الأسئلة الممنوعة …أخطر كذبة في التاريخ… ليست الكذبة التي تُقال، بل الحقيقة التي لا تُقال كاملة

العدد الثاني

بقلم : أمين السكافي .

أخطر كذبة في التاريخ… ليست الكذبة التي تُقال، بل الحقيقة التي لا تُقال كاملة

 

«التاريخ لا يموت… لكنه قد يختنق إذا احتكر أحدٌ روايته.»

 

في مساء التاسع من تشرين الثاني عام 1989، جلس ملايين الأوروبيين أمام شاشات التلفزة يشاهدون مؤتمرًا صحفيًا عاديًا لمسؤول في ألمانيا الشرقية يدعى غونتر شابوفسكي.

 

لم يكن الرجل ونستون تشرشل.

 

ولم يكن قائدًا عسكريًا.

 

ولم يكن يحمل خطة لإسقاط جدار برلين.

 

كان يحمل ورقة.

 

ورقة واحدة.

 

وفي نهاية المؤتمر، سأله صحفي سؤالًا بدا عابرًا:

 

“متى يبدأ تنفيذ قرار السماح بالسفر؟”

 

قلب شابوفسكي أوراقه، تردد لحظات، ثم أجاب:

 

“بحسب علمي… يبدأ فورًا.”

 

لم تكن تلك هي التعليمات الرسمية؛ فالقرار كان مقررًا أن يدخل حيز التنفيذ في اليوم التالي بعد ترتيبات إدارية. لكن الجملة خرجت على الهواء مباشرة، وانتشرت خلال دقائق عبر الإذاعات وشاشات التلفزيون، فتدفق آلاف الألمان الشرقيين إلى المعابر الحدودية. وجد الحراس أنفسهم أمام حشود هائلة من دون أوامر واضحة، ففتحوا البوابات، لتبدأ واحدة من أكثر اللحظات رمزية في القرن العشرين.

 

لم يسقط الجدار بقذيفة…

 

بل بسؤال.

 

ولم تغيّر أوروبا خريطتها في تلك الليلة لأن جيشًا انتصر…

 

بل لأن عبارة قيلت في لحظة ارتباك.

 

 

 

تلك ليست قصة عن جدار برلين.

 

إنها قصة عن شيء أخطر.

 

عن الطريقة التي نفهم بها التاريخ.

 

لقد اعتدنا أن نحب القصص البسيطة.

 

سقطت دولة بسبب معركة.

 

اندلعت حرب بسبب رصاصة.

 

انهارت إمبراطورية بسبب قائد ضعيف.

 

لكن التاريخ الحقيقي يسخر من هذه البساطة.

 

فالرصاصة التي أشعلت الحرب العالمية الأولى لم تكن السبب الوحيد للحرب.

 

واغتيال ولي عهد النمسا لم يكن سوى الشرارة التي سقطت فوق قارة كانت قد امتلأت أصلًا بالبارود؛ سباق تسلح، وتحالفات عسكرية معقدة، وصراعات قومية، ومنافسة اقتصادية، وأزمات دبلوماسية تراكمت سنوات قبل أن تنفجر.

 

إن الشرارة ليست النار…

 

بل آخر ما يراه الناس قبل اشتعالها.

 

 

 

قبل أكثر من ستين عامًا، وقف المؤرخ البريطاني إي. إتش. كار أمام طلاب جامعة كامبريدج ليسأل سؤالًا هزّ علم التاريخ كله:

 

“ما هو التاريخ؟”

 

ثم أجاب بما غيّر طريقة تفكير أجيال من الباحثين.

 

قال إن الوقائع لا تدخل كتب التاريخ وحدها، وإن المؤرخ لا يجمع الأحداث كما يجمع موظف الأرشيف الأوراق، بل يفسرها، ويربط بينها، ويبحث عن أسبابها وسياقاتها. فالتاريخ ليس مجرد قائمة بالأحداث، بل محاولة لفهم لماذا وقعت، وكيف أثرت في ما بعدها.

 

ومنذ ذلك الحين، لم يعد السؤال: “ماذا حدث؟”

 

بل أصبح:

 

“لماذا نعتقد أن هذا هو ما حدث؟”

 

 

 

وهنا تبدأ أخطر منطقة في الوعي البشري.

 

ليست الكذبة الصريحة هي ما يصنع أخطاء الأمم غالبًا…

 

بل نصف الحقيقة.

 

أن تُروى القصة من بدايتها، ويُحذف وسطها.

 

أو تُذكر النتيجة، ويُخفى السبب.

 

أو يُرفع شخص إلى مرتبة الأسطورة، ويُنسى آلاف الأشخاص الذين صنعوا الحدث معه.

 

وهكذا، تتحول الذاكرة العامة إلى مرآة لا تعكس الصورة كلها.

 

 

 

هل تعلم؟

 

في كثير من دول العالم، تبقى وثائق تتعلق بالأمن القومي أو بالسياسات العليا سرية لسنوات أو عقود قبل أن يُسمح للباحثين بالاطلاع عليها وفق قوانين الأرشيف. ولهذا السبب، أعاد المؤرخون في مناسبات عديدة تفسير أحداث كبرى بعد ظهور وثائق جديدة أو بعد مقارنة أرشيفات دول كانت أطرافًا في الحدث نفسه. ولهذا فإن كتابة التاريخ ليست عملية تنتهي، بل مراجعة مستمرة كلما ظهرت أدلة جديدة.

 

 

 

ولهذا أيضًا، فإن العبارة الشهيرة:

 

“التاريخ يكتبه المنتصر.”

 

ليست دقيقة.

 

بل هي نصف حقيقة آخر.

 

فلو كان المنتصر وحده يكتب التاريخ، لما عرف العالم شيئًا عن مآسي شعوب هُزمت، ولما بقيت مذكرات السجناء، ورسائل الجنود، وشهادات المدنيين، ولما استطاع الباحثون اليوم إعادة قراءة أحداث كثيرة في ضوء وثائق لم تكن متاحة عند وقوعها.

 

الحقيقة أن التاريخ يكتبه…

 

المنتصر…

 

والمهزوم…

 

والصحفي…

 

والقاضي…

 

وصاحب الرسالة التي نجا بها من الحرب…

 

ثم يأتي المؤرخ بعد ذلك، ويحاول أن يميز بين ما حدث، وما قيل إنه حدث.

 

 

 

في عالمنا العربي، لا نعاني فقط من اختلاف المواقف…

 

بل من اختلاف الذاكرة.

 

الحدث الواحد قد يعيش في كتب متعددة، كأنه وقع في عوالم مختلفة.

 

وهنا تكمن المأساة.

 

فحين يصبح الماضي ساحة صراع، يصبح المستقبل رهينة له.

 

الأمم التي تثق بنفسها لا تخشى فتح أرشيفها.

 

ولا تخاف من إعادة قراءة تاريخها.

 

لأن الحقيقة لا تهين الأمم…

 

بل تحررها.

 

 

 

افتح هذا الدرج

 

إذا أردت أن تبدأ رحلة مختلفة مع التاريخ، فابدأ بكتاب «ما هو التاريخ؟» للمؤرخ البريطاني إي. إتش. كار. لن يخبرك بما يجب أن تؤمن به، بل سيعلمك كيف تسأل، وكيف تفرّق بين الحدث، وتفسير الحدث، واستغلال الحدث في السياسة. وهذا هو الفرق بين قارئ الأخبار… وقارئ التاريخ.

 

 

 

ويبقى السؤال الذي يستحق أن يبقى معك حتى الغد:

 

إذا كانت الحقيقة لا تظهر كاملة في يوم وقوع الحدث… فكم حكمًا أصدرناه على أشخاص، أو حروب، أو دول، قبل أن تكتمل القصة؟

 

ربما لا تكون أعظم فضيلة في قراءة التاريخ أن تحفظ التواريخ والأسماء…

 

بل أن تتحلى بالتواضع الكافي لتقول:

 

“قد أكون أعرف جزءًا من الحقيقة… لكن الحقيقة أكبر مني.”

 

ليست مهمتنا أن نمنحك الجواب… بل أن نطرح السؤال الذي يستحق أن يُفكَّر فيه .

شارك