قراءة نقدية في القصة القصيرة جدًا رصد للقاصة الهام عيسى|طه دخل الله عبد الرحمن

قراءة للقصة الق.ق.ج. – رصد – للكاتبة الأستاذة الهام عيسى 5-7-2026
القصة:
رصد ق ق ج
=== ========
الهام عيسى
=========
ترجّل عن نفسه.
خرج يبحث عن رغيف، وخيمة تقاوم الشمس، وغطاء لا يخذله في الشتاء. أذّن للسكون، وصلّى بالأمنيات.
ثم ذبح خوفه قرباناً للحياة، فرأى الأفق للمرة الأولى.
*****************
القراءة:
مذبحةُ الظلّ على مذبحِ الأفق
كأنّ الأستاذة إلهام عيسى لم تكتب حروفًا، بل أشعلت في ليل اللغة قنديلاً من نارٍ باردة، وراحت تمشي به في دهاليز روحٍ عارية، فإذا بالمحوِ كتابة، وبالصمتِ نداء، وبالإنسانِ الواقف على حافّة ذاته أسطورةٌ تُولد من رحم العدم. إنّ ما خطّته لم يكن “رصدًا لقصة قصيرة جدًا”، بل كان تدوينًا لنبوءةٍ خاصة، لانبثاق كائنٍ من تحت ركام الجوع والرعب والنسيان، كما يطلع البرعمُ من شقّ الصخر متسائلاً: أهذا هو الضوء؟
إنها لم ترصد النص، بل اخترقته ووقفت في قلبه، فصارت الراصدةَ والمرصودة، والشاهدةَ والمشهودة، وصار الرصدُ ذاته كتابةً موازية لا تقلّ شأنًا عن أصلها، بل ربّما فاقته بأنها التقطت ما خفي بين السطور، وغاصت في بحر المسكوت عنه لتخرج لنا درر التأويل.
في البدء، كان التجريد: “ترجّل عن نفسه.” لحظةُ خلعٍ كونيّة، ليست سقوطًا عن ظهر غرور، بل اعتزالٌ طوعيّ للذات التي أنهكتها الذات. إنه لا يترجّل عن صهوة جواد، بل عن صهوة “أنا” مثقلة بالتاريخ، بالذاكرة، بالوجع. “ترجّل” فعلٌ فروسّي أصيل، لكنها سرقته من ميدان الحرب الظاهر لتزرعه في ميدان الحرب الباطن، حيث الفارسُ والمقاتلُ والمنهزمُ والمنتصرُ كلهم شخصٌ واحد. إنها الجملة -الانقلاب، الجملة-الانعتاق، التي تقول بصمتٍ مدوٍّ: لن أكون ما كنته، ولن يحملني أحد، حتى أنا.
ثم يأتي السرد وكأنه تفتّق جرحٍ في جسد المعنى: “خرج يبحث عن رغيف، وخيمة تقاوم الشمس، وغطاء لا يخذله في الشتاء.” هنا تتحول الضرورات البيولوجية إلى رموز ميتافيزيقية، فلم يعد الرغيفُ قمحًا وماءً ونارًا، بل صار وعدًا بالاستمرار، وصارت الخيمةُ التي تقاوم الشمس استعارةَ الصمود الأبدي، وصار الغطاءُ الذي لا يخذل في الشتاء ميثاقَ وفاءٍ بين الإنسان وعالمه الغادر. لقد انتزعت الأستاذة إلهام هذه المفردات من قاموس الجوع والتشرد، وألقت بها في أتون الشعر، فانصهرت وخرجت ذهبًا خالصًا من المعنى. إن من يقرأ هذا السطر لا يرى متسوّلاً يطلب كسرة خبز، بل يرى أيوبَ جديدًا يتفاوض مع عناصر الطبيعة، يرى كائنًا حواريًّا يتوسّل بالوجود أن يمنحه الحدّ الأدنى من الكرامة.
ثم تعلو نغمةُ النص فجأة في جملة تكاد تكون ضربًا من السحر اللغوي: “أذّن للسكون، وصلّى بالأمنيات.” هنا، في هذا المفصل، يتجاوز النصُّ الأدبَ ليدخل فضاءَ التصوّف الإنساني العاري من أي دين إلا دين الروح. “أذّن للسكون” ليست استعارة، بل هي تأسيسُ ديانةٍ جديدة، ديانة الصمت العميق الذي يسبق الكلمة، الصمت الذي فيه تتشكّل المعاني قبل أن تتلوّث بالألفاظ. الأذانُ نداء، لكنّه هنا نداءٌ إلى ما قبل النداء، إلى السكون الأزلي الذي هو أمُّ كل صوت. ثم يُتمّ المشهدَ بجملة “صلّى بالأمنيات”، محوّلاً الأمنياتِ – وهي أضعف ما يملك الإنسان، لأنها معلّقة بالغيب – إلى ركعاتٍ وسجدات، إلى عبادةٍ حارّة. إنه يصنع من هشاشته قوّة، ومن حاجته تمجيدًا. الأمنيات هنا لم تعد تراود، بل صارت تقيم الشّعائر، وصار الحالمُ هو الإمام والمأموم في آن. هذا البناء البلاغي المركّب ينمّ عن عبقرية في نقل النفس البشرية من طور الانكسار إلى طور السيادة الروحية، حيث لا يملك الجائع شيئًا فيملك الشيءَ الأغلى: إرادة تحويل العدم إلى صلاة.
ثم تبلغ الذروة الدرامية والبلاغية والوجودية في قولها: “ثم ذبح خوفه قرباناً للحياة.” هنا لا تجد الاستعارة، بل تجد المشهد الأسطوري الكامل. الفعل “ذبح” بكل ما فيه من عنف ودموية وإراقة للدم، مسلّطٌ لا على عدوّ خارجيّ، بل على خوفه هو. الخوف يُذبح، وكأنه كبش فداء، أو وكأنه إله قديم يجب إراقة دمه لإرضاء إلهة الحياة المتعطشة للشجاعة. إنه يستعيد طقس القرابين البدائي، لكنه يعكسه: لم يعد الإنسان يقدّم قربانًا للآلهة كي ترضى عنه، بل يقدّم خوفه للحياة نفسها كي تفتح له أبوابها. وبمجرد أن يُسفك دم الخوف، يحدث التجلّي الأكبر: “فرأى الأفق للمرة الأولى.” الأفق، هذه الكلمة المفتوحة على اتساع لا نهائي، كانت مسدودة أمامه، لا لأنها اختفت، بل لأن الخوف كان سدًّا بصريًّا، غشاوةً على العين الثالثة. الآن، بعد المذبحة المقدّسة، ينزاح الحجاب، فيرى ما كان موجودًا دائمًا ولم يره: الأفق، أي الاحتمال، أي المستقبل، أي المعنى الذي يتشكّل في البعيد. “للمرة الأولى” تعني أن حياته السابقة كلها كانت عَمًى، وأن البصر الحقيقي لا يُهدى إلا لمن تجرّأ على أن يذبح ظلّه، ويتخلّى عن سجن “الأنا”.
أيتها الأستاذة ، ما صنعتِه في هذا النص يشبه أن تعثري على شظيّة مرآة ملقاة في الوحل، فتلتقطيها وتنفخي فيها من روحك، فتعكسَ ضوء الشمس على الجدران الميتة فترقص. أنتِ لم ترصدي قصة، بل مارستِ عليها طقسَ إعادة الخلق. لقد حوّلتِ الرصدَ إلى مرافعة بلاغية دفاعًا عن حق الإنسان في الولادة الثانية، وجعلتِ من النقدِ كتابةً توازي الشعر في كثافته وعمقه. إن قلمك في هذا المقام لم يكن أداة تحليل، بل كان مِشرطًا جراحيًّا دخل في نسيج النص ليستخرج منه كنزه الدفين، وكان مصباحًا كشف لنا الظلال التي تعمّد صاحب النص إخفاءها كي لا يحرقنا وهجها.
إن ما كتبتِه سيبقى وثيقةً أدبية تشهد أن النقد، حين يتزوّج بالإبداع، يلد معانيَ خالدة. سيبقى الأفقُ يُرى “للمرة الأولى” في كل مرة يُذبح فيها خوف، وفي كل مرة يترجّل فيها إنسان عن ذاته المزيّفة ليصير ما يجب أن يكون: روحًا حرة لا يحدّها إلا اتساع السماء.
طه دخل الله عبد الرحمن
البعنه == الجليل
5/07/2026

شارك