
المصطلحات بين المعنى والواقع لماذا ثقافة الشرق الأوسط؟ (2)
ط
أ.عامر داوود
مقدمة :
تمثل هذه الدراسة اجتهادًا فكريًا وبحثيًا يهدف إلى الإسهام في فهم موضوع ثقافة الشرق الاوسط ، ولا تدّعي امتلاك الحقيقة النهائية أو الإحاطة الكاملة بالموضوع ، ومن هذا المنطلق فإنها تبقى مفتوحة للنقد العلمي والمراجعة والتطوير، إيمانًا بأن المعرفة تتقدم بالحوار والنقاش والتصويب المستمر.
كذلك ، قبل أن نسأل لماذا تنهض الحضارات أو تسقط، ينبغي أن نسأل سؤالًا أكثر عمقًا: لماذا تبدأ الإمبراطوريات مشروعها بتدمير ثقافة الشعوب قبل السيطرة على أرضها؟ ولماذا لم يكن احتلال المدن كافيًا عبر التاريخ، بل كان لا بد من إحراق مكتباتها، وتحطيم معابدها، ومحو لغاتها، وتشويه ذاكرتها الجماعية؟ ولماذا حاول الإسكندر المقدوني، وهو في ذروة انتصاراته العسكرية، فرض الهيلينية على الشعوب التي أخضعها، ولماذا لم يكتفِ هولاكو بإسقاط بغداد، بل وجّه غضبه إلى بيت الحكمة ومكتباتها حتى قيل إن مياه دجلة اسودّت من مداد الكتب؟ ولماذا تُغرق مدينة حسن كيف تحت مياه سد إليسو، وتُطمس هوية سور آمد بمشروعات الإسكان الحديثة، وتُترك مواقع مثل غوبيكلي تبه، وتل حلف، وأوركيش، وتشاتال هويوك، رهينة صراعات السياسة والهوية؟ وهل يمكن تفسير كل ذلك بوصفه مصادفات تاريخية، أم أنه يعكس قانونًا ثابتًا في تاريخ السلطة، مفاده أن السيطرة على الإنسان تبدأ من السيطرة على ذاكرته قبل السيطرة على أرضه؟
هذه الأسئلة لا تبحث عن أحداث منفصلة، بل تكشف عن منطق تاريخي تكرر منذ نشوء الدولة الأولى حتى عصر العولمة. فالقوة العسكرية تستطيع احتلال المدن، لكنها لا تستطيع ضمان استمرار سيادتها ما لم تُعد تشكيل وعي المجتمع، وتعيد تعريف ماضيه، وتغير منظومته الأخلاقية والرمزية. ولهذا السبب، لم تكن الثقافة يومًا عنصرًا ثانويًا في بناء المجتمعات، بل كانت المجال الأكثر حساسية في الصراع بين السلطة والمجتمع، وبين الحرية والهيمنة، وبين الذاكرة والنسيان.
لقد اعتادت الكتابات السياسية تفسير الصراعات الكبرى بوصفها صراعًا على الأرض، أو الموارد، أو الأسواق، أو النفوذ الجيوسياسي. غير أن هذا التفسير، على أهميته، يبقى ناقصًا إذا أغفل البعد الثقافي؛ فالتاريخ يعلمنا أن المجتمع الذي يحتفظ بثقافته يستطيع أن يعيد بناء دولته بعد الهزيمة، بينما المجتمع الذي يفقد ثقافته قد يحتفظ بأرضه، لكنه يفقد ذاته. ومن هنا يصبح تدمير الثقافة أخطر من تدمير العمران، لأن العمران يمكن إعادة بنائه، أما الذاكرة إذا انقطعت، فإن استعادتها قد تحتاج إلى قرون.
ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا يحتل الغزاة المدن؟ بل لماذا يستهدفون المكتبات والمتاحف واللغة والتعليم والآثار؟ ولماذا تتعرض المواقع التي شهدت البدايات الأولى للحضارة الإنسانية لمحاولات الطمس والإهمال؟ إن الجواب يكمن في أن الثقافة ليست مجرد تراث أو فولكلور، وإنما هي البنية العميقة التي تمنح المجتمع هويته، وتحدد علاقته بالماضي والحاضر والمستقبل.
الثقافة بين المفهوم الفلسفي والمفهوم السوسيولوجي
من أكثر المصطلحات تعرضًا لسوء الاستخدام في الفكر المعاصر مفهوم الثقافة. فكثيرًا ما تُختزل في الأدب أو الفن أو التعليم، بينما يكشف تاريخ الفكر الإنساني أن الثقافة أوسع بكثير من هذه المعاني. فهي ليست نشاطًا فكريًا منفصلًا عن المجتمع، وإنما المجتمع نفسه في صورته التاريخية. إنها مجموع ما أنتجه الإنسان من قيم، ومعارف، ولغات، ومؤسسات، وأخلاق، وفنون، وأساليب عيش، وطرائق في فهم المجتمع والبيئة والكون .
ومن الناحية اللغوية، يعود أصل كلمة الثقافة إلى الفعل اللاتيني Colere الذي يعني الزراعة، والرعاية، والبناء، والإصلاح، والعناية بالأرض. ومنه اشتقت كلمة Cultura التي استخدمها الرومان أولًا للدلالة على استصلاح الأرض وزراعتها، قبل أن ينقلها شيشرون إلى المجال الإنساني عندما تحدث عن Cultura Animi، أي تهذيب النفس ، معتبرًا أن العقل يحتاج إلى الرعاية كما تحتاج الأرض إلى الحراثة والبذر حتى تؤتي ثمارها (شيشرون، Tusculan Disputations، ص 112 ) .
وهنا تظهر أولى التحولات الكبرى في معنى الثقافة؛ إذ لم تعد تعني التعامل مع الطبيعة فحسب، بل أصبحت تشير إلى تشكيل الإنسان ذاته. فالإنسان، بخلاف الكائنات الأخرى، لا يكتفي بالتكيف مع الطبيعة، وإنما يعيد تشكيلها، ويعيد في الوقت نفسه تشكيل ذاته من خلال اللغة، والتعليم، والعمل، والأخلاق، والإبداع. ومن ثم أصبحت الثقافة مرادفة لعملية الخلق المستمر للإنسان بوصفه كائنًا اجتماعيًا.
وفي القرن الثامن عشر، ومع صعود فلسفة التنوير، اتخذ مفهوم الثقافة بعدًا جديدًا. فقد رأى يوهان غوتفريد هردر أن لكل شعب ثقافته الخاصة، وأن الإنسانية لا يمكن اختزالها في نموذج حضاري واحد. فالثقافات ليست درجات متفاوتة على سلم التقدم، بل هي طرائق متعددة لفهم العالم، لكل منها لغتها، وذاكرتها، ورمزيتها الخاصة (هردر، Ideas for the Philosophy of the History of Humanity، ص 41 .)
كان هردر يرفض الاعتقاد السائد آنذاك بأن الحضارة الأوروبية تمثل النهاية الطبيعية لتاريخ البشرية، ويرى أن فرض نموذج ثقافي واحد على جميع الشعوب لا يعني نشر الحضارة، بل يعني القضاء على التنوع الإنساني نفسه ، ولذلك يمكن اعتباره من أوائل الفلاسفة الذين دافعوا عن فكرة التعدد الثقافي قبل ظهور هذا المصطلح بقرنين تقريبًا.
أما هيغل فقد تناول الثقافة من زاوية مختلفة ، ففي فلسفته لا تصبح الثقافة مجرد تراكم للعادات والتقاليد ، وإنما هي تجلٍ لتطور الروح في التاريخ ، فالروح عنده لا تحقق ذاتها إلا من خلال المؤسسات ، والقانون ، والدولة ، والفن ، والدين ، والفلسفة ، ولذلك تصبح الثقافة التعبير التاريخي عن الوعي الإنساني في حركته نحو الحرية (هيغل، Phenomenology of Spirit، ص 18 )
لكن هذه الرؤية، على عمقها الفلسفي، جعلت الدولة ذروة التطور الثقافي، وهو ما تعرض لانتقادات واسعة لاحقًا، لأن التاريخ كشف أن الدولة نفسها قد تتحول إلى أداة لتدمير الثقافة التي يفترض أنها تحميها.
أما كارل ماركس فقد نقل النقاش إلى مستوى آخر، عندما اعتبر الثقافة جزءًا من البنية الفوقية التي تتأثر بالبنية الاقتصادية للمجتمع ، فالأفكار، والقوانين، والدين، والفن، والفلسفة، ليست كيانات مستقلة، بل تتشكل وفق طبيعة العلاقات الاقتصادية السائدة (ماركس، مقدمة في نقد الاقتصاد السياسي، ص 5) . ومع ذلك فإن اختزال الثقافة في انعكاس للعامل الاقتصادي لم يستطع تفسير حالات كثيرة حافظت فيها شعوب على هويتها الثقافية رغم انهيار اقتصادها أو خضوعها للاستعمار.
ومن هنا ظهرت اتجاهات فلسفية وسوسيولوجية جديدة أعادت الاعتبار للثقافة بوصفها قوة مستقلة نسبيًا، قادرة على إنتاج التاريخ بقدر ما تتأثر به. وقد كان أنطونيو غرامشي من أبرز من عبر عن هذا التحول عندما رأى أن الهيمنة الحقيقية لا تتحقق بالقوة المسلحة وحدها ، بل بقدرة السلطة على جعل رؤيتها للعالم تبدو طبيعية ومقبولة لدى المجتمع (غرامشي، دفاتر السجن، ص 57) ، ولذلك أصبحت المدرسة، والإعلام، والجامعة، واللغة، والفن، أدوات لا تقل أهمية عن الجيش والشرطة في ترسيخ السلطة.
ومن هذا المنطلق، لم تعد الثقافة مجرد نتاج اجتماعي، بل أصبحت ميدان الصراع الأساسي بين المجتمع والسلطة، وبين الحرية والهيمنة، وهو ما يفسر لماذا أصبحت السيطرة على الوعي أكثر أهمية، في العصر الحديث، من السيطرة على الحدود.
الثقافة بوصفها ميدان الصراع التاريخي
من الزيقورات السومرية إلى الإمبراطورية الرأسمالية
إذا كانت الثقافة هي الذاكرة الحية للمجتمع، فإن التاريخ السياسي للبشرية يمكن قراءته بوصفه تاريخًا للصراع على هذه الذاكرة ، فكل سلطة تسعى إلى الهيمنة لا تكتفي بإخضاع الإنسان جسديًا، وإنما تعمل قبل كل شيء على إعادة تشكيل وعيه، لأن السيطرة على العقل أكثر دوامًا من السيطرة على الجسد ، ومن هنا فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل دراسة عن الدولة هو: كيف تمكنت السلطة من تحويل الثقافة من فضاء للحرية إلى أداة للهيمنة؟
يرى المفكر عبد الله أوجلان أن نقطة التحول الكبرى في هذا المسار بدأت مع الحضارة السومرية، حين انتقلت البشرية من المجتمع النيوليتي، القائم على المشاركة والتكافل، إلى مجتمع الدولة والسلطة والاحتكار. ففي الزيقورات السومرية لم تكن تُدار شؤون الاقتصاد والدين والإدارة فحسب، بل كانت تُصنع أيضًا العقلية الجديدة التي ستصبح لاحقًا النموذج الأول لجميع الإمبراطوريات. فالزيقورة في هذا المعنى، لم تكن معبدًا دينيًا فقط ، بل كانت أول مؤسسة لإعادة إنتاج السلطة وإعادة تشكيل الوعي الاجتماعي (عبد الله أوجلان، مانيفستو الحضارة الديمقراطية، ج2، ص 165).
وهنا يختلف أوجلان مع كثير من المؤرخين الذين ينظرون إلى نشوء الدولة بوصفه تطورًا طبيعيًا في تاريخ التنظيم الاجتماعي ، فهو يرى أن الدولة لم تنشأ بوصفها تعبيرًا عن المجتمع، وإنما بوصفها انفصالًا عنه، وأن الحضارة الاحتكارية لم تبنِ ثقافة جديدة، بل استولت على الثقافة الأخلاقية والسياسية للمجتمع النيوليتي، ثم أعادت توظيفها لخدمة السلطة.
ومن هذه الزاوية، تصبح الثقافة أول ضحية للدولة الاحتكارية، ويصبح تاريخ الدولة تاريخًا طويلًا من محاولات احتكار المعنى، وإعادة تعريف الحقيقة بما يخدم استمرار الهيمنة . ولذلك فإن أخطر ما فعلته الحضارة السومرية، وفق هذا التحليل، لم يكن بناء المدن أو اختراع الكتابة، وإنما إنتاج الإنسان الخاضع، الذي يرى السلطة قدرًا طبيعيًا لا يمكن تجاوزه.
ولعل ملحمة جلجامش تقدم أول تعبير رمزي عن هذا التحول ، فهذه الملحمة ، التي تعد من أقدم النصوص الأدبية في التاريخ، لا تروي قصة ملك يبحث عن الخلود فحسب، وإنما تعكس أيضًا انتقال المجتمع من عالم الطبيعة الحرة إلى عالم السلطة المنظمة ، فأنكيدو يمثل الإنسان الطبيعي المرتبط بالغابة والمجتمع الأول، بينما يمثل جلجامش الدولة الناشئة التي تسعى إلى إخضاع كل ما هو خارج سلطتها. لذلك يقرأ المفكر أوجلان العلاقة بين جلجامش وأنكيدو بوصفها صراعًا بين ثقافتين؛ ثقافة المجتمع الحر، وثقافة الدولة المركزية (عبد الله أوجلان، من دولة الكهنة السومريين إلى الحضارة الديمقراطية، ص 231).
ولا يقتصر الأمر على البعد الرمزي، بل يمتد إلى البعد السياسي؛ إذ إن تهجير الجماعات من مواطنها الأصلية، وإجبارها على الاستقرار في المدن الخاضعة للسلطة، كان ، في نظره ، أول أشكال الإبادة الثقافية ، فالإنسان لا يفقد أرضه فقط ، بل يفقد لغته ، وعلاقته بالطبيعة ، وأساطيره ، وذاكرته الجماعية ، أي يفقد العناصر التي تمنحه هويته.
وقد تطور هذا النموذج مع الإمبراطوريات الأكادية والبابلية والآشورية، التي لم تكتفِ بالفتح العسكري، بل اعتمدت سياسة التهجير الجماعي والاستعباد بوصفها وسيلة لتفكيك المجتمعات المحلية ، ولم يكن التفاخر الآشوري ببناء القلاع من جماجم الأعداء مجرد مبالغة دعائية، بل كان إعلانًا عن فلسفة سياسية ترى أن إخضاع الإنسان يبدأ بتحطيم رموزه وثقافته قبل إخضاع جسده.
ثم انتقلت هذه الفلسفة إلى الحضارة اليونانية، وإن اتخذت شكلًا أكثر تعقيدًا ، فقد اعتبر الإغريق أن كل من لا ينتمي إلى عالمهم هو بربري ، وأن إدخاله في الثقافة الهيلينية يمثل رسالة حضارية ، وهكذا تحول مفهوم الحضارة نفسه إلى أداة للهيمنة ، وأصبح نشر الثقافة الرسمية مبررًا لإلغاء الثقافات الأخرى.
ويظهر ذلك بوضوح في مشروع الإسكندر المقدوني، الذي لم يكن مشروعًا عسكريًا فحسب، بل مشروعًا ثقافيًا أيضًا ، فبعد أن قطع العقدة الغوردية بسيفه، معلنًا أن القوة تستطيع تجاوز التعقيد، شرع في نشر اللغة اليونانية، والعمارة الهيلينية، وأنماط الإدارة والفكر في أنحاء إمبراطوريته ، لقد كان يدرك أن السيطرة العسكرية مؤقتة، أما السيطرة الثقافية فهي التي تمنح الإمبراطورية عمرًا أطول ، ولذلك لم يكن الهدف احتلال الجغرافيا فقط، بل إعادة تشكيل هوية الشعوب الواقعة تحت الحكم المقدوني.
وهذا ما يكشف أن الإمبراطورية، منذ بداياتها، لم تكن تعتمد على السيف وحده ، وإنما على إعادة تعريف معنى الحضارة نفسها ، فكل ما لا ينتمي إلى المركز الإمبراطوري يوصف بالتخلف أو الهمجية، ثم يُقدَّم إخضاعه بوصفه مهمة أخلاقية ، وسوف تتكرر هذه الفكرة لاحقًا في الاستعمار الأوروبي، عندما رفع شعار تمدين الشعوب ، وفي الخطابات الحديثة التي تتحدث عن تصدير الديمقراطية وإعادة بناء الدول .
لقد أدرك أنطونيو غرامشي هذه الحقيقة عندما ميّز بين السيطرة بالقوة والسيطرة بالهيمنة الثقافية ، فالدولة في رأيه ، لا تحكم بالجيش وحده ، وإنما عبر إنتاج قبول اجتماعي يجعل الناس يتبنون قيم السلطة باعتبارها قيمهم الخاصة ، ولهذا جاءت العبارة الشهيرة التي قالها المدعي العام الإيطالي أثناء محاكمة غرامشي: (علينا أن نوقف هذا الدماغ عن العمل عشرين عامًا. ) لم تكن المشكلة في جسد غرامشي، بل في قدرته على إنتاج وعي مضاد للهيمنة. ولهذا كتب في سجنه ( دفاتر السجن ) ، مؤكدًا أن الإنسان لا يُهزم ما دام يحتفظ بعقله وقدرته على التفكير (غرامشي، دفاتر السجن، ص 87).
ومن هنا يمكن فهم العبارة التي يكررها عبد الله أوجلان: الإنسان يساوي العقل. فالمعركة الحقيقية ليست على الجغرافيا، وإنما على العقلية التي تنتج الجغرافيا والسياسة والتاريخة ، فإذا نجحت السلطة في احتلال العقل، أصبحت السيطرة على الأرض نتيجة طبيعية.
ومع الانتقال إلى العصر الحديث، لم تتراجع هذه الآليات، بل ازدادت تعقيدًا. فالرأسمالية لم تعد تحتاج دائمًا إلى الجيوش لكي تفرض هيمنتها، لأنها تمتلك أدوات أكثر فاعلية تتمثل في الإعلام ، والإعلان ، والسينما ، والتعليم ، والدين ، والصناعة الثقافية. ولم تعد الإمبراطورية تبني الزيقورات ، بل تبني شبكات إعلامية ومنصات رقمية تعيد تشكيل الوعي العالمي بطريقة أكثر هدوءًا، ولكنها أشد تأثيرًا.
ولهذا فإن الانتقال من الزيقورة السومرية إلى هوليوود ليس انتقالًا بين عالمين متناقضين ، بل بين مرحلتين من المشروع نفسه ؛ ففي الحالتين يجري إنتاج الإنسان الذي يرى العالم من خلال عدسة السلطة، ويعيد إنتاج قيمها بوصفها حقائق طبيعية لا تقبل النقاش.
ومن هنا يصبح تاريخ الثقافة، في جوهره، تاريخًا للصراع بين المجتمع الذي يسعى إلى حماية ذاكرته، والسلطة التي تسعى إلى إعادة كتابة تلك الذاكرة وفق مصالحها ، وهذا هو المفتاح الذي يفسر استمرار محاولات طمس المواقع الأثرية، وتشويه اللغات، وإضعاف الهويات المحلية، لأن الثقافة ليست ماضيًا ساكنًا، بل هي مصدر القوة الذي يمكن أن يولد منه مستقبل مختلف.
الثقافة كطبيعة ثانية
نحو فلسفة جديدة للمجتمع والتاريخ
إذا كانت الفلسفات الكلاسيكية قد اختلفت حول سؤال: ما الذي يصنع التاريخ؟ فإن المفكر عبد الله أوجلان ينقل هذا السؤال إلى مستوى أكثر تركيبًا، فيسأل: ما الذي يصنع المجتمع ؟ . فالدولة، والاقتصاد، والدين، والقانون، ليست سوى نتائج لبنية أعمق تتمثل في الثقافة بوصفها المجال الذي تتولد فيه المعاني والمؤسسات معًا ، ومن هنا يبتعد عن التفسيرات التي تختزل الإنسان في الاقتصاد، أو في الدولة، أو في الوعي المجرد، ويقدم تصورًا ينظر إلى الثقافة بوصفها الطبيعة الثانية للإنسان؛ أي المجال الذي يبدع فيه الإنسان ذاته بعد أن يخرج من حدود الطبيعة البيولوجية.
إن هذا المفهوم يمثل أحد أكثر المفاهيم أصالة في مشروع المفكر أوجلان الفلسفي، لأنه لا يفصل بين الفكر والواقع، ولا بين المادة والروح، ولا بين المؤسسة والمعنى، بل ينظر إليها جميعًا بوصفها عناصر متكاملة في تكوين المجتمع التاريخي. فالثقافة ليست مجرد إنتاج فكري، كما أنها ليست مجرد أدوات مادية، وإنما هي الوحدة الجدلية بين الهيكل والمعنى، وبين المؤسسة والغاية، وبين الشكل والوظيفة (عبد الله أوجلان، مانيفستو الحضارة الديمقراطية، ج2، ص 214).
ومن هذه الزاوية يختلف أوجلان عن هيغل، الذي جعل الروح أساس التاريخ، وعدّ الدولة التجلي الأعلى للعقل المطلق (هيغل، فلسفة الحق، ص 279). فبينما يرى هيغل أن الدولة تمثل ذروة تطور الروح، يرى أوجلان أن الدولة كثيرًا ما تتحول إلى لحظة انفصال بين المجتمع وثقافته، وأن المؤسسات لا تستمد مشروعيتها من وجودها، بل من قدرتها على خدمة الحياة الاجتماعية ، فالمؤسسة التي تفقد معناها تتحول إلى هيكل فارغ مهما بلغت قوتها.
وفي المقابل، يقترب أوجلان من يوهان غوتفريد هردر في اعتباره أن الثقافة هي نمط الحياة التاريخي لشعب معين، وأن لكل مجتمع شخصيته الحضارية الخاصة التي لا يمكن قياسها وفق نموذج واحد (هردر، أفكار في فلسفة تاريخ الإنسانية، ص 63). غير أن أوجلان يتجاوز هردر حين يربط الثقافة بالبنية المؤسسية، فلا يكتفي بالنظر إليها بوصفها روحًا جماعية، بل يعدها منظومة متكاملة من المعاني والمؤسسات التي تتطور بصورة جدلية.
أما ماركس، فقد اعتبر الثقافة جزءًا من البنية الفوقية التي تحددها علاقات الإنتاج (ماركس، الأيديولوجيا الألمانية، ص 47). وقد أسهم هذا التحليل في الكشف عن أثر الاقتصاد في إنتاج الأفكار، لكنه لم يمنح الثقافة استقلاليتها النسبية. ولذلك يرى أوجلان أن الاقتصاد عنصر أساسي في التاريخ، لكنه لا يستطيع وحده تفسير استمرار الشعوب في الدفاع عن لغاتها وأساطيرها وذاكرتها حتى في ظروف الفقر أو الاحتلال ، فهناك بعد ثقافي لا يقل تأثيرًا عن البعد الاقتصادي.
ويقترب نيتشه من هذه الرؤية عندما ينظر إلى الثقافة بوصفها طاقة خلاقة، لا مجرد تراكم للمعارف ، فهو يرى أن الحضارات الحية هي التي تخلق قيمها باستمرار، بينما تدخل الحضارات في طور الانحطاط عندما تتحول إلى مجرد تكرار للماضي (نيتشه، هكذا تكلم زرادشت، ص 91). إلا أن نيتشه يركز على الفرد المبدع ، في حين يركز المفكر أوجلان على المجتمع بوصفه المنتج الحقيقي للثقافة.
البنية والمعنى : ينطلق أوجلان من فكرة أن كل موجود يتكون من عنصرين : الهيكل (المؤسسات) والمعنى. فالهيكل هو البنية المادية أو المؤسسة، أما المعنى فهو القيم والوظيفة التي تمنح هذه البنية حياتها. ولا يمكن لأي مجتمع أن يستمر إذا فقد أحد هذين البعدين.
ويضرب مثالًا بالأهرامات المصرية؛ فهي من أعظم الإنجازات المعمارية في التاريخ، لكنها في الوقت نفسه تعبر عن حضارة سخرت ملايين البشر لبناء مقابر الملوك. ولذلك فإن ضخامة البناء لا تعني بالضرورة عظمة الحضارة، لأن السؤال الحقيقي ليس: كم بلغ ارتفاع الهرم؟ بل: ما القيمة الإنسانية التي يمثلها؟ (عبد الله أوجلان، مانيفستو الحضارة الديمقراطية، ج2، ص 238).
ومن هنا يميز بين الحضارة التي تبني المؤسسات لخدمة المجتمع، والحضارة التي تجعل المجتمع وسيلة لخدمة المؤسسات ، ففي الحالة الأولى يصبح الهيكل تجسيدًا للمعنى، أما في الثانية فيتحول إلى جسد بلا روح. ولعل المثال الذي يقدمه عن الماء يوضح هذه الفكرة بصورة فلسفية دقيقة. فالماء يمتلك خصائص ووظائف محددة تمنحه هويته، لكن إذا اختلط بالنفط أو بمواد ملوثة فإنه يبقى سائلًا، إلا أنه يفقد وظيفته الأساسية. والأمر نفسه ينطبق على المؤسسات؛ فقد تبقى قائمة من الناحية الشكلية، لكنها تصبح عاجزة عن أداء دورها إذا فقدت معناها الأخلاقي والاجتماعي ، وهكذا لا يكون الخلل في البنية وحدها، بل في العلاقة بين البنية والغاية.
ومن هذا المنطلق ينتقد أوجلان الحركات الثورية التي تكتفي بإنتاج خطاب أخلاقي من دون بناء مؤسسات، كما ينتقد الدول التي تملك مؤسسات ضخمة لكنها فقدت رسالتها الاجتماعية . فالطرف الأول يمتلك المعنى بلا هيكل، والطرف الثاني يمتلك الهيكل بلا معنى، وفي الحالتين يتعرض المجتمع للاختلال.
لماذا ثقافة الشرق الأوسط؟
إذا كان المستقبل يُصنع بالثقافة أكثر مما يُصنع بالقوة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا الشرق الأوسط، رغم الحروب والانقسامات، لا يزال يمتلك القدرة على إنتاج حضارة جديدة؟
إن الإجابة تبدأ من التاريخ العميق، لا من السياسة الراهنة. فالشرق الأوسط ليس مجرد إقليم جغرافي، بل هو الفضاء الذي شهد التحول الأكبر في تاريخ الإنسان، حين انتقل من حياة الصيد والترحال إلى الزراعة والاستقرار ، وقد أثبتت الاكتشافات الأثرية في غوبيكلي تبه (12000 سنة قبل الميلاد) أن المجتمعات البشرية استطاعت بناء منشآت دينية ورمزية معقدة قبل ظهور الدولة بآلاف السنين، وهو ما أعاد النظر في كثير من المسلمات المتعلقة ببداية الحضارة.
كما تكشف مواقع تل حلف وتشاتال هويوك وأوركيش عن أن الثورة الزراعية لم تكن مجرد تطور اقتصادي ، بل كانت ثورة ثقافية غيّرت علاقة الإنسان بالطبيعة ، وأنتجت مفاهيم القرية ، والتعاون ، وتقسيم العمل ، والرمز، والطقس ، والفن ، ومن هنا فإن جذور الثقافة الإنسانية تمتد، بحسب كثير من الباحثين، إلى هذه المنطقة قبل ما يقارب اثني عشر ألف عام.
وقد توصل عالم الآثار الأسترالي غوردون تشايلد إلى أن الثورة الزراعية في الهلال الخصيب كانت أعظم تحول في تاريخ البشرية، لأنها أطلقت سلسلة التطورات التي قادت إلى ظهور المدن والكتابة والتنظيم الاجتماعي (غوردون تشايلد، الإنسان يصنع نفسه، ص 72). وبمنظور مختلف، رأى علي شريعتي أن فهم الشرق لا يبدأ من قراءة تاريخه السياسي، بل من فهم دوره الحضاري في تشكيل الوعي الإنساني، لأن الحضارات لا تولد من الفراغ، وإنما من تراكم ثقافي طويل (علي شريعتي، العودة إلى الذات، ص 54).
ومن هنا، فإن الشرق الأوسط لا يكتسب أهميته لأنه يمتلك النفط أو الموقع الجغرافي فحسب، بل لأنه يحمل في ذاكرته أقدم التجارب الإنسانية المتعلقة بالعيش المشترك، والزراعة، واللغة، والدين، والأسطورة، وبناء المجتمع ، ولذلك فإن الصراع الدائر فيه اليوم لا يتعلق بالحاضر وحده، بل بمن يمتلك حق تفسير هذا الماضي ، ومن يملك القدرة على تحويله إلى مشروع للمستقبل.
إن خصوصية الشرق الأوسط لا تكمن في كونه مهد الديانات الكبرى أو مسرحًا للصراعات الدولية فحسب، بل في كونه الخزان التاريخي للذاكرة الإنسانية ، ولهذا السبب لم يكن استهداف هذه المنطقة استهدافًا للثروات وحدها، بل كان استهدافًا لرموزها الثقافية أيضًا . فما تعرضت له مدينة حسن كيف من إغراق، وما تتعرض له سور آمد من إعادة تشكيل عمراني عبر مشاريع ( التنمية العمرانية)، لا يمكن قراءته بوصفه مشروعًا عمرانيًا فقط، بل بوصفه عملية لإعادة كتابة الذاكرة التاريخية، إذ إن إزالة المكان تعني في كثير من الأحيان إزالة الرواية التي يحملها هذا المكان.
وهنا يصبح التاريخ عنصرًا من عناصر القوة. فالشعوب التي تعرف تاريخها لا تدافع عن حاضرها فقط، بل تدافع عن استمرارية وجودها . ولهذا يؤكد المفكر أوجلان أن أخطر أشكال الاستعمار هو الاستعمار الذي ينجح في إقناع المجتمع بالتخلي عن تاريخه وثقافته، لأن المجتمع الذي يفقد ذاكرته يصبح أكثر استعدادًا لقبول الهيمنة بوصفها أمرًا طبيعيًا.
ولعل تجربة الثورة الجزائرية تقدم مثالًا بالغ الدلالة على هذا الأمر. فعندما انتصرت الثورة بقيادة أحمد بن بلة، ظن كثيرون أن الاستقلال السياسي يعني اكتمال التحرر الوطني، لكن الواقع كشف أن الثقافة الفرنسية بقيت حاضرة في الإدارة، والتعليم، واللغة، وأنماط التفكير، بل وفي بنية الدولة نفسها. وهكذا تبين أن إنهاء الاحتلال العسكري لا يعني بالضرورة إنهاء الاحتلال الثقافي، وأن الثورة السياسية لا تصبح ثورة تاريخية إلا إذا رافقتها ثورة في الوعي واللغة والمؤسسات الاجتماعية.
وينطبق المنطق نفسه على التجارب الكردية المعاصرة، ولا سيما تجربة روج آفا، التي ينظر إليها المفكر عبدالله أوجلان بوصفها محاولة لا تقتصر على بناء إدارة سياسية جديدة، وإنما تسعى إلى إعادة بناء المجتمع انطلاقًا من الأخلاق، والتعليم، والمشاركة المجتمعية، والاقتصاد التعاوني، وتحرير المرأة. ولذلك فإن نجاح أي مشروع تحرري، في نظره، لا يقاس بعدد المؤسسات التي يقيمها، بل بمدى تعبير هذه المؤسسات عن ثقافة المجتمع وقيمه التاريخية.
ومن هنا يتجاوز مفهوم الثقافة حدود التراث ليصبح مشروعًا للمستقبل ، فالثقافة ليست حفظ الماضي، وإنما تحويله إلى طاقة قادرة على إنتاج الحاضر ، ولهذا يؤكد المفكر أوجلان أن المجتمع الذي لا ينج




