حين لعبت السياسة تسعين دقيقة

 

بقلم : أمين السكافي .

كيف قسمت مباراة إسبانيا والأرجنتين الرأي العام العالمي بين كرة القدم والجغرافيا السياسية؟

 

لم يكن نهائي كأس العالم بين إسبانيا والأرجنتين مجرد مباراة لتحديد بطل العالم. ففي زمن أصبحت فيه الرياضة امتدادًا للقوة الناعمة، تحولت الكرة إلى لغة سياسية، وأصبحت المدرجات امتدادًا لمنصات الإعلام ومواقع التواصل، فيما راحت الشعوب تُسقط على المستطيل الأخضر ما تحمله من ذاكرة تاريخية، وخلافات سياسية، ومواقف أيديولوجية، وحتى عقد استعمارية لم تُحسم بعد.

 

ولهذا بدا المشهد وكأن العالم لا يتابع مباراة كرة قدم، بل يراقب مواجهة بين سرديتين مختلفتين، لكل واحدة منهما جمهورها، ورمزيتها، وأسبابها التي تتجاوز المستطيل الأخضر.

 

فما الذي جعل هذا النهائي مختلفًا؟

 

أولًا: الأرجنتين… منتخب تحول إلى رمز

 

منذ تتويجها في مونديال 2022، لم تعد الأرجنتين مجرد منتخب ناجح، بل أصبحت ظاهرة جماهيرية عالمية.

 

هناك من شجعها لأنها تمثل المدرسة اللاتينية التقليدية؛ كرة تعتمد على المهارة والعاطفة والخيال.

 

وهناك من شجعها بسبب الإرث الذي تركه ليونيل ميسي، الذي تحول بالنسبة لملايين المشجعين إلى آخر أساطير جيل كامل.

 

كما أن كثيرًا من شعوب الجنوب العالمي ترى في الأرجنتين نموذجًا لدولة خرجت من أزمات اقتصادية وسياسية متلاحقة لكنها بقيت قادرة على إنتاج القوة الناعمة عبر الرياضة والثقافة.

 

ثانيًا: لماذا وقف كثيرون مع إسبانيا؟

 

في المقابل، لم تكن إسبانيا تمثل أوروبا التقليدية فقط.

 

لقد دخلت البطولة وهي تحمل صورة المنتخب الأكثر تنظيمًا والأكثر استقرارًا تكتيكيًا، مع جيل شاب يقوده لاعبون أصبحوا رموزًا لمستقبل الكرة الأوروبية.

 

لكن المفاجأة أن جزءًا كبيرًا من التأييد لإسبانيا لم يكن سببه حبها، بل رفضًا للأرجنتين.

 

ففي دول عديدة في أمريكا اللاتينية، خاصة البرازيل وكولومبيا والمكسيك، برزت موجة غير مسبوقة من تشجيع إسبانيا، مدفوعة بالخصومة الرياضية مع الأرجنتين، وبالانتقادات التي وُجهت لبعض سلوكيات جماهيرها خلال السنوات الأخيرة، إضافة إلى الجدل حول قرارات تحكيمية ومسائل تتعلق بالعنصرية والهتافات بين جماهير منتخبات القارة.

 

ثالثًا: هل كان الانقسام سياسيًا؟

 

الإجابة تحتاج إلى دقة.

 

لم يكن هناك اصطفاف رسمي بين الحكومات.

 

لكن السياسة حضرت بصورة غير مباشرة.

 

فإسبانيا تعيش منذ سنوات سياسة خارجية مختلفة عن عدد من الدول الغربية في ملفات مثل غزة وبعض قضايا الشرق الأوسط، بينما تعيش الأرجنتين في عهد الرئيس خافيير ميلي مرحلة سياسية مختلفة تمامًا، تقوم على الليبرالية الاقتصادية والاقتراب من الولايات المتحدة والغرب. ومع ذلك، لم يتحول النهائي إلى مواجهة بين هذين النهجين، بل بقيت هذه الخلفيات حاضرة في النقاشات أكثر من حضورها في أرض الملعب.

 

رابعًا: ذاكرة الاستعمار عادت إلى الواجهة

 

المفارقة أن بعض شعوب أمريكا اللاتينية وجدت نفسها أمام سؤال تاريخي معقد.

 

هل تشجع الأرجنتين باعتبارها دولة من القارة نفسها؟

 

أم تؤيد إسبانيا رغم أنها القوة الاستعمارية السابقة؟

 

المثير أن الإجابات جاءت متناقضة.

 

فمن رأى أن التضامن اللاتيني يفرض تشجيع الأرجنتين، اصطدم بتيار آخر اعتبر أن الخصومة الرياضية الحالية مع الأرجنتين أقوى من ذاكرة الاستعمار، ولذلك فضّل إسبانيا.

 

خامسًا: الإعلام… اللاعب رقم 12

 

وسائل الإعلام لم تكتف بنقل المباراة.

 

بل صنعت روايات متنافسة.

 

إعلام ركز على “المباراة الأخيرة لميسي”.

 

وآخر تحدث عن “ولادة الإمبراطورية الإسبانية الجديدة”.

 

ومنصات التواصل الاجتماعي زادت الاستقطاب عبر آلاف المقاطع والوسوم، حتى بدا وكأن كل هدف أو قرار تحكيمي يتحول خلال دقائق إلى معركة سياسية وثقافية.

 

سادسًا: هل تدخلت السياسة فعلًا؟

 

ليس بالمعنى التقليدي.

 

لم تصدر بيانات حكومية تؤيد منتخبًا ضد آخر.

 

لكن شخصيات سياسية حضرت المشهد، كما أثارت بعض الوقائع الجانبية نقاشات سياسية وإعلامية، من بينها الجدل حول حضور قادة سياسيين، وبعض الرموز التي رافقت مسيرة المنتخب الأرجنتيني في البطولة. كما أثارت بعض التصرفات بعد المباراة اهتمامًا واسعًا، لكن ذلك بقي في إطار الجدل الإعلامي أكثر من كونه أزمة دبلوماسية.

 

سابعًا: هل خرجت المباراة من إطار كرة القدم؟

 

إلى حد كبير… نعم.

 

لكن ليس لأنها أصبحت حربًا سياسية.

 

بل لأنها تحولت إلى مساحة لإظهار الانتماءات والهويات.

 

فالبعض شجع ميسي.

 

والبعض شجع الجيل الإسباني الجديد.

 

والبعض شجع أوروبا.

 

وآخرون شجعوا أمريكا اللاتينية.

 

وفريق ثالث شجع المنتخب الذي لا يحبه خصمه التقليدي.

 

وهكذا أصبحت المباراة مرآة لصراعات الهوية أكثر منها صراعًا بين دولتين.

 

الخلاصة

 

من الخطأ وصف نهائي إسبانيا والأرجنتين بأنه “مواجهة سياسية” بالمعنى المباشر، لأن اللاعبين لم يخوضوا معركة بالوكالة عن حكوماتهم، ولم تتحول البطولة إلى صراع دبلوماسي رسمي.

 

لكن من الصحيح القول إن النهائي كشف كيف أصبحت كرة القدم أكبر من لعبة.

 

فهي اليوم صناعة للرأي العام، وأداة للقوة الناعمة، ومنصة تعكس الانقسامات الثقافية والتاريخية، وأحيانًا السياسية.

 

لقد انتهت المباراة بفوز إسبانيا بهدف نظيف بعد وقت إضافي، لكن النقاش الذي ولدته لم ينتهِ مع صافرة الحكم، بل استمر في الصحف، وعلى الشاشات، وفي مواقع التواصل، حيث اختلطت كرة القدم بالهوية، والتاريخ بالسياسة، والجغرافيا بالعاطفة، لتؤكد مرة جديدة أن اللعبة الأكثر شعبية في العالم لم تعد تُلعب بالأقدام وحدها، بل تُخاض أيضًا بالعقول والذاكرة والروايات المتنافسة.

شارك