
سورية هي جزء هام من الأمن والاستقرار الإقليمي.
كتب سعيد فارس السعيد :
لا يمكن الحديث عن الأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط بمعزل عن سورية، فهي بحكم موقعها الجغرافي، وتاريخها، وتركيبتها الحضارية، تشكل ركيزة أساسية في منظومة الأمن والاستقرار الإقليمي.
إن الروابط التي تجمع سورية بمحيطها من دول الجوار ليست روابط سياسية عابرة، بل هي روابط حضارية وإنسانية عميقة ومتجذرة عبر التاريخ، تقوم على وحدة اللغة، والدين، والجغرافيا، والتاريخ المشترك، كما تتعزز بروابط القبائل والعشائر، وأواصر القرابة والمصاهرة، والتبادل الثقافي والاجتماعي والاقتصادي، والمصالح المشتركة التي تشكل أساسًا للتعاون والتكامل بين شعوب المنطقة.
ولذلك، فإن استقرار سورية لا ينفصل عن استقرار محيطها، كما أن أمن دول الجوار يرتبط ارتباطًا وثيقًا بأمن سورية واستقرارها. فكل اضطراب يصيب سورية يمتد أثره إلى محيطها، وكل استقرار يتحقق فيها ينعكس إيجابًا على المنطقة بأسرها.
إن الأمن الإقليمي لم يعد يُقاس بقدرات الدول العسكرية وحدها، بل بقدرتها على بناء شراكات مستقرة، وإدارة المصالح المشتركة، ومنع تحول الأزمات المحلية إلى تهديدات عابرة للحدود.
ومن هذا المنطلق، فإن سورية تمثل إحدى الركائز الأساسية للأمن والاستقرار في المشرق العربي والشرق الأوسط، ليس فقط بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا بالبحر المتوسط، ويصل بين تركيا والعراق والأردن ولبنان وفلسطين، بل أيضًا بسبب عمقها الحضاري، وتأثيرها السياسي، ودورها التاريخي في معادلات المنطقة.
إن الدولة السورية المستقرة والقوية، القائمة على سيادة القانون، والمواطنة المتساوية، واحترام التنوع، وحماية الحقوق والحريات، تمثل عامل توازن إقليمي، وشريكًا أساسيًا في مواجهة الإرهاب، والجريمة المنظمة، والتطرف، والهجرة غير الشرعية، والاتجار بالبشر والمخدرات، وغيرها من التحديات العابرة للحدود.
كما أن إعادة بناء سورية، وتعزيز اقتصادها، وعودة مؤسساتها إلى أداء دورها الكامل، لن تكون مكاسب للسوريين وحدهم، بل ستنعكس آثارها الإيجابية على مختلف دول الجوار، من خلال تنشيط التجارة، والاستثمار، وإعادة الإعمار، وتطوير مشاريع النقل والطاقة، وتحقيق التكامل الاقتصادي الإقليمي.
ومن هنا، فإن بناء علاقات متوازنة بين سورية ودول الجوار، تقوم على الاحترام المتبادل، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وحسن الجوار، وتحقيق المصالح المشتركة، يمثل خيارًا استراتيجيًا يخدم الجميع، ويؤسس لمرحلة جديدة من الأمن والاستقرار والتنمية.
فالجغرافيا قدر لا يمكن تغييره، والتاريخ المشترك لا يمكن محوه، واللغة والدين يشكلان هوية حضارية جامعة، وروابط القبائل والعشائر والقرابة والمصاهرة تجعل شعوب المنطقة أكثر قربًا وتفاعلًا، أما المصالح المشتركة فهي الجسر الذي يربط الحاضر بالمستقبل، ويجعل التعاون بين سورية ومحيطها ضرورة استراتيجية، وليس مجرد خيار سياسي.
إن أي سياسة إقليمية تتجاهل استقرار سورية، أو تسعى إلى عزلها، لن تؤدي إلا إلى إطالة أمد الأزمات، وتعميق حالة عدم الاستقرار في المنطقة. وفي المقابل، فإن دعم استقرار سورية، واحترام سيادتها ووحدة أراضيها، وتعزيز تعاونها مع دول الجوار، يمثل استثمارًا مباشرًا في أمن المنطقة بأسرها.
إن سورية قادرة، متى استكملت بناء مؤسساتها وتعافت اقتصاديًا، على أن تكون حلقة وصل إقليمية في مجالات التجارة، والطاقة، والنقل، والاستثمار، وإعادة الإعمار، وأن تتحول من ساحة للصراعات إلى منصة للتعاون والتكامل الإقليمي، بما يحقق المصالح المشتركة لجميع الأطراف.
إن المرحلة المقبلة تتطلب رؤية استراتيجية جديدة تقوم على بناء الثقة، واحترام السيادة الوطنية، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وتغليب لغة الحوار والشراكة، لأن أمن سورية من أمن جوارها، وأمن جوارها من أمنها، ولأن الاستقرار لا يتجزأ، ولا يمكن تحقيقه في دولة واحدة بمعزل عن محيطها.
إن صناع القرار اليوم أمام فرصة تاريخية للانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة الاستقرار، ومن منطق الصراع إلى منطق الشراكة، ومن الحسابات الآنية إلى بناء منظومة إقليمية قائمة على المصالح المتبادلة، والاحترام المتبادل، والتنمية المشتركة.
فسورية ليست مجرد دولة في قلب الشرق الأوسط، بل هي عنصر توازن إقليمي، واستقرارها ليس مصلحة سورية فحسب، بل مصلحة عربية وإقليمية ودولية، لأن استقرارها ينعكس أمنًا وتنميةً وازدهارًا على المنطقة بأسرها.
سعيد فارس السعيد
كاتب وباحث استراتيجي مستقل
صوتٌ من أجل شرقٍ يولد من تحت الرماد… لا من تحت الركام.



