من واشنطن إلى أنقرة… ماذا يحمل جوزاف عون للبنان في زمن إعادة رسم الشرق الأوسط؟

 

 

بقلم: أمين السكافي

 

لم تعد الزيارات الخارجية للرؤساء اللبنانيين مجرد محطات بروتوكولية أو لقاءات لتبادل الصور والبيانات الدبلوماسية. في بلدٍ كلبنان، حيث تتقاطع المصالح الإقليمية والدولية على أرضه، تصبح كل زيارة خارجية رسالة سياسية، وكل لقاء خلف الأبواب المغلقة جزءًا من معركة أكبر عنوانها: من يملك القدرة على التأثير في مستقبل لبنان؟

 

من هنا تأتي أهمية حركة الرئيس جوزاف عون بين واشنطن وأنقرة، في مرحلة إقليمية شديدة الحساسية، حيث لم تنتهِ تداعيات حرب غزة، ولم تُحسم بعد ملامح النظام الجديد الذي تحاول القوى الكبرى رسمه في الشرق الأوسط.

 

لبنان اليوم لا يعيش أزمة داخلية فقط، بل يقف عند تقاطع مشاريع متعددة: مشروع أميركي يريد إعادة ترتيب المنطقة وفق أولويات الأمن والاستقرار ومحاصرة نفوذ الخصوم، مشروع إسرائيلي يسعى إلى فرض معادلة أمنية جديدة على الحدود، مشروع تركي يحاول توسيع حضوره الإقليمي، ومشروع إيراني يحاول الحفاظ على أوراق نفوذه وحلفائه.

 

وبين هذه المشاريع، يحاول لبنان الرسمي أن يجد مساحة بقاء، وأن يحول موقعه الجغرافي والسياسي من عبء إلى ورقة تفاوض.

 

واشنطن… ماذا تريد من لبنان؟

 

زيارة الرئيس عون إلى الولايات المتحدة جاءت في توقيت لا يمكن فصله عن التطورات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الأخيرين. فالولايات المتحدة تنظر إلى لبنان من زاويتين أساسيتين: أمن إسرائيل ومنع توسع نفوذ خصومها، وفي الوقت نفسه الحفاظ على مؤسسات الدولة اللبنانية ومنع انهيارها الكامل.

 

الدعم الأميركي للجيش اللبناني والمؤسسات الأمنية لطالما ارتبط بشروط سياسية تتعلق برؤية واشنطن لمستقبل الدولة اللبنانية. فالولايات المتحدة تريد جيشًا قادرًا على الانتشار جنوبًا وتثبيت سلطة الدولة، لكنها في الوقت نفسه تدرك أن الملف اللبناني أكثر تعقيدًا من مجرد قرار عسكري.

 

فمسألة سلاح حزب الله ليست ملفًا تقنيًا يمكن حله بقرار إداري، بل هي نتيجة عقود من الصراع مع إسرائيل، ومرتبطة بتوازنات داخلية وطائفية وإقليمية عميقة.

 

لذلك فإن أي مقاربة أميركية لهذا الملف تصطدم بحقيقة أساسية: لبنان لا يمكن أن يُدار بمنطق الإملاء الخارجي، كما لا يمكن تجاهل التحولات الدولية التي تضغط باتجاه إعادة تعريف دور القوى المسلحة خارج إطار الدولة.

 

وهنا تكمن صعوبة مهمة الرئيس عون: كيف يطمئن المجتمع الدولي إلى قدرة الدولة اللبنانية، من دون أن يدفع البلاد إلى انفجار داخلي؟

 

زيارة بري… رسالة قبل السفر

 

قبل توجه الرئيس عون إلى تركيا، جاءت زيارة الرئيس نبيه بري إلى بعبدا محمّلة بدلالات سياسية تتجاوز اللقاء التقليدي بين رئيس الجمهورية ورئيس المجلس النيابي.

 

فالرئيس بري يمثل موقعًا أساسيًا في المعادلة اللبنانية، ليس فقط باعتباره رئيس السلطة التشريعية، بل باعتباره أحد أبرز اللاعبين القادرين على إدارة التوازنات الداخلية، خصوصًا في الملفات المرتبطة بالجنوب والعلاقة مع المقاومة والبيئة الشيعية.

 

لقاء الرجلين حمل رسالة مفادها أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى إدارة دقيقة للخلافات، لأن أي ضغط خارجي على لبنان سيجد طريقه سريعًا إلى الداخل.

 

فالخلاف حول مستقبل الجنوب أو السلاح أو العلاقة مع الخارج لا يمكن مقاربته فقط من زاوية سياسية، بل يحتاج إلى تفاهمات داخلية تمنع تحويل لبنان إلى ساحة صراع جديدة.

 

الرئيس بري يدرك أن لبنان لا يستطيع تجاهل المجتمع الدولي، لكنه يدرك أيضًا أن أي محاولة لفرض ترتيبات تتجاوز الواقع اللبناني قد تؤدي إلى نتائج عكسية.

 

لماذا تركيا؟

 

السؤال الأساسي الذي يطرح نفسه: لماذا بعد واشنطن كانت الوجهة أنقرة؟

 

تركيا اليوم ليست لاعبًا هامشيًا في المنطقة. فهي عضو في حلف شمال الأطلسي، ولها علاقات متشابكة مع الولايات المتحدة وروسيا وإيران، كما أنها تمتلك تأثيرًا مباشرًا في سوريا وشرق المتوسط.

 

اختيار تركيا يحمل أبعادًا متعددة.

 

أولًا، لبنان يحتاج إلى تنويع علاقاته الخارجية. فالاعتماد على محور دولي واحد لم يعد ممكنًا في عالم تتعدد فيه مراكز القوة.

 

ثانيًا، لأن أنقرة تمتلك أوراقًا يمكن أن تساعد لبنان اقتصاديًا وسياسيًا، خصوصًا في ملفات الطاقة والاستثمار وإعادة الإعمار.

 

ثالثًا، لأن تركيا تحاول منذ سنوات تعزيز حضورها في المشرق العربي، وهي تنظر إلى لبنان باعتباره مساحة مهمة ضمن سياستها الإقليمية.

 

لكن العلاقة مع تركيا ليست خالية من التعقيدات. فأنقرة لديها حساباتها الخاصة، وهي لا تتحرك في المنطقة انطلاقًا من اعتبارات الصداقة فقط، بل وفق مصالح استراتيجية مرتبطة بأمنها القومي ونفوذها.

 

لذلك فإن لبنان يحتاج إلى التعامل مع تركيا كما يتعامل مع واشنطن وسائر القوى: انفتاح بلا ارتهان.

 

الجنوب… العقدة الأصعب

 

يبقى الجنوب اللبناني هو الاختبار الحقيقي لكل التحركات الدبلوماسية.

 

فبعد الحرب في غزة والتطورات التي شهدتها الحدود اللبنانية الجنوبية، أصبح ملف تطبيق القرار 1701 محورًا أساسيًا في الاتصالات الدولية.

 

المجتمع الدولي يريد حدودًا مستقرة، وإسرائيل تريد ضمانات أمنية واسعة، ولبنان يريد الحفاظ على سيادته ومنع تحويل الجنوب إلى منطقة نفوذ إسرائيلي مباشر.

 

وهنا تظهر المعضلة الكبرى: كيف يمكن تحقيق الاستقرار من دون أن يتحول ذلك إلى استسلام لشروط طرف واحد؟

 

لبنان الرسمي يحاول تقديم نفسه كشريك في تثبيت الأمن، لكن أي تسوية طويلة الأمد تحتاج إلى معالجة جذور الصراع، لا الاكتفاء بإدارة النتائج.

 

فالجنوب ليس مجرد مساحة جغرافية، بل هو ذاكرة تاريخية مرتبطة بالاحتلال والمقاومة والحروب المتكررة.

 

لبنان بين الفرصة والمخاطر

 

قد تكون حركة الرئيس عون الخارجية فرصة لإعادة تقديم لبنان على الخريطة الدولية بعد سنوات من الانهيار والعزلة. لكن الفرصة لا تتحول إلى إنجاز إلا إذا رافقها بناء داخلي حقيقي.

 

فلا يمكن لأي دعم خارجي أن يعوض غياب الإصلاح، ولا يمكن لأي مؤتمر دولي أن ينقذ دولة لا تستطيع مؤسساتها اتخاذ قرارات واضحة.

 

المطلوب اليوم هو إدارة التوازنات لا كسرها. لبنان يحتاج إلى دولة قوية، لكن الدولة القوية لا تُبنى بالشعارات ولا بالإملاءات، بل عبر عقد وطني جديد يعترف بتعقيدات البلد ويبحث عن حلول واقعية.

 

في النهاية، فإن رحلة جوزاف عون من واشنطن إلى أنقرة تختصر صورة لبنان نفسه: بلد يحاول السير بين عواصم كبرى، يبحث عن دعم دون وصاية، وعن حماية دون فقدان القرار.

 

لكن السؤال الذي سيحدد مستقبل المرحلة ليس فقط: ماذا يحمل الرئيس من الخارج؟

 

بل أيضًا: هل يستطيع اللبنانيون أنفسهم الاتفاق على ما يريدونه من الداخل؟

 

ففي الشرق الأوسط الجديد، الدول التي لا تصنع قرارها قد تجد نفسها مضطرة للعيش وفق قرارات الآخرين .

شارك