
الاستغفار يغير قدر بني آدم
هل تشعر أن الأبواب مغلقة في وجهك؟
هل تظن أن ظروفك الصعبة هي قدرك المحتوم الذي لا فكاك منه؟
القدر مكتوب نعم ولكن هل تعلم أن الله عز وجل جعل لك مفاتيح في يدك تملك بها تغيير المكتوب وتحويل الضيق إلى فرج؟
إنها أسلحة المؤمن الثلاثة الاستغفار والدعاء، والصبر
إليك القصة من القرآن الكريم على أن الاستغفار يقلب الموازين ويغير الأقدار
1
قصة ذي النون (سيدنا يونس عليه السلام) كيف تغير القدر في ظلمة البحر؟
حين ترك نبي الله يونس قومه غاضباً، وركب السفينة، واقترعوا فكان من المدحضين، أُلقي في البحر التقمته الحوت بحسابات البشر والمعطيات المادية
الموت محقق والهلاك هو المصير الحتميبل إن الله عز وجل أخبرنا في كتابه الكريم عن القدر الذي كان ينتظر يونس لولا شيء واحد غيّر المجرى تماماً! قال تعالى في سورة الصافات:
فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ
تأمل الآية جيداً! القدر المادي المحتوم لولا التسبيح والاستغفار هو البقاء في بطن الحوت إلى يوم القيامة ولكن ما الذي فعله سيدنا يونس في تلك الظلمات الثلاث (ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت)؟
لقد لجأ إلى الاستغفار والاعتراف بالذنب والدعاء، فاهتزت السموات لندائه
{فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}[الأنبياء: 87]
النتيجة؟ تغير القدر فوراً وجاء الأمر الإلهي بالنجاة{فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ۚ وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ}[الأنبياء: 88]
الآيات القرآنية الدالة على أن الاستغفار والدعاء والصبر يغيرون الأحوال والأقدار
القرآن الكريم مليء بالآيات المحكمات التي تؤكد أن العبد إذا استغفر ودعا وصبر، تبدلت أقدار الحرمان إلى عطاء، وأقدار العذاب إلى مغفرة ورحمة
الاستغفار يغير القدر الاقتصادي والاجتماعي (الفقر والعقم إلى غنى وبنين على لسان سيدنا نوح عليه السلام، يوضح القرآن كيف أن الاستغفار يغير حال القحط والفقر إلى وفرة ونعيم
{فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا
[نوح: 10-12]
2. الاستغفار يرفع قدر العذاب والمصائب:
الاستغفار هو الأمان الإلهي الذي يمنع وقوع البلاء والقدر المؤلم:
{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}[الأنفال: 33]
3. الاستغفار يجلب المتاع الحسن والطول في العمر والرزق {وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ} [هود: 3]
4. الدعاء يرد القدر ويغير حال المرض العضال: قصة سيدنا أيوب عليه السلام، بعد سنوات من المرض وفقد الأهل والمال، دعا فتغير قدره تماماً من الابتلاء إلى العافية المطلقة:
{وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ ۖ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَىٰ لِلْعَابِدِينَ} [الأنبياء: 83-84]
5.قصة سيدنا زكريا الذي كانت كل المعطيات والقدر الطبيعي لجسده وزوجته تمنع الإنجاب فغير الدعاء والصبر هذا القدر
{وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَىٰ وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ} [الأنبياء: 89-90]
6. الصبر عاقبته تحويل الضيق إلى أجر غير محدود وفرج قريب
{إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10]
{وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة: 155-157]
قصة قوم يونس الأمة الوحيدة التي غيّر الاستغفار قدر هلاكها الحتمي!
إذا كنا قد ذكرنا ما حدث لسيدنا يونس نفسه، فإن ما حدث لقومه هو المعجزة الأكبر في تاريخ الأمم. فالسُنّة الإلهية في الكون أن الأمة التي ينزل عليها العذاب لا يرفع عنها
لكن قوم يونس حين رأوا علامات العذاب أقبلت عليهم، خرجوا جميعاً إلى الصحراء، وعجّوا بالاستغفار والتضرع والتوبة، فخرق الله لهم القوانين الكونية وغيّر قدرهم المحتوم!
قال تعالى في سورة يونس
{فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ} [يونس: 98]
2. دعاء سيدنا موسى في مدين من قمة الشتات والخوف إلى قمة الاستقرار والأمان!
خرج نبي الله موسى من مصر خائفاً يترقب لا يملك مالاً، ولا مأوى ولا يدرك أين يذهب بحسابات الواقع هو طريد مشرد في الصحراء.
لكنه بعد أن سقى للفتاتين تولى إلى الظل ودعا بدعاء انكسار وافتقار لخزائن الله فتبدل قدره في غضون دقائق فجاءه المأوى والزوجة الصالحة والعمل المستقر لمدة عشر سنوات!
قال تعالى في سورة القصص:
{فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ * فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا} [القصص: 24-25]
3. استغفار ودعاء سيدنا سليمان كيف يفتح الاستغفار ملكاً لا حدود له؟
سيدنا سليمان عليه السلام قدّم الاستغفار وطلب المغفرة أولا ثم أتبعه بدعاء غيّر مجرى حياته ووهبه ملكاً لم يوتَ لأحد من العالمين من تسخير الريح والجن والحيوان. الاستغفار هنا كان الباب الذي فُتحت منه معجزات القدر:
قال تعالى في سورة ص
{قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لي وَهَبْ لي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ} [ص: 35-37]
آية جامعة في الدعاء وتغيير القدر بين أيدينا جميعاً الآية التي تقطع الشك باليقين، وهي رخصة الله المفتوحة لكل عباده بأن البلاء والدعاء يتصارعان، وأن الله يمحو ما يشاء ويُثبت ما يشاء بالدعاء والطاعة
قال تعالى في سورة الرعد:
{يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ۖ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ}[الرعد 39]
(حيث فسرها العلماء بأن الله يمحو بالدعاء والاستغفار أقداراً من البلاء ويثبت مكاناً الرحمة والفضل)
الخلاصة الروحية التي يجب أن تفهمها
القدر نوعان قدر معلق وقدر مبرم القدر المعلق في علم الله مكتوب فيه مثلاً إن دعا عبد فلان أو استغفر سيتغير حاله إلى كذا، وإن لم يدعُ سيبقى على حاله
لذلك قال رسول الله ﷺ في الحديث الصحيح “لا يَرُدُّ القَضَاءَ إلا الدُّعَاءُ فلا تستسلم للظروف المظلمة المحيطة بك وتذكر دائماً أن حوت يونس تحول إلى سفينة نجاة بالاستغفار، فاجعل لسانك رطباً بذكر الله واستغفاره ليتغير قدرك إلى أجمل مما تتمنى
زمن ضاقت عليه الأرض بما رحبت وتكالبت عليه ظروف الحياة حتى ظن أن لا مخرج
هل تأملت يوماً في حالك؟
ربما أنت الآن تعيش في بطن حوتٍ خاص بك
قد يكون هذا الحوت ديناً يثقل كاهلك ويعجزك قضاؤه قد يكون مرضاً أرهق جسدك وأعجز الأطباء دواؤه
قد يكون خوفاً من المستقبل، أو هماً وضيقاً في صدرك لا يعلم به إلا الله لكن تذكر دائماً
إن الإله الذي سمع نداء يونس وهو في قاع البحر، في أحشاء الحوت، وسط ليلٍ بهيم وصنع له معجزة النجاة من العدم هو نفسه الإله الذي يسمع دقات قلبك الآن ويرى دموعك الخفية وينتظر منك فقط أن تطرق الباب
لا تقل ذنوبي كثيرة فكيف يستجيب لي؟
فمن للمذنبين سواك يا رب يغفرها؟
ولا تقل قدري معقد وظروفي مستحيلة فإن الذي يمسك بملكوت السماوات والأرض لا يعجزه أمرك ومفاتيح تغيير هذا القدر بين شفتيك
نفسٌ مستغفر وقلبٌ موقن بالفرج، ولسانٌ لا يفتر عن الرجاء امسح غبار اليأس عن قلبك وابدأ الليلة أطلق سراح أمنياتك بالاستغفار وقل بيقين يزلزل ظلمات ليلك
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ودع المقادير تجري بأمر مالكها.
فوالله لن يخيب قلبٌ علّق رجاءه بمن يقول للشيء كن فيكون



