
العالم يتأرجح بين هدنةٍ مؤقتة… أو حربٍ قاضية.
بقلم: الكاتبة والمربية فاطمة يوسف بصل.
ليست الحروب الكبرى تلك التي تبدأ حين تنطلق أول قذيفة، بل تلك التي تبدأ عندما تموت السياسة، ويصبح السلاح آخر لغةٍ يفهمها المتخاصمون. فالتاريخ لا يكتب لحظة الانفجار، بل يكتب السنوات التي سبقته، حين كانت الإشارات واضحة، والتحذيرات تتكرر، لكن العالم كان يؤجل المواجهة ولا يعالج أسبابها.
واليوم، يقف العالم أمام مشهدٍ يشبه الوقوف على حافة بركان؛ من الخارج يبدو ساكنًا، لكن في أعماقه تتصاعد الحمم ببطء. فالمفاوضات لم تتوقف، وكذلك لم تتوقف حاملات الطائرات، ولا المناورات العسكرية، ولا سباق التسلح، ولا رسائل الردع المتبادلة. وكأن البشرية تعيش هدنةً مفروضة بقوة التوازن، لا سلامًا وُلد من رحم التفاهم.
لم يعد الشرق الأوسط مجرد منطقة تعيش الأزمات، بل أصبح مختبرًا تُقاس فيه موازين القوى العالمية. فالحرب في غزة، والتوتر على الحدود اللبنانية، والتنافس في العراق وسوريا، والتصعيد في البحر الأحمر، والقلق في مضيق هرمز، جميعها لم تعد ملفات منفصلة، بل تحولت إلى لوحة واحدة، إذا تحرك فيها حجر واحد اهتزت بقية الأحجار.
إن الصراع الدائر اليوم بين الولايات المتحدة وإيران تجاوز منذ زمن الملف النووي. فالقضية لم تعد تخص أجهزة الطرد المركزي أو نسب تخصيب اليورانيوم، بل أصبحت معركةً حول من يرسم مستقبل الشرق الأوسط. واشنطن تسعى إلى تثبيت نظامٍ إقليمي يحافظ على مصالحها الاستراتيجية، ويؤمّن حلفاءها، ويحمي طرق التجارة والطاقة، بينما ترى طهران أن أي تراجع في نفوذها الإقليمي سيجعل أمنها القومي أكثر هشاشة، ولذلك تتمسك بأوراقها السياسية والعسكرية في أكثر من ساحة.
أما إسرائيل، فتدرك أن التغيرات المتسارعة في المنطقة قد تفرض عليها واقعًا أمنيًا جديدًا، ولذلك تسعى إلى المحافظة على تفوقها العسكري، ومنع أي تهديد تعتبره استراتيجيًا من الوصول إلى مرحلة يصعب احتواؤها. وفي المقابل، تؤكد إيران والقوى المتحالفة معها أن امتلاك وسائل الردع هو الذي يمنع الحرب، لا الذي يشعلها. وبين هاتين الرؤيتين، يبقى الشرق الأوسط معلقًا على خيطٍ رفيع يفصل الردع عن الانفجار.
ويأتي لبنان في قلب هذه المعادلة. فليس خافيًا أن أي تطور على الجبهة الجنوبية يلفت أنظار العواصم الكبرى، لأن استقرار لبنان بات مرتبطًا، إلى حد كبير، بتوازنات إقليمية معقدة. كما أن الزيارة المرتقبة للرئيس اللبناني جوزيف عون إلى واشنطن تكتسب أهمية خاصة، إذ يُتوقع أن تتناول ملفات تتعلق بدعم الدولة اللبنانية، وتثبيت الاستقرار، ومستقبل الوضع الأمني في الجنوب، في ظل استمرار الجهود الدولية لمنع اتساع رقعة المواجهة.
لكن السؤال الأهم ليس ما الذي ستناقشه اللقاءات الدبلوماسية، بل: هل ما زال القرار الحقيقي في يد السياسيين، أم أصبح في يد الميدان؟
لقد أثبتت تجارب العقود الماضية أن رصاصةً واحدة قد تنسف أشهرًا من التفاوض، وأن عمليةً عسكرية محدودة قد تُشعل سلسلةً من الردود لا يستطيع أحد إيقافها. وهذا ما يجعل المنطقة تعيش اليوم أخطر مراحلها؛ إذ يكفي خطأ في الحسابات، أو سوء تقدير، أو قرار متسرع، حتى تنتقل المنطقة من هدنة هشة إلى حربٍ واسعة.
ومن الناحية الاستراتيجية، يبدو المستقبل مفتوحًا على ثلاثة احتمالات.
الاحتمال الأول هو نجاح الجهود الدبلوماسية في تثبيت هدنة طويلة نسبيًا، تسمح بإعادة ترتيب الملفات الساخنة، وفتح مسارات تفاوض جديدة، وتخفيف الاحتقان العسكري، وهو السيناريو الذي يحتاجه الاقتصاد العالمي بشدة.
أما الاحتمال الثاني، فهو استمرار ما يعرف بـ”حروب الظل”، حيث تبقى المواجهات محدودة، من خلال ضربات موضعية، وعمليات استخباراتية، وحروب إلكترونية، وعقوبات اقتصادية، دون الوصول إلى مواجهة شاملة. وهو السيناريو الذي اعتادت المنطقة العيش في ظله خلال السنوات الأخيرة.
ويبقى الاحتمال الثالث هو الأخطر، ويتمثل في انهيار قواعد الاشتباك الحالية نتيجة حادثٍ غير محسوب، أو اغتيال شخصية بارزة، أو هجوم واسع يفرض ردودًا متبادلة تتجاوز قدرة الجميع على الاحتواء. وعندها، لن تبقى الحرب محصورة في حدود دولة أو جبهة، بل قد تمتد إلى مضيق هرمز، والبحر الأحمر، وشرق المتوسط، فتتعطل حركة التجارة العالمية، وترتفع أسعار النفط، وتدخل الأسواق الدولية مرحلةً جديدة من الاضطراب.
ولعل أكثر ما يثير القلق أن القوى الكبرى تبدو منشغلة اليوم بإعادة رسم خريطة النفوذ العالمية. فالولايات المتحدة تراقب صعود الصين، وتتابع الحرب في أوكرانيا، بينما تسعى روسيا إلى تثبيت حضورها الدولي، وتحاول الصين توسيع نفوذها الاقتصادي. وفي خضم هذا التنافس، يتحول الشرق الأوسط إلى ساحة تختبر فيها الدول الكبرى حدود نفوذها، وقدرتها على فرض التوازن أو تغييره.
إن التاريخ يعلمنا أن الإمبراطوريات لا تسقط دائمًا في المعارك، بل تسقط عندما تعجز عن إدارة الأزمات. كما يعلمنا أن الحروب لا تبدأ حين يقرر الجميع خوضها، بل حين يظن كل طرف أن الطرف الآخر لن يجرؤ على الرد.
ولهذا، فإن أخطر ما يواجه العالم اليوم ليس كثرة الصواريخ، بل قلة الثقة، وليس وفرة السلاح، بل ندرة الحكمة. فحين يغيب الحوار، تصبح كل رسالة عسكرية قابلة لسوء الفهم، وكل خطأ صغير مرشحًا لأن يتحول إلى كارثة كبرى.
ويبقى السؤال الذي سيحكم مستقبل المنطقة والعالم: هل تكون الهدنة الحالية بدايةً لسلامٍ يفرضه العقل، أم مجرد استراحةٍ قصيرة قبل أن يعود دخان الحرب ليغطي سماء الشرق الأوسط؟
قد يستطيع القادة تأجيل الحرب، لكنهم لن يستطيعوا تأجيل نتائج قراراتهم. وقد تنجح الدبلوماسية في إسكات المدافع لبعض الوقت، لكنها لن تصنع سلامًا دائمًا ما لم تُعالج جذور الصراع. فالتاريخ لا يرحم من يكتفي بإطفاء اللهب، ويترك الجمر مشتعلًا تحت الرماد.
وسيبقى العالم يتأرجح بين هدنةٍ مؤقتة… أو حربٍ قاضية، حتى ينتصر صوت العقل على ضجيج السلاح، وتدرك الأمم أن أعظم الانتصارات ليست تلك التي تُحقق في ساحات القتال، بل تلك التي تمنع الحرب قبل أن تبدأ.
﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾
صدق الله العظيم.



