أغنى الناس… مَن قَنِعَ بما قَسَمَهُ الله

 

 

بقلم: الكاتبة والمربية فاطمة يوسف بصل

 

ليس الغنى أن تمتلك مفاتيح الخزائن، ولا أن تتكاثر الأرقام في حساباتك، ولا أن يصفّق لك الناس لأنك بلغت مكانةً أو شهرةً أو سلطانًا. فكم من إنسانٍ ينام فوق كنوز الأرض، لكنه يستيقظ كل صباحٍ فقيرَ الروح، مضطربَ القلب، خائفًا من خسارة ما جمعه. وكم من آخر لا يملك إلا قوت يومه، لكنه ينام قرير العين، مطمئن النفس، يشعر أنه يملك الدنيا كلها؛ لأن في قلبه كنزًا لا يُشترى ولا يُباع، اسمه القناعة.

إن أعظم ثروةٍ يمنحها الله لعباده ليست المال، بل الرضا. فالمال قد يضيع، والجاه قد يزول، والصحة قد تضعف، أما القلب الراضي فيبقى غنيًّا مهما تبدّلت الأحوال. لذلك قيل: “أغنى الناس مَن قَنِعَ بما قَسَمَهُ الله له.”

لقد خلق الله الناس متفاوتين في أرزاقهم، كما خلقهم مختلفين في صورهم وألوانهم وعقولهم، ليكون لكل واحدٍ منهم نصيبٌ كتبه الله بحكمةٍ يعلمها سبحانه. وليس العاقل من يقارن رزقه برزق الآخرين، بل من ينظر إلى نعم الله عليه بعين الشكر، فيزداد يقينًا أن ما عند الله خيرٌ وأبقى.

إن القناعة ليست دعوةً إلى الكسل أو ترك السعي، بل هي أن تبذل جهدك بكل أمانة، ثم ترضى بما اختاره الله لك بعد ذلك. فالإنسان مأمورٌ بالعمل، لكنه غير مأمورٍ بأن يحمل همَّ النتائج، لأن الأرزاق بيد الله وحده، يعطيها بحكمة، ويمنعها بحكمة، ويؤخرها لحكمة، وقد يفتح بابًا لم يكن في الحسبان.

ولو تأملنا أحوال الناس، لوجدنا أن كثيرًا من الأغنياء يعيشون في قلقٍ دائم؛ يخافون من الخسارة، ويقلقون على تجارتهم، ويحرسون أموالهم أكثر مما يستمتعون بها. وفي المقابل، نجد فقراء يملكون قلوبًا مطمئنة، يبتسمون رغم ضيق الحال، ويحمدون الله على كل نعمة، فيعيشون سعادةً حقيقيةً لا يستطيع المال أن يشتريها.

لقد أصبح عالمنا اليوم أسير المقارنات. تفتح وسائل التواصل الاجتماعي، فتشاهد بيوتًا فاخرة، وسياراتٍ فارهة، ورحلاتٍ إلى أنحاء العالم، فتظن أن الجميع يعيش في نعيمٍ إلا أنت. لكنك لا ترى ما وراء الصور؛ فلا تعرف كم من دمعةٍ خُبِّئت خلف ابتسامة، ولا كم من همٍّ اختبأ خلف مظاهر الرفاهية. فالسعادة ليست صورةً تُنشَر، بل شعورٌ يسكن القلب.

ومن أعظم نعم الله على الإنسان أن يرزقه عينًا ترى النعم قبل أن ترى النواقص. فمن اعتاد أن يشكر الله على صحته، وأهله، وأمنه، وسترِه، وجد نفسه غنيًّا وإن قلَّ ماله. أما من اعتاد النظر إلى ما في أيدي الناس، فلن يشبع أبدًا، ولو مُلِّكت له خزائن الأرض.

وقد علّمنا رسول الله (ص) هذا المعنى العظيم حين قال: «ارضَ بما قسم الله لك تكن أغنى الناس.» فالغنى الحقيقي يبدأ من الداخل، من القلب الذي امتلأ يقينًا بأن الله لا يظلم أحدًا، وأن كل ما يقدّره لعبده هو الخير، وإن خفيت حكمته في البداية.

إن القناعة لا تعني أن يتوقف الإنسان عن الطموح، بل تعني أن يكون طموحه مقرونًا بالشكر، وسعيه مصحوبًا بالرضا، فإذا نال حمد الله، وإذا فاتته أمنيةٌ قال: لعل الله ادّخر لي ما هو خير منها. وهكذا يعيش مرتاح البال، لا تأكله الحسرة، ولا تقتله المقارنات، ولا يرهقه الحسد.

فيا أيها الإنسان، لا تجعل سعادتك معلقةً بما ينقصك، بل اجعلها مرتبطةً بما بين يديك. انظر إلى نعم الله التي تحيط بك، وستكتشف أنك أغنى مما كنت تظن. فالبيت الذي يؤويك نعمة، والصحة نعمة، والأهل نعمة، والأمان نعمة، والإيمان أعظم النعم كلها.

ليست الثروة فيما نملك، بل فيما نستغني عنه. وليس الغني من كثرت أمواله، وإنما الغني من امتلأ قلبه يقينًا بأن الله أعلم بما يصلحه، وأرحم به من نفسه. فإذا سكنت القناعة في القلب، صار الإنسان ملكًا وإن لم يملك إلا القليل، وإذا غابت القناعة، بقي فقيرًا ولو ملك الدنيا بأسرها.

فارضَ بما قسمه الله لك، واشكره على نعمه، واسعَ في الأرض بصدقٍ واجتهاد، وستكتشف أن أغنى الناس ليس من جمع المال، بل من جمع الرضا، وأن أعظم كنوز الحياة قلبٌ يقول في كل حين: الحمد لله على كل حال.

شارك