الفكر المستقل…  العدو الأول للمتاجرين بالسياسة

 

إن أخطر ما يواجهه أي نظام سياسي ليس الكاتب الحر، ولا الباحث المستقل، بل أولئك الذين يتاجرون باسمه، ويحتكرون الحديث عنه، ويصورون أنفسهم أوصياء على الدولة والوطن.

فهؤلاء لا يريدون من يطرح رأيًا مستقلًا، ولا يقبلون من يسلط الضوء على الحقائق أو يقدم أفكارًا إصلاحية قد تخدم النظام نفسه، قبل أن تخدم الشعب. لأن وجود العقل المستقل يكشف عجزهم، ويفضح احتكارهم للمعلومة، ويُسقط ادعاءهم بأنهم وحدهم يملكون الحقيقة.

إنهم لا يعيشون إلا في بيئة يسودها التهليل، وتغيب عنها المحاسبة، ويُقصى منها كل صاحب رأي حر. ولذلك يحاربون الكلمة الصادقة أكثر مما يحاربون الفساد، ويخشون الباحث المستقل أكثر مما يخشون أعداء الوطن، لأن الحقيقة تهدد مصالحهم، بينما الكذب يحمي امتيازاتهم.

فنهجهم قائم على الاستعلاء، والاستكبار، والإقصاء، والتطرف، واحتكار القرار والرأي والإعلام، حتى تبقى جميع مفاتيح الضوء والنفوذ بأيديهم وحدهم، ويظل الآخرون مجرد أتباع لا شركاء.

أما الكاتب والباحث المستقل، فلا ينتمي إلى جماعة مصالح، ولا يعمل لحساب سلطة أو حزب أو تيار، وإنما ينتمي إلى الحقيقة، ويجعل الوطن والمواطن معيارًا لكل موقف. فإذا وجد صوابًا دعمه، وإذا رأى خطأً انتقده، لأن النقد المسؤول ليس عداءً للدولة، بل هو أحد أهم وسائل حمايتها وتصحيح مسارها.

لقد أثبت التاريخ أن الدول لا تنهار بسبب كثرة الأصوات الحرة، وإنما تنهار عندما يُحاصر الفكر المستقل، ويُقصى أصحاب الكفاءة، ويُفتح المجال للمتملقين والانتهازيين والمتاجرين بالشعارات.

إن الدولة القوية لا تخشى الكلمة الصادقة، بل تستفيد منها، وتعتبر الباحثين والمفكرين المستقلين ثروةً وطنيةً وعقولًا استراتيجية تساعد على تصويب القرار، واستشراف المخاطر، وصناعة المستقبل.

أما الذين يحاربون الفكر المستقل، فهم في الحقيقة لا يدافعون عن الدولة، بل يدافعون عن نفوذهم ومصالحهم، ويخلطون عمدًا بين الولاء للوطن والولاء للأشخاص، وبين احترام الدولة والخضوع لمن يحتكر الحديث باسمها.

ويبقى الكاتب الحر، مهما تعرض للتهميش أو التشويه، أكثر وفاءً للوطن من كل من جعل قلمه وسيلةً للارتزاق، لأن الكلمة الحرة قد تُحارب زمنًا، لكنها تبقى، بينما يسقط المتاجرون بالمواقف مع أول اختبار للتاريخ.

سعيد فارس السعيد

كاتب وباحث استراتيجي مستقل

«صوتٌ من أجل شرقٍ يولد من تحت الرماد، لا من تحت الركام.»

شارك