غراهم يرحل قبل أن يرى حلمه: سقوط مهندس مشروع نزع سلاح المقاومة

 

 

من تدريب نتنياهو على إقناع ترامب بقصف إيران، إلى إنهاء اجتماعه غضباً مع قائد الجيش اللبناني، إلى الدعوة لـ”الخطة ب” العسكرية ضد حزب الله ، سيرة رجل مات ومشروعه معلّق في الهواء

 

المقدمة

 

في مساء الحادي عشر من تموز 2026، رحل ليندسي غراهام عن 71 عاماً إثر مرض مفاجئ. لم يكن سيناتوراً عادياً من مئة، بل كان أحد المهندسين الفعليين للمشروع الأمريكي-الإسرائيلي في المنطقة، والذراع التشريعية الطولى والأكثر حماساً لنزع سلاح المقاومة، والصوت الذي حوّل عداء إيران وحزب الله من موقف سياسي إلى عقيدة شخصية. والمفارقة القدرية أنه رحل قبل أن يشهد تحقّق أيٍّ من أحلامه ، مات والمشروع الذي كرّس له سنواته الأخيرة يتهاوى تلة تلة، بندراً بندراً.

 

#أولاً: الرجل الذي درّب نتنياهو على إشعال الحرب

 

لم يكن دور غراهام خلف الكواليس، بل موثّقاً بالسجل: في عام 2026، درّب رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو على كيفية إقناع الرئيس ترامب ببدء قصف إيران. رجل من داخل مجلس الشيوخ الأمريكي يعمل حلقةَ وصلٍ عملياتية بين تل أبيب والبيت الأبيض لإشعال حرب إقليمية. وبعد ضربات حزيران على المنشآت النووية الإيرانية، خرج ليقول إن نجاح العملية كان “ترياقاً لمشكلاتنا”، لكنه أضاف بخبث استراتيجي أن “رغبة المرشد في امتلاك سلاح نووي لم تُمحَ، قدرته هي التي مُحيت” ، أي أنه كان يُنظّر لجولة حرب قادمة قبل أن تجفّ دماء الأولى.

 

ثانياً: مهندس نزع سلاح المقاومة — بالتواريخ والتصريحات

 

سجلّ غراهام مع لبنان لا يحتمل التأويل:

 

في 26 آب 2025، وبعد لقائه الرئيس جوزف عون في بيروت، أطلق تهديده الشهير: “هذا البلد يسير إلى الوراء لا إلى الأمام إن لم تنزعوا سلاح الفلسطينيين وحزب الله وتجعلوا الجيش اللبناني المستودع المركزي للسلاح.”

 

في 28 آب 2025، من تل أبيب، كشف عن “الخطة ب” صراحة: “إن لم نصل إلى حل سلمي لنزع سلاح حزب الله، فالخطة ب هي نزع سلاحه بالقوة العسكرية” ، داعياً أمريكا لدعم الجيش اللبناني في هذه المهمة.

 

في 21 كانون الأول 2025، رفع السقف إلى أقصاه: “أودّ أن أطير مع إسرائيل. أودّ أن تشارك الولايات المتحدة في العمليات العسكرية الجوية ضد حزب الله إن كان ذلك ما يتطلبه القضاء عليه.” وفي اليوم نفسه دعا لضرب إيران “الآن” إن كانت تُعيد بناء برنامجها الصاروخي.

 

في 5 شباط 2026، أنهى اجتماعه فجأةً مع قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل، لمجرد أن الأخير رفض وصف حزب الله بـ”الإرهابي في السياق اللبناني” ، ثم هدّد علناً بأن الجيش اللبناني “ليس استثماراً جيداً لأمريكا”.

 

هذا ليس سيناتوراً يُبدي رأياً ، هذا مُشغّل مشروع يربط مصير لبنان الاقتصادي والسياسي بنزع سلاح مقاومته، ويلوّح بورقة الدعم العسكري الأمريكي كأداة ابتزاز.

 

#ثالثاً: العقيدة التي جعلته يربط كل شيء بإسرائيل

 

ما ميّز غراهام أنه صهر المنطقة كلها في بوتقة واحدة: التطبيع السعودي-الإسرائيلي “لن يحدث إلا إذا تعاملتم مع وكلاء إيران”، وأحمد الشرع في سوريا “أفضل رهان لنا”، وحماس “يجب أن تُمهَل ثم يُطلَق العنان لإسرائيل عليها”. رجلٌ رأى الشرق الأوسط خريطةَ نفوذٍ إسرائيلية، والمقاومة عقبةً تُزال بالقوة لا تُفاوَض. ولذلك بكاه نتنياهو (“خسرنا أحد أعظم أصدقائنا”) وهرتسوغ وبن غفير وكاتس ، والنعيُ من هذه الجهات وحده يكفي شهادةً على الجهة التي خدمها طوال حياته.

 

الخاتمة

 

غراهام رحل في اللحظة التي انكشف فيها فشل كل ما بشّر به. إيران التي أراد إخضاعها خرجت من الحرب أقوى وتُدير هرمز بأوامرها. حزب الله الذي أراد نزع سلاحه صمد حربين كونيتين وكسر مشروع “الخطة ب” على صخرة علي الطاهر. ونتنياهو الذي درّبه يواجه نهايته السياسية. مهندس “الشرق الأوسط الجديد” مات، والشرق الأوسط الذي حلم به لم يُولد ، ولن يُولد.

 

..رحل مهندس الحرب قبل أن يقطف سلامه الموعود، فمات وحلمه معلّق بين تلالٍ لم تُفتح، ومضيقٍ لم يُخضَع، ومقاومةٍ لم تُنزع. من ظنّ أن القوة تكتب النهايات، رحل والنهاية تُكتب بغير ما أراد، نهاية “من شبّ على شيء شاب عليه”. وللتاريخ ذاكرةٌ لا تشتريها التصريحات، وللظالمين يومٌ لا رادّ له.

 

 

قولوا يا رب.

 

 

د وسيم جابر
د . وسيم  جابر
شارك