعكاس لعدم المساواة في مستويات التنمية العلمية والتكنولوجية بين الدول. وعندما تستثمر دولة فقيرة في تعليم الإنسان، ثم تنتقل ثمرة هذا الاستثمار إلى دولة أكثر ثراء، تتحول الهجرة الفردية المشروعة إلى نزيف جماعي للقدرة الوطنية.
لقد أصبحنا نحتفل بالعالم العربي حين يفوز في جامعة أجنبية، ثم نتجاهل السؤال الأصعب:
لماذا لم يجد المكان الذي يسمح له بالفوز هنا؟
نكتب اسمه على مدرسة بعد موته، لكننا ربما لم نوفر له جهازا في مختبر وهو حي.
نقيم له مؤتمرا تأبينيا، لكننا لم نحم استقلاله أو نوفر ميزانية لأبحاثه.
بكلمات أقسى: نحن أحيانا لا نطرد عقولنا فقط، بل نمول تذكرة خروجها ثم نفتخر بنجاحها في مطار الوصول.
الكتب والآثار… حين تصبح ذاكرة الشعوب غنيمة
لم تكن سرقة المنطقة مقتصرة على العلوم الحديثة.
خلال الحروب والاحتلالات والعهد الاستعماري، خرجت أعداد ضخمة من الآثار والمخطوطات والوثائق من بلدانها الأصلية. ولهذا أنشأت اليونسكو آليات دولية لتسهيل إعادة الممتلكات الثقافية التي فقدتها الدول نتيجة الاحتلال الاستعماري أو الأجنبي أو الاستيلاء غير المشروع.
وتعامل المواثيق الدولية مع المخطوطات والوثائق التاريخية باعتبارها جزءا من التراث الثقافي للشعوب، لا مجرد أوراق يمكن فصلها عن أصحابها.
لكن من الخطأ تاريخيا القول إن الغرب وحده أحرق مكتبات العرب.
مكتبات عربية وإسلامية تعرضت للتدمير في صراعات داخلية، وفي الغزو المغولي لبغداد، وفي الحروب الصليبية، وفي سقوط مدن الأندلس، وفي نزاعات لاحقة شارك فيها حكام محليون وقوى خارجية.
الحقيقة ليست قصة شرير واحد.
أما السرقة الأعمق فكانت أن تفقد المجتمعات حقها في الوصول إلى مخطوطاتها، ثم يضطر الباحث العربي إلى السفر آلاف الكيلومترات أو دفع رسوم مرتفعة كي يقرأ صفحة كتبها أحد أجداده.
حتى الحدود لم ترسم بأيدينا وحدنا
في عام 1916، تفاوضت بريطانيا وفرنسا سرا على اتفاق سايكس ـ بيكو لتوزيع مناطق نفوذهما في أجزاء من المشرق العربي الخاضع آنذاك للدولة العثمانية.
لم يكن الاتفاق وحده هو الذي رسم جميع الحدود الحالية بصورة مباشرة؛ فقد جاءت بعده مؤتمرات وانتدابات وحروب واتفاقات وتعديلات عديدة. لكنه تحول إلى رمز تاريخي لأن قوى أجنبية جلست لتقرر مستقبل أراض وشعوب لم تكن ممثلة على الطاولة.
وهنا ترتبط سرقة الأرض بسرقة المعرفة.
فالحدود المصممة لخدمة النفوذ، والاقتصادات التي نظمت لتصدير المواد الخام، والدول التي ورثت أنظمة تعليم وإدارة تابعة، كلها أسهمت في إضعاف القدرة على إنتاج العلم المستقل.
حين تصدر الدولة ثروتها خاما وتستوردها مصنعة، وحين ترسل أبناءها للتعلم ولا تستطيع إعادتهم، وحين تحفظ مخطوطاتها في خزائن الآخرين، تصبح السرقة منظومة لا حادثا منفردا.
لكن أين مسؤوليتنا نحن؟
أسهل خطاب يمكن أن نقدمه لأنفسنا هو أن نقول: “هم سرقونا لأنهم يخافوننا”.
ربما تخشى الدول منافسيها، وربما تتحرك أجهزة الاستخبارات لتعطيل مشروعات خصومها، والتاريخ مليء بالتجسس الصناعي والاغتيالات والتخريب.
لكن الأمة التي تضع كل هزائمها في جيب الآخرين لن تعرف طريق النهوض.
فالخارج لم يجبر جامعاتنا على تقديم المحسوبية على الكفاءة.
ولم يجبر مؤسساتنا على خنق الباحث بالإجراءات.
ولم يمنعنا من تمويل المختبرات.
ولم يأمرنا بإهانة المعلم أو تهميش اللغة العربية العلمية أو ترك الباحث يتسول تمويلا لدراسته.
ولم يفرض علينا أن يتحول بعض العلماء إلى موظفين يطاردون توقيعا إداريا أكثر مما يطاردون اكتشافا.
هناك من استهدف عقولنا بلا شك، لكننا نحن أيضا فشلنا مرارا في حمايتها.
وهنا يجب أن تتغير الجملة من:
“لماذا يسرقون علماءنا؟”
إلى:
“لماذا يستطيعون الوصول إليهم؟ ولماذا لا تستطيع مؤسساتنا أن تجعل بقاءهم أقوى من إغراء الرحيل؟”
القرآن بين أيدينا… لكن المختبر مسؤوليتنا
نعم، بين أيدينا القرآن الكريم.
لكن امتلاك الكتاب لا يعني أننا امتلكنا العلم تلقائيا.
القرآن الذي بدأ بكلمة «اقرأ» لا يمكن أن يكون حجة لأمة لا تقرأ.
والقرآن الذي دعا إلى النظر في الكون لا يمكن أن يصبح ستارا نخفي خلفه ضعف مختبراتنا.
والقرآن الذي أمر بالعدل لا يمكن أن نرفعه شعارا بينما يحرم الباحث المجتهد من حقه لصالح صاحب الواسطة.
ليس معنى أن «أم الكتاب» بين أيدينا أن الكون سيسلم لنا أسراره بلا عمل. إنما معناه أن علينا مسؤولية أخلاقية أعظم: أن نطلب العلم، وأن نحفظ حق صاحبه، وأن نزن الادعاء بالدليل، وألا نتكلم بغير برهان.
فالعالم لا يخشى أمة لأنها تمتلك كتابا على رفوفها.
العالم يحسب حساب الأمة حين تحول قيم كتابها إلى جامعة قوية، ومختبر مستقل، وصناعة وطنية، ومؤسسات عدل، وعقل لا يخاف السؤال.
كيف نستعيد ما سُرق؟
لا نستعيد تاريخنا بالشكوى وحدها، ولا بالمبالغة، ولا بمنشورات تضع عشرين عالما في قائمة اغتيالات من دون وثيقة واحدة.
نستعيده حين نوثق سيرة كل عالم بمصادر أصلية.
حين نرقمن المخطوطات ونطالب باسترداد الممتلكات الثقافية بالمسار القانوني والدبلوماسي.
حين نكتب تاريخ العلوم من منظور عالمي يعترف بأن المعرفة نهر شاركت فيه الصين والهند ومصر والعراق والشام وفارس واليونان وأوروبا وغيرها.
حين نؤسس صناديق وطنية لحماية الباحثين وتمويل المشروعات طويلة المدى.
حين تتحول براءة الاختراع العربية إلى منتج لا إلى ورقة معلقة في معرض.
حين نبني شبكات تربط العلماء العرب في المهجر بمختبرات أوطانهم بدلا من مطالبتهم بخطابات عاطفية للعودة إلى بيئة لم تتغير.
وحين نعلم أبناءنا أن الفخر بالخوارزمي لا يكون بحفظ تاريخ ميلاده، بل بتخريج ألف خوارزمي جديد.
الخاتمة: لا تسرقوا منا الرواية
قد تسرق صافرة منحازة هدفا.
وقد يسرق احتلال موردا.
وقد تسرق قوة استعمارية أثرا أو مخطوطة.
وقد تستقطب دولة غنية عالما لم يجد في وطنه فرصة.
وقد يغتال مجهول باحثا ثم يغلق الملف ضد مجهول.
لكن السرقة النهائية لا تقع إلا حين نقبل الرواية التي تقول إننا لم نكن هنا، وإننا لم نكتب ولم نكتشف ولم نجرب ولم نبن، وإن تاريخ العلم بدأ عند الآخرين وانتهى عندهم.
نحن لا نحتاج إلى ادعاء أن كل إنجاز في الدنيا خرج منا.
يكفينا أن نضع أسماءنا الحقيقية في أماكنها الحقيقية.
الخوارزمي في قلب عصر الخوارزميات.
وابن الهيثم في مقدمة تاريخ البصريات والتجريب.
والزهراوي في تاريخ الجراحة.
وابن سينا في تاريخ الطب.
وابن النفيس في تاريخ الدورة الدموية الرئوية.
وسميرة موسى في تاريخ الحلم النووي السلمي المصري.
ويحيى المشد في سجل العلماء الذين دفعوا حياتهم ثمنا لوجودهم في قلب صراع القوة والمعرفة.
إن أخطر ما يمكن أن يفعله بنا العالم ليس أن يأخذ منا كتابا أو فكرة أو هدفا.
بل أن يجعلنا نشك في أننا كنا يوما قادرين على الكتابة والتفكير والانتصار.
ولهذا فإن معركتنا الحقيقية ليست ضد العالم، بل ضد النسيان.
لسنا مطالبين بأن نصرخ: “كل شيء سُرق منا”.
بل بأن نقول، بالدليل والوثيقة والعمل:
هذا ما صنعناه.
وهذا ما أُخذ منا.
وهذا ما قصرنا في حمايته.
وهذه المرة… لن نترك غيرنا يكتب الرواية
نحن من نكتبها .. مع تحياتي
نعمة حسن



