
الحرب التي لا يريدها أحد… فهل يدخل حزب الله الميدان؟
بقلم: أمين السكافي.
في الشرق الأوسط لا تنتهي الحروب عندما تتوقف المدافع، بل عندما تنتهي السياسة من إعادة رسم الخرائط. وما يجري اليوم بين الولايات المتحدة وإيران ليس مجرد مواجهة عسكرية، كما أنه ليس سلاماً حقيقياً. إنه فصل جديد من الصراع الذي يختلط فيه الرصاص بالمفاوضات، وتجلس فيه الوفود حول الطاولة فيما تستمر الصواريخ في رسم حدود القوة.
قد يبدو الأمر متناقضاً: كيف يمكن لدولتين خاضتا أشهراً طويلة من المفاوضات أن تعودا إلى تبادل الضربات؟ لكن تاريخ العلاقات الأمريكية الإيرانية منذ أكثر من أربعة عقود يقول إن التفاوض بينهما لم يكن يوماً بديلاً عن القوة، بل كان دائماً وجهاً آخر لها. فالسياسة الأمريكية اعتادت أن تفاوض وهي تضغط، وإيران اعتادت أن تهاجم وهي تفاوض، ولذلك فإن الاتفاقات المرحلية لا تعني انتهاء الصراع، بل تنظيمه وتأجيل انفجاره أو ضبط إيقاعه.
ولهذا فإن ما نشهده اليوم لا يعني بالضرورة انهيار كل ما تحقق دبلوماسياً، بل قد يكون محاولة لتحسين شروط الاتفاق النهائي، ورفع سقف المكاسب قبل العودة إلى الطاولة. فالحرب هنا ليست غاية بحد ذاتها، بل وسيلة تفاوض قاسية.
لكن الأخطر أن هذه المواجهة لم تعد محصورة بين واشنطن وطهران. فقد امتدت آثارها إلى أكثر من ساحة، فأصاب لهيبها الممرات البحرية، والقواعد العسكرية، وبعض الدول الخليجية، كما بقيت الساحتان العراقية والسورية في قلب الاشتباك غير المباشر، فيما ظل لبنان حاضراً بوصفه الجبهة الأكثر حساسية، لا لأنها الأكثر اشتعالاً، بل لأنها الأكثر قدرة على تغيير موازين الحرب إذا انفجرت بالكامل. وتشير التطورات الأخيرة إلى أن إسرائيل نفسها لم تعد بمنأى عن الاستهداف، بعدما تعرضت خلال مراحل التصعيد لهجمات صاروخية ومسيرات، الأمر الذي أكد أن أي حرب إقليمية لن تكون من طرف واحد.
أما إسرائيل، فهي تحقق بعض أهدافها العسكرية، لكنها تدفع في المقابل أثماناً أمنية واقتصادية وسياسية. فلا توجد حرب يمكن أن توفر أمناً مطلقاً لدولة تعيش في قلب منطقة مشتعلة. وكلما توسعت دائرة النار، ازدادت احتمالات خروجها عن سيطرة الجميع.
ويبقى السؤال اللبناني هو الأكثر حضوراً: هل يدخل حزب الله الحرب؟
حتى هذه اللحظة، لا توجد مؤشرات قاطعة على قرار بالانخراط في مواجهة شاملة. بل إن ما يظهر من خلال الوقائع الميدانية هو حرص واضح على عدم فتح حرب واسعة، مع الإبقاء على جاهزية كاملة إذا فرضت التطورات ذلك. فالحزب يدرك أن أي قرار من هذا النوع لن تكون نتائجه محصورة بجنوب لبنان، بل سيمتد إلى الداخل اللبناني بكل أزماته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
ومن الناحية العسكرية، يدرك الحزب أيضاً أن أي حرب مقبلة لن تشبه حرب تموز 2006، ولا حتى جولات الاشتباك التي تلت الثامن من تشرين الأول 2023. فإسرائيل بدورها تستعد لحرب مختلفة، والولايات المتحدة ستكون أكثر انخراطاً، فيما تبدو البيئة الإقليمية أكثر تعقيداً من أي وقت مضى.
لذلك فإن القراءة العسكرية ترجح أن الحزب سيواصل سياسة “الردع من دون الانزلاق”، أي المحافظة على القدرة على الرد إذا تعرض لبنان أو قيادته أو بنيته العسكرية لاستهداف واسع، مع تجنب المبادرة إلى حرب شاملة ما لم تفرض عليه. هذا التقدير يبقى تحليلاً سياسياً وعسكرياً، وليس تأكيداً لما سيحدث، لأن القرارات الكبرى في مثل هذه الصراعات قد تتغير سريعاً وفق تطورات الميدان. كما أن التقارير الأخيرة تشير إلى استمرار التزام نسبي بضبط الاشتباك رغم وقوع حوادث متفرقة على الحدود.
وفي المقابل، لا تبدو واشنطن راغبة في حرب مفتوحة تستنزفها سنوات جديدة في الشرق الأوسط، كما لا تبدو إيران في وارد الذهاب إلى مواجهة وجودية تهدد الدولة نفسها. فكلا الطرفين يعرف أن كلفة الحرب الشاملة قد تتجاوز بكثير حجم المكاسب الممكنة، ولهذا لا تزال قنوات التواصل، المباشرة وغير المباشرة، حاضرة رغم التصعيد، كما استمرت المؤشرات إلى وجود جهود لإحياء التفاهمات السياسية بعد كل جولة تصعيد.
ولعل هذه هي المفارقة الكبرى في المنطقة: الجميع يرفع سقف الخطاب، والجميع يلوح بالقوة، لكن الجميع أيضاً يترك باب السياسة موارباً.
فالولايات المتحدة لا تريد انهيار النظام الإقليمي بالكامل، وإيران لا تريد خسارة ما بنته خلال عقود، وإسرائيل تعرف أن الحرب المفتوحة قد تحقق انتصارات تكتيكية، لكنها قد تنتج واقعاً استراتيجياً أكثر خطورة، أما لبنان فهو الحلقة الأضعف، الذي يدفع ثمن كل حرب حتى عندما لا يكون صاحب قرارها.
لذلك، فإن السؤال ليس فقط: هل يدخل حزب الله الحرب؟
السؤال الأهم هو: هل تسمح مصالح القوى الكبرى بأن تتحول المنطقة إلى حرب لا يستطيع أحد إطفاءها؟
حتى الآن، تبدو الإجابة أقرب إلى النفي منها إلى الإثبات. فالحرب مستمرة، لكنها ما زالت مضبوطة الإيقاع. والضربات تتبادل، لكن أبواب التفاوض لم تغلق. وفي الشرق الأوسط، كثيراً ما تنتهي الحروب عندما يقتنع المنتصر أنه لا يستطيع أن ينتصر أكثر، ويقتنع الخاسر أنه لم يخسر كل شيء.
وربما لهذا السبب تحديداً، لا تزال السياسة تقاتل إلى جانب الجيوش، ولا يزال التفاوض يسير بمحاذاة الدبابات، بانتظار لحظة يقرر فيها الجميع أن السلام، مهما كان ناقصاً، أقل كلفة من حرب لا يريدها أحد، لكنها قد تفرض نفسها على الجميع.



