المرأة والذكاء الاصطناعي الحرية الرقمية أم إعادة إنتاج الهيمنة الذكورية ؟

 

أ.سوسن شومان

لم تكن الحرية يومًا هبةً تُمنح من فوق، بل كانت دائمًا معركةً تُخاض على أرض الواقع، في الأسواق والتشريعات والشوارع وعلى أعتاب البيوت. وحين انتزعت المرأة في القرن العشرين حقوقها السياسية والمدنية خطوةً خطوة، لم تكن ترتاح إلى ما بلغته، بل كانت تراقب أفق النضال التالي. واليوم، يتشكّل ذلك الأفق في فضاء لم تختَره ولم تُشارك في رسم معالمه: الفضاء الرقمي، حيث تُعيد تقنيات الذكاء الاصطناعي إنتاج العالم على مثالها المُعطَى، لا على مثال ما تستحقّه النساء.

 

تطرح هذه الورقة سؤالًا جوهريًا : هل يمثّل الذكاء الاصطناعي امتدادًا للتحرر النسوي أم أداةً مستحدثة لإعادة إنتاج الهيمنة الذكورية في عباءة رقمية لامعة؟ وللإجابة، لا بدّ من قراءة تاريخية في الحرية التي نادت بها الحركات النسوية، ثم مواجهتها بما تكشفه تقنيات اليوم من تناقضات صارخة.

 

 

 

ماهية الحرية في الفكر النسوي

 

لا يمكن فهم ما يجري في الفضاء الرقمي دون العودة إلى الجذر: ما الحرية التي طالبت بها المرأة؟ منذ وثيقة ماري وولستونكرافت عام 1792 حتى موجات النسوية المعاصرة، تتقاطع التعريفات حول محورين: الاستقلالية الجسدية والاستقلالية التمثيلية. الأولى تعني حقّها في السيادة على جسدها دون أن يكون موضعًا للعرض أو التعريف أو الاستغلال. والثانية تعني حقّها في أن تُمثَّل على الصورة التي تختارها لنفسها، لا على الصورة التي تُريحها العين الذكورية.

 

هذان المحوران هما بالضبط ما تُهدده تقنيات الذكاء الاصطناعي في أكثر تجلّياتها انتشارًا ، فحين تُطلق شركات التقنية أدوات لتوليد صور واقعية لأجساد نسائية، أو تدمج ميزات المرافقة العاطفية الافتراضية بأصوات أنثوية مُرطَّبة، أو تُصمّم روبوتات خدمة بملامح أنثى وشخصية مُطيعة، فهي لا تبتكر شيئًا من فراغ؛ بل تستعيد قاموسًا بالغ القِدَم في تسليع الأنوثة وتحويلها إلى وظيفة.

 

 

 

التسليع الرقمي وشيأنة المرأة في زمن الخوارزميات

 

الشيأنة – أي تحويل الإنسان إلى شيء قابل للاستهلاك – ليست ظاهرة ولدها الذكاء الاصطناعي، لكنه يمنحها طاقة هائلة وسرعة إنتشار غير مسبوقة ، فتقنيات الـ Deepfake التي تُنتج مقاطع مزوّرة لنساء حقيقيات، وتطبيقات توليد الصور التي تعيد إنتاج الجسد الأنثوي بناءً على قوالب نمطية راسخة ، ومساعدات الذكاء الاصطناعي المُصمَّمة أساسًا بأصوات نسائية وشخصيات خاضعة – كل هذه الأدوات تتقاطع في رسالة ضمنية واحدة : جسد المرأة مادة خاضعة للتشكيل والتوليد والاستهلاك.

 

والأخطر من الأداة نفسها هو منطقها الاقتصادي ، فصناعة الذكاء الاصطناعي التوليدي تجني عائداتها من الانتباه، والانتباه يتدفق نحو ما يشتهيه الجمهور الأوسع ، وحين يُغذّى هذا الجمهور بعقود من الصور النمطية عبر الإعلانات والأفلام والألعاب الإلكترونية، ينتهي الأمر إلى خوارزميات تُعلَّم أن المرأة المثالية رفيعة وصامتة ومبتسمة وخاضعة ، إنه تحيّز يتجذّر في البنية التحتية للتقنية ذاتها ، لا في واجهتها السطحية.

 

وقد أثبتت دراسات عديدة صادرة عن مؤسسات أكاديمية كـ MIT Media Lab وAI Now Institute أن نماذج الذكاء الاصطناعي المدرَّبة على بيانات الإنترنت تُعيد إنتاج التحيّزات الجنسانية بل وتضخّمه ، فنماذج اللغة تميل إلى ربط الأدوار القيادية بضمير المذكّر، ونماذج الصور تُنتج تمثيلات مُجنسَنة ونمطية حتى حين لا يطلب المستخدم ذلك ، هذه ليست أخطاء تقنية يمكن تصحيحها بتحديث بسيط، بل انعكاس أمين لعالم أنتجها.

 

 

 

حين يُروَّج للأداة باسم التحرر

 

لا يجاهر مُسوّقو الذكاء الاصطناعي بما يفعلونه ، و على العكس ، يلفّون منتجاتهم بخطاب التمكين ، فتطبيقات التجميل الذكية تُقدَّم بوصفها أدوات لاستعادة الثقة بالنفس ، أما برامج تحليل المشاعر تُباع بوصفها مساعداً في فهم الذات ، كما ان منصات المرافقة الافتراضية تصف نفسها بأنها ملاذ آمن للنساء اللواتي يعانين من الوحدة ، لكن وراء كل هذا الخطاب الورديّ تكمن آلية مختلفة تمامًا.

 

فتطبيق التجميل لا يُعزّز ثقة المرأة بجسدها الحقيقي، بل يقترح عليها جسدًا بديلًا مُصفَّى ومُعدَّلًا وأقرب إلى المعايير التي رسمتها الصناعة ، أما برنامج تحليل المشاعر قد يستخدم بياناتها العاطفية لأغراض تسويقية ، في حين الرفيق الافتراضي يُشكّل لديها توقعات علائقية لا يستطيع الرجل الحقيقي تلبيتها – وهذا وحده يمثّل أزمة اجتماعية عميقة ، إذاً الترويج الرقمي لا يخدم حريتها ؛ بل يُفرغ مفهوم الحرية من محتواه ويُعيد بيعه لها على شكل منتج مدفوع.

 

 

 

ماهية الحرية في ظل الغزو الرقمي

 

يطرح هذا الواقع سؤالًا وجوديًا : هل لا تزال ثمة حرية ممكنة؟ والجواب بشروطه نعم ، لكن الحرية الرقمية للمرأة لا يمكن أن تكون مجرد استهلاك أفضل أو وصول أسهل إلى الأدوات ذاتها ، إنها أولًا وقبل كل شيء، حرية في التمثيل : أن تكون المرأة صانعة للتقنية لا موضوعها . وحرية في البيانات : أن تسيطر على صورتها الرقمية وتحول دون توليدها بغير إذنها . وحرية في الخوارزمية: أن يُكفَل لها الحق في معرفة كيف تُصنَّف وتُرتَّب وتُعرَض.

 

هذه الحرية ليست رفاهية فلسفية، بل مطلب قانوني وسياسي ملحّ ، فيما لم تُشارك المرأة في تصميم هذه التقنيات من الداخل – في فرق الهندسة وطواقم البيانات ومجالس الحوكمة – ستظل الخوارزميات مرايا تعكس عالمًا لم تُشارك في بنائه.

 

 

 

مقترحات للحد من ظاهرة الشيأنة الرقمية

 

لا تكفي الإدانة الأخلاقية وحدها إذا لم تُرافقها إجراءات عملية على مستويات متعددة:

 

على صعيد التشريع: يجب أن تتضمّن التشريعات الرقمية نصوصًا صريحة تُجرّم توليد صور وأصوات مزوّرة للنساء ، وتفرض رقابة مستقلة على خوارزميات التصنيف الجنساني في منصات التوظيف والإعلام والتجارة الإلكترونية . فالقانون يجب أن يسبق الضرر لا أن يلحق به.

على صعيد التعليم: لا يكفي تعليم البنات استخدام التقنية ؛ بل يجب تمكينهن من نقدها وتشريح منطقها ، الثقافة الرقمية النقدية هي الدرع الأمثل في مواجهة التلاعب الخوارزمي.

على صعيد صناعة التقنية: يجب أن تُلزَم الشركات الكبرى بنشر تقارير شفافية تكشف نسب التمثيل الجنساني في طواقم تطوير النماذج، وتُبيّن كيفية معالجة التحيّزات الجنسانية في بيانات التدريب.

على صعيد المجتمع المدني: تحتاج الحركات النسوية إلى أذرع تقنية قادرة على مراقبة الفضاء الرقمي وتوثيق انتهاكاته ورفع قضايا قانونية استراتيجية . النضال الميداني لا يكتمل بلا نضال رقمي مرافق.

خاتمة

 

قبل قرن من الزمن، كانت الحرية الممنوعة على المرأة هي حق التصويت وحق الميراث وحق التعليم ، اليوم تأخذ القيود أشكالًا أكثر خفاءً وأشد تعقيدًا : بيانات تُستخرج دون موافقة ، وصور تُولَّد دون إذن ، وخوارزميات تُعرّف الأنوثة قبل أن تُعرّف نفسها المرأة . هذه ليست مبالغة أكاديمية ؛ إنها الوصف الدقيق للواقع الذي تعيشه ملايين النساء في الفضاء الرقمي.

 

الذكاء الاصطناعي في ذاته لا يُحرّر ولا يُقيّد؛ إنه مرآة بحجم المجتمع الذي بناه ، وإذا كان ذلك المجتمع لم يُنصف المرأة بعد ، فمن الوهم توقّع أن تُنصفها مرآته . التحرر الرقمي الحقيقي يبدأ حين تمسك المرأة بيدها تلك المرآة وتُقرّر بنفسها ما الصورة التي تعكسها.

 

وإلى أن يتحقق ذلك، يبقى السؤال الجوهري معلّقًا كتحدٍّ لكل من يدّعي أن التقنية محايدة:

 

محايدة لمن؟ وعلى حساب من؟

سوسن شومان

شارك