
هل تم حل لغز تغييب موسى الصدر؟
كتب رياض الفرطوسي
في نهايات أغسطس من عام 1978، لم تكن طرابلس الغرب مجرد عاصمة عربية تستضيف زعيماً دينياً وفكرياً برتبة وطن، بل كانت مسرحاً لأحد أكبر الألغاز السياسية والأمنية التي غيرت مجرى التاريخ الحديث في الشرق الأوسط. نزل الإمام موسى الصدر ومرافقاه ضيوفاً على النظام الليبي، قبل أن تتلاشى أثارهم تماماً خلف أسوار مجمع باب العزيزية، تاركين خلفهم خيطاً سميكاً من الغموض، وسجالاً ممتداً عبر عقود بين روايات الإنكار الدبلوماسي ورسائل الاستخبارات المشفرة، وصولاً إلى تحقيقات القضية القارية التي انشغلت بها أروقة المحاكم الأوربية.
تتوزع الحقيقة في هذا الملف المعقد بين جبهتين متناقضتين؛ الأولى يقودها دفاع مستميت من داخل النظام الليبي السابق، تجلى بشكل واضح في المقابلة الشهيرة التي أجراها المسؤول السياسي الليبي السابق أحمد قذاف الدم مع الإعلامي سامي كليب، حيث تحدث بصفته أحد أبرز المقربين من العقيد معمر القذافي، متناولاً تفاصيل وتساؤلات استند فيها إلى تحدي العقل والمنطق في التوصل إلى مبرر يدفع ليبيا لإخفاء قامة بحجم الصدر. سيناريو الدفاع الذي طرحه قذاف الدم يرتكز على تساؤل جوهري: لماذا يُقدم النظام الليبي على تصفية رجل اتفق مع طرابلس في مناهضة الصهيونية ودعم المقاومة والثورة الإيرانية، بل وأتى زائراً بدعوة رسمية؟ ويرى هذا المعسكر أن القذافي كان ضحية “كمين إقليمي ودولي” استهدف قطع علاقة طرابلس بالحركة الوطنية اللبنانية والقضية الفلسطينية، مشيراً إلى أن التصريحات المتناقضة التي صدرت عن دبلوماسيين سابقين ( مثل السفير الليبي المتقاعد بالعدوة محمد حسن الشني الذي تراجع عن اتهاماته لاحقاً ) تؤكد وجود تلاعب واستغلال سياسي للقصة، مع توجيه أصابع الاتهام لشخصيات لبنانية بعينها، كنبيه بري، بوضع العقبات أمام أي وساطة جادة لكشف الخيوط.
لكن نقطة التحول الحقيقية في مسار هذا اللغز تجلت حين قدم الدكتور حميد عبد الله في برنامجه الوثائقي والتاريخي “تلك الأيام” رؤية متماسكة ورواية قد تكون(رغم كثرة السرديات السابقة وتخبطها)هي الأقرب إطلاقاً إلى عين الحقيقة، نظراً لاستنادها المباشر إلى أرشيف جهاز المخابرات العراقي وشهادات ضباط المخابرات الليبيين المنشقين كالملازم محمد أحمد العال. تعيد هذه الرواية رسم المشهد الأخير داخل قصر باب العزيزية يوم الحادي والثلاثين من أغسطس، لتسلّط الضوء على جوهر الأزمة الذي اختُصر في صدام النرجسية السلطوية بالفكر الحر؛ حيث لم يكن الصدر مجاملًا أو مهاباً، بل وضع النقد المباشر والشرس لأفكار القذافي ونظرياته التي ضمّنها في “الكتاب الأخضر”، مبيناً خلوها من القيمة الفكرية أو المعرفية.
هنا تتكشف الحقيقة الأزلية التي حكمت سلوك الحاكم العربي المستبد: الدكتاتور الذي اعتاد أن تُقدّس أوهامه لا يتحمل النقد، ولا يستوعب أن يجرؤ أحد على كسر هيبته داخل معقله. أمام شجاعة السيد الصدر ونقده القاسي، جُنّ جنون القذافي وانفجر غضباً، فقام بتدنيس عمامة الإمام والاعتداء عليه لفظياً، قبل أن يأمر بتقييده بها، ثم يستل مسدسه الشخصي ويطلق عليه رصاصتين في الصدر، موجهاً أحد أعوانه(حسني الأحراري)لتصفية المرافقين محمد يعقوب والشيخ عباس بدر الدين، ودفن الثلاثة في منطقة “بئر الغنم”.
لم تتوقف الجريمة عند حدود التصفية المباشرة، بل امتدت لتشمل خطة تغطية مرتبكة سارعت المخابرات الليبية لإعدادها عبر إرسال عناصر من رجالها يحملون جوازات السفر الخاصة بالضحايا، إلى جانب عمامة الصدر وسجادته، نحو الأراضي الإيطالية لإيهام العالم بأن الرجال الثلاثة غادروا طرابلس متجهين إلى روما بملء إرادتهم. إلا أن هذه الخطة السرية سقطت سريعاً في شرك الأخطاء البدائية، حيث نسي المخططون أن الجوازات اللبنانية كانت تتطلب تأشيرات دخول مسبقة إلى إيطاليا، فضلاً عن تركهم المتعلقات الشخصية والجوازات داخل غرف فندق “هوليداي إن” بطريقة مكشوفة أثارت حفيظة المحققين في العاصمة الإيطالية.
وعلى الجانب الغربي والإيطالي، حسمت السلطات القضائية في روما جدل المغادرة منذ العقود الأولى للجريمة؛ إذ أفضت التحقيقات الرسمية التي أدارها القضاء الإيطالي عامي 1979 و1982، وأكدتها التحقيقات المستجدة عام 2005، إلى نتيجة جازمة مفادها أن الإمام موسى الصدر ومرافقيه لم يستقلوا الطائرة التابعة للخطوط الجوية الإيطالية من طرابلس، ولم يطأوا الأراضي الإيطالية قط. أثبت القضاء الأوربي أن الأشخاص الذين سجلوا حضورهم في الفندق الإيطالي كانوا عناصر استخباراتيين ينفذون مسرحية انتحال شخصيات. بين إصرار رجالات النظام القديم على براءتهم والتأكيد على مؤامرة خارجية كما ورد في مقابلة قذاف الدم مع سامي كليب، وبين الرواية الأقرب للحقيقة والدلائل الدقيقة التي كشفها الدكتور حميد عبد الله في برنامج “تلك الأيام” والمؤيدة بالأحكام القضائية الدولية، يبدو أن اللغز قد حُلّ عملياً: لقد انطوت الصفحة على تصفية جسدية مبكرة، ضحيتها قامة فكرية وسياسية كبرى لم يغفر لها عقل الدكتاتور أنها أطلقت نقدها الصريح بوجهه.



