
شرارة ومتاهة…!
كتب رياض الفرطوسي
أسهل ما في الحرب هو قرار إشعالها، وأصعب ما فيها هو العثور على طريق الخروج منها. تبدأ الحروب عادة بغرور القوة أو بتقدير خاطئ لنوايا الخصم، حيث يظن المعتدي أن حسم المعركة مجرد نزهة سريعة وسؤال وقت، لكن الواقع دائماً ما يثبت أن إشعال النار أسهل بكثير من إطفائها بعد أن تتسع شرارتها.
يؤكد خبراء الاستراتيجية العسكرية والمحللون الدوليون أن من يملك المبادرة في ضربة البداية نادراً ما يملك القدرة على تحديد المشهد الأخير. تحاول القوى الإقليمية والكبرى استخدام أسلوب “الحصار والاستنزاف” لتركيع القوى المقاومة ولجم تمددها الإقليمي، غير أن النتائج تأتي غالباً بعكس الحسابات؛ إذ تتحول الضغوط العسكرية والاقتصادية إلى محفز لبناء ردع صلب، وتطوير شبكات تحالف ممتدة، وإدارة معارك متعددة الجبهات تجعل من المستحيل على المهاجم أن يخرج منتصراً أو حتى سالماً.
تستمر الحرب لأن الطرف الذي يبدأها يقع في فخ التوقعات المرتفعة؛ فلا هو قادر على تحقيق هدفه المعلن بإنهاء نفوذ خصمه، ولا يستطيع التراجع دون أن يعلن إفلاسه السياسي. وفي المقابل، تعتمد استراتيجية الصمود على تحويل جغرافية المنطقة وحروب الشبكات الممتدة من غزة إلى اليمن ولبنان وسوريا إلى مسرح استنزاف مفتوح، يمتص الضغوط ويفرغ الضربة الأولى من مضمونها، ليصبح الوقت نفسه سلاحاً في يد من يتقن معركة النفس الطويل.
المستقبل لا يحمل نهايات سريعة لصالح من يتوهمون أن القوة الغاشمة قادرة على فرض واقع جديد. فالنزاعات الحديثة أثبتت أن محاولات إعادة رسم خرائط النفوذ بالقوة تفشل أمام الجدار الصلب للردع المتبادل. إن المأزق الحقيقي لأصحاب المخططات التوسعية والضربات الاستباقية ليس في بدء المواجهة، بل في اكتشافهم المأساوي أن الخصم الذي أرادوا إنهاءه هو من يملك اليوم مفاتيح الاستقرار، وأنه لا مخرج من المتاهة إلا بقبول معادلته.



