
مسيرة سوداء أخرى
د. عمار حمدها
في منتصف سبعينيات القرن الماضي، وتحديدًا في 6 نوفمبر 1975، أطلق العاهل المغربي الراحل الحسن الثاني ما عُرف بـ”المسيرة الخضراء”، حيث توجه مئات الآلاف من المغاربة نحو الصحراء الغربية عقب الانسحاب الإسباني المضطرب من الإقليم.
واليوم، يبدو المشهد وكأن التاريخ يعيد نفسه، ولكن هذه المرة على تخوم الحدود الإسبانية. فبعد الخطاب الذي ألقاه الملك محمد السادس بمناسبة عيد العرش في 29 يوليو/تموز 2026، شهدت الحدود المغربية الإسبانية موجة هجرة جماعية غير مسبوقة، قُدِّر عدد المشاركين فيها بنحو خمسين ألف شخص من مختلف الأعمار ومن الجنسين. وقد وصف عدد من المتابعين هذه الواقعة بأنها ضغط مباشر على السيادة الإسبانية، الأمر الذي دفع حكومة بيدرو سانشيز إلى اتخاذ إجراءات عاجلة للتعامل مع الأزمة.
وقد انشغل كثيرون بتحليل الأسباب المباشرة لهذه التطورات، والكيفية التي جرى بها حشد هذه الأعداد الكبيرة وتنظيم تحركها، والجهة التي أعطت الإشارة لانطلاقها. وهي مؤشرات تثير تساؤلات حول دور محتمل للسلطات المغربية، خاصة إذا استحضرنا خطاب الملك لعام 2025، الذي ربط فيه علاقات المغرب الخارجية بمواقف الدول من قضية الصحراء الغربية، في مقاربة فهمها كثيرون على أنها تقوم على منطق “إما أن تكون معي أو ضدي”، بما يعني أن علاقات الدول مع الرباط ينبغي أن تظل مرتبطة بدعم الموقف المغربي من قضية الصحراء الغربية.
وبصرف النظر عن الأسباب الاجتماعية والاقتصادية للهجرة، وما يواجهه المغرب من تحديات معيشية وضغوط اقتصادية يعتقد كثيرون أنها قد تؤدي إلى احتقان اجتماعي متزايد، فإن توقيت هذه الموجة يثير تساؤلات سياسية، خصوصًا بعد أن اتجهت الحكومة الإسبانية إلى تعزيز علاقاتها الاستراتيجية مع الجزائر، باعتبارها شريكًا محوريًا في المنطقة المغاربية والقارة الإفريقية. ويرى منتقدو الرباط أن السلطات المغربية لجأت مجددًا إلى توظيف ورقة الهجرة للضغط على مدريد والتأثير في خياراتها السياسية.
والمستجد في هذه الأزمة هو الموقف الإسرائيلي الداعم للمغرب، والذي عبّر عنه مندوب إسرائيل لدى الأمم المتحدة عندما دعا إسبانيا إلى “التخلي عن الجيوب التي لا تزال تحتفظ بها في إفريقيا”. وهو موقف يفتقر إلى الاتساق مع السياسة الإسرائيلية في قضايا الاحتلال والسيادة، ويعكس ازدواجية في المعايير.
وأمام هذه التطورات، تبرز جملة من الاستنتاجات امام صانع القرار في اسبانيا ينبغي أخذها بعين الاعتبار:
• أن النظام المغربي يوظف أدوات متعددة غير مشروعة، من بينها الضغوط الدبلوماسية والهجرة غير النظامية والمخدرات ووسائل أخرى، لتحقيق أهدافه السياسية، الأمر الذي يثير تساؤلات حول مدى موثوقيته كشريك استراتيجي.
• أن تقديم تنازلات استجابة لهذا النوع من الضغوط قد يشجع على تكرارها مستقبلاً بدل الحد منها.
• أن ابتعاد إسبانيا عن التزاماتها القانونية والتاريخية تجاه الشعب الصحراوي وقضيته العادلة، وعدم اضطلاعها بمسؤولياتها التاريخية والقانونية تجاه الشعب الصحراوي، قد شجع الرباط على المضي في سياسة الضغط، سواء فيما يتعلق بالعلاقات الإسبانية الجزائرية أو بملف منح الجنسية للصحراويين.
• أن المصالح الاستراتيجية بعيدة المدى لإسبانيا تستدعي اتخاذ قرارات سيادية مستقلة، بعيدًا عن الضغوط الظرفية أو الحسابات السياسية الضيقة، بما يضمن حماية المصالح الوطنية ويحول دون تكرار مثل هذه الأزمات.
وفي نهاية المطاف، فإن مستقبل العلاقات الإسبانية المغربية سيظل مرهونًا بقدرة الطرفين على بناء علاقة قائمة على الاحترام المتبادل، وعدم استخدام ملفات الهجرة أو القضايا الإقليمية كأدوات للضغط السياسي، بما يخدم أمن واستقرار المنطقة ومصالح شعوبها.



