
عندما تصبح الكلمة ساحةً للصراع على الوجود
أ.عامر داوود – أزمة المصطلحات بين المعنى والواقع – اللغة (3)
عندما تصبح الكلمة ساحةً للصراع على الوجود :
( ما اسم طفلك ؟ و ما اسم منطقتك ؟ )
سأل الموظف الحكومي وهو يتصفح استمارة تسجيل الطفل . ما اسمه ؟ .
أجاب الأب الأمازيغي بثقة وبدون تردد : (سأسميه ماسين )
رفع الموظف رأسه وقال بلهجة حاسمة : (هذا الاسم غير معتمد ، اختر اسمًا من الأسماء المسجلة رسميًا).
رد الأب : (لكنه اسم جدي ، ويحمل ذاكرة عائلتي وتاريخها.)
ابتسم الموظف ابتسامة تخفي سلطة القانون وقال: (الدولة لا تسجل الذاكرة ، بل تسجل المواطنين.)
وفي مدينة أخرى، وقف أب كردي أمام نافذة دائرة الأحوال المدنية.
قال: (أريد أن أسمي ابنتي بيريفان.)
جاءه الرد نفسه: (هذا الاسم غير مسموح، يجب اختيار اسم باللغة الرسمية.)
سأل الأب بهدوء: (وهل أصبحت لغتي مخالفة للقانون؟)
أجاب الموظف: (ليست اللغة هي المشكلة، المشكلة أنها ليست لغة الدولة.)
خرج الأبوان من المبنى، ولم يخسرا مجرد حق في اختيار اسم، بل شعرا بأنهما خسرا شيئًا أعمق؛ حق الإنسان في أن يبدأ وجود ابنه بالكلمة التي تشبه ذاكرته، وتعكس ثقافته، وتحفظ امتداد تاريخه.
وفي كثير من المناطق الكردية والأمازيغية عاش الناس، وما يزال بعضهم يعيش، حالة ازدواجية في التسمية؛ اسمٌ تمنحه الدولة ويعترف به السجل الرسمي، واسمٌ يمنحه المجتمع ويحتفظ به الوجدان ، وهكذا ينشأ الإنسان بين اسمين، وهوية قانونية وهوية ثقافية، ولسانين؛ أحدهما يتحدث إلى السلطة، والآخر يتحدث إلى الذاكرة.
في تلك اللحظة لا تصبح الأزمة أزمة لغة أو أسماء، بل أزمة معنى ، فالكلمة التي تمثل بالنسبة إلى الأسرة امتدادًا للهوية، تتحول في نظر السلطة إلى مجرد بيان إداري يخضع لمنطق الدولة ، وهنا تبدأ المأساة الحقيقية؛ عندما تنتقل اللغة من كونها بيتًا للإنسان إلى كونها مؤسسة للسلطة، ومن فضاء للذاكرة إلى وسيلة لإعادة إنتاج الواقع السياسي.
لن أخوض هنا في النظريات الميثولوجية أو الدينية أو العلمية حول نشأة اللغة، بل سأحاول الاقتراب من سؤال أكثر التصاقًا بواقعنا: ماذا يحدث عندما تحتكر الدولة شرعية المعنى، كما تحتكر شرعية القانون؟ وماذا يحدث عندما تصبح السلطة هي الجهة الوحيدة التي تحدد أي الكلمات تستحق الحياة وأيها يجب أن تختفي؟
ليست المصطلحات مجرد ألفاظ يتداولها الناس، بل هي البنية العميقة التي يدرك الإنسان من خلالها العالم. وما نسميه الأشياء ليس وصفًا محايدًا لها، وإنما هو الطريقة التي نمنحها بها وجودها داخل وعينا الجمعي. ولذلك فإن أزمة المصطلحات ليست أزمة لغوية، بل أزمة فلسفية وحضارية تمس العلاقة بين الإنسان والحقيقة.
لقد أدرك الفلاسفة منذ زمن بعيد أن السيطرة على اللغة تعني السيطرة على التفكير. فحين تتغير الكلمات، تتغير معها حدود الإدراك. ولهذا كتب لودفيغ فيتغنشتاين عبارته الشهيرة: “حدود لغتي هي حدود عالمي.” فالإنسان لا يستطيع التفكير خارج المفاهيم التي تمنحها له لغته، ولا يستطيع أن يرى العالم إلا بقدر ما تسمح له مفرداته بذلك.
غير أن الدولة الحديثة أضافت بعدًا جديدًا إلى هذا الفهم. فهي لم تعد تدير المجتمع بالقوانين والمؤسسات وحدها، بل أصبحت تدير الوعي بالمفاهيم. ولم تعد الحروب تُخاض بالسلاح فقط، وإنما بالقاموس أيضًا. فكل سلطة تنتج معجمها الخاص، وكل نظام سياسي يعيد تعريف الكلمات بما يضمن استمرار شرعيته.
ومن هنا أصبحت اللغة إحدى أهم أدوات بناء الدولة القومية الحديثة. ففي الإمبراطوريات القديمة كانت لغة السلطة منفصلة عن لغة المجتمع، ولم تكن الدولة تسعى إلى صهر جميع الجماعات داخل هوية لغوية واحدة. أما الدولة القومية فقد جعلت من اللغة أداة لتوحيد المجال السياسي والثقافي، وسعت إلى إنتاج مواطن يتحدث اللغة نفسها، ويفكر بالمفاهيم نفسها، ويتبنى السردية التاريخية نفسها.
وهكذا بدأت عملية يمكن تسميتها بـ(تأميم اللغة). فلم يعد المطلوب من الفرد أن يلتزم بالقانون فحسب، بل أن يكتب بلغة الدولة، ويغني بها، ويؤرخ بها، ويحلم بها، ويسمي أبناءه بها.
ومن هذا المنظور يمكن فهم السياسات التي مورست في فترات مختلفة بحق بعض اللغات المحلية أو لغات الأقليات، سواء من خلال تقييد استخدامها في التعليم والإدارة، أو الحد من تسجيل الأسماء التقليدية في بعض السياقات. فالقضية لا تتعلق باللغة بوصفها أصواتًا، بل بما تحمله من ذاكرة جماعية وهوية ثقافية ورؤية مختلفة للعالم.
لقد تحولت الكلمة إلى ساحة للصراع على الهوية ، ولم تعد الإبادة الثقافية تبدأ بإحراق الكتب، بل قد تبدأ بإقناع الطفل بأن لغته أقل قيمة من لغة السلطة، وأن لهجته علامة تخلف، وأن اسمه يحتاج إلى ترجمة كي يصبح مقبولًا داخل النظام العام. وعندما تتكرر هذه الرسائل عبر المدرسة والإعلام والإدارة، يبدأ الإنسان تدريجيًا في النظر إلى لغته بوصفها عبئًا لا مصدرًا للكرامة.
ومن هنا تتجلى أزمة المصطلحات بأوضح صورها. فمصطلحات مثل (الوحدة الوطنية)، و(الاندماج)، و(التحديث)، و(الحضارة)، قد تحمل في أصلها معاني إيجابية، لكنها قد تتحول، بحسب السياق السياسي، إلى أدوات لإلغاء التعددية الثقافية واللغوية. فالمشكلة ليست في الكلمة، بل في السلطة التي تعيد تعريف معناها.
لقد وصف مارتن هيدغر اللغة بأنها (بيت الوجود)، ولم يكن يقصد جمالها الأدبي، بل كونها الفضاء الذي يسكن فيه الإنسان وجوديًا ، فالإنسان لا يعيش داخل الجغرافيا فقط، وإنما يعيش أيضًا داخل لغته، لأن اللغة تحفظ ذاكرته، وتشكل وعيه، وتمنحه القدرة على فهم العالم.
ولهذا لا يمكن فصل اللغة عن الثقافة ، فالثقافة لا تحفظها المتاحف وحدها، بل تحفظها الأمثال، والأغاني، والحكايات، وأسماء الأماكن، وأسماء النباتات والأنهار والجبال. وكل كلمة تختفي تمثل جزءًا من تاريخ الإنسانية يخرج من التداول.
ويرى المفكر عبد الله أوجلان أن اللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل هي العنصر المؤسس للعقل الاجتماعي، ويصف نشوءها بأنه (أول ثورة عظيمة في تاريخ الإنسانية)، لأنها نقلت الإنسان من الوجود البيولوجي إلى الوجود الثقافي والاجتماعي، وجعلت من المجتمع كيانًا قادرًا على إنتاج المعرفة والقيم والتاريخ.
وتنسجم هذه الرؤية مع كثير من الدراسات الأنثروبولوجية التي ترى أن تطور اللغة الرمزية شكّل نقطة التحول الكبرى في التاريخ الإنساني، إذ أتاح للإنسان نقل الخبرة، وبناء الذاكرة الجماعية، وتراكم المعرفة عبر الأجيال.
ولعل التجربة الأوروبية الحديثة تقدم مثالًا على العلاقة بين ازدهار اللغة وازدهار الفكر. فقد ساهم فلاسفة مثل كانط وهيغل ونيتشه وهيدغر في إثراء اللغة الألمانية بمفاهيم فلسفية جديدة، كما أسهمت اللغة بدورها في توسيع أفق التفكير وإنتاج مدارس فلسفية متعاقبة. فكل مفهوم جديد يفتح نافذة جديدة أمام العقل.
وعلى النقيض من ذلك، فإن اللغة التي تُحاصر وتُختزل وتُفرغ من مفاهيمها تنتج فكرًا محدودًا، لأن فقر اللغة يقود إلى فقر التفكير، وفقر التفكير يقود إلى تراجع الإبداع والقدرة على النقد.
ولعل أخطر ما يمكن أن تفعله السلطة ليس منع الناس من الكلام، وإنما دفعهم إلى الشعور بالخجل من لغتهم الأم ، فعندما يبدأ الإنسان بالاعتقاد أن لغته أقل قيمة من لغة السلطة أو السوق أو الهيمنة الثقافية، فإنه يدخل تدريجيًا في عملية إنكار للذات، ويصبح شريكًا، من حيث لا يشعر، في تآكل هويته الثقافية.
ولهذا لم تعد كثير من اللغات مهددة بسبب غياب المتحدثين بها فقط، بل بسبب فقدان مكانتها الاجتماعية والثقافية. وتشير تقارير اليونسكو إلى أن آلاف اللغات حول العالم تواجه خطر الاندثار خلال هذا القرن، وأن اختفاء أي لغة لا يعني فقدان مجموعة من الكلمات فحسب، بل فقدان رؤية كاملة للعالم.
إن أزمة المصطلحات ليست، إذن، أزمة بين الكلمة والشيء، بل بين الحقيقة والسلطة ، فعندما تعيد السلطة تعريف الحرية أو المواطنة أو الهوية أو الثقافة، فإنها لا تغير اللغة وحدها، بل تعيد تشكيل الواقع نفسه.
ولهذا فإن الدفاع عن اللغة ليس دفاعًا عن الماضي، بل دفاع عن المستقبل ، وليس المقصود حماية الكلمات بوصفها تراثًا فولكلوريًا، بل حماية الإنسان بوصفه كائنًا لا يستطيع أن يفكر خارج لغته، ولا أن يبني ذاكرته خارج مفاهيمه.
ويبقى السؤال الفلسفي الأعمق : كم عالمًا يخسره الإنسان عندما يخسر لغة؟
فاللغة ليست أصواتًا، ولا قاموسًا، ولا قواعد نحوية فحسب، وإنما هي طريقة خاصة في رؤية الإنسان لنفسه وللعالم ، وحين تموت لغته ، لا تختفي كلماتها فقط، بل يختفي معها أسلوب كامل في التفكير، والإحساس، وفهم الوجود.
وهكذا، فإن أزمة المصطلحات بين المعنى والواقع ليست مجرد خلاف لغوي، بل هي صراع مستمر على تعريف الحقيقة، وعلى من يمتلك حق تسمية الأشياء. فاللغة، قبل أن تكون وسيلة للتعبير، هي الشرط الأول للحرية، والجسر الذي يصل الماضي بالمستقبل، والبيت الذي تحفظ فيه الشعوب ذاكرتها ، ومن يفقد لغته، لا يفقد وسيلة للكلام فحسب، بل يفقد جزءًا من وجوده التاريخي والإنساني.
المراجع
نعوم تشومسكي، اللغة والعقل.
عبد الله أوجلان، مانيفستو الحضارة الديمقراطية، المجلد الثاني: الرأسمالية: عصر الآلهة المقنعة والملوك العراة.
عبد الله أوجلان، مانيفستو الحضارة الديمقراطية، المجلد الثالث: سوسيولوجيا الحرية.
لودفيغ فيتغنشتاين، رسالة منطقية فلسفية .
مارتن هيدغر، رسالة في النزعة الإنسانية.
إدوارد سابير، اللغة: مقدمة لدراسة الكلام .
بنجامين لي وورف. اللغة والفكر والواقع.
إريك هوبزباوم، الأمم والقومية منذ عام 1780 .
بندكت أندرسون، الجماعات المتخيلة: تأملات في أصل القومية وانتشارها .

عامر داوود محامي وباحث عضو سابق لمجلس الشعوب الديمقراطية وعضو أكاديمية علم الاجتماع في سوريا ومؤسس مركز الحداثة الديمقراطية في الشرق الأوسط ببيروت



