
المحلل السياسي: طبيب الواقع لا خطيب المنابر
بقلم: سعيد فارس السعيد.
كاتب وباحث استراتيجي سوري مستقل.
المحلل السياسي الحقيقي لاينتمي إلى حزب، ولا يتحرك داخل تيار، ولا يتحدث باسم دين أو طائفة أو قوميةلأن لحظة انتمائه، ما إن تبدأ، تنتهي معها وظيفة التحليل السياسي والاستراتيجي في فكره، ويبدأ التبرير والانحياز.
فقناعاته الشخصية، وإيمانه، وخياراته الوجدانية، تبقى شأنًا خاصًا بينه وبين نفسه.
المحلل السياسي صوت من أصوات الحق والحقيقة،
لا أداة بيد أحد، ولا وسيلة لتعبئة رأي عام محلي أو توجيهه بالعاطفةفالرأي العام لا يحتاج إلى من يقوده بانفعاله، بل إلى من يُنير له الوقائع بعقله.
نعم المحلل السياسي أو الاستراتيجي الحقيقي يشبه الطبيب:
لا يخشى المرض، ولا يحبّه،
لا ينحاز للحمّى ولا للجرح،
بل يدرسهما كما هما،
ليُشخّص الداء،
ويصف الدواء،
أو يعترف بشجاعة أن المرض أعقد من الوصفات الجاهزة.
وحين يتحول التحليل إلى وعظ، أو إلى خطاب تعبوي، أو إلى اصطفاف مسبق،فهو لم يعد تحليلًا سياسيا نافعا، بل دعاية متنكرة بلغة العقل.
فالتحليل السياسي مسؤولية أخلاقية قبل أن يكون موقفًا،
ومن لا يستطيع الفصل بين قناعته ودوره،الأجدر به أن يكون خطيبًا أو ناشطًا لحزب او دين او طائفة أو دولة أو قومية أو قبيلة ،لا محللًا سياسيًا.
وللأسف حين يصبح التحليل السياسي خيانة للوعي كما نشاهده ونسمعه في معظم صفحات ومساحات وسائل الإعلام المختلفة، ومعظم منصات ومواقع التواصل الاجتماعي بكافة أنواعها بهذه الأيام ، من انتشار تحليلات ومقالات وآراء وفيديوهات تُعمّق خطاب الكراهية والطائفية والإقصاء للآخرين ،تلك المواد المنشورة لتلك التحليلات السياسية أبواق وسموم قاتلة للمجتمع وللأمة ولكل قيم ومبادئ إنسانية الانسان
نعم ،للأسف الشديد، لم يرتقِ فكر وأسلوب معظم هؤلاء الكتاب والمحليين والناشطين إلى مستوى الحفاظ على إنسانية الإنسان، أو إلى نشر قيم الحب والإخلاص لله وحده، وللأوطان، وللقضايا الإنسانية: الحرية، الكرامة، الأمن، الاستقرار، والسعادة.
إن استمرار ذلك الخطاب يساهم في تغذية الانقسامات، وإضعاف النسيج الاجتماعي، وتهديد أمن المجتمعات،ويُبعد بشكل مباشرعن الحلول الواقعيةوالبناءةلمشاكل الشعوب، ويضعف أي فرصة للتعاون الإقليمي أو الدولي من أجل السلام والعدالة.
فحين يصبح التحليل السياسي أداة تضليل جماعي، فإن ذلك هو دعوة صريحة للناس لتصديق أكاذيب خطيرة:
خاصة عند الحديث بأن هناك حكّامًا لا يُخطئون، وقادة فوق النقد، ومشاريع لا يجوز الاقتراب منهاوهذا، في جوهره، هو اغتيال للعقل العام.
فأخطر أشكال الاستبداد ليس ذاك الذي يقمع بالسلاح فقط، بل ذاك الذي يُقنِع الناس بأن
القمع حكمة وضرورة ،
وقدرة الإقصاء بطولة،
فالسياسة التي تُختزل في عبادة الأشخاص أو الطوائف أو المحاور، لا تولد وعيا وطنيا وسياسيا…
بل عبادة سياسية لأشخاص .
لأن الأمن الإجتماعي والوطني والسلام الحقيقي لا يولد من الكذب، ولا يحتاج إلى خطابات خشبية أو مجاملات دبلوماسية كاذبة أو تبرير الجرائم باسم “المصلحة”. بل يحتاج إلى:
وضوح حازم،
وصدق ساطع،
وتقديس مطلق لإنسانية الإنسان، وأمنه، وكرامته، وسعادته.
والواقعية السياسية الحقة تعني:
لا أحد فوق المساءلة.
ولا مشروع بلا ثمن أخلاقي.
ولا تحالف بلا محاسبة.
ولا دولة تُبنى على الخوف والكذب وتكميم الافواه وتضليل العقول.
فكل من يبرر الظلم ليس محللًا سياسيا ، بل شريك فيه.ومن يجمّل الفشل او التقصير ليس وطنيًا،بل عدوّ للوعي ومن يخوّف الناس من الحقيقة،
لا يحمي الاستقرار،
بل يمهّد لانفجار أعنف.
ما نحتاجه اليوم:
_محللون أحرار،
_خطاب شجاع،
_ خطاب محبة للإنسان بكل مكان ..
_ خطاب لبناء الإنسان قبل العمران .
نحن بحاجة لمن يقول للمسؤول :
أخطأت،
وللشعب:
لك الحق أن تفهم وتسأل وتحاسب.
إن الشرق الذي نحلم به لن يولد من تقديس الزعماء،
بل من احترام الإنسان.
ولن يولد من تزييف الوعي،
بل من الحقيقة مهما كانت قاسية.
سعيد فارس السعيد
كاتب وباحث استراتيجي سوري مستقل
“صوتٌ من أجل شرقٍ يولد من تحت الرماد، لا من تحت الركام”



