مآخذنا على اليسار الذي أحببناه

 

بشير عصمت

 

فرج الله الحلو: من إحياء الذكرى إلى استعادة السؤال

نحو يسار إنساني وطني جديد

في الذكرى السابعة و الستين لاستشهاد فرج الله الحلو، لا أريد أن أضيف خطابًا آخر إلى الخطب التي تقال، ولا أن أكرر الكلمات التي تتردد كل عام، على صدق بعضها وحرارة أصحابها. لقد دعوت دائمًا إلى عدم التوقف عن إحياء هذه الذكرى الأليمة، لكنني دعوت، في الوقت نفسه، إلى تغيير شكل التكريم ومعناه.

فالشهداء لا يُكرَّمون فقط بالصور والأعلام والأناشيد، ولا بتحويل سيرتهم إلى طقس سنوي ينتهي بانتهاء المناسبة. إن أعمق أشكال الوفاء لهم أن نستعيد الأسئلة التي حملوها، وأن نراجع ما فعلناه بأفكارهم بعد رحيلهم، وأن نسأل بصدق: هل بقينا أوفياء للقضايا التي ضحوا من أجلها، أم اكتفينا بالوفاء لأسمائهم؟

كان يمكن أن تكون موضوعات تكريم فرج الله الحلو كثيرة: وطنيته، شجاعته، صلابته، موقعه في تاريخ الحركة الشيوعية، علاقته بالناس، أو ظروف اغتياله الوحشي على أيدي أجهزة نظام قومي رفع شعارات التحرر والوحدة والاشتراكية، فيما لم يحتمل وجود شيوعي مستقل أو رأي مختلف.

لكنني اخترت في هذه المناسبة جانبًا أعتقد أنه كان سيعني فرج الله الحلو أكثر من أي احتفاء شكلي: أزمة اليسار، أو بصورة أدق، أزمة الحزب الفكرية والسياسية والتنظيمية.

وهذه الملاحظات ليست كل ما يمكن قوله، ولا أدّعي أنها تختصر مراجعتي للتجربة الشيوعية أو لتاريخ اليسار اللبناني والعربي. إنها جانب اقتضته المناسبة، واختيار فرضته دلالة استشهاد فرج الله الحلو والأسئلة التي يثيرها مصيره. وما يرد هنا ليس سوى غيض من فيض؛ إذ سأتابع قريبًا جدًا هذه السلسلة، متناولًا قضايا أخرى فكرية وسياسية وتنظيمية وتاريخية لم يتسع لها هذا المقال، أو لم يحن بعد وقت تفصيلها.

سأكتب كما اعتدت أن أكتب: لا كلمة خارج السياق، ولا شتيمة، ولا تجريح شخصي، ولا كتابة تحت وطأة الغضب. فالنقد لا يحتاج إلى الإهانة كي يكون حازمًا، والاختلاف لا يبرر الإساءة، والمراجعة الفكرية لا تُكتب بروح الانتقام. سأحاول أن أزن الوقائع والأفكار والمواقف بقدر ما أستطيع، وأن أترك الباب مفتوحًا أمام من يوافق ومن يعترض، لأنني لا أبحث عن أتباع لرأي جديد، بل عن شركاء في حوار تأخر طويلًا.

هذا النص، إذًا، ليس حكمًا نهائيًا، ولا بيان انشقاق، ولا دعوة إلى تصفية حساب مع الحزب أو مع تاريخه. إنه بداية حوار فكري أرجو ألا يتوقف عند حدود مناسبة فرج الله الحلو، بل أن يمتد إلى معنى اليسار نفسه، وإلى علاقته بالإنسان والوطن والدولة والديمقراطية والتنظيم والعدالة الاجتماعية.

لماذا أكتب هذه السلسلة على «المنصة»؟

هذا المقال جزء من سلسلة نصوص سياسية وفكرية أكتبها على «المنصة»، التي تستقبل بالترحاب الآراء والمساهمات الفكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية المختلفة.

ولأنني لا أريد أن تُصبغ المنصة، أو أن يُصبغ كتّابها، بالأحمر القاني لمجرد أنني أكتب فيها مقالات ذات خلفية تقدمية أو ماركسية، ستُنشر هذه المقالات في قسم الثقافة والفكر، حفاظًا على استقلالية المنصة وعلى التعدد بين كتّابها وأصواتها. فالمنصة ليست حزبًا، ولا ينبغي أن تتحول إلى منبر عقائدي مغلق، كما أن أي كاتب فيها لا يتحمل مسؤولية رأي كاتب آخر.

ستكون مقالاتي تقدمية وماركسية في الكثير من منطلقاتها، لكنها لن تتعبد لإله واحد اسمه ماركس، ولن تتعامل مع نصوصه بوصفها كتبًا منزلة أو أجوبة نهائية عن كل الأزمنة والمجتمعات.

سأعود إلى ماركس بصفته واحدًا من كبار من كشفوا آليات الاستغلال وتراكم رأس المال وتحول الاقتصاد إلى سلطة سياسية، لكنني سأعود أيضًا إلى الفلسفة وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا وعلم النفس والاقتصاد والعلوم السياسية والفكر النسوي والبيئي والدراسات الدينية، وإلى كل معرفة تساعدنا على فهم الإنسان والمجتمع في تعقيدهما.

فالغاية ليست إثبات صحة عقيدة، بل استخدام المعرفة لصالح المستغَلين والمضطهدين والمظلومين والمقهورين والضعفاء: رجالًا ونساءً، أطفالًا ومسنين، عاملين وموظفين وعاطلين عن العمل، مواطنين ومهاجرين، مؤمنين وغير مؤمنين.

وقد يأتي من يعارض ما أقول، وهذا حقه الكامل. بل إن الاعتراض الجدي جزء من الغاية التي أكتب من أجلها. فاليسار الذي يخاف من الأسئلة لا يستطيع أن يتحدث باسم التحرر، والفكر الذي لا يحتمل النقد يتحول، مهما كانت نيات أصحابه، إلى عقيدة جامدة وإلى سلطة جديدة على العقل.

من داخل التجربة لا من خارجها

ليست هذه الملاحظات شهادة خصم على تجربة غريبة عنه، ولا محاولة متأخرة للتبرؤ من تاريخ شخصي وعائلي وفكري. إنها مراجعة من داخل التجربة الشيوعية، ومن داخل جرحها ووعدها، ومن داخل القيم التي جذبت أجيالًا إليها.

لقد أحببنا هذا اليسار لأنه وقف إلى جانب الفقراء، ولأنه قال إن الظلم ليس قدرًا، وإن الإنسان قادر على تغيير شروط حياته. أحببناه لأنه حمل شعارًا لا يزال من أجمل ما قيل في السياسة اللبنانية: وطن حر وشعب سعيد.

أحببناه لأنه أعطى العمال والفلاحين والطلاب والمثقفين مكانًا في السياسة، ولأنه ساهم في بناء النقابات والدفاع عن قانون العمل والتعليم الرسمي والجامعة اللبنانية، ولأنه قاوم الاحتلال ودفع أثمانًا باهظة في سبيل ذلك.

لكن الحب لا يعني الصمت، والوفاء لا يعني التقديس. بل ربما كان أصدق أشكال الوفاء أن نقول بوضوح: هنا أصبنا، وهنا أخطأنا، وهنا قصّرنا، وهنا دفع الناس ثمن أخطائنا.

إن النقد الذي يأتي من داخل التجربة لا يسعى إلى محوها، بل إلى إنقاذ ما يستحق الحياة فيها. أما الذي يحول الماضي إلى أيقونة مغلقة، ويرفض مناقشة الأخطاء بحجة احترام التضحيات، فإنه لا يصون التاريخ، بل يمنعه من أن يكون درسًا للمستقبل.

نحن مع اليسار، و ضد اليسار حين ينسى الإنسان.

نحن مع ماركس، و ضد تحويل ماركس إلى نص مقدس ووحيد.

نحن مع الحزب،و ضد الحزب حين يصبح غاية بذاته، وحين يتقدم مجده وبقاؤه ومصلحة قيادته على حرية الناس وكرامتهم.

نحن مع الطبقة العاملة، و ضد اختزال المجتمع كله في صورة قديمة عن طبقة تغيّر تكوينها ودورها وأشكال عملها.

نحن مع الأممية، وضد الأممية حين تتحول من تضامن بين الشعوب إلى تبعية لمركز خارجي.

نحن مع فلسطين، و ضد استخدام فلسطين لإلغاء لبنان، أو لتبرير الحرب الأهلية، أو لإسكات السؤال عن الديمقراطية والدولة والسيادة.

نحن مع التنظيم، بل ضد التنظيم الذي يخاف من الرأي المختلف، ويطرد أصحابه، ثم يتحدث باسم الحرية.

و نحن مع العلمانية، وضد علمانية جافة ومتعالية لا تفهم حاجة الناس إلى المعنى والروح والكرامة والطمأنينة.

نحن لا نريد الخروج من اليسار إلى ضفته المضادة، بل نريد تحرير اليسار من أوهامه، وإعادة وصل العدالة بالحرية، والوطن بالأفق الإنساني، والتنظيم بالديمقراطية، والسياسة بالأخلاق.

أزمة اليسار ليست أزمة انتخابية

لا تكمن أزمة اليسار في عدد المقاعد التي يفوز بها، ولا في تراجع حضوره الإعلامي، ولا في انحسار عضويته فقط. هذه نتائج ظاهرة لأزمة أعمق تمس فكره ولغته وبنيته التنظيمية وعلاقته بالناس.

لقد تغير المجتمع، بينما بقي جزء كبير من الخطاب اليساري يتحدث بلغة تشكلت في قرن آخر. وتغيرت أشكال العمل والاستغلال، بينما بقيت صورة العامل الصناعي الكلاسيكي تتحكم في تعريف الطبقة العاملة. وتغيرت معاني الهوية والانتماء والوطن والدين والفرد، بينما استمر بعض اليسار في التعامل معها كمسائل ثانوية أو كعوائق ينبغي أن يزيلها التطور التاريخي.

والأخطر أن الحزب الذي كان يفترض أن يكون أداة لتغيير المجتمع صار، في بعض المراحل، أكثر اهتمامًا بحماية ذاته وقيادته وتاريخه الرسمي من اهتمامه بمراجعة أسباب تراجعه.

لذلك فإن أزمة اليسار ليست أزمة علاقات عامة، ولا تُحل بتغيير الشعار أو تجميل الخطاب أو استبدال بعض الأشخاص. إنها أزمة فكر وسياسة وتنظيم وأخلاق، ولا بد من مقاربتها على هذه المستويات مجتمعة.

الإنسان ليس موقعًا طبقيًا فقط

المأخذ الأول على اليسار الشيوعي أنه أهمل، إلى حد بعيد، البعد الروحي والوجداني والفردي لدى الإنسان.

والمقصود بالروحي هنا ليس الدعوة إلى تحويل اليسار إلى حركة دينية، ولا إلى إخضاع السياسة للمقدس، بل الاعتراف بأن الإنسان ليس مجرد معدة أو أجر أو موقع في عملية الإنتاج.

لقد دافع اليسار عن خبز الناس، لكنه لم يفهم دائمًا جوعهم إلى المعنى. ودافع عن الفقراء، لكنه ترك الطائفة ورجل الدين والزعيم يحتكرون لغة العزاء والخوف والرجاء والموت والانتماء.

عرف الكثير عن العامل بوصفه منتجًا ومستغَلًا، لكنه لم يعرف دائمًا ما يكفي عن الإنسان الذي يسكن هذا العامل: خوفه على أولاده، علاقته بالموت، حاجته إلى الحب والاعتراف، ذاكرته العائلية، معتقداته، وحدته، شعوره بالهشاشة، وحاجته إلى أن يرى في حياته معنى يتجاوز الأجر والإنتاج.

لا يعيش الإنسان بالخبز وحده، لكن هذا لا يعني أنه يستطيع العيش من دون الخبز. المطلوب ليس استبدال العدالة الاجتماعية بالموعظة الأخلاقية، بل فهم أن الفقر ليس حرمانًا ماديًا فقط؛ إنه إذلال نفسي، وانكسار اجتماعي، وتضييق على القدرة على الاختيار.

والبطالة ليست غياب الدخل وحده، بل فقدان للدور والمكانة والثقة بالذات. والحرب ليست تدميرًا للمنازل والاقتصاد فقط، بل خوف وحداد وصدمة وذاكرة مثقلة. والهجرة ليست انتقالًا جغرافيًا فحسب، بل اقتلاع من المكان والعلاقات واللغة اليومية.

حين عجز اليسار عن مخاطبة هذه الأبعاد، تركها لقوى أخرى. لم تختف حاجة الناس إلى المعنى لأن اليسار تجاهلها، بل ذهب الناس إلى من خاطب خوفهم وموتهم وذاكرتهم، حتى حين كان ذلك الخطاب طائفيًا أو سلطويًا.

وقد أخطأ اليسار مرتين في علاقته بالدين: أخطأ حين اختزله في كونه «أفيونًا للشعوب» وتعامل مع المؤمنين كأنهم متأخرون في الوعي، ثم أخطأ حين انتقل من هذا الازدراء المتعالي إلى التحالف غير النقدي مع حركات دينية سلطوية لمجرد أنها رفعت شعار المقاومة أو مواجهة الإمبريالية.

نريد يسارًا علمانيًا يحمي حرية الإيمان وعدم الإيمان، ويفصل المؤسسات الدينية عن الدولة، لكنه لا يفصل الإنسان عن وجدانه وذاكرته وأسئلته الكبرى. يسارًا يحترم الدين كقيمة روحية لدى المؤمن، ويرفض تحويله إلى سلطة سياسية أو وسيلة لإخضاع المجتمع.

ماركس مفكر كبير لا صاحب كتاب منزل

قدمت الماركسية أدوات شديدة الأهمية لفهم علاقات الإنتاج وتوزيع الثروة وتراكم رأس المال وتحول القوة الاقتصادية إلى سلطة سياسية. وما تزال أسئلتها حية في عالم تتسع فيه الفوارق الاجتماعية، وتتركز الثروة والبيانات ووسائل التأثير في أيدي شركات وشبكات مالية وتكنولوجية عابرة للحدود.

لكن أهمية ماركس لا تعني أن الماركسية علم نهائي وحيد لتفسير الإنسان والمجتمع والتاريخ.

فالمجتمعات لا تتحرك بفعل الاقتصاد والصراع الطبقي وحدهما. تتدخل فيها الثقافة والدين والقومية والجندر والذاكرة الجماعية والبيئة والتكنولوجيا وعلم النفس وأشكال السلطة المتعددة.

وعندما تقول عقيدة سياسية إنها تمتلك التفسير العلمي الوحيد للتاريخ، يصبح من السهل أن يظهر حزب يدّعي امتلاك هذا العلم، ثم قيادة تحتكر تفسيره، ثم جهاز يقرر من يقف مع التاريخ ومن يقف ضده.

إن ماركس الذي يمكن أن يبقى حيًا ليس نبيًا، بل مفكرًا كبيرًا يمكن الإفادة منه ونقده وتصحيح استنتاجاته وتجاوز بعضها. والماركسية التي لا تقبل تصحيح نفسها تتحول إلى نقيض الروح النقدية التي انطلقت منها.

لذلك لا نغادر ماركس إلى الرأسمالية المتوحشة، ولا نتمسك به خوفًا من الاعتراف بتحولات العالم. نحتفظ بأدواته النقدية وانحيازه إلى الفقراء، ونفتح الفكر اليساري على المعارف الأخرى، لأن الإنسان والمجتمع أكثر تعقيدًا من أن تختصرهما نظرية واحدة مهما بلغت أهميتها.

لا دكتاتورية تقود إلى الحرية

المأخذ الثالث يتعلق بمفهوم دكتاتورية البروليتاريا، وبالنتائج السياسية التي ترتبت على اعتباره مرحلة ضرورية في طريق التحرر.

لا يمكن أن تكون الدكتاتورية طريقًا إلى الحرية، حتى حين تنسب إلى البروليتاريا أو الثورة أو الشعب. فما بدأ في بعض التجارب باسم سلطة الطبقة العاملة تحول إلى سلطة الحزب، ثم إلى سلطة القيادة، ثم إلى سلطة الأجهزة والبيروقراطية.

وفي كل مرة كان يُطلب من الإنسان أن يؤجل حريته باسم المستقبل، وأن يقبل القمع الحاضر لأن التاريخ سينصفه لاحقًا. لكن السلطة التي تعتاد تأجيل الحرية لا تعود قادرة على إنتاجها.

حين يحتكر الحزب الحقيقة، ويعتبر نفسه الممثل الوحيد للطبقة العاملة، ثم تحتكر القيادة تمثيل الحزب، تصبح الطبقة نفسها غائبة عن القرار. وتتحول النقابات إلى أجهزة ملحقة، والإعلام إلى صوت رسمي، والقضاء إلى وظيفة سياسية، والنقد إلى انحراف، والاختلاف إلى خيانة.

ولا يكفي القول إن الستالينية كانت تشويهًا لمشروع سليم، لأن السؤال الذي ينبغي أن يطرح هو: ما الذي جعل هذا التشويه ممكنًا؟ هل كان الخلل في شخص ستالين فقط، أم في بنية ألغت التعددية وفصل السلطات واستقلال القضاء وحرية الصحافة وحق التنظيم؟

ليست غايتنا دكتاتورية طبقة، ولا سلطة حزب، ولا مجد قيادة. الغاية أن يكون البشر أحرارًا، وأن يكون المجتمع أكثر عدالة، وأن تكون السلطة قابلة للمحاسبة والتغيير.

الحزب وسيلة لا غاية

من أخطر ما يصيب الأحزاب العقائدية أن يتحول بقاؤها إلى الهدف الأعلى، فتُقاس المواقف بمدى خدمتها للتنظيم، لا بمدى خدمتها للناس.

عندها يصبح نقد الحزب إساءة إلى تاريخه، والاعتراض على القيادة خروجًا على الجماعة، وتتحول التضحيات الماضية إلى رأسمال معنوي تستخدمه القيادة لتجنب المحاسبة.

ويُطلب من الرفيق أن ينكر ما يراه بعقله وضميره حفاظًا على ما يسمى الوحدة، فيما تختزل الوحدة بالصمت، والانضباط بالطاعة، والمركزية الديمقراطية بمركزية لا ديمقراطية فيها.

الحزب الذي لا يحتمل النقاش داخله لا يستطيع أن يبني الحرية خارجه. والتنظيم الذي يطرد المختلفين أو يعزلهم أو يشكك في نياتهم يفقد قدرته الأخلاقية على الحديث باسم الديمقراطية.

وليست المفارقة فقط في أن الحزب انتقد الدين، بل في أن بعض الأحزاب الشيوعية أعادت إنتاج عدد من وظائفه السلطوية: نصوص لا يجوز نقدها، آباء مؤسسون تحيط بهم هالة، قيادة تحتكر التفسير الصحيح، طقوس حزبية، اعترافات تسمى نقدًا ذاتيًا، مؤمنون ومنشقون ومهرطقون يُطردون من الجماعة.

هكذا تحولت الماركسية، في بعض التجارب، من منهج لتحرير العقل إلى عقيدة تطلب التسليم، وتحول الحزب من أداة في يد الناس إلى مرجعية تقيس ولاءهم ونقاءهم.

من مصنع القرن التاسع عشر إلى رأسمالية المنصات

لا يزال الاستغلال قائمًا، وربما أصبح أكثر اتساعًا وتعقيدًا، لكن العالم لم يعد مصنع القرن التاسع عشر، والطبقة العاملة لم تعد صورة اجتماعية واحدة ثابتة.

لم يختف فائض القيمة، لكنه صار يُنتج ويُستحوذ عليه عبر التكنولوجيا والمعرفة والبيانات والمصارف والمنصات والاحتكار والريع وسلاسل التوريد العالمية.

وإلى جانب العامل الصناعي، ظهر العامل المعرفي والمنصاتي والمؤقت، والموظف المهدد، والمبرمج والمعلم والممرض والمهاجر وصاحب المهنة الحرة الذي فقد الأمان الاقتصادي، فضلًا عن العاطل عن العمل الذي يُستخدم وجوده للضغط على الأجور وشروط العمل.

كما أن الرأسمالية لا تستمر بالنهب وحده، بل بقدرتها على الابتكار والتكيف وصناعة الرغبات وتوسيع الاستهلاك وتحويل الوقت والانتباه والبيانات الشخصية إلى سلع.

لذلك يحتاج اليسار إلى اقتصاد سياسي جديد، لا إلى تكرار قاموس قديم. يحتاج إلى فهم رأس المال المالي والرقمي والبيئي، والعمل غير المنظم، والذكاء الاصطناعي، وهشاشة الوظائف، والاحتكار المعرفي، وعلاقة التكنولوجيا بالسلطة والديمقراطية.

ولا يعني ذلك التخلي عن مفهوم الاستغلال، بل تطويره بحيث يفسر العالم الذي نعيش فيه، بدل أن يحاول إعادة العالم إلى صورة نظرية سابقة.

لا يسار بلا وطن

المأخذ الآخر هو ضعف البعد الوطني، أو إخضاعه في مراحل مختلفة لمراكز ومرجعيات خارجية: سوفياتية أو قومية أو فلسطينية أو إقليمية.

الأممية قيمة إنسانية عظيمة حين تعني تضامن الشعوب والمضطهدين عبر الحدود. لكنها تصبح نقيضًا لنفسها حين تتحول إلى طاعة سياسية أو إلى قبول بأن تُرسم المواقف الوطنية في عاصمة أخرى.

لا يسار بلا وطن. وليس الوطن هنا عصبية مغلقة أو انعزالًا أو عداء لفلسطين والعرب والعالم. الوطن هو المجال الذي يعيش فيه الناس، وتُبنى فيه الدولة، وتُصان فيه الحقوق، ويتحمل المواطنون مسؤولية قراراتهم ونتائجها.

اليسار الذي لا يبدأ من وطنه لا يستطيع أن يكون أمميًا بحق، لأن الأممية الحقيقية تقوم بين شعوب حرة وقوى مستقلة، لا بين مركز آمر وأحزاب تابعة.

كان ينبغي أن يكون اليسار اللبناني مع فلسطين، لكن من دون الذوبان في قرار فلسطيني. ومع العروبة، لكن من دون الخضوع للقومية الأمنية. ومع التضامن الأممي، لكن من دون إلغاء خصوصية لبنان ومصالح شعبه. ومع مقاومة الاحتلال، لكن من دون تحويل البلاد إلى ساحة دائمة لحروب يقررها الآخرون ويدفع اللبنانيون أثمانها.

فالوطن ليس مفهومًا برجوازيًا متخلفًا ينبغي التخلص منه، ولا مجرد محطة عابرة في طريق أممية متخيلة. إنه شرط المسؤولية السياسية والحرية الديمقراطية. ومن دون دولة وطنية ديمقراطية، تتحول المجتمعات إلى ساحات مفتوحة أمام الميليشيات والطوائف والمخابرات والقوى الإقليمية.

فرج الله الحلو والقومية الأمنية

هنا تكتسب ذكرى فرج الله الحلو معناها السياسي والفكري الأعمق.

من أخطاء اليسار التاريخية أنه ساير القوميين العرب في مراحل كان ينبغي أن يكون فيها صوتًا نقديًا مستقلًا. بل زايد عليهم أحيانًا في شعارات الوحدة والتحرير وفلسطين، بدل أن يكشف النزعة السلطوية والأمنية في الكثير من تجاربهم.

لقد دفع الشيوعيون ثمنًا باهظًا لهذا الالتباس. وفرج الله الحلو ليس مجرد شهيد في سجل الحزب، بل شاهد على أن القومية الأمنية لم تحتمل يسارًا مستقلًا، ولا ديمقراطية، ولا تعددية، ولا حقًا في الاختلاف.

إن الوفاء لفرج لا يكون فقط برفع صوره وتكرار سيرته، بل بالسؤال: لماذا لم يتعلم اليسار بما يكفي من مصيره؟ لماذا استمر، بعده، في الرهان على أنظمة قومية وعسكرية تعاملت معه كحليف مؤقت، ثم قمعته متى طالب بالاستقلال أو الديمقراطية؟

القومية الثقافية المنفتحة شيء، والقومية الأمنية شيء آخر. والعروبة بوصفها فضاءً لغويًا وثقافيًا وإنسانيًا شيء، والوحدة القسرية وإلغاء الدول والمجتمعات شيء آخر. وفلسطين كقضية حق وعدالة شيء، واستخدامها لإسكات الناس وتبرير الاستبداد شيء آخر.

من يريد أن يكرم فرج الله الحلو عليه أن يجعل استقلال الفكر والقرار والتنظيم جزءًا من معنى ذكراه.

ففرج لا ينبغي أن يتحول إلى شهيد يُستدعى كل عام، فيما تبقى الظروف الفكرية والسياسية التي جعلت اغتياله ممكنًا خارج النقد والمراجعة.

الحرب الأهلية: الأسئلة التي بقيت معلقة

لا يمكن أن يولد يسار لبناني جديد من دون مراجعة صريحة لموقف اليسار من الحرب الأهلية.

ليس السؤال بهدف التشهير بمناضلين اعتقدوا أنهم يدافعون عن قضايا عادلة، ولا لإنكار الاعتداءات التي تعرضوا لها، بل لتحمل مسؤولية النتائج وعدم الاكتفاء بنبل النيات.

لماذا دخل الشيوعيون الحرب؟ ما الأفق الذي حكم مشاركتهم فيها؟ هل كان حمل السلاح في البداية دفاعًا مشروعًا، ثم تحول إلى انخراط طويل في نظام الميليشيات؟ أين انتهى الدفاع عن الإصلاح والديمقراطية، وأين بدأ الاعتقاد بإمكان تحقيقهما عن طريق الاقتتال الأهلي؟

لقد كان اليسار قد حقق، بالنضال السياسي والنقابي والشعبي، الكثير من القضايا التي رفعها. فكيف بدا لبعض قياداته أن تحرير فلسطين أو بناء دولة علمانية أو تحقيق العدالة الاجتماعية يمكن أن يمر عبر حرب يقتل فيها اللبناني أخاه اللبناني، وتتعزز فيها الطوائف، ويتسع نفوذ الخارج، وتنهار الدولة؟

وأي قراءة جدية كان يمكن أن تعتبر أن تحرير فلسطين سيأتي نتيجة اقتتال داخلي في لبنان؟

خرج اليسار من الحرب مثقلًا بالخسائر، فيما أعاد النظام الطائفي إنتاج نفسه. لم تُبنَ دولة علمانية، ولم تتحقق عدالة اجتماعية، ولم تتحرر فلسطين. بل توسعت سلطة الميليشيات، وتعمقت التبعيات، وتحول السلاح من وسيلة استثنائية إلى مصدر دائم للشرعية والنفوذ.

إن المراجعة لا تعني التنكر للتضحيات، بل منع استخدامها لحجب الأخطاء. فصحة القضية لا تجعل جميع الوسائل صحيحة، والوفاء للشهداء لا يكون بإعادة إنتاج الشروط التي صنعت المأساة.

الذاكرة التي تنتقي أصحابها

لا يسار بلا ذاكرة أخلاقية، ولا تكفي ذاكرة تحتفي بالشهداء الكبار وتنسى الرفاق الصغار، أو ترفع أسماء القادة وتطمس المختلفين والمطرودين والمنسيين والفقراء من مؤسسي الحزب.

من يطالب بالعدالة الاجتماعية عليه أن يمارس العدالة داخل تنظيمه. ومن يدافع عن العمال لا يجوز أن ينسى رفاقه حين يشيخون أو يمرضون أو يجوعون. ومن يرفع راية الحرية لا يجوز أن يحول الحزب إلى مكان للخوف والعزل والتشهير.

ليست الذاكرة ملكًا للقيادة، ولا التاريخ ملكية حزبية. والحزب الذي يحذف من روايته كل من اختلف معه يعيد كتابة الماضي بالطريقة نفسها التي انتقد بها الأنظمة السلطوية.

الوفاء ليس طقسًا سنويًا، وليس دعوة إلى وليمة أو إلقاء خطبة. الوفاء إنصاف ومراجعة ورد اعتبار، واعتراف بأن التاريخ الحزبي لم يصنعه القادة وحدهم، بل صنعه أيضًا رفاق بسطاء قدموا الكثير ولم يحصلوا حتى على حقهم في الذاكرة.

ما الذي يبقى من التجربة؟

لا يمكن إنكار الأيادي البيضاء للحزب الشيوعي واليسار في لبنان: في النقابات، والدفاع عن قانون العمل، والتعليم الرسمي، والجامعة اللبنانية، والحركات العمالية والطلابية والفلاحية، والثقافة، ومقاومة الاحتلال، ومنح أجيال من الفقراء والمهمشين شعورًا بأنهم قادرون على رفع أصواتهم والمطالبة بحقوقهم.

نحن لا نكتب للانتقام من هذا التاريخ، ولا لمحو ما كان نبيلًا فيه، بل لإنقاذ ما يستحق الحياة.

يبقى من الشيوعية انحيازها إلى الذين لا صوت لهم، ورفضها تحويل الفقر إلى قدر، ونقدها لتركيز الثروة، وإيمانها بأن الاقتصاد يجب أن يخدم المجتمع لا أن يحكمه.

ويبقى منها الاعتقاد بأن الإنسان لا يُقاس بما يملك، وأن الحقوق الاجتماعية ليست صدقة، وأن الكرامة ليست سلعة، وأن العدالة لا يمكن أن تُترك لقوانين السوق.

أما ما ينبغي أن يسقط فهو ادعاء امتلاك الحقيقة، وتقديس الحزب، وعبادة القائد، وتبرير القمع، وتأجيل الديمقراطية، واختزال المجتمع في طبقة واحدة، والتعامل مع التاريخ كمسار حتمي معروف النهاية.

إن سقوط التجربة السوفياتية لا يثبت أن الرأسمالية هي نهاية التاريخ، كما أن إخفاق الأحزاب الشيوعية لا يلغي الحاجة إلى العدالة الاجتماعية. الذي انهار هو نموذج تاريخي محدد، لا حق الفقراء في حياة كريمة، وفشلت أنظمة احتكرت اسم الاشتراكية، لا فكرة حماية العمل وإعادة توزيع الثروة والحد من الاستغلال.

نحو يسار إنساني وطني جديد

نريد يسارًا وطنيًا لا انعزاليًا.

يسارًا علمانيًا لا معاديًا للدين.

يسارًا اجتماعيًا لا شعبويًا.

يسارًا ديمقراطيًا لا تنظيمًا مغلقًا.

يسارًا مع فلسطين، لكن غير تابع لأي قرار خارجي.

يسارًا مع الدولة، لا مع تحويل الوطن إلى ساحة.

يسارًا مع الفقراء، لا متحدثًا باسمهم من فوقهم.

يسارًا يحترم النساء لا بوصفهن ملحقًا بالنضال، بل بوصفهن شريكات كاملات في الحرية والمساواة والقرار.

يسارًا يفهم الشباب والعاملين في الاقتصاد الرقمي والمهاجرين والموظفين وصغار المنتجين، ولا يبحث عن بروليتاريا القرن التاسع عشر في القرن الحادي والعشرين.

يسارًا يحفظ الروح والعقل والخبز والحرية معًا.

ولا أدعو، في هذه المرحلة، إلى إعلان حزب جديد، ولا إلى إقامة إطار مغلق يعيد إنتاج أمراض التنظيمات القديمة. ما نحتاج إليه أولًا هو تيار رأي ومساحة للنقاش، وجرأة على السؤال، ونصوص تتفاعل وتتعارض وتصحح بعضها بعضًا.

لا نعلن يقينًا جديدًا، بل ندعو إلى تفكير مشترك.

ولا ننصب محكمة للتاريخ، بل نسعى إلى تحرير المستقبل من أخطائه.

ولا نريد استبدال عقيدة قديمة بعقيدة جديدة، أو قيادة تدعي امتلاك الحقيقة بقيادة أخرى تدعي الشيء نفسه. نريد أن نستعيد قدرة اليسار على السؤال، لأن الفكر الذي يتوقف عن طرح الأسئلة يبدأ بالتحول إلى سلطة، والحزب الذي يخاف من المراجعة يبدأ بالعيش على ماضيه.

 

 

إن غاية الشيوعيين، وغاية كل يسار يستحق اسمه، ليست مجد الحزب، ولا خلود القيادة، ولا انتصار العقيدة على البشر.

 

الغاية هي الإنسان.

 

الغاية أن يكون الوطن حرًا، والدولة عادلة، والمواطن آمنًا في حريته وكرامته ولقمة عيشه.

 

الغاية أن يصبح الشعب سعيدًا، لا أن يظل وقودًا لمعارك تُخاض باسمه.

 

ولعل أفضل ما نقدمه إلى ذكرى فرج الله الحلو ألا نكتفي بالقول إنه استشهد من أجل أفكاره، بل أن نملك الشجاعة التي تجعل منه حاضرًا في أسئلتنا: هل بقي اليسار وفيًا للإنسان الذي استشهد فرج من أجله؟ وهل بقي وفيًا للوطن الذي أراده حرًا؟ وهل استطاع أن يتعلم من اغتياله، أم اكتفى بتحويله إلى رمز حزبي؟

 

هذه الملاحظات هي جانب اقتضته المناسبة، لكنها ليست سوى بداية. فما لم يُقل بعد أكثر مما قيل، وما يحتاج إلى المراجعة أوسع من أن يختصره مقال واحد.

 

في المقالات المقبلة سأعود، بتفصيل أكبر، إلى أسئلة لا تقل إيلامًا ولا أهمية:

 

هل كانت الستالينية انحرافًا عن اللينينية، أم احتمالًا كامنًا في بنيتها التنظيمية؟

 

هل يمكن إصلاح المركزية الديمقراطية، أم أنها تنتهي بالضرورة إلى مركزية بلا ديمقراطية؟

 

لماذا ساير الشيوعيون الأنظمة القومية التي اضطهدتهم؟

 

كيف تحولت الأممية من تضامن بين الشعوب إلى تبعية لمراكز القرار؟

 

كيف دخل الحزب الشيوعي اللبناني الحرب الأهلية، وما الذي كان يمكن فعله خارج منطق الحرب؟

 

من هم الرفاق الذين أخرجتهم الرواية الرسمية من ذاكرة الحزب، ولماذا؟

 

وأي يسار يمكن أن ينشأ اليوم في عالم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي واقتصاد المنصات وتفكك الطبقات القديمة؟

 

لن أكتب هذه النصوص بغضب، ولن أستخدم الشتيمة بدل البرهان، ولن أضع كلمة خارج سياقها. سأكتب لأنني أعتقد أن تاريخًا دُفعت فيه كل هذه الأثمان يستحق أكثر من المجاملة، وأن الشهداء يستحقون أكثر من الطقوس، وأن الأجيال الجديدة تستحق أجوبة أكثر صدقًا من الأجوبة الجاهزة.

 

لسنا هنا لننهي نقاشًا، بل لنفتحه.

 

وإذا كان اليسار قد وُجد من أجل تحرير الإنسان، فإن أول واجباته اليوم أن يتحرر هو نفسه من الجمود والتبعية والخوف من الحقيقة.

 

أما السؤال الذي سأبدأ به المقال المقبل فهو: هل كان التنظيم اللينيني أداة للتحرر انحرفت في التطبيق، أم أن بعض عناصر الاستبداد

كانت موجودة في بنيته منذ البداية؟

 

شارك