
الوقائع والأحداث التاريخية تتعارض مع السلام الدائم والشامل.
كتب /سعيد فارس السعيد :
إن مراجعة الوقائع والأحداث التاريخية منذ قيام إسرائيل عام 1948 تكشف أن مسار الصراع في المنطقة لم يكن وليد خلافات عابرة، بل نتيجة سياسات متراكمة قامت على موازين القوة أكثر مما قامت على مبادئ العدالة والقانون الدولي.
فمنذ تأسيس إسرائيل، يرى كثير من المراقبين أن القوى الدولية الداعمة لها لم تمنح الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني والعرب والمسلمين القدر ذاته من الاهتمام الذي منحته لأمن إسرائيل ومصالحها الاستراتيجية، الأمر الذي أدى إلى اختلال واضح في معايير التعامل مع قضايا المنطقة.
وعلى امتداد العقود الماضية، خاضت إسرائيل حروبًا وعمليات عسكرية متعددة ضد الفلسطينيين وعدد من الدول العربية، تحت ذرائع أمنية وسياسية مختلفة.
وفي المقابل، توسعت سياسات الاحتلال والاستيطان، وتعاقبت حكومات إسرائيلية تبنت رؤى أكثر تشددًا، بينما استمر الدعم السياسي والعسكري والاقتصادي الغربي لها، رغم ما خلفته تلك السياسات من أزمات إنسانية وسياسية وأمنية عميقة.
إن الوقائع التاريخية تؤكد أن السلام لا يمكن أن يولد من رحم الاحتلال، ولا من استمرار الحروب، ولا من فرض الوقائع بالقوة.
فكل تجربة تاريخية أثبتت أن تجاهل الحقوق المشروعة للشعوب لا يؤدي إلا إلى إنتاج مزيد من العنف وعدم الاستقرار.
لقد آن الأوان لأن تعيد مراكز صنع القرار في العالم، ولا سيما في الولايات المتحدة وأوروبا، النظر في السياسات التي تُدار بها أزمات الشرق الأوسط.
فالانحياز لأي طرف على حساب مبادئ العدالة والقانون الدولي لا يصنع سلامًا، بل يطيل أمد الصراع ويعمق الكراهية ويهدد الأمن الإقليمي والدولي.
إن القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تستطيع أن تفرض سلامًا دائمًا، لكنها تستطيع أن تفرض هدنة مؤقتة سرعان ما تنهار عند أول اختبار.
أما السلام الحقيقي، فيقوم على العدالة، واحترام السيادة، وإنهاء الاحتلال، وصون كرامة الإنسان، وضمان الحقوق المشروعة لجميع الشعوب دون تمييز.
ولذلك، فإن المسؤولية التاريخية والأخلاقية تفرض على المجتمع الدولي أن ينتقل من سياسة إدارة الأزمات إلى سياسة معالجة جذورها، وأن يجعل القانون الدولي مرجعية ملزمة للجميع، لا أداة تُطبَّق على طرف وتُستثنى منها أطراف أخرى.
إن السلام الدائم والشامل لا يتحقق بالقوة المجردة، بل بقوة العدالة.
ولا يُصان بالهيمنة، بل بالشراكة. ولا يُفرض على الشعوب، بل يُبنى معها.
وما لم تُصحَّح الاختلالات التاريخية في التعاطي مع قضايا المنطقة، وما لم تُحترم الحقوق الوطنية المشروعة للشعوب، فإن الشرق الأوسط سيبقى عرضة لدورات متكررة من الصراع، وسيظل الأمن والاستقرار هدفًا بعيد المنال.
فالوقائع والأحداث التاريخية لا تكذب، وهي الشاهد الأكبر على أن العدالة ليست خيارًا أخلاقيًا فحسب، بل هي الشرط الأساسي لصناعة السلام، وترسيخ الأمن، وتحقيق التنمية والازدهار لجميع شعوب المنطقة والعالم.
وستبقى غزة في فلسطين ، وما يشهده الجنوب اللبناني كما هو حال الجنوب السوري أمثلة واضحة ومثال لكل ما نقول . .
سعيد فارس السعيد
كاتب وباحث استراتيجي مستقل
«صوتٌ من أجل شرقٍ يولد من تحت الرماد، لا من تحت الركام.»



