
شيعة العراق : من يدير المعركة.. ومن يحفر القبر؟
كتب رياض الفرطوسي
تتحرك الديمقراطيات الغربية ومراكز الأبحاث الاستراتيجية في واشنطن ولندن وعواصم قرار أخرى اليوم برصد دقيق وذهول صامت أمام المشهد العراقي، لا سيما حين يصدر تشخيص بهذا العمق من قلب المشهد السياسي الشيعي نفسه، كما جاء في قراءة السياسي العراقي البارز عزت الشابندر في تغريدته المدوية عبر منصة “إكس”. فقد لخص الشابندر الأزمة في معادلة مرعبة معتبراً أن استمرار الخلاف بين ما وصفه بـ “شيعة السلاح” و”شيعة السلطة” لم يعد يهدد الحاكمية فحسب، بل يهدد الوجود الشيعي بأكمله في البلاد. فحين يتحول الصراع داخل البيت السياسي الحاكم من تنافس على النفوذ والمصالح إلى تهديد وجودي، فإننا لا نكون أمام أزمة عابرة في تدوير زوايا الحكم، بل أمام خلل بنيوي عميق في هندسة السلطة التي أُسست بعد عام 2003، لتبرز الحقيقة التي تقرها مراكز القرار الغربية سراً: إن الخطر الأكبر لم يعد يأتي من الخارج، بل من قدرة المكون الحاكم على تفكيك مشروعه بيديه.
إن ما ذهب إليه الشابندر في توصيفه للمشهد الإقليمي ينسجم تماماً مع ما تقر به الدوائر التحليلية والخبرية العالمية؛ إذ لفت بجرأة لافتة إلى أن إسرائيل تخوض حروباً مباشرة مع أذرع المحور الإقليمي في إيران ولبنان واليمن، بينما يتكفل الشيعة في العراق بإنجاز المهمة نيابة عنها عبر التآكل الذاتي والانقسامات الداخلية. وحين نتأمل طبيعة السلطة في بغداد ككيان هجين يجمع بين غنيمة الدولة وشرعية السلاح، ندرك أن قيادات “الإطار التنسيقي” الذين يديرون العملية السياسية يعلمون في مجالسهم الخاصة أن غياب التوازن بين منطق الدولة ومنطق الفصائل قد بلغ مداه الأقصى. إن هذا الصراع على السلطة والموارد تحول إلى أداة تدمير ذاتي تفعل ما عجزت عنه أشد خطط الخصوم إحكاماً، مستهدفاً العقد الاجتماعي الذي ضمن لهذا المكون الاستحواذ على إدارة الدولة لعقدين من الزمن.
الخلل البنيوي الذي تكشفه هذه الأزمة يكمن في أن النظام السياسي العراقي أُقيم على قاعدة “المحاصصة والغنيمة” لا على قاعدة “المواطنة وبناء المؤسسات”، مما جعل الصراع على السلطة معركة حياة أو موت. عندما يُختزل الوجود التاريخي والسياسي لمكون بأكمله في صراع نفوذ بين من يمسك بقرار الدولة ومن يمسك بزناد السلاح، تفقد السلطة مناعتها وتصبح مكشوفة أمام رياح التغيير الإقليمي والدولي. إن التشخيص الجريء الذي قدمه الشابندر يمثل جرس إنذار أخير لقوى الإطار التنسيقي والطبقة السياسية برمتها، مفاده أن الاستمرار في إدارة الدولة بمنطق الاستئثار والتشظي يعني باختصار أن الشيعة في العراق لا يحمون وجودهم، بل يحفرون بأيديهم قبراً سياسياً ووجودياً لمشروع حكم طال انتظاره وانتهى إلى هذا المأزق التاريخي المفزع.



