
الحرب تتمدّد أفقياً: من هرمز إلى الجفير، والجميع أسيرُ تقويمه الانتخابي
ضُرب الأسطول الخامس في عقر داره، وأُغلق هرمز بالحوادث لا بالكلام، وتحضّر أمريكا لبرّي وإسرائيل لدخول ، لكن ساعة الحسم معلّقة على صندوقَي اقتراع في واشنطن وتل أبيب
المقدمة
في الحروب الكبرى، لا يُقاس التمدّد بعدد الصواريخ بل باتساع رقعة من يُصابون بها. وحين تنتقل النار في أيام معدودة من جنوب إيران إلى مقر الأسطول الأمريكي الخامس في البحرين، إلى قاعدة موفق السلطي في الأردن، إلى منصّات الكويت، إلى أربيل ، نكون قد غادرنا “الاشتباك المحدود” ودخلنا “حرب إقليمية تتمدّد أفقياً”. لكن المفارقة الكبرى أن كل الأطراف، وهي تُشعل، تنظر إلى الوراء ، إلى تقويمها الانتخابي. هذه حرب تُدار بيدٍ على الزناد وعينٍ على الصندوق.
#أولاً: الأسطول الخامس تحت النار ، سقوط الهيبة قبل القاعدة
استهداف مقر الأسطول الخامس في الجفير ليس حدثاً عسكرياً عابراً ، هو ضربة لرمز. الأسطول الخامس هو القبضة البحرية الأمريكية في الخليج منذ عقود، ومسّه يعني أن لا حصانة لأي هدف. تفعيل صفارات المنامة، توقّف مطارها، فشل هبوط طائراتها ، كلها تقول إن قاعدة الردع انقلبت: من كان يردع، بات يُردَع. وإيران لا تكتفي بالفعل، بل تُتبعه بالتأصيل السياسي: تحذير الكويت أن “وضعها لن يكون طبيعياً بعد الحرب”، لأن من يستضيف المنصّة يتحمّل نتيجتها. هذه عقيدة جديدة تُعيد تعريف معنى “القاعدة الأمريكية” في المنطقة: لم تعد مظلّة حماية، بل هدفاً مؤجّلاً.
#ثانياً: هرمز ، السيادة تُثبَّت بالحادثة لا بالبيان
البيان الأخطر جاء من القوة البحرية للحرس الثوري: أربع سفن مخالفة حاولت العبور من مسار غير آمن، فتعرّضت اثنتان لحادث وتوقّفتا، وتراجعت الأخريان. ثم الجملة التي تختصر المعادلة: “لن تعبر قطرة نفط أو غاز أو أسمدة إلا بإذن وتنسيق.” هذا ليس تهديداً بإغلاق هرمز ، هذا إعلان أن هرمز أصبح “يُدار بجواز إيراني”. ووكالة الطاقة الدولية تحذّر من أزمة خلال أسابيع. الساعة الاقتصادية تدق، وهي تدق على من يستورد الطاقة لا على من يملك المضيق. من عجز عن فتح المضيق بالحرب، يجده اليوم مقفلاً بقرار.
#ثالثاً: الجميع أسيرُ تقويمه ، مفتاح قراءة المرحلة
هنا يكمن العقل الخفي للمشهد. يديعوت أحرونوت تكشف الحسبة بصراحة: التصعيد الأمريكي “سيبقى تحت السيطرة بحلول انتخابات التجديد النصفي.” وافتتاحية إسرائيل اليوم: مئة يوم على انتخابات 27 تشرين اول، “الأكثر أهمية منذ قيام الدولة.” أي أن ترامب يُدير حربه بعين على تشرين ثاني، ونتنياهو يُدير بقاءه بعين على تشرين اول.
وهذا يفسّر التناقض الظاهري: أمريكا تُحضّر لعملية برية (معاريف) وترفع تأهبها لحرب شاملة، لكنها في الوقت نفسه تطلب من إيران — عبر وسيط — وقف ردّها. القائد الذي يريد “صورة قوة” للانتخابات لا يريد “حرباً حقيقية” تُفسدها. وهذه الفجوة بين الاستعراض والالتزام هي مساحة المناورة الإيرانية الأثمن.
#رابعاً: هل تدخل إسرائيل؟ الحاجة تدفع، والخوف يكبح
مسؤول إسرائيلي: “قد ننضم إذا استمرت الهجمات.” طيران كثيف فوق بيروت والضاحية. الكابينت يحظر المسيّرات الشخصية ستة أشهر خشية اغتيال إيراني لنتنياهو. لكن في المقابل، اعتراف نادر من العميد الإسرائيلي زيو: “كان يجب ترك خامنئي حياً” ، ندمٌ استراتيجي علني على الاغتيال الذي فجّر كل شيء. إسرائيل ممزّقة بين حاجة نتنياهو لصورة انتصار، وخوف مؤسستها من حرب تنقل الرد الإيراني إلى عمقها مباشرة. والخط الأحمر الإيراني معلن: أي حماقة إسرائيلية، والرد يتركّز على الكيان.
#خامساً: لبنان ، تُدقّ الفتنة بينما يحترق الجوار
وفي قلب هذا كله، لبنان يُستهدف من الداخل لا الحدود فقط. الشيخ أحمد قبلان يحذّر: “أغيثوا لبنان قبل أن تدفعه السلطة نحو جحيم فتنة.” وفضيحة نقل ثلاثمئة سجين سوري “لاستكمال عقوبتهم” فإذا معظمهم أحرار ، تكشف دولةً تتهاون في سيادتها. وتوغّل إسرائيلي في الصمدانية بريف القنيطرة يُبقي الجبهة السورية مشتعلة. الرسالة واضحة: من يعجز عن كسر المقاومة بالميدان، يُحاول تفكيك بيئتها بالفتنة والفضيحة والاستنزاف.
#الخاتمة: السيناريو الأقرب
لا يقين، بل ترجيح مبنيّ على الوقائع:
الأرجح (50%) استنزاف مضبوط يمتدّ أسابيع: تصعيد متبادل دون حرب شاملة، تفرضه حسابات تشرين أول والثاني ، حتى تُنهيه فاتورة الطاقة العالمية لا إرادة أحد.
الأخطر (30%) خطأ حساب يُشعل الجولة الأوسع: دخول إسرائيلي أو عملية برية أمريكية تنقل الحرب إلى طور لا رجعة فيه.
الأضعف (20%) تهدئة مفاجئة عبر صفقة كبرى تُعيد ترتيب هرمز والنووي والانسحاب معاً.
وفي كل السيناريوهات، “موقع لبنان واحد”: ساحة يُراد لها أن تنفجر من الداخل لتخفيف الضغط عن الخارج. والحكمة تقتضي ألا يمنح أحدٌ نتنياهو الذريعة، ولا يُجرّ أحدٌ إلى فتنةٍ هي الهدية الوحيدة التي ينتظرها.
…حين تتمدّد النار أفقياً، لا يُقاس المنتصر بمن أطلق أكثر، بل بمن يقدر أن يصمد أطول. والذين يُشعلون الإقليم وعيونهم على صناديقهم، يكشفون أن حربهم استعراضٌ لا عقيدة ، والاستعراض يسقط حين تُقرأ نتيجته. أمّا من يُقاتل من أجل أرضه لا من أجل صورته، فهو وحده من يكتب النهايات.
قولوا يا رب.
د. وسيم جابر –



