ترامب والهدنة المؤقتة: تراجع ام تأهّب للمواجهة؟

 

د. عدنان منصور*

قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب بوقف العمليات العسكرية ضد إيران بعد التصعيد الأخير جاء نتيجة لاعتبارات سياسية، وعسكرية، ومعنوية، واستراتيجية ضاغطة على الساحة الأميركية. فلو كان ترامب في وضع سياسي وعسكري مريح، لما أعلن عن وقف الضربات العسكرية مؤقتاً لإعطاء فرصة أخرى للمفاوضات ولو شكلياً، والتي وصفها بأنها تسير بشكل أفضل مع إيران، وبأنه يريد اختبار إمكانية التوصل إلى اتفاق قبل الشروع في حربه من جديد.
يبدو أن ترامب وجد نفسه في وضع لا يستطيع فيه تجاهل التوصيات والتقارير العديدة التي خرجت من دوائر البنتاغون دون أخذها بالاعتبار، والتي أشارت إلى أن كبار القادة العسكريين أبلغوا ترامب أن معظم الأهداف العسكرية الهامة في إيران قد ضُرِبت، وأن استمرار القصف يحقق نتائج محدودة مقابل استهلاك أميركي كبير للذخائر الدقيقة.
لقد أدت العمليات العسكرية الأميركية إلى رد فعل إيراني أكبر ضد القواعد الأميركية، وأيضاً تعطيل إيران للملاحة في مضيق هرمز، مما تسبب برفع أسعار الطاقة من جديد، وأصاب بالصميم اقتصادات دول العالم. وأمام هذا الواقع، أراد ترامب التلويح مجدداً بالحرب علّه يخرج من الحالة الحرجة التي هو فيها، رغم تحذيره من استئناف الضربات العسكرية في حال فشلت المفاوضات.
وقف الضربات العسكرية المؤقت يريد منه ترامب تحقيق أهداف سياسية لم يستطع تحقيقها عن طريق الحرب. وإيران التي لم تعطهِ ما يريده من الحرب، لن تعطيهِ ما يريده أثناء المفاوضات.
طهران ترى أن توقف الضربات الأميركية – دون أن تنتزع واشنطن من إيران تغييراً جذرياً في موقفها – يؤكد نجاحها في الصمود، خلافاً لنظرة الولايات المتحدة التي ترى أن التوجه إلى المفاوضات جاء نتيجة لتحقيق أهدافها العسكرية!
بعد ثلاث جولات من الحرب المفروضة على إيران، وما ترتب على هذه الجولات، يمكن القول وبشهادة العديد من الخبراء الاستراتيجيين العسكريين في العالم، إن واشنطن حققت نجاحاً تكتيكياً في الميدان، وأن إيران حققت نجاحاً استراتيجياً. فلو استطاعت الولايات المتحدة إضعاف القدرات العسكرية والصاروخية لإيران، وتمكنت من ردع حلفائها وإسقاط نظامها الذي كان الهدف الرئيس لترامب، وانتزاع القرار السياديّ الإيراني، وفرض شروط واشنطن التعجيزيّة عليها بالقوة، وحمل النظام على الاستسلام، عندئذٍ تكون الولايات المتحدة قد حققت انتصاراً ملحوظاً…
لكن ترامب لم يستطع تحقيق أهدافه، ولم يستطع أن يقضي على القدرات العسكرية الإيرانية، ولا على ردع حلفاء إيران، رغم كل ما تكبّدته إيران من خسائر عسكرية واقتصادية وبنيوية كبيرة. وبذلك تكون إيران قد حققت نجاحاً استراتيجياً بمنعها الولايات المتحدة من تحقيق أهدافها السياسية؛ إذ إن هناك فرقاً بين النجاح التكتيكي من خلال تدمير أهداف عسكرية أو بنيوية محدّدة، والنجاح أو النصر السياسي الاستراتيجي الذي يتوّج بالغاية السياسية للحرب؛ لأن المعيار النهائي ليس في حجم الدمار، وإنما في تحقيق الغاية السياسية من الحرب. وهذا ما أشار إليه المفكر العسكري الألماني الجنرال “كارل فون كلاوزفيتز” من أن «الحرب هي استمرار للسياسة بوسائل أخرى»…
وما دامت واشنطن لم تحقق من حروبها الثلاث أهدافها الاستراتيجية التي روّج لها ترامب علناً أثناء الحرب – لجهة إسقاط النظام، وتغيير سلوكه، وإضعافه بشكل حاسم – فهي تكون قد خرجت من عملياتها الحربية عرجاء، ووضعها يشبه كثيراً ما جرى لها في فيتنام، وأفغانستان، والعراق، وإن كان ذلك بأشكال متفاوتة.
إن منطق القوة العسكرية وحدها لا يكفي لتحقيق النتائج السياسية المرجوة، وهذا ما لمسته واشنطن على الأرض في حروبها ضد إيران. لذلك تكون طهران قد حققت حتى اللحظة نجاحاً استراتيجياً؛ حيث الحروب لا تُقاس بإنجازات مَن دمّر أكثر، وإنما بمَن حقق في النهاية أهدافه السياسية وعطّل مشروع عدوّه بالكامل. ألم تكن القوات العسكريّة للولايات المتحدة متفوقة عسكرياً بلا حدود على فيتنام، وأفغانستان، والعراق؛ حيث اجتاحت، ودمّرت، وقتلت مئات الآلاف، ورغم ذلك لم تحقق أهدافها السياسية، لتنسحب متقهقرة على مرأى من العالم كله؟!
النجاح العسكري يحقق إنجازات في ميدان القتال، أما النجاح السياسي فيكمّن بتحويل الإنجازات العسكرية إلى مكاسب دائمة، وهذا ما لم يحققه ترامب بعد ثلاث حروب شنّها على إيران في حزيران/ يونيو 2025، وشباط/ فبراير 2026، وتموز/ يوليو الماضي.
ربما تكون الجولة العسكريّة الأخيرة قد نبّهت الرئيس الأميركي وجعلته يفكر ملياً، وهو يأخذ بنصائح القادة العسكريين الأميركيين والمسؤولين السياسيين للخروج من المستنقع الذي وضع نفسه فيه بأقل كلفة من خلال العودة إلى المفاوضات، أم أنه سيسلك طريق المغامرة والمقامرة مثل العديد من القادة الذين عرفهم التاريخ؛ والذين كلما غاصوا في وحل الحرب ازدادوا عناداً، وعنجهيةً، وتهوراً، وشراسةً، وكانوا أكثر اندفاعاً في عملياتهم العسكرية مراهنين على سراب النصر، دون أن يعلموا أنهم يغوصون في عمق مستنقع الحرب إلى أن يلفظوا فيه أنفاسهم الأخيرة.
من الطبيعي أن إيران لا تسعى إلى هزيمة أميركا عسكرياً؛ فهي تدرك جيداً أن ميزان القوى العسكري يصبّ بشكل كبير في صالح الولايات المتحدة، إلا أنها في المقابل اعتمدت استراتيجية الاستنزاف والردع المماثل، جاعلة من مضيق هرمز مركز ثقل المواجهة وورقة ضغط عالميّة، وفرض معادلة الكلفة العسكرية بالكلفة الاقتصادية العالمية. واشنطن لم تستطع تعطيل قدرة إيران على وقف الملاحة في هرمز، أو تقليص قدراتها الصاروخيّة بشكل حاسم، أو فرض ترتيبات أمنية جديدة في الخليج بشروط أميركية. ترامب حدّد وأعلن عن أهداف كبيرة يريد تحقيقها، لكنه سيخرج بنتائج أقل بكثير من المعلن، وهذا ما سينعكس سلباً على صورته الدولية، وصورة الولايات المتحدة وقيادتها السياسية، سواءٌ أكان ذلك داخل الولايات المتحدة أم خارجها.
أي خيار سيتخذه الرئيس ترامب للخروج من حربه العبثية؟ أهو الخروج من مستنقع الرمال المتحرّكة أم الغوص فيه حتى النهاية؟ وأي بوصلة سيعتمدها بعد زيارة نتنياهو للبيت الأبيض: أهي بوصلة قادته العسكريين، أم بوصلة حليفه مدمن الحروب والمحرّض عليها؟
زيارة نتنياهو لترامب يوم 28 تموز/ يوليو الفائت أتت لتشخيص المرحلة المقبلة في الشرق الأوسط معه، لجهة الملفات المتعلقة بإيران، ولبنان، وغزة. هذه الزيارة ستحدّد فعلاً ما إذا كان هناك من خلاف مستحكم بين ترامب ونتنياهو، أم أن الخلاف لا يمسّ مطلقاً جوهر العلاقات الاستراتيجية بين واشنطن وتل أبيب، كما بين ترامب ونتنياهو.
هل ستتأتى لاحقاً عن اللقاء رؤية واحدة يريدها نتنياهو ويلحّ عليها، والتي تتمثل باستمرار الضغط العسكري والاقتصادي على إيران، وتعزيز التنسيق الأميركي “الإسرائيلي” في لبنان وغزة، وإطلاق مسار إقليمي جديد بترتيبات أمنية مع توسيع دائرة التطبيع، خاصة أن ترامب يعتبر توسيع اتفاق إبراهام هدفاً استراتيجياً وإنجازاً كبيراً له؟!
الأيام المقبلة ستبلور الأمور أكثر، وستظهر ما إذا كان هناك من توافق بين رؤيتي ترامب ونتنياهو؛ فإذا كانت الرؤية واحدة، فهذا يعني أنهما متفقان على ممارسة المزيد من الضغوط على إيران، والذهاب إلى التصعيد العسكري عند أول فرصة مناسبة لـ “ثنائي الحرب” ترامب ونتنياهو.
الهدنة الحالية غير المكتوبة تعتبرها إيران هدنة مفخخة ومؤقتة، وأن الولايات المتحدة تستعدّ لجولة جديدة ومفاجئة. لذلك استطاعت إيران أن تغير قواعد اللعبة، وتعيد صياغة الاشتباك مستفيدة من تجارب العمليات العسكرية الأميركية ضدها؛ إذ إنها بدأت تعتمد الضربة الاستباقية لإحباط خطة العدو وتحييدها قبل الشروع في تنفيذها، وتمنعه بالتالي من إكمال تحضيراته اللوجستية للمواجهة المقبلة. هذا يعني أن القوات الأميركية ستكون هدفاً لضربات استباقية مفاجئة قبل أن تقوم هذه القوات بمهاجمة إيران.
إيران لا تريد وقف إطلاق نار مؤقت لا يكون مقدّمة وتأهّباً لضربة أميركية في ظل الضغوط الأميركية عليها، بل تريد مفاوضات تلبي مطالبها وحقوقها المشروعة وضمان التزام الولايات المتحدة بتعهداتها. لذلك تحرص طهران على إجراء المفاوضات من موقع القوة لا من موقع الضعف، وهذا ما لمسته واشنطن جيداً بعد الضربة العسكرية الاستباقية على قاعدتها في الأردن منذ أيام قليلة، والتي جاءت في ظل “الهدنة الأميركية”!.
ضربةٌ كانت مفاجأة كبيرة لواشنطن، أتت بعد نقل معدات وكوادر عسكرية إلى القاعدة استعداداً لشن هجوم أميركي مفاجئ على إيران. لذلك لا تثق إيران بهدنة ترامب الشفهية؛ حيث ترى فيها خداعاً وغطاءً أميركياً لجولة عسكرية مقبلة تستعدّ إيران لمواجهتها بكل قوة.
المفكر العسكري الصيني “سون تزو” له مقولة جاء فيها: «إذا عرفت عدوك وعرفت نفسك، فلن تخشى مئة معركة». وها هي إيران عرفت نفسها وعرفت جيداً عدوّها، لذا لا تخشى المواجهة ولا الحرب…!

*وزير الخارجية والمغتربين الأسبق

شارك