حين حرّك كريم النوري بيادق الذاكرة

 

 

كتب رياض الفرطوسي

 

كان العصر البغدادي يمضي ببطء، كأن الشمس لم تكن تريد أن تغادر ذلك اليوم.

 

جلس كريم قبالَ صديقه، وبينهما رقعة شطرنج تتوزع عليها بيادق ذهبية وفضية، في مشهدٍ بدا لي، وأنا أراقبه من بعيد، أكبر من لعبة.

 

كان كريم يلعب، وأنا أتأمل.

 

لم أكن معنيّاً كثيراً بمن سيربح المباراة؛ كنت مشدوداً إلى يديه، إلى تلك الحركة الهادئة حين يلتقط البيدق، وإلى لحظة التردد القصيرة قبل أن يضعه في مكانه. كنت أعرف هذه اليد منذ زمن بعيد، كما أعرف صاحبها؛ وأعرف أن كريم، حتى حين يختصر، لا يقول إلا ما يعتقد أنه يستحق أن يُقال.

 

وهكذا كان دائماً.

 

قليل الكلام، كثير الدلالة.

 

وبين نقلة وأخرى، أخذت أرى في الرقعة شيئاً من العمر الذي عبرناه معاً.

 

بيادق ذهبية تتقدم، وأخرى فضية تتراجع، صفوف تتبدل، ومواقع تتغير، فيما بقي شيء واحد ثابتاً في داخلي: ذلك الرفيق القديم الذي عرفته منذ البدايات.

 

لم يكن كريم بالنسبة لي صديقاً من زمن مضى.

 

كان واحداً من أولئك الذين ساهموا في صناعة ذلك الزمن.

 

شريك الرحلة الأولى، ورفيق الأسئلة التي لم تكن تجد أجوبتها بسهولة. جمعنا مخيم خوي ، ثم قم، ثم طهران، وجمعتنا سنوات لم تكن الغربة فيها مكاناً فقط، بل كانت امتحاناً للأفكار والصداقات والاختيارات.

 

كنا نكبر هناك بطريقة مختلفة؛ نتعلم من التجربة أكثر مما نتعلم من الكتب حيث البحث عن الحقيقة يصبح أكثر نزاهة حين لا يكون وراءه ولاءٌ أعمى.

 

كان كريم من الذين تركوا في هذه الرحلة أثراً لا تمحوه السنوات.

 

وربما لهذا، وأنا أراقبه يلعب، لم أكن أرى أمامي رجلاً يحرك بيادق على رقعة شطرنج.

 

كنت أرى رفيقاً قديماً يستعيد، من دون أن يدري، بعض ملامحه الأولى.

 

أحياناً تفعل بنا التفاصيل الصغيرة ما لا تفعله الذكريات الكبيرة.

 

حركة يد.

 

نظرة.

 

صمت قصير.

 

بيدق ذهبي ينتقل من مكانه.

 

وفجأة، تجد أن باباً قديماً في الذاكرة قد انفتح.

 

عاد مخيم خوي الحدودي .

 

وعادت قم.

 

وعادت طهران.

 

وعادت وجوه وأصوات وأيام كنا نظن أنها ابتعدت إلى الأبد.

 

لكنها، في الحقيقة، كانت تنتظر لحظةً واحدة كي تعود.

 

وكانت لحظتنا تلك في بغداد.

 

لم أشأ أن أقطع على كريم لعبه. تركته يمضي في مباراته، وتركت نفسي تمضي في مباراتها الخاصة مع الزمن.

 

كنت أراقب البيادق، وأفكر كم تشبه الحياة.

 

قطعة صغيرة قد تتقدم كثيراً، ثم تجد نفسها أمام طريق مغلق. وأخرى تتأخر، لكنها تبقى في مكانها حتى تأتي اللحظة التي تغيّر فيها شكل الرقعة كلها.

 

وربما نحن كذلك.

 

نظن أن السنوات تباعد بيننا، ثم نكتشف، بعد عقود، أن بعض الناس لم يكونوا محطة في حياتنا، بل كانوا جزءاً من الطريق نفسه.

 

وحين أهديت كريم كتابي (عناقيد الكلمات)، شعرت أنني لا أهدي كتاباً لصديق وحسب.

 

كنت أعيد إليه شيئاً من تلك السنوات.

 

شيئاً من الكلام الذي قيل، ومن الكلام الذي لم يُقل، ومن الأسئلة التي تركناها معلقةً بيننا ومضينا.

 

كنت أظن أن الكتاب من غراس قلمي، ثم بدا لي أن بعض ثماره نضجت أيضاً في بساتين عشنا فيها معاً؛ بساتين الغربة والفكر والاختلاف والبحث.

 

ولذلك لم يكن غريباً أن أشعر، وأنا أضع الكتاب بين يديه، أنني أضع في يده شيئاً من ذاكرتنا المشتركة.

 

ثم عدت أراقب المباراة.

 

كان كريم لا يزال يلعب.

 

وأنا لا أزال أتأمل.

 

في تلك اللحظة أدركت أن أجمل ما في اللقاء لم يكن أننا استعدنا الماضي، بل أننا اكتشفنا أن الماضي لم يغادرنا تماماً.

 

بقي فينا، هادئاً، مثل بيدق ينتظر دوره.

 

وبقيت الصداقة أيضاً.

 

لا تحتاج إلى كثرة اللقاء.

 

ولا إلى كثرة الكلام.

 

يكفي أن تجلس إلى جانب إنسان عرفته في أول الطريق، فتشعر أن السنوات، بكل ما فعلته، لم تستطع أن تغيّر شيئاً جوهرياً في قلبك نحوه.

 

كان العصر ينحدر نحو المساء.

 

ودجلة يمضي في طريقه.

 

والبيادق الذهبية والفضية تواصل صراعها الصغير فوق الرقعة.

 

أما أنا، فكنت قد فرغت من لعبة الشطرنج قبل أن تنتهي.

 

لقد كنت ألعب مع الذاكرة.

 

وكان كريم، من حيث لا يدري، يحرك أمامي بيادق العمر.

 

وحين نهضنا، بقي في داخلي مشهد واحد:

 

يد كريم فوق الرقعة، وبيدق ذهبي ينتقل بهدوء من مربع إلى آخر.

 

فكرت يومها أن بعض النقلات لا تنتهي حين تنتهي اللعبة.

 

تبقى في الذاكرة.

 

وبعض الأصدقاء لا يغادرون حين يغادرون المكان.

 

يبقون فينا، كما بقي كريم.

 

رفيقاً أول.

 

وصديقاً لا يحتاج إلى كثير كلام.

 

وشاهداً على زمنٍ ما زلت، رغم كل ما مضى، أحمل منه عناقيدَ من الضوء.

شارك