
ياكل العالم اسمع
بقلم: أمين السكافي
ليست أخطر الهزائم تلك التي تخسر فيها الأمم أرضًا أو معركة، فالأرض قد تستعاد، والجيوش قد تعيد ترتيب صفوفها، والتاريخ نفسه لا يعترف بانتصارٍ يدوم ولا بهزيمةٍ أبدية. إنما تبدأ الهزيمة الحقيقية يوم يتسلل اليأس إلى العقول، ويُقنع الناس بأن الاستسلام حكمة، وأن التنازل واقعية، وأن الكرامة رفاهية لا تليق بزمن المصالح.
لهذا نكتب.
ولذلك نرفع أصواتنا.
ليس لأننا نجهل ما يجري، بل لأننا نعرفه أكثر مما يتصور البعض. نقرأ خرائط المنطقة وهي تُعاد صياغتها، ونرى كيف تُدار الحروب كما تُدار الأسواق، وكيف أصبحت دماء الأبرياء مادةً للمساومات، وأصبحت أوطان بأكملها رهينةً لحسابات القوى الكبرى. ندرك حجم الخلل في موازين القوة، لكننا نؤمن أيضًا بأن ميزان التاريخ لا يبقى ثابتًا، وأن الشعوب التي تعرف حقوقها قد تتعثر، لكنها لا تفقد ذاكرتها.
يا كل العالم… اسمع.
لسنا عشاق حروب، ولا هواة مآسٍ، ولا نكتب بدافع الكراهية. نحن أبناء منطقة دفعت من أعمارها ما يكفي لتعرف قيمة السلام، لكنها تعرف كذلك أن السلام الذي يُبنى على أنقاض العدالة ليس سلامًا، بل هدنة هشة تمنح المعتدي وقتًا إضافيًا ليكرس احتلاله ويعمق جراح ضحيته.
قال جمال عبد الناصر يومًا: “ما أُخذ بالقوة لا يُسترد إلا بالقوة.” وبغض النظر عن اختلاف الناس في تقييم التجارب السياسية، فقد بقيت هذه العبارة حاضرة لأنها لامست سؤالًا يتكرر في كل عصر: كيف تستعاد الحقوق إذا كان الطرف الأقوى لا يرى في القانون إلا ما يخدم قوته؟
لقد شهدت منطقتنا عشرات المؤتمرات، ومئات المبادرات، وآلاف الساعات من التفاوض، لكن فلسطين بقيت جرحًا مفتوحًا، والقدس بقيت عنوانًا لصراع لم ينتهِ، وغزة دفعت، وما زالت تدفع، أثمانًا إنسانية باهظة في دوامة لا يبدو أنها توقفت. وبينما تتبدل الشعارات، يبقى الإنسان العادي هو من يدفع الثمن الأكبر.
وفي لبنان، يزداد المشهد تعقيدًا. فالخلاف السياسي مشروع، وتعدد الآراء أمر طبيعي، لكن الجدل يحتدم كلما طُرحت خيارات التفاوض أو التسويات مع إسرائيل. ويرى منتقدو هذا النهج أن بعض القوى السياسية تندفع نحو المفاوضات بقدر كبير من التنازل، وأنها تُفرط في الرهان على وعود الخارج، بينما يعتقد آخرون أن الحوار هو السبيل لتجنب مزيد من الصراعات. وبين هذين الموقفين، يبقى السؤال الذي لا يغيب: كيف يمكن حماية السيادة والحقوق الوطنية في منطقة لا تزال تعيش صراعات مفتوحة؟
إن القضية، في جوهرها، ليست موقفًا عابرًا من مفاوضات أو اتفاقيات، بل سؤالًا أعمق عن معنى الكرامة الوطنية، وحدود التنازل، والفارق بين التسوية التي تحفظ الحقوق، والتسوية التي تجعل من الأمر الواقع قدرًا دائمًا.
ولمن يظن أن التوقيع على اتفاقية يكفي لتغيير وجدان الشعوب، نقول: إن التاريخ يعلمنا أن الأوراق قد تُوقع في القصور، لكن الذاكرة تُكتب في قلوب الناس. قد تصمت الشعوب زمنًا، وقد تُرهقها الحروب والأزمات، لكنها لا تنسى بسهولة ما تعتبره جزءًا من هويتها ووعيها الجمعي.
إن فلسطين، بالنسبة إلى ملايين البشر، ليست مجرد نزاع على الحدود، بل قضية تختلط فيها السياسة بالتاريخ، والهوية بالذاكرة، والعدالة بالأمل. ولهذا ظلت حاضرة في الضمير العربي والإسلامي، رغم اختلاف المواقف الرسمية، ورغم تبدل التحالفات، ورغم كل ما شهدته المنطقة من تحولات.
قد يملك الأقوياء الطائرات والأساطيل والإعلام، وقد يفرضون وقائع جديدة على الأرض، لكنهم لا يستطيعون أن يفرضوا على الناس كيف يتذكرون، ولا ماذا يؤمنون، ولا أي القضايا تستحق أن تبقى حية في وجدانهم.
يا كل العالم… اسمع.
إن الأوطان لا تُبنى بالخوف، ولا تُحمى بالاستسلام، ولا تُصان بالتخلي عن الحقوق. والسياسة، مهما كانت معقدة، تفقد معناها حين تنفصل عن الكرامة، كما يفقد السلام قيمته حين يغيب عنه العدل.
قد يطول الليل، وقد تكثر الانكسارات، وقد يظن البعض أن الضجيج قادر على إسكات الحقيقة، لكن التاريخ يثبت، مرة بعد أخرى، أن صوت الحق قد يخفت، إلا أنه لا يموت، وأن الشعوب، مهما أثقلتها الهزائم، تبقى قادرة على النهوض ما دامت تؤمن بأن للكرامة ثمنًا، وللحرية معنى، وللعدل يومًا لا بد أن يأتي .



