اليمن بين صراع الداخل وحروب الخارج!

 

 

د. عدنان منصور*

 

 

في الوقت الذي تشهد فيه منطقة الخليج اضطراباً شديداً في مضيق هرمز، فاجأ مقاتلو حركة “أنصار الله” في اليمن، الذين سبق لهم عام 2014 أن سيطروا على العاصمة صنعاء ومعظم الشمال والغرب، بقيامهم يوم 14 أيلول/ سبتمبر بعملية عسكرية واسعة باتجاه الجنوب، على طول الشريط الساحلي الغربي لليمن، وتمكّنوا من السيطرة على مدينة المخا وجزيرة ميون، واقتربوا من باب المندب. هذه العملية العسكرية غيّرت طبيعة الصراع في اليمن، إذ أصبح الحوثيون على مقربة من أحد أهمّ الممرات البحرية في العالم، وهو باب المندب الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، مما يعطي أنصار الله قدرة كبيرة على التحكم بالملاحة فيه، ويجعل الصراع اليمني يتحوّل إلى قضية دولية.

إنّ تقدّم الحوثيين جنوباً أخرجهم من حالة الدفاع إلى حالة الهجوم، الذي وضع حداً لفترة الجمود التي كانت سائدة منذ عام 2022.

مما لا شك فيه أنّ التقدّم باتجاه الجنوب يفرض ضغطاً على المنشآت، والموانئ، والطريق البحري للسعودية في البحر الأحمر، ويعطي قيمة ومكسباً استراتيجياً لأنصار الله، إذ بإمكان هؤلاء أن يمارسوا من خلال الواقع الجديد ضغطاً إقليمياً في البحر الأحمر؛ لأنه كلما اقترب الحوثيون من باب المندب، تصبح أيّ تسوية يمنية لاحقاً مرتبطة ليس فقط بمستقبل صنعاء، وإنما أيضاً بأمن الملاحة الدولية، مما قد يدفع بجهات إقليمية كالسعودية، أو دولية كالولايات المتحدة، إلى التعامل مع الوضع الجديد باعتباره أمن ممرات دولية وليس حرباً أهلية داخلية.

لكن ماذا عن التطورات الحالية وتداعياتها على الساحتين اليمنية والإقليمية؟ هل ستتجدّد الحرب مرة أخرى، وفي صالح مَن، وخدمة مَن، ستصبّ هذه الحرب، ومَن سيكون المستفيد منها في نهاية الأمر؟

عام 2015 قادت المملكة العربية السعودية تحالفاً دولياً، وكان لديه تفوّق جويّ حاسم، وتقني ولوجستي كبير، إلا أنه لم يستطع تحقيق الحسم النهائي السياسي والعسكري الذي كان الهدف الرئيس والنهائي للتحالف الدولي. لقد أثبتت العمليات العسكرية التي عرفها اليمن على مدى عقود طويلة من تاريخه، أنّ التفوق العسكري الخارجي لا يستطيع أن يحسم الحرب، ويتحوّل تلقائياً إلى نصر سياسي وسيطرة كلية على كامل أرض اليمن؛ لأنّ الجغرافيا اليمنية قاومت عبر التاريخ المحتلين، حيث ساعدت اليمنيين طبيعةُ التضاريس المعقدة، والمرتفعات الشمالية والجبال الشاهقة التي ليست جبالاً عادية، وإنما شبكة متشعّبة معقدة من الممرات، والوديان السحيقة والقرى المتناثرة. كانت القوى الخارجيّة تتمكّن من السيطرة على أجزاء من الطرق الرئيسة، أو على بعض المدن والقرى على الساحل، إلا أنها وبسبب التضاريس المعقدة لم تستطع مطلقاً التوغل في الداخل، أو السيطرة الكاملة على بلاد اليمن.

لكن ماذا عن التطوّرات الحالية وآفاق المستقبل القريب في اليمن؟ هل ستتجدّد الحرب مرة أخرى، ولصالح من ستكون، ومن المستفيد منها في نهاية الأمر؟ إذا ما تجدّدت الحرب، لا بدّ من الأخذ بالاعتبار الكثافة السكانية الموجودة في الشمال اليمني الذي يخضع لسلطة أنصار الله، مما يتيح لهؤلاء تجنيد أكبر عدد من المقاتلين، فيما المناطق الأخرى الأقلّ سكاناً مدعومة من السعودية وحلفائها. إذا ما تجدّدت الحرب بين الطرفين، تصبح المعادلة بينهما كمن يسكن قصراً وهو يواجه عدوّه المتمركز في كوخ، فمن سيخسر إذا ما حصلت المواجهة المباشرة بين القصر والكوخ؟! إنّ القوة العسكرية لا تقاس بالمقاتلات الجوية، والصواريخ، والبوارج، وحاملات الطائرات في حرب استنزاف طويلة؛ فهناك التعداد السكاني والقدرة على التجنيد، وتحمّل الخسائر، والتضاريس الجغرافية الشائكة، والالتزام الوطني والسياسي والعقائدي.

إذا كان للسعودية قدرة هائلة على الإنفاق العسكري أثناء الحرب، فهل تستطيع هذه الأموال السماح بسهولة خوض حرب برية في منطقة كثيفة بالسكان مع وجود تضاريس معقدة؟ صحيح أنّ التيارات السياسية اليمنية المتصارعة لها عقيدة سياسية وقضية تنتمي إليها وتدافع عنها، إلا أنّ الوقائع على الأرض تشير إلى أنّ درجة التعبئة البشرية، والعقائدية، والتنظيمية العالية لدى أنصار الله، لا يمكن تجاهلها، أو الاستهانة بقوتها. صحيح أنّ اقتصاد اليمن ليس قوياً كاقتصاد السعودية، ولا يملك بنى تحتية متقدمة عالية القيمة، ولا مرافق ومنشآت كبرى، ومدناً حديثة ومطارات ضخمة كالتي تمتلكها السعودية.

لكن في حال تجدّد الحرب على نطاق واسع، باستطاعة الرياض إلحاق دمار هائل باليمن، وخسائر كبيرة في صفوف الحوثيين، لكن السؤال في المقابل: هل تستطيع السعودية منع أنصار الله من استخدام الصواريخ الدقيقة التي يمتلكونها اليوم، والتي يمكن لهم إلحاق أضرار مكلفة ومؤلمة بالمنشآت النفطية الضخمة للسعودية وموانئها، ومنشآتها البتروكيميائية، ومطاراتها، ومدنها الحديثة، وبنيتها التحتية؟ فما الذي سيخسره اليمنيون إذا ما قارنّا الناتج القوميّ للسعودية المقدّر لعام 2026 بـ 1 ترليون و390 مليار دولار وفقاً لبيانات صندوق النقد الدولي، فيما الناتج المحلي الإجمالي الاسمي لليمن عام 2026 يبلغ 7 مليارات و430 مليون دولار وفقاً لتقديرات الصندوق؟ صحيح أنه في الحرب التقليدية القصر أقوى من الكوخ، لكن حرب الاستنزاف تجعل خسائر القصر باهظة جداً في الممتلكات والعتاد والأرواح!

مشكلة القوى الخارجية تاريخياً عند دخولها اليمن، أنه كانت لديها أهداف سياسية واستراتيجية محدّدة، وإمكانات عسكرية هائلة، ودخولها في بداية الأمر يكون سريعاً وسهلاً.

إلا أنه بعد وقت، تجد هذه القوى نفسها في مستنقع من الرمال المتحركة لا تعرف كيف تخرج منه، بعد أن دخلت في حرب استنزاف طويلة جرّها إليها اليمنيون. لكن اليمنيين بدورهم، وبسبب خلافاتهم، وتفرّقهم وتعدّد ولاءاتهم، لم يتوحّدوا فيما بينهم، ولم يستطيعوا منع القوى الخارجية من التدخل في شؤونهم الداخلية، وهذا نتيجة انقسامهم على بعضهم البعض، وتعلّق كلّ فريق من أفرقاء الصراع بجهات خارجية تستخدمهم لتحقيق أهدافها. هنا تصبح معادلة حلّ الصراع الداخلي الدائر بين اليمنيين أكثر تعقيداً؛ لأنّ التسوية المطلوبة في هذه الحال لا تتمّ بين اليمنيين أنفسهم، وإنما تمرّ وتتمّ عبر القوى الخارجيّة، من خلال تسوية إقليمية تنعكس فيما بعد على اليمنيين سلباً أو إيجاباً. لأنّ القوى الخارجية الإقليمية والدولية المعنية بالممرات البحرية، والمضائق، والإمدادات، والخطوط التجارية لديها هواجس ومخاوف أمنية واستراتيجية، إذ إنّ الدول المعنية بالأمر تأخذ بالاعتبار أولاً أمن حدودها كالسعوديّة، وهناك مَن يرى في أنصار الله دعماً استراتيجياً له كإيران، وهناك من يهمّه باب المندب وحرية الملاحة الدولية كالولايات المتحدة وحلفائها، وهناك مَن يعنيه جداً أمن البحر الأحمر وقناة السويس كمصر. لذلك ترى هذه القوى الإقليمية والدولية في اليمن أنه جزء من أمنها القومي، مما يصعّب ويعقّد الحلول للمشكلة اليمنية، بسبب انقسامات اليمنيين وخلافاتهم المزمنة في الداخل، وصراع القوى الإقليمية والدولية على اليمن من الخارج.

إنّ إنهاء الصراع ووقف الحرب الدامية والمدمّرة يتطلب توافقاً بين القوى الإقليمية على حلّ نهائي وهذا ليس بالأمر السهل. لو كان اليمنيون أصحاب القرار السيادي الواحد الموحد المستقلّ، لاستطاعوا إنهاء الحرب ووقف نزيفها. لكن خلافاتهم المستحكمة، وانتماءاتهم المتضاربة، واعتمادهم على القوى الخارجية، وتعليق آمالهم وقضيتهم عليها، جعلت هذه القوى تتصارع على أرض اليمن، فيما الشعب اليمني يدفع الثمن باهظاً في الأرواح والممتلكات!

لقد أثبتت وقائع التاريخ أنّ تضاريس اليمن أحبطت خطط كلّ من أراد السيطرة على اليمن، وجرّه إلى مناطق نفوذه. الأيوبيون، والبرتغاليون، والعثمانيون الأتراك، والبريطانيون من بعدهم، غرقوا في المستنقع اليمني، لقد غرقت مصر في الرمال المتحركة اليمنية في عهد الرئيس جمال عبد الناصر بين عامي 1962 ـ 1967 بعد أن دخلت مصر اليمن بقوة عسكرية كبيرة لدعم الجمهورية الفتية، ثم خاضت لعدة سنوات حرب استنزاف قاسية جرّتها إليها القوى الخارجية!

منذ قيام جمهوريته عام 1962، لم ينعم اليمن بالاستقرار السياسي والأمني، فالخلافات الداخلية المستحكمة أبعدته عن تحقيق التقدم الاقتصادي والاجتماعي، والتنمية المستدامة، لكن خلافاته الداخلية استطاعَت وللأسف أن تجعله في عهدة القوى الخارجية، تفعل فيه ما تشاء، فيما اليمنيون مغلوبون على أمرهم!

ألم يحن الأوان بعد عقود من الزمن، كي يتوقف نزيف الدم في اليمن، وينعم بالتالي اليمنيون بالحرية، والاستقرار، والسلام، والتقدّم؟! بوحدة اليمنيين يصبح القرار يمنياً داخلياً خالصاً، وبتفكّكهم تصادر القوى الخارجية قرارهم، وتبقيهم في مستنقع حرب طويلة لا أحد يعرف مداها…!

 

*وزير الخارجية والمغتربين الأسبق

 

 

شارك