
ترامب – الشرق الأوسط! هل تعود المنطقة إلى زمن الاستقطاب الكبير؟
بقلم: د. محمد هزيمة
كاتب سياسي وباحث استراتيجي
التحولات الكبرى في التاريخ ليست مجرد لعبة تختصر بتبدل الرؤساء او الحكومات ولا تختصر بالشكل بل مرحلة تعيد فيها القوى الكبرى ترتيب أولوياتها وأدواتها ونمط تحالفاتها كما هو حال الشرق الأوسط -ترامب حرب تقاطع مزجت بين الجغرافيا والدين وتتداخلت الطاقة مع الأمن، بوقت تحولت الممرات البحرية قوة تمسك الاقتصاد العالمي، خلقت مشهد تجاوز حدود التغيير التي عمل عليها ترامب وهدف لتحقيقها لتفرض معادلة يصعب التنبؤ بحدودها ومستقبلها بعدما رسخت حاله لم تكن ضمن حسابات واشنطن ولا حلفاء ترامب ترجمت ضغوط اقتصادية بدت بسلاسل التوريد لتضرب الإنتاج بنتيجة اولية الخاسر الاكبر واشنطن بحدود تجاوزت الولايات المتحدة لتصيب الاقتصاد العالمي وتطال معظم عواصم الصناعة، وتخلق ازمة تفاقم الاقتصاد العالمي المترنح والذي يعاني وكان على ابواب ازمة مالية حذر منها الخبراء
ومع عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض بدورة رىاسية جديدة لتعيد معها جدلا كبيرا حول طبيعة السياسة الأمريكية المقبلة وحدودها، فالرجل الذي اشتهر بتفضيل سياسة الضغوط القصوى وإعادة تشكيل التحالفات يدخل مرحلة تختلف كثيرًا عن ولايته الأولى بدء من حرب غزة وصولا الى التوتر مع إيران بما فيها أمن الملاحة في البحر الأحمر بالتوازي مع تحولات في العلاقات العربية عوامل زادت على المشهد تعقيدًا اكثر وقلق يفوق أي وقت مضى.
فالبرغم من اختلاف الإدارات الأمريكية بأساليبها، وتنوعها بين جمهوري ومحافظ لكن ثمة هدف لا بمكن المساس فيه على العكس بل هو رافعة سياسية لمن يسكن البيت الابيض يتمثل بدعم إسرائيل بهدف يُعتبر من ثوابت السياسة الأمريكية ما يطرح سؤال يفرض نفسه ليس ما إذا كانت واشنطن ستواصل هذا الدعم، بل : كيف ينعكس ذلك على موازين القوى الإقليمية!؟؟ وما مدى تاثير الدعم اللامحدود على فرص التهدئة أو التصعيد!؟؟؟
من هنا يرى بعض المحللين أن ازدياد الاستقطاب بين المحاور الإقليمية قد ينعكس على الخطاب السياسي في المنطقة، وربما يُستدعى في بعض الساحات خطابٌ ذي طابع مذهبي لتعبئة الجمهور أو لتعزيز التحالفات بالمقابل يرى آخرون أن تجارب السنوات الماضية جعلت دولًا كثيرة أكثر حذرًا من الانزلاق بصراعات داخلية خشية من كلفة على جميع المستويات من إنسانية الى اقتصادية وأمنية
فالتاريخ القريب يقدم دروسًا مهمة فقد شهدت فيها منطقة الشرق الاوسط محطات امتزجت فيها الخلافات السياسية بالهويات الدينية، وكان لذلك أثر بالغ على استقرار المجتمعات. إلا أن اختزال هذه الصراعات في بعدها المذهبي وحده لا يفسر المشهد بالكامل تلعب فيها اعتبارات النفوذ ودور الطاقة الاقتصاد الممرات البحرية وصولا للعلاقات الدولية أدوارًا اكثر أهمية لا بل تكون بخدمة المشروع ،
ومن المعلوم ان سياسة واشنطن في الشرق الأوسط لا تُبنى على ملف واحد بل على منظومة مصالح تشمل أمن الحلفاء وحرية الملاحة بهدف استقرار أسواق الطاقة اولا ثم مواجهة التهديدات العابرة للحدود. وفي الوقت نفسه تمتلك القوى الإقليمية حساباتها الخاصة، وهو ما يجعل التفاعلات أكثر تعقيدًا من أن تُختزل في إرادة طرف واحد بعكس العقيدة السياسية الاميركية والانفلاشة الكبرى
ومن هنا يتبين ان مستقبل الشرق لن يتحدد وفق ارادة واشنطن وحدها بل بقدرة قوى عملت على إدارة معركتها وتحويل الازمة فرصة تبدا بطي صفحة كل الخلافات السياسية وضرب كل اشكال انقسام المجتمع حتى التي يصعب احتواؤها فالتجارب تركد ان إشعال الأزمات أسهل من إنهائها، وأن الثقة التي تُهدم بساعات تحتاج سنوات لإعادة بنائها كذلك الشعوب المستهدفة تدفع الثمن الأكبر لكنها لا تتراجع خاصة اءا كانت الحرب حرب وجود كما هو واقع الشرق الأوسط الذي يقف اليوم أمام مفترق طرق تحديات أمنية واقتصادية متراكمة وفرص لبناء تفاهمات جديدة إذا ما توفرت إرادة سياسية حتى اللحظة يقوضها الاميركي ربطا بمشروعه للشرق الاوسط، وبين هذين المسارين يبقى مستقبل المنطقة رهينًا بحدود مغامرة ترامب ووهانش إدارة التنافس وقطع طريق الانزلاق إلى مواجهات أوسع
ولعل السؤال الأهم ليس: من سيربح جولة السياسة المقبلة؟ بل: هل تستطيع المنطقة أن تتجنب تكرار أخطاء الماضي !؟؟؟ وهل يسمح لها ترامب أن تبني أمنها وفق مصالحها وصمن المؤسسات ؟؟؟؛ فهل يسمح الاميركي ؟ امام واقع اننا بمرحلة ادارة ازمة ولم تنضج ظروف الحل ، فالتاريخ علّمنا أن الأمم التي تنجح في إدارة اختلافاتها بالحكمة تملك فرصة لصناعة مستقبل أكثر استقرارًا بعكس التي تجعل الانقسام قدرًا دائمًا فإنها تظل أسيرة دوائر لا تنتهي من الأزمات وهذا واقع الشرق الاوسط تحت وطاة جشع الاميركي
ليبقى أكبر من أن يُختزل بارادة مستعمر يفرض معادلة واحدة مبنية على مصالحة أعقد من أن تفسَّر بسبب واحد تتشابك مصالح اميركا بحكومات مهمة وهدف الارتباط بالمشروع الاميركي بواقع لا يمكن تفسيره الا بعد فهم المستقبل بقراءة شاملة تجمع بين التاريخ والسياسة والاقتصاد والجغرافيا، لتفتح الباب أمام الحلول مهما بدت التحديات كبيرة



