أزمة المصطلحات بين المعنى والواقع – الديمقراطية (4)

 

 

توطئة :

 

ربما لا يوجد مفهوم سياسي حديث حمل هذا القدر من المعاني المتباينة، وتعرّض لهذا الكم من التوظيف والتأويل وإعادة الصياغة، مثل مفهوم الديمقراطية. فقد بدأت الكلمة بوصفها سؤالًا سياسيًا وفلسفيًا حول قدرة الإنسان على إدارة شؤونه المشتركة والمشاركة في تحديد مصيره، ثم تحولت تدريجيًا إلى مفهوم مؤسسي، قبل أن تصبح في العصر الحديث شعارًا تتبناه الدول والأحزاب والحكومات، بل وحتى بعض الأنظمة السلطوية، لتأكيد شرعيتها وتقديم نفسها بوصفها ممثلة لإرادة الشعب.

 

لكن المفارقة تبدأ هنا تحديدًا: كيف يمكن لمفهوم يقوم، في جوهره، على مشاركة الشعب في إدارة شؤونه وتقرير مصيره، أن يتحول إلى أداة لإعادة إنتاج السلطة وشرعنتها؟

 

لذلك، فإن أزمة الديمقراطية لا تختزل في السؤال التقليدي: هل الدولة ديمقراطية أم غير ديمقراطية؟ ولا في وجود الانتخابات أو البرلمان أو تعدد الأحزاب، بل تتجاوز ذلك إلى سؤال أكثر عمقًا: هل الديمقراطية تعني أن يختار المجتمع من يحكمه، أم أنها تعني أن يمتلك المجتمع القدرة الفعلية على حكم نفسه؟

 

قد تنتج الانتخابات حكومة منتخبة، لكنها لا تنتج بالضرورة مجتمعًا ديمقراطيًا. وقد يكون البرلمان منتخبًا، من دون أن يمتلك المواطن قدرة حقيقية على التأثير في القرارات التي تحدد حياته ومستقبله. وقد ينص الدستور على المساواة، بينما تبقى الثروة والإعلام والمعرفة وأدوات التأثير السياسي والأمني والثقافي مركزة في أيدي أقلية. وعند هذه النقطة يصبح الفرق واضحًا بين الديمقراطية بوصفها مؤسسات وإجراءات، والديمقراطية بوصفها قدرة اجتماعية على المشاركة والتأثير وصناعة القرار.

 

ومن هنا يمكن فهم أزمة الديمقراطية المعاصرة باعتبارها أزمة أعمق من أزمة النظام الانتخابي؛ إنها أزمة في العلاقة بين المجتمع والدولة، وبين السلطة والحرية، وبين السياسة والاقتصاد، وبين المواطن ومؤسسات الحكم. وهي أسئلة ليست جديدة في الفكر السياسي؛ فقد كان أرسطو، منذ القرن الرابع قبل الميلاد، لا يكتفي بالسؤال عن عدد من يحكمون، بل كان يسأل عن الغاية التي تخدمها السلطة: هل تعمل من أجل المصلحة العامة أم من أجل مصلحة فئة محددة؟ (1)

 

وبهذا المعنى، فإن السؤال عن الديمقراطية يقود بالضرورة إلى السؤال عن التنمية ونمط توزيع الثروة والفرص والقدرة على المشاركة. فالتنمية التي ترفع معدلات النمو وتبني المؤسسات والبنية التحتية، لكنها لا تنتج مواطنًا قادرًا على المشاركة والتأثير، قد تتحول إلى مجرد تحديث اقتصادي أو إداري. وبالمقابل، فإن الديمقراطية التي تمنح المواطن حق التصويت، لكنها لا تمنحه القدرة الفعلية على التأثير في القرار أو الوصول المتكافئ إلى المعرفة والموارد، قد تتحول إلى مجرد آلية انتخابية.

 

لذلك، فإن القضية التي يحاول هذا المقال مقاربتها ليست الديمقراطية بوصفها شعارًا سياسيًا أو نظامًا انتخابيًا فحسب، بل الديمقراطية بوصفها سؤالًا حول موقع الإنسان في السلطة، وموقع المجتمع في صناعة القرار، وحدود الدولة في احتكار السياسة.

 

ومن هنا يصبح السؤال المركزي: هل يكفي أن يحكم الشعب عبر ممثلين يختارهم، أم أن جوهر الديمقراطية يكمن في أن يصبح المجتمع نفسه قادرًا على تنظيم حياته وإدارة شؤونه والمشاركة المستمرة في صناعة مستقبله؟

 

هل بدأت الديمقراطية في أثينا؟

اعتاد التاريخ السياسي الغربي أن يقدم أثينا باعتبارها مسقط رأس الديمقراطية ، وهذه العبارة صحيحة جزئيًا إذا كنا نتحدث عن نشأة الديمقراطية بوصفها مفهومًا سياسيًا ومؤسساتيًا يحمل هذا الاسم، لكنها تصبح مضللة إذا فهمناها باعتبارها بداية المشاركة الاجتماعية أو الإدارة الجماعية ، رغم أن كلمة الديمقراطية نفسها مشتقة من اليونانية ( demos) بمعنى الشعب أو جماعة المواطنين، و(kratos) بمعنى القوة أو الحكم ، ورغم أن أثينا في القرن الخامس قبل الميلاد أصبحت المثال الأشهر للديمقراطية المباشرة ، حيث كان المواطنون الذكور الأحرار يشاركون مباشرة في الجمعية ويتولون عددًا من الوظائف السياسية والقضائية ، وحيث أن المصادر اليونانية القديمة، ومنها هيرودوت، تقدم نقاشًا مبكرًا حول أشكال الحكم المختلفة، بما فيها الديمقراطية والأوليغارشية والملكية (3) ، لكن علينا أن نتوقف هنا أمام سؤال جوهري: من كان هو الشعب؟

 

لم يكن (الديموس/الشعب) الأثيني يعني جميع سكان أثينا؛ فقد استُبعدت النساء والعبيد والأجانب المقيمون وفئات أخرى من المشاركة السياسية ، ولذلك كانت الديمقراطية الأثينية ديمقراطية واسعة نسبيًا داخل جماعة المواطنين ، لكنها لم تكن ديمقراطية شاملة بالمفهوم الحديث.

 

وهذه المفارقة المبكرة ستظل ملازمة لتاريخ الديمقراطية : كلما اتسعت دائرة المشاركة، بقيت في مكان ما دائرة أخرى مستبعدة ، لقد كان هذا أحد التناقضات المؤسسة للديمقراطية القديمة: المشاركة السياسية المباشرة من جهة، والاستبعاد الاجتماعي من جهة أخرى. ومن هنا لا ينبغي أن نتعامل مع أثينا باعتبارها نهاية التاريخ الديمقراطي، بل باعتبارها لحظة تاريخية أعادت تعريف العلاقة بين المواطن والسلطة.

 

من سولون إلى كليسثينيس : هل أصلحت الديمقراطية الدولة أم أعادت إنتاجها؟

لم تظهر الديمقراطية الأثينية فجأة؛ فقد مرت أثينا بأزمات اجتماعية وصراعات طبقية وصراعات بين النخب ومجموعات السكان الأقل نفوذًا ، وكان سولون ، في أوائل القرن السادس قبل الميلاد، أحد أهم الشخصيات التي حاولت معالجة هذه الأزمة؛ فقد أعاد تنظيم المجتمع السياسي وفق طبقات قائمة على الثروة، وخفف من بعض أشكال الاستعباد بسبب الديون، وأدخل إصلاحات قانونية وسياسية مهمة ، وقد اعتُبرت إصلاحاته لاحقًا إحدى المقدمات المهمة للديمقراطية الأثينية. (4)

 

لكن سولون لم يُلغِ الدولة ولم ينهِ التراتب الاجتماعي، بل حاول إصلاح النظام من داخله ، وهنا تظهر للمرة الأولى إحدى القضايا الكبرى التي سترافق تاريخ الديمقراطية حتى اليوم: هل الديمقراطية وسيلة لتغيير بنية السلطة، أم وسيلة لإدارة السلطة بصورة أكثر عدلًا؟

 

هذه ليست مسألة تقنية، بل مسألة فلسفية. فإذا كانت الديمقراطية تعني فقط تغيير الأشخاص الذين يحتلون مؤسسات السلطة، فإنها تبقى داخل منطق الدولة؛ أما إذا كانت تعني نقل القدرة على اتخاذ القرار إلى المجتمع نفسه، فإنها تصبح مشروعًا أوسع من الدولة.

 

وجاء كليسثينيس في نهاية القرن السادس قبل الميلاد بإصلاحات أعادت تنظيم المواطنين على أساس جغرافي بدلًا من الولاءات العشائرية القديمة، وزادت من مشاركة المواطنين العاديين في الحياة السياسية؛ ولهذا ينسب إليه كثير من المؤرخين الدور المؤسس للديمقراطية الأثينية في صورتها الكلاسيكية. إذن لم تكن الديمقراطية لحظة واحدة، بل كانت نتيجة صراع طويل بين المجتمع والنخب والمؤسسات.

 

أفلاطون وأرسطو والسؤال الذي لم ينتهِ

لم يكن الفلاسفة اليونانيون جميعًا مدافعين عن الديمقراطية كما نفهمها اليوم؛ فأفلاطون نظر إلى الديمقراطية بعين نقدية شديدة ، ففي الجمهورية رأى أن الحكم الديمقراطي يمكن أن ينزلق إلى حكم الرغبات، وأن الحرية غير المنضبطة قد تنتج الفوضى، ومن ثم تفتح الطريق أمام الطغيان. (2) أما أرسطو فقد تعامل مع الديمقراطية بصورة أكثر تركيبًا؛ إذ ميّز بين أنظمة الحكم بحسب عدد من يحكمون وبحسب الغاية التي يخدمها الحكم: هل يخدم المصلحة العامة أم مصلحة الحاكمين؟ (1) ، وهنا تكمن أهمية أرسطو؛ لأنه نقل النقاش من مجرد سؤال: من يحكم؟ إلى سؤال: لصالح من يحكم؟

 

وهذا السؤال لا يزال صالحًا حتى اليوم؛ فقد تكون السلطة بيد الأغلبية، ولكن إذا كانت الأغلبية نفسها محكومة بمصالح اقتصادية أو إعلامية أو طائفية أو أيديولوجية ضيقة، فإن حكم الأغلبية لا يضمن بالضرورة العدالة. وهكذا بدأت الفلسفة السياسية مبكرًا في اكتشاف أن الديمقراطية ليست مجرد آلية عددية.

 

الديمقراطية ليست اختراعًا يونانيًا خالصًا

إذا كانت أثينا قد أعطت الديمقراطية اسمها وشكلًا مؤسساتيًا واضحًا، فهذا لا يعني أن الإنسان قبل أثينا كان عاجزًا عن تنظيم حياته بصورة جماعية ، فهناك تاريخ طويل لألاف السنين من الكلان والمجالس المحلية، والتجمعات القبلية، واتخاذ القرار الجماعي، والتقاليد العرفية، وأشكال الإدارة المشتركة للموارد ، ومن هنا تنطلق السردية التي ترى أن الديمقراطية ليست أصلًا من أصول الدولة ، بل إن الدولة جاءت لاحقًا لتعيد تنظيم كثير من العلاقات الاجتماعية التي كانت موجودة قبلها.

 

وقد ساهمت أعمال علماء التاريخ الاجتماعي والاقتصادي، ومنهم غوردون تشايلد، في إعادة النظر في التصورات الخطية لنشوء الحضارة، من خلال دراسة التحول من المجتمعات الزراعية الأولى إلى المدن والدول المعقدة. (9) وفي هذا السياق يمكن النظر إلى بلاد الرافدين باعتبارها واحدة من أهم المناطق التي يمكن من خلالها دراسة الانتقال من المجتمع الزراعي إلى المدينة والدولة والبيروقراطية والتراتبية السياسية ، لكن ينبغي الحذر من تحويل هذه الفرضية إلى حقيقة وحيدة؛ فالتاريخ المقارن للحضارات لا يسمح باختزال نشأة الدولة أو المجتمع السياسي في مسار واحد ، وهنا تأتي أهمية أندريه غوندر فرانك الذي حاول، في كتابه ReORIENT، إعادة النظر في السردية التي تجعل أوروبا مركز التاريخ الاقتصادي العالمي ، مبينًا أن الاقتصاد في بلاد مابين النهريين ووادي النيل قبل صعود الهيمنة الأوروبية كان أكثر تعقيدًا وتعددًا مما توحي به الروايات الأوروبية التقليدية. (10) إذا المشكلة ليست فقط: أين بدأت الديمقراطية؟ بل: كيف كتب المنتصرون تاريخ بداياتها؟

 

الديمقراطية بوصفها علاقة اجتماعية

هنا نصل إلى جوهر الرؤية ؛ فبدلًا من أن نبدأ بتعريف الديمقراطية من الدولة، نبدأ تعريفها من المجتمع ، وهذا التحول في نقطة البداية يغير السؤال كله ، فإذا بدأنا من الدولة، فإن الديمقراطية تعني: انتخابات، أحزاب، برلمان، دستور، فصل سلطات، وتداول السلطة. أما إذا بدأنا من المجتمع، فإن الديمقراطية تعني: المشاركة، والإدارة الذاتية، والتنظيم الاجتماعي، والقدرة على اتخاذ القرار، والتعددية، والحرية، والمسؤولية، والتوافق حول القضايا المشتركة ، وفي هذا المعنى تصبح الديمقراطية أسلوبًا للحياة الاجتماعية قبل أن تكون نظامًا للحكم.

 

إن المجتمع السياسي الأخلاقي هو مجتمع لا يكتفي بوجود أفراد تجمعهم القوانين، بل مجتمع يمتلك القدرة على تنظيم نفسه أخلاقيًا وسياسيًا ، ومن هنا فإن الأخلاق والسياسة والاقتصاد والثقافة والحرية والديمقراطية ليست جزرًا منفصلة، وإنما عناصر مترابطة في نسيج اجتماعي واحد ، وهذه الفكرة تقترب، من زاوية مختلفة، من بعض الأسئلة التي طرحها أرسطو حول الإنسان بوصفه كائنًا سياسيًا، ومن أسئلة روسو حول الإرادة العامة والسيادة الشعبية(1، 6) ، لكنها تختلف عنها في نقطة مركزية: إنها تشكك في ضرورة أن تكون الدولة هي الإطار النهائي للسياسة.

 

من المجتمع إلى الدولة: اللحظة التي تغير فيها معنى السياسة

يمكن النظر إلى تاريخ الدولة باعتباره تاريخًا لتحويل عدد كبير من الوظائف الاجتماعية إلى وظائف مؤسسية مركزية؛ فالمجتمع كان ينتج ، وينظم موارده ، ويحمي نفسه ، ويضع أعرافه ، ويدير علاقاته ، ثم بدأت الدولة تدريجيًا في احتكار عدد متزايد من هذه الوظائف، كاحتكار العنف والقانون والضرائب والقرار السياسي، ثم، في الدولة الحديثة، احتكار تعريف المواطنة والحدود والهوية الوطنية . وهنا يصبح السؤال الديمقراطي أكثر تعقيدًا؛ فإذا أصبحت الدولة هي المكان الوحيد الذي تُمارس فيه السياسة ، يصبح المجتمع متلقيًا للسياسة بدلًا من أن يكون منتجًا لها ، وهكذا نفهم لماذا يصبح المواطن في بعض الديمقراطيات الحديثة نشطًا سياسيًا يوم الانتخابات فقط، ثم يتحول بعد ذلك إلى متفرج ، فالديمقراطية الانتخابية قد تمنح المواطن حق اختيار الحاكم، لكنها لا تمنحه بالضرورة حق المشاركة المستمرة في صناعة القرار.

 

ومن هنا الفرق بين: حكم الشعب والحكم باسم الشعب؛ فالأول يفترض المشاركة، والثاني قد يكتفي بالتفويض.

 

مدينة روما من المشاركة إلى القانون

تقدم الجمهورية الرومانية مثالًا آخر على هذا التحول؛ فالصراع بين النبلاء، أي الباتريكيين، والعامة، أي البليبيين، أدى إلى سلسلة طويلة من الإصلاحات السياسية والقانونية. وكان من أهم مظاهر هذه العملية تدوين القوانين في الألواح الاثني عشر في منتصف القرن الخامس قبل الميلاد، فشكّل تدوين القانون خطوة تاريخية مهمة لأنه حدّ من قدرة النخب على احتكار المعرفة القانونية. وقد ارتبط هذا التطور بالنقاش الروماني الأوسع حول الجمهورية والقانون والمواطنة. (5)

 

ولكن القانون لم يكن مساويًا للديمقراطية، وهذه نقطة مهمة؛ فيمكن أن يكون هناك قانون دون ديمقراطية، كما يمكن أن تكون هناك مؤسسات انتخابية دون عدالة اجتماعية.

 

لقد ظلت الجمهورية الرومانية نظامًا طبقيًا معقدًا، تتوزع فيه السلطة بين مؤسسات ومجالس ومواطنين بحسب المكانة الاجتماعية والثروة والمواطنة. وهنا نرى مرة أخرى كيف يمكن للمجتمع أن ينتزع حقوقًا من السلطة، ثم تتحول هذه الحقوق لاحقًا إلى مؤسسات داخل الدولة.

 

وهذه إحدى المعضلات الدائمة في تاريخ الديمقراطية: المقاومة تبدأ خارج النظام، ثم تتحول تدريجيًا إلى مؤسسة داخل النظام.

 

كيلون وسولون وسبارتاكوس: ماذا يحدث للثورة عندما تصل إلى السلطة؟

يمكن أن نقرأ بعض لحظات التاريخ القديم من خلال هذا السؤال. فمحاولة كيلون للاستيلاء على السلطة في أثينا في القرن السابع قبل الميلاد كانت أقرب تاريخيًا إلى محاولة انقلاب أو إقامة حكم فردي منها إلى حركة ديمقراطية بالمعنى الحديث؛ ولذلك من الأفضل ألا نقدمها باعتبارها بداية مباشرة للديمقراطية، لكنها تكشف عن شيء مهم: الصراع على السلطة كان سابقًا على الديمقراطية المؤسسية.

 

 

 

والسؤال الأكثر أهمية هو: ماذا يحدث عندما تنجح حركة شعبية في إسقاط سلطة قديمة؟ هل تبني مجتمعًا مختلفًا، أم تستولي على أدوات السلطة نفسها؟

 

يتكرر السؤال في قصة سبارتاكوس وثورة العبيد في روما ، لقد أصبح سبارتاكوس رمزًا تاريخيًا لمقاومة العبودية، لكن لا نملك أساسًا كافيًا للقول إن مشروعه كان سيؤسس نظامًا ديمقراطيًا بديلًا لو انتصر ، وهذا يقودنا إلى واحدة من أهم قضايا الفلسفة السياسية: إسقاط الحاكم ليس هو نفسه تجاوز نظام الحكم ، فيمكن للثورة أن تسقط الملك، ثم تنتج رئيسًا؛ ويمكن أن تسقط الطبقة الحاكمة، ثم تنتج طبقة جديدة؛ ويمكن أن تطيح بالدولة القديمة، ثم تبني دولة أكثر مركزية. ومن هنا فإن المشكلة ليست فقط في من يحكم؟، بل في بنية السلطة ذاتها.

 

الماغنا كارتا: عندما تصبح مقاومة السلطة قانونًا

تُعد الماغنا كارتا سنة 1215 إحدى المحطات المهمة في التاريخ السياسي الأوروبي، لكنها لم تكن في أصلها وثيقة ديمقراطية بالمعنى الحديث ، لقد نشأت نتيجة صراع بين الملك جون والنبلاء المتمردين، وهدفت إلى تقييد السلطة الملكية وإخضاعها لبعض القيود القانونية.

 

وتؤكد القراءة التاريخية للماغنا كارتا أنها لم تكن في أصلها ميثاقًا عامًا لحقوق جميع الناس، بل كانت مرتبطة بدرجة كبيرة بمصالح البارونات في مواجهة الملك. ومع ذلك، اكتسبت الوثيقة لاحقًا أهمية تاريخية كبيرة لأنها ساهمت في ترسيخ مبدأ أن الحاكم ليس فوق القانون.

 

وهنا تظهر آلية أخرى في تاريخ الديمقراطية: الحق الذي يُنتزع لمواجهة السلطة قد يتحول إلى قاعدة تحد السلطة.

 

وهذا التطور كان مهمًا في الطريق الطويل نحو دولة القانون، ولكن دولة القانون ليست بالضرورة دولة ديمقراطية كاملة؛ فقد يكون القانون نفسه تعبيرًا عن مصالح طبقة أو فئة اجتماعية.

 

ومن هنا يصبح السؤال: من يكتب القانون؟ ومن يملك القدرة على تغييره؟

 

روسو وهيغل: هل الحرية تحتاج إلى الدولة؟

في القرن الثامن عشر، دخلت الديمقراطية مرحلة فلسفية جديدة. لقد جاء جان جاك روسو ليطرح سؤال السيادة الشعبية والإرادة العامة. ففي العقد الاجتماعي (1762)، لم تعد شرعية الحكم تقوم على الحق الإلهي للملوك، بل على الإرادة السياسية للمواطنين؛ وهنا أصبح الشعب مصدر الشرعية. لكن روسو لم يدعُ ببساطة إلى إلغاء الدولة، بل حاول بناء صيغة تجعل الدولة تعبيرًا عن الإرادة العامة. (6)

 

وهذا يوضح الفرق بين اتجاهين فلسفيين:

 

اتجاه يرى أن المشكلة تكمن في من يملك الدولة.

واتجاه يرى أن المشكلة تكمن في وجود احتكار السلطة نفسه.

أما هيغل، فقد أعطى الدولة مكانة مركزية في فلسفته السياسية. ففي مبادئ فلسفة الحق (1821)، رأى أن الأسرة والمجتمع المدني والدولة تشكل لحظات مترابطة في الحياة الأخلاقية الحديثة، والدولة عنده ليست مجرد جهاز قمع، وإنما مؤسسة تتجسد فيها، في تصوره، الإرادة الأخلاقية العامة. (7)

 

وهنا تظهر المسافة الفلسفية بين هيغل وعبدالله أوجلان بوضوح؛ فهيغل ينظر إلى الدولة باعتبارها مستوى متقدمًا من التنظيم الأخلاقي والسياسي، أما أوجلان فيضع موضع الشك فكرة أن الدولة هي الشكل النهائي للتنظيم السياسي، ويدعو إلى إعادة السياسة إلى المجتمع (11-12-13) .

 

ماركس: من نقد الدولة إلى مأزق الدولة الثورية

قدم كارل ماركس نقدًا جذريًا للدولة الرأسمالية والطبقات، لكنه لم يتعامل مع الدولة بصورة بسيطة. وتكشف تجربة كومونة باريس سنة 1871 عن أهمية هذا النقاش؛ ففي الحرب الأهلية في فرنسا، رأى ماركس أن الطبقة العاملة لا تستطيع ببساطة الاستيلاء على آلة الدولة القائمة واستخدامها كما هي لتحقيق التحرر، بل رأى في الكومونة شكلًا سياسيًا مختلفًا يقوم على الانتخاب والمسؤولية وإمكان العزل والمشاركة الشعبية. (8)

 

وهنا اقترب ماركس من سؤال الإدارة المباشرة والمجتمع المنظم، ولكن التاريخ اللاحق للحركات الشيوعية كشف مفارقة أخرى؛ فقد تحولت بعض الثورات التي قامت باسم تجاوز الرأسمالية إلى أنظمة دولة مركزية قوية.

 

وهكذا عادت المشكلة نفسها:

 

هل تستطيع الثورة أن تستخدم الدولة لتجاوز الدولة؟

 

وهل يمكن للسلطة المركزية أن تكون أداة مؤقتة للتحرر من دون أن تتحول إلى غاية في ذاتها؟

 

هذا السؤال لم يحسمه القرن العشرون، بل ربما كان من أكثر الأسئلة إلحاحًا في تاريخ اليسار.

 

عندما أصبحت الديمقراطية هوية للدولة

مع صعود الدولة القومية في أوروبا، انتقلت الديمقراطية إلى مرحلة جديدة؛ حيث أصبحت المواطنة مرتبطة بالدولة، وأصبحت السيادة مرتبطة بالأمة ، وأصبحت الحدود الجغرافية جزءًا من تعريف الجماعة السياسية. وفي هذا السياق لعبت الثورة الفرنسية دورًا مركزيًا في نشر مفاهيم الحرية والمساواة والمواطنة والسيادة الشعبية، لكنها في الوقت نفسه ساهمت في بناء نموذج الدولة المركزية الحديثة. هنا نشأت مفارقة الحداثة السياسية: فالدولة أصبحت أداة لتحرير المواطن من امتيازات الإقطاع ، لكنها أصبحت في الوقت نفسه قادرة على إخضاع المواطن لمنطق الدولة القومية ، وهذا ما يجعل الدولة الحديثة أكثر تعقيدًا من الدولة القديمة؛ فهي لا تحكم بالقوة فقط، وإنما تبني أيضًا هوية ومواطنة وتعليمًا وقانونًا ومؤسسات ومناهج وإعلامًا، إنها لا تقول للمواطن فقط: أطعني، بل تقول له أيضًا: أنت جزء مني.

 

من الديمقراطية التمثيلية إلى أزمة المواطن

في الديمقراطية الحديثة، أصبحت الانتخابات الوسيلة الرئيسية لتداول السلطة، وقد كان هذا إنجازًا تاريخيًا هائلًا مقارنة بالملكيات الوراثية والأنظمة الاستبدادية ، و لكن الديمقراطية التمثيلية حملت معها مشكلة جديدة : المسافة بين المواطن والقرار.

 

ينتخب المواطن ممثلًا، ثم يصبح الممثل جزءًا من مؤسسة سياسية، ثم تبدأ المؤسسة في إنتاج مصالحها الخاصة ، ومع مرور الوقت قد يتحول الحزب إلى جهاز انتخابي ، والبرلمان إلى ساحة للتفاوض بين النخب ، والانتخابات إلى منافسة على السيطرة على الدولة. هنا لا تختفي الديمقراطية، لكنها قد تفقد بعدها الاجتماعي ، وهذا هو أحد وجوه الأزمة المعاصرة؛ فالديمقراطية يمكن أن تبقى موجودة من حيث الشكل، بينما تتراجع من حيث المضمون. وقد ناقش ألكسيس دو توكفيل (16) هذه العلاقة بين المؤسسات الديمقراطية والمجتمع المدني والعادات السياسية والمشاركة المحلية، بينما تناول روبرت دال لاحقًا التوترات النظرية والعملية التي تواجه الديمقراطية الحديثة وحدودها(17)

 

إعادة تعريف الديمقراطية خارج الدولة

حين نعيد التفكير في الديمقراطية خارج مركزية الدولة، تبرز أهمية الحوار الفكري بين المفكرين موراي بوكشين وعبدالله أوجلان، إذ يلتقيان عند سؤال يتجاوز حدود الديمقراطية التمثيلية: هل يمكن للمجتمع أن يحكم نفسه من دون أن تتحول الديمقراطية إلى مجرد آلية لإدارة الدولة؟

 

ينطلق بوكشين من مفهوم البلدية التحررية، حيث تستعيد المجتمعات المحلية قدرتها على إدارة شؤونها عبر المجالس الشعبية والمؤسسات التشاركية، وتترابط هذه الوحدات في شبكة ديمقراطية تمتد من الأسفل إلى الأعلى . وترتبط هذه الرؤية بانتقاده للتراتبية وبحثه عن صيغة سياسية واجتماعية تربط الحرية بالإدارة المحلية والبيئة (14- 15) . أما المفكر عبدالله أوجلان، فيعيد صياغة هذا الأفق ضمن مفهومي الكونفدرالية الديمقراطية والأمة الديمقراطية، بحيث لا يكون الهدف إنشاء دولة قومية أكثر ديمقراطية، بل بناء مجتمع قادر على تنظيم نفسه والحد من احتكار الدولة للمجال السياسي (12) . وهنا ينتقل السؤال من من يحكم؟ إلى سؤال أكثر عمقًا: كيف نمنع احتكار الحكم؟

 

فالديمقراطية، في هذا المنظور، لا تختزل في الانتخابات وتداول السلطة، بل تصبح ممارسة يومية لصناعة القرار داخل المجتمع؛ المجتمع الذي يستطيع تنظيم اقتصاده وتعليمه وثقافته وبيئته وحياته المحلية من خلال وحدات تشاركية، كالمجالس والكومونات والنقابات والاتحادات والمجتمعات المحلية، وشبكات متعددة المستويات القادرة على اتخاذ القرار والتنسيق في ما بينها ضمن أطر كونفدرالية مجتمعية (12-13-14)

 

وهنا تصبح الديمقراطية أقرب إلى الإدارة الذاتية للمجتمع؛ وهي لا تعني الفوضى أو غياب التنظيم، بل تعني أن القرار يبدأ من المجتمع، وأن المستويات الأعلى لا تصادر قدرة الوحدات الاجتماعية على اتخاذ القرار.

 

ومن هذه الزاوية، يلتقي أوجلان مع بوكشين ومع تقاليد الديمقراطية المباشرة، لكنه يوسع هذا الأفق ضمن إطار كونفدرالي يجعل الديمقراطية طريقة لتنظيم المجتمع وحماية تعدديته، لا مجرد وسيلة للوصول إلى الدولة (12- 14)

 

وبذلك لا تعني الديمقراطية زيادة عدد الانتخابات بقدر ما تعني نقل مركز السياسة من الدولة إلى المجتمع ؛ فالسياسة لا تبدأ في البرلمان وتنتهي فيه ، بل تبدأ من الحي والقرية والجامعة والنقابة والاتحاد والكومونة والمجتمع المحلي.

 

وهنا تتحول الديمقراطية إلى ممارسة يومية ، ويصبح السؤال الديمقراطي ليس فقط: لمن سأصوّت؟ بل: هل أستطيع المشاركة في القرار الذي يخص حيي؟ وهل أستطيع التأثير في المدرسة التي يتعلم فيها أبنائي؟ وهل أستطيع مساءلة من يدير الموارد العامة؟ وهل أشارك في تحديد الأولويات الاقتصادية وحماية البيئة التي أعيش فيها؟ ، فإذا كانت الإجابة بالنفي، تصبح الديمقراطية محصورة في المجال الانتخابي .

 

كما أن الديمقراطية لن تنجح بمجرد تغيير المؤسسات، ما دامت الثقافة الاجتماعية نفسها قائمة على الطاعة والخوف والتبعية. فقد تكون لدينا مؤسسات ديمقراطية، لكننا نربي أطفالنا على الطاعة المطلقة؛ وقد تكون لدينا انتخابات، لكننا لا نتقبل الاختلاف داخل الأسرة أو الحزب أو المؤسسة؛ وقد نتحدث عن الحرية السياسية، بينما نستمر في قمع المرأة اجتماعيًا؛ وقد ندافع عن التعددية، في حين نرفض الثقافات المختلفة.

 

لذلك، فإن الديمقراطية العميقة تعني انتقال الديمقراطية من كونها مجرد مؤسسات وإجراءات إلى كونها ثقافة وممارسة اجتماعية يومية ، ومن هنا تبرز قضيتي المرأة والبيئة باعتبارهما اختبارين جوهريين لعمق الديمقراطية ؛ فإذا كان نصف المجتمع مستبعدًا أو خاضعًا لعلاقات أبوية، وإذا كانت الطبيعة تُعامل باعتبارها مجرد مورد قابل للسيطرة والاستغلال، فإن الحديث عن الديمقراطية يبقى ناقصًا؛ لأن عقلية السيطرة على الطبيعة تتقاطع، في هذا المنظور، مع عقلية السيطرة على الإنسان (14) .

 

هل يمكن للمجتمع أن يحكم نفسه؟

 

 

أ. عامر داوود –  أزمة المصطلحات بين المعنى والواقع – الديمقراطية (4)

توطئة :

ربما لا يوجد مفهوم سياسي حديث حمل هذا القدر من المعاني المتباينة، وتعرّض لهذا الكم من التوظيف والتأويل وإعادة الصياغة، مثل مفهوم الديمقراطية. فقد بدأت الكلمة بوصفها سؤالًا سياسيًا وفلسفيًا حول قدرة الإنسان على إدارة شؤونه المشتركة والمشاركة في تحديد مصيره، ثم تحولت تدريجيًا إلى مفهوم مؤسسي، قبل أن تصبح في العصر الحديث شعارًا تتبناه الدول والأحزاب والحكومات، بل وحتى بعض الأنظمة السلطوية، لتأكيد شرعيتها وتقديم نفسها بوصفها ممثلة لإرادة الشعب.

لكن المفارقة تبدأ هنا تحديدًا: كيف يمكن لمفهوم يقوم، في جوهره، على مشاركة الشعب في إدارة شؤونه وتقرير مصيره، أن يتحول إلى أداة لإعادة إنتاج السلطة وشرعنتها؟

لذلك، فإن أزمة الديمقراطية لا تختزل في السؤال التقليدي: هل الدولة ديمقراطية أم غير ديمقراطية؟ ولا في وجود الانتخابات أو البرلمان أو تعدد الأحزاب، بل تتجاوز ذلك إلى سؤال أكثر عمقًا: هل الديمقراطية تعني أن يختار المجتمع من يحكمه، أم أنها تعني أن يمتلك المجتمع القدرة الفعلية على حكم نفسه؟

قد تنتج الانتخابات حكومة منتخبة، لكنها لا تنتج بالضرورة مجتمعًا ديمقراطيًا. وقد يكون البرلمان منتخبًا، من دون أن يمتلك المواطن قدرة حقيقية على التأثير في القرارات التي تحدد حياته ومستقبله. وقد ينص الدستور على المساواة، بينما تبقى الثروة والإعلام والمعرفة وأدوات التأثير السياسي والأمني والثقافي مركزة في أيدي أقلية. وعند هذه النقطة يصبح الفرق واضحًا بين الديمقراطية بوصفها مؤسسات وإجراءات، والديمقراطية بوصفها قدرة اجتماعية على المشاركة والتأثير وصناعة القرار.

ومن هنا يمكن فهم أزمة الديمقراطية المعاصرة باعتبارها أزمة أعمق من أزمة النظام الانتخابي؛ إنها أزمة في العلاقة بين المجتمع والدولة، وبين السلطة والحرية، وبين السياسة والاقتصاد، وبين المواطن ومؤسسات الحكم. وهي أسئلة ليست جديدة في الفكر السياسي؛ فقد كان أرسطو، منذ القرن الرابع قبل الميلاد، لا يكتفي بالسؤال عن عدد من يحكمون، بل كان يسأل عن الغاية التي تخدمها السلطة: هل تعمل من أجل المصلحة العامة أم من أجل مصلحة فئة محددة؟ (1)

وبهذا المعنى، فإن السؤال عن الديمقراطية يقود بالضرورة إلى السؤال عن التنمية ونمط توزيع الثروة والفرص والقدرة على المشاركة. فالتنمية التي ترفع معدلات النمو وتبني المؤسسات والبنية التحتية، لكنها لا تنتج مواطنًا قادرًا على المشاركة والتأثير، قد تتحول إلى مجرد تحديث اقتصادي أو إداري. وبالمقابل، فإن الديمقراطية التي تمنح المواطن حق التصويت، لكنها لا تمنحه القدرة الفعلية على التأثير في القرار أو الوصول المتكافئ إلى المعرفة والموارد، قد تتحول إلى مجرد آلية انتخابية.

لذلك، فإن القضية التي يحاول هذا المقال مقاربتها ليست الديمقراطية بوصفها شعارًا سياسيًا أو نظامًا انتخابيًا فحسب، بل الديمقراطية بوصفها سؤالًا حول موقع الإنسان في السلطة، وموقع المجتمع في صناعة القرار، وحدود الدولة في احتكار السياسة.

ومن هنا يصبح السؤال المركزي: هل يكفي أن يحكم الشعب عبر ممثلين يختارهم، أم أن جوهر الديمقراطية يكمن في أن يصبح المجتمع نفسه قادرًا على تنظيم حياته وإدارة شؤونه والمشاركة المستمرة في صناعة مستقبله؟

  • هل بدأت الديمقراطية في أثينا؟

اعتاد التاريخ السياسي الغربي أن يقدم أثينا باعتبارها مسقط رأس الديمقراطية ، وهذه العبارة صحيحة جزئيًا إذا كنا نتحدث عن نشأة الديمقراطية بوصفها مفهومًا سياسيًا ومؤسساتيًا يحمل هذا الاسم، لكنها تصبح مضللة إذا فهمناها باعتبارها بداية المشاركة الاجتماعية أو الإدارة الجماعية ، رغم أن كلمة الديمقراطية نفسها مشتقة من اليونانية ( demos) بمعنى الشعب أو جماعة المواطنين، و(kratos)  بمعنى القوة أو الحكم ، ورغم أن أثينا في القرن الخامس قبل الميلاد أصبحت المثال الأشهر للديمقراطية المباشرة ، حيث كان المواطنون الذكور الأحرار يشاركون مباشرة في الجمعية ويتولون عددًا من الوظائف السياسية والقضائية ، وحيث أن المصادر اليونانية القديمة، ومنها هيرودوت، تقدم نقاشًا مبكرًا حول أشكال الحكم المختلفة، بما فيها الديمقراطية والأوليغارشية والملكية (3) ، لكن علينا أن نتوقف هنا أمام سؤال جوهري: من كان هو الشعب؟

لم يكن (الديموس/الشعب) الأثيني يعني جميع سكان أثينا؛ فقد استُبعدت النساء والعبيد والأجانب المقيمون وفئات أخرى من المشاركة السياسية ، ولذلك كانت الديمقراطية الأثينية ديمقراطية واسعة نسبيًا داخل جماعة المواطنين ، لكنها لم تكن ديمقراطية شاملة بالمفهوم الحديث.

وهذه المفارقة المبكرة ستظل ملازمة لتاريخ الديمقراطية : كلما اتسعت دائرة المشاركة، بقيت في مكان ما دائرة أخرى مستبعدة ، لقد كان هذا أحد التناقضات المؤسسة للديمقراطية القديمة: المشاركة السياسية المباشرة من جهة، والاستبعاد الاجتماعي من جهة أخرى. ومن هنا لا ينبغي أن نتعامل مع أثينا باعتبارها نهاية التاريخ الديمقراطي، بل باعتبارها لحظة تاريخية أعادت تعريف العلاقة بين المواطن والسلطة.

  • من سولون إلى كليسثينيس : هل أصلحت الديمقراطية الدولة أم أعادت إنتاجها؟

لم تظهر الديمقراطية الأثينية فجأة؛ فقد مرت أثينا بأزمات اجتماعية وصراعات طبقية وصراعات بين النخب ومجموعات السكان الأقل نفوذًا ، وكان سولون ، في أوائل القرن السادس قبل الميلاد، أحد أهم الشخصيات التي حاولت معالجة هذه الأزمة؛ فقد أعاد تنظيم المجتمع السياسي وفق طبقات قائمة على الثروة، وخفف من بعض أشكال الاستعباد بسبب الديون، وأدخل إصلاحات قانونية وسياسية مهمة ، وقد اعتُبرت إصلاحاته لاحقًا إحدى المقدمات المهمة للديمقراطية الأثينية. (4)

لكن سولون لم يُلغِ الدولة ولم ينهِ التراتب الاجتماعي، بل حاول إصلاح النظام من داخله ، وهنا تظهر للمرة الأولى إحدى القضايا الكبرى التي سترافق تاريخ الديمقراطية حتى اليوم: هل الديمقراطية وسيلة لتغيير بنية السلطة، أم وسيلة لإدارة السلطة بصورة أكثر عدلًا؟

هذه ليست مسألة تقنية، بل مسألة فلسفية. فإذا كانت الديمقراطية تعني فقط تغيير الأشخاص الذين يحتلون مؤسسات السلطة، فإنها تبقى داخل منطق الدولة؛ أما إذا كانت تعني نقل القدرة على اتخاذ القرار إلى المجتمع نفسه، فإنها تصبح مشروعًا أوسع من الدولة.

وجاء كليسثينيس في نهاية القرن السادس قبل الميلاد بإصلاحات أعادت تنظيم المواطنين على أساس جغرافي بدلًا من الولاءات العشائرية القديمة، وزادت من مشاركة المواطنين العاديين في الحياة السياسية؛ ولهذا ينسب إليه كثير من المؤرخين الدور المؤسس للديمقراطية الأثينية في صورتها الكلاسيكية. إذن لم تكن الديمقراطية لحظة واحدة، بل كانت نتيجة صراع طويل بين المجتمع والنخب والمؤسسات.

  • أفلاطون وأرسطو والسؤال الذي لم ينتهِ

لم يكن الفلاسفة اليونانيون جميعًا مدافعين عن الديمقراطية كما نفهمها اليوم؛ فأفلاطون نظر إلى الديمقراطية بعين نقدية شديدة ، ففي الجمهورية رأى أن الحكم الديمقراطي يمكن أن ينزلق إلى حكم الرغبات، وأن الحرية غير المنضبطة قد تنتج الفوضى، ومن ثم تفتح الطريق أمام الطغيان. (2) أما أرسطو فقد تعامل مع الديمقراطية بصورة أكثر تركيبًا؛ إذ ميّز بين أنظمة الحكم بحسب عدد من يحكمون وبحسب الغاية التي يخدمها الحكم: هل يخدم المصلحة العامة أم مصلحة الحاكمين؟ (1) ، وهنا تكمن أهمية أرسطو؛ لأنه نقل النقاش من مجرد سؤال: من يحكم؟ إلى سؤال: لصالح من يحكم؟

وهذا السؤال لا يزال صالحًا حتى اليوم؛ فقد تكون السلطة بيد الأغلبية، ولكن إذا كانت الأغلبية نفسها محكومة بمصالح اقتصادية أو إعلامية أو طائفية أو أيديولوجية ضيقة، فإن حكم الأغلبية لا يضمن بالضرورة العدالة. وهكذا بدأت الفلسفة السياسية مبكرًا في اكتشاف أن الديمقراطية ليست مجرد آلية عددية.

  • الديمقراطية ليست اختراعًا يونانيًا خالصًا

إذا كانت أثينا قد أعطت الديمقراطية اسمها وشكلًا مؤسساتيًا واضحًا، فهذا لا يعني أن الإنسان قبل أثينا كان عاجزًا عن تنظيم حياته بصورة جماعية ، فهناك تاريخ طويل لألاف السنين من الكلان والمجالس المحلية، والتجمعات القبلية، واتخاذ القرار الجماعي، والتقاليد العرفية، وأشكال الإدارة المشتركة للموارد ، ومن هنا تنطلق السردية التي ترى أن الديمقراطية ليست أصلًا من أصول الدولة ، بل إن الدولة جاءت لاحقًا لتعيد تنظيم كثير من العلاقات الاجتماعية التي كانت موجودة قبلها.

وقد ساهمت أعمال علماء التاريخ الاجتماعي والاقتصادي، ومنهم غوردون تشايلد، في إعادة النظر في التصورات الخطية لنشوء الحضارة، من خلال دراسة التحول من المجتمعات الزراعية الأولى إلى المدن والدول المعقدة. (9) وفي هذا السياق يمكن النظر إلى بلاد الرافدين باعتبارها واحدة من أهم المناطق التي يمكن من خلالها دراسة الانتقال من المجتمع الزراعي إلى المدينة والدولة والبيروقراطية والتراتبية السياسية ، لكن ينبغي الحذر من تحويل هذه الفرضية إلى حقيقة وحيدة؛ فالتاريخ المقارن للحضارات لا يسمح باختزال نشأة الدولة أو المجتمع السياسي في مسار واحد ، وهنا تأتي أهمية أندريه غوندر فرانك الذي حاول، في كتابه ReORIENT، إعادة النظر في السردية التي تجعل أوروبا مركز التاريخ الاقتصادي العالمي ، مبينًا أن الاقتصاد في بلاد مابين النهريين ووادي النيل قبل صعود الهيمنة الأوروبية كان أكثر تعقيدًا وتعددًا مما توحي به الروايات الأوروبية التقليدية. (10) إذا المشكلة ليست فقط: أين بدأت الديمقراطية؟ بل: كيف كتب المنتصرون تاريخ بداياتها؟

  • الديمقراطية بوصفها علاقة اجتماعية

هنا نصل إلى جوهر الرؤية ؛ فبدلًا من أن نبدأ بتعريف الديمقراطية من الدولة، نبدأ تعريفها من المجتمع ، وهذا التحول في نقطة البداية يغير السؤال كله ، فإذا بدأنا من الدولة، فإن الديمقراطية تعني: انتخابات، أحزاب، برلمان، دستور، فصل سلطات، وتداول السلطة. أما إذا بدأنا من المجتمع، فإن الديمقراطية تعني: المشاركة، والإدارة الذاتية، والتنظيم الاجتماعي، والقدرة على اتخاذ القرار، والتعددية، والحرية، والمسؤولية، والتوافق حول القضايا المشتركة ، وفي هذا المعنى تصبح الديمقراطية أسلوبًا للحياة الاجتماعية قبل أن تكون نظامًا للحكم.

إن المجتمع السياسي الأخلاقي هو مجتمع لا يكتفي بوجود أفراد تجمعهم القوانين، بل مجتمع يمتلك القدرة على تنظيم نفسه أخلاقيًا وسياسيًا ، ومن هنا فإن الأخلاق والسياسة والاقتصاد والثقافة والحرية والديمقراطية ليست جزرًا منفصلة، وإنما عناصر مترابطة في نسيج اجتماعي واحد ، وهذه الفكرة تقترب، من زاوية مختلفة، من بعض الأسئلة التي طرحها أرسطو حول الإنسان بوصفه كائنًا سياسيًا، ومن أسئلة روسو حول الإرادة العامة والسيادة الشعبية(1، 6) ، لكنها تختلف عنها في نقطة مركزية: إنها تشكك في ضرورة أن تكون الدولة هي الإطار النهائي للسياسة.

  • من المجتمع إلى الدولة: اللحظة التي تغير فيها معنى السياسة

يمكن النظر إلى تاريخ الدولة باعتباره تاريخًا لتحويل عدد كبير من الوظائف الاجتماعية إلى وظائف مؤسسية مركزية؛ فالمجتمع كان ينتج ، وينظم موارده ، ويحمي نفسه ، ويضع أعرافه ، ويدير علاقاته ، ثم بدأت الدولة تدريجيًا في احتكار عدد متزايد من هذه الوظائف، كاحتكار العنف والقانون والضرائب والقرار السياسي، ثم، في الدولة الحديثة، احتكار تعريف المواطنة والحدود والهوية الوطنية . وهنا يصبح السؤال الديمقراطي أكثر تعقيدًا؛ فإذا أصبحت الدولة هي المكان الوحيد الذي تُمارس فيه السياسة ، يصبح المجتمع متلقيًا للسياسة بدلًا من أن يكون منتجًا لها ، وهكذا نفهم لماذا يصبح المواطن في بعض الديمقراطيات الحديثة نشطًا سياسيًا يوم الانتخابات فقط، ثم يتحول بعد ذلك إلى متفرج ، فالديمقراطية الانتخابية قد تمنح المواطن حق اختيار الحاكم، لكنها لا تمنحه بالضرورة حق المشاركة المستمرة في صناعة القرار.

ومن هنا الفرق بين: حكم الشعب والحكم باسم الشعب؛ فالأول يفترض المشاركة، والثاني قد يكتفي بالتفويض.

  • مدينة روما من المشاركة إلى القانون

تقدم الجمهورية الرومانية مثالًا آخر على هذا التحول؛ فالصراع بين النبلاء، أي الباتريكيين، والعامة، أي البليبيين، أدى إلى سلسلة طويلة من الإصلاحات السياسية والقانونية. وكان من أهم مظاهر هذه العملية تدوين القوانين في الألواح الاثني عشر في منتصف القرن الخامس قبل الميلاد، فشكّل تدوين القانون خطوة تاريخية مهمة لأنه حدّ من قدرة النخب على احتكار المعرفة القانونية. وقد ارتبط هذا التطور بالنقاش الروماني الأوسع حول الجمهورية والقانون والمواطنة. (5)

ولكن القانون لم يكن مساويًا للديمقراطية، وهذه نقطة مهمة؛ فيمكن أن يكون هناك قانون دون ديمقراطية، كما يمكن أن تكون هناك مؤسسات انتخابية دون عدالة اجتماعية.

لقد ظلت الجمهورية الرومانية نظامًا طبقيًا معقدًا، تتوزع فيه السلطة بين مؤسسات ومجالس ومواطنين بحسب المكانة الاجتماعية والثروة والمواطنة. وهنا نرى مرة أخرى كيف يمكن للمجتمع أن ينتزع حقوقًا من السلطة، ثم تتحول هذه الحقوق لاحقًا إلى مؤسسات داخل الدولة.

وهذه إحدى المعضلات الدائمة في تاريخ الديمقراطية: المقاومة تبدأ خارج النظام، ثم تتحول تدريجيًا إلى مؤسسة داخل النظام.

  • كيلون وسولون وسبارتاكوس: ماذا يحدث للثورة عندما تصل إلى السلطة؟

يمكن أن نقرأ بعض لحظات التاريخ القديم من خلال هذا السؤال. فمحاولة كيلون للاستيلاء على السلطة في أثينا في القرن السابع قبل الميلاد كانت أقرب تاريخيًا إلى محاولة انقلاب أو إقامة حكم فردي منها إلى حركة ديمقراطية بالمعنى الحديث؛ ولذلك من الأفضل ألا نقدمها باعتبارها بداية مباشرة للديمقراطية، لكنها تكشف عن شيء مهم: الصراع على السلطة كان سابقًا على الديمقراطية المؤسسية.

 

والسؤال الأكثر أهمية هو: ماذا يحدث عندما تنجح حركة شعبية في إسقاط سلطة قديمة؟ هل تبني مجتمعًا مختلفًا، أم تستولي على أدوات السلطة نفسها؟

يتكرر السؤال في قصة سبارتاكوس وثورة العبيد في روما ، لقد أصبح سبارتاكوس رمزًا تاريخيًا لمقاومة العبودية، لكن لا نملك أساسًا كافيًا للقول إن مشروعه كان سيؤسس نظامًا ديمقراطيًا بديلًا لو انتصر ، وهذا يقودنا إلى واحدة من أهم قضايا الفلسفة السياسية: إسقاط الحاكم ليس هو نفسه تجاوز نظام الحكم ، فيمكن للثورة أن تسقط الملك، ثم تنتج رئيسًا؛ ويمكن أن تسقط الطبقة الحاكمة، ثم تنتج طبقة جديدة؛ ويمكن أن تطيح بالدولة القديمة، ثم تبني دولة أكثر مركزية. ومن هنا فإن المشكلة ليست فقط في من يحكم؟، بل في بنية السلطة ذاتها.

  • الماغنا كارتا: عندما تصبح مقاومة السلطة قانونًا

تُعد الماغنا كارتا سنة 1215 إحدى المحطات المهمة في التاريخ السياسي الأوروبي، لكنها لم تكن في أصلها وثيقة ديمقراطية بالمعنى الحديث ، لقد نشأت نتيجة صراع بين الملك جون والنبلاء المتمردين، وهدفت إلى تقييد السلطة الملكية وإخضاعها لبعض القيود القانونية.

وتؤكد القراءة التاريخية للماغنا كارتا أنها لم تكن في أصلها ميثاقًا عامًا لحقوق جميع الناس، بل كانت مرتبطة بدرجة كبيرة بمصالح البارونات في مواجهة الملك. ومع ذلك، اكتسبت الوثيقة لاحقًا أهمية تاريخية كبيرة لأنها ساهمت في ترسيخ مبدأ أن الحاكم ليس فوق القانون.

وهنا تظهر آلية أخرى في تاريخ الديمقراطية: الحق الذي يُنتزع لمواجهة السلطة قد يتحول إلى قاعدة تحد السلطة.

وهذا التطور كان مهمًا في الطريق الطويل نحو دولة القانون، ولكن دولة القانون ليست بالضرورة دولة ديمقراطية كاملة؛ فقد يكون القانون نفسه تعبيرًا عن مصالح طبقة أو فئة اجتماعية.

ومن هنا يصبح السؤال: من يكتب القانون؟ ومن يملك القدرة على تغييره؟

  • روسو وهيغل: هل الحرية تحتاج إلى الدولة؟

في القرن الثامن عشر، دخلت الديمقراطية مرحلة فلسفية جديدة. لقد جاء جان جاك روسو ليطرح سؤال السيادة الشعبية والإرادة العامة. ففي العقد الاجتماعي (1762)، لم تعد شرعية الحكم تقوم على الحق الإلهي للملوك، بل على الإرادة السياسية للمواطنين؛ وهنا أصبح الشعب مصدر الشرعية. لكن روسو لم يدعُ ببساطة إلى إلغاء الدولة، بل حاول بناء صيغة تجعل الدولة تعبيرًا عن الإرادة العامة. (6)

وهذا يوضح الفرق بين اتجاهين فلسفيين:

  • اتجاه يرى أن المشكلة تكمن في من يملك الدولة.
  • واتجاه يرى أن المشكلة تكمن في وجود احتكار السلطة نفسه.

أما هيغل، فقد أعطى الدولة مكانة مركزية في فلسفته السياسية. ففي مبادئ فلسفة الحق (1821)، رأى أن الأسرة والمجتمع المدني والدولة تشكل لحظات مترابطة في الحياة الأخلاقية الحديثة، والدولة عنده ليست مجرد جهاز قمع، وإنما مؤسسة تتجسد فيها، في تصوره، الإرادة الأخلاقية العامة. (7)

وهنا تظهر المسافة الفلسفية بين هيغل وعبدالله أوجلان بوضوح؛ فهيغل ينظر إلى الدولة باعتبارها مستوى متقدمًا من التنظيم الأخلاقي والسياسي، أما أوجلان فيضع موضع الشك فكرة أن الدولة هي الشكل النهائي للتنظيم السياسي، ويدعو إلى إعادة السياسة إلى المجتمع (11-12-13) .

  • ماركس: من نقد الدولة إلى مأزق الدولة الثورية

قدم كارل ماركس نقدًا جذريًا للدولة الرأسمالية والطبقات، لكنه لم يتعامل مع الدولة بصورة بسيطة. وتكشف تجربة كومونة باريس سنة 1871 عن أهمية هذا النقاش؛ ففي الحرب الأهلية في فرنسا، رأى ماركس أن الطبقة العاملة لا تستطيع ببساطة الاستيلاء على آلة الدولة القائمة واستخدامها كما هي لتحقيق التحرر، بل رأى في الكومونة شكلًا سياسيًا مختلفًا يقوم على الانتخاب والمسؤولية وإمكان العزل والمشاركة الشعبية. (8)

وهنا اقترب ماركس من سؤال الإدارة المباشرة والمجتمع المنظم، ولكن التاريخ اللاحق للحركات الشيوعية كشف مفارقة أخرى؛ فقد تحولت بعض الثورات التي قامت باسم تجاوز الرأسمالية إلى أنظمة دولة مركزية قوية.

وهكذا عادت المشكلة نفسها:

هل تستطيع الثورة أن تستخدم الدولة لتجاوز الدولة؟

وهل يمكن للسلطة المركزية أن تكون أداة مؤقتة للتحرر من دون أن تتحول إلى غاية في ذاتها؟

هذا السؤال لم يحسمه القرن العشرون، بل ربما كان من أكثر الأسئلة إلحاحًا في تاريخ اليسار.

  • عندما أصبحت الديمقراطية هوية للدولة

مع صعود الدولة القومية في أوروبا، انتقلت الديمقراطية إلى مرحلة جديدة؛ حيث أصبحت المواطنة مرتبطة بالدولة، وأصبحت السيادة مرتبطة بالأمة ، وأصبحت الحدود الجغرافية جزءًا من تعريف الجماعة السياسية. وفي هذا السياق لعبت الثورة الفرنسية دورًا مركزيًا في نشر مفاهيم الحرية والمساواة والمواطنة والسيادة الشعبية، لكنها في الوقت نفسه ساهمت في بناء نموذج الدولة المركزية الحديثة. هنا نشأت مفارقة الحداثة السياسية: فالدولة أصبحت أداة لتحرير المواطن من امتيازات الإقطاع ، لكنها أصبحت في الوقت نفسه قادرة على إخضاع المواطن لمنطق الدولة القومية ، وهذا ما يجعل الدولة الحديثة أكثر تعقيدًا من الدولة القديمة؛ فهي لا تحكم بالقوة فقط، وإنما تبني أيضًا هوية ومواطنة وتعليمًا وقانونًا ومؤسسات ومناهج وإعلامًا، إنها لا تقول للمواطن فقط: أطعني، بل تقول له أيضًا: أنت جزء مني.

  • من الديمقراطية التمثيلية إلى أزمة المواطن

في الديمقراطية الحديثة، أصبحت الانتخابات الوسيلة الرئيسية لتداول السلطة، وقد كان هذا إنجازًا تاريخيًا هائلًا مقارنة بالملكيات الوراثية والأنظمة الاستبدادية ، و لكن الديمقراطية التمثيلية حملت معها مشكلة جديدة : المسافة بين المواطن والقرار.

ينتخب المواطن ممثلًا، ثم يصبح الممثل جزءًا من مؤسسة سياسية، ثم تبدأ المؤسسة في إنتاج مصالحها الخاصة ، ومع مرور الوقت قد يتحول الحزب إلى جهاز انتخابي ، والبرلمان إلى ساحة للتفاوض بين النخب ، والانتخابات إلى منافسة على السيطرة على الدولة. هنا لا تختفي الديمقراطية، لكنها قد تفقد بعدها الاجتماعي ، وهذا هو أحد وجوه الأزمة المعاصرة؛ فالديمقراطية يمكن أن تبقى موجودة من حيث الشكل، بينما تتراجع من حيث المضمون. وقد ناقش ألكسيس دو توكفيل (16) هذه العلاقة بين المؤسسات الديمقراطية والمجتمع المدني والعادات السياسية والمشاركة المحلية، بينما تناول روبرت دال لاحقًا التوترات النظرية والعملية التي تواجه الديمقراطية الحديثة وحدودها(17)

  • إعادة تعريف الديمقراطية خارج الدولة

حين نعيد التفكير في الديمقراطية خارج مركزية الدولة، تبرز أهمية الحوار الفكري بين المفكرين موراي بوكشين وعبدالله أوجلان، إذ يلتقيان عند سؤال يتجاوز حدود الديمقراطية التمثيلية: هل يمكن للمجتمع أن يحكم نفسه من دون أن تتحول الديمقراطية إلى مجرد آلية لإدارة الدولة؟

ينطلق بوكشين من مفهوم البلدية التحررية، حيث تستعيد المجتمعات المحلية قدرتها على إدارة شؤونها عبر المجالس الشعبية والمؤسسات التشاركية، وتترابط هذه الوحدات في شبكة ديمقراطية تمتد من الأسفل إلى الأعلى . وترتبط هذه الرؤية بانتقاده للتراتبية وبحثه عن صيغة سياسية واجتماعية تربط الحرية بالإدارة المحلية والبيئة (14- 15) . أما المفكر عبدالله أوجلان، فيعيد صياغة هذا الأفق ضمن مفهومي الكونفدرالية الديمقراطية والأمة الديمقراطية، بحيث لا يكون الهدف إنشاء دولة قومية أكثر ديمقراطية، بل بناء مجتمع قادر على تنظيم نفسه والحد من احتكار الدولة للمجال السياسي (12) . وهنا ينتقل السؤال من من يحكم؟ إلى سؤال أكثر عمقًا: كيف نمنع احتكار الحكم؟

فالديمقراطية، في هذا المنظور، لا تختزل في الانتخابات وتداول السلطة، بل تصبح ممارسة يومية لصناعة القرار داخل المجتمع؛ المجتمع الذي يستطيع تنظيم اقتصاده وتعليمه وثقافته وبيئته وحياته المحلية من خلال وحدات تشاركية، كالمجالس والكومونات والنقابات والاتحادات والمجتمعات المحلية، وشبكات متعددة المستويات القادرة على اتخاذ القرار والتنسيق في ما بينها ضمن أطر كونفدرالية مجتمعية (12-13-14)

وهنا تصبح الديمقراطية أقرب إلى الإدارة الذاتية للمجتمع؛ وهي لا تعني الفوضى أو غياب التنظيم، بل تعني أن القرار يبدأ من المجتمع، وأن المستويات الأعلى لا تصادر قدرة الوحدات الاجتماعية على اتخاذ القرار.

ومن هذه الزاوية، يلتقي أوجلان مع بوكشين ومع تقاليد الديمقراطية المباشرة، لكنه يوسع هذا الأفق ضمن إطار كونفدرالي يجعل الديمقراطية طريقة لتنظيم المجتمع وحماية تعدديته، لا مجرد وسيلة للوصول إلى الدولة (12- 14)

وبذلك لا تعني الديمقراطية زيادة عدد الانتخابات بقدر ما تعني نقل مركز السياسة من الدولة إلى المجتمع ؛ فالسياسة لا تبدأ في البرلمان وتنتهي فيه ، بل تبدأ من الحي والقرية والجامعة والنقابة والاتحاد والكومونة والمجتمع المحلي.

وهنا تتحول الديمقراطية إلى ممارسة يومية ، ويصبح السؤال الديمقراطي ليس فقط: لمن سأصوّت؟ بل: هل أستطيع المشاركة في القرار الذي يخص حيي؟ وهل أستطيع التأثير في المدرسة التي يتعلم فيها أبنائي؟ وهل أستطيع مساءلة من يدير الموارد العامة؟ وهل أشارك في تحديد الأولويات الاقتصادية وحماية البيئة التي أعيش فيها؟ ، فإذا كانت الإجابة بالنفي، تصبح الديمقراطية محصورة في المجال الانتخابي .

كما أن الديمقراطية لن تنجح بمجرد تغيير المؤسسات، ما دامت الثقافة الاجتماعية نفسها قائمة على الطاعة والخوف والتبعية. فقد تكون لدينا مؤسسات ديمقراطية، لكننا نربي أطفالنا على الطاعة المطلقة؛ وقد تكون لدينا انتخابات، لكننا لا نتقبل الاختلاف داخل الأسرة أو الحزب أو المؤسسة؛ وقد نتحدث عن الحرية السياسية، بينما نستمر في قمع المرأة اجتماعيًا؛ وقد ندافع عن التعددية، في حين نرفض الثقافات المختلفة.

لذلك، فإن الديمقراطية العميقة تعني انتقال الديمقراطية من كونها مجرد مؤسسات وإجراءات إلى كونها ثقافة وممارسة اجتماعية يومية ، ومن هنا تبرز قضيتي المرأة والبيئة باعتبارهما اختبارين جوهريين لعمق الديمقراطية ؛ فإذا كان نصف المجتمع مستبعدًا أو خاضعًا لعلاقات أبوية، وإذا كانت الطبيعة تُعامل باعتبارها مجرد مورد قابل للسيطرة والاستغلال، فإن الحديث عن الديمقراطية يبقى ناقصًا؛ لأن عقلية السيطرة على الطبيعة تتقاطع، في هذا المنظور، مع عقلية السيطرة على الإنسان (14) .

هل يمكن للمجتمع أن يحكم نفسه؟

تبدو الديمقراطية المباشرة، للوهلة الأولى، نموذجًا مثاليًا، لكنها تواجه تحديات حقيقية في المجتمعات الكبيرة والمعقدة؛ فكيف يمكن لملايين المواطنين اتخاذ القرارات بصورة مباشرة؟ ، من هنا ظهرت الديمقراطية التمثيلية، غير أن التمثيل قد يتحول إلى تفويض كامل يفصل الممثل عن المجتمع . لذلك لا يكمن التحدي بالضرورة في إلغاء التمثيل، بل في تقليص المسافة بين الممثل والمجتمع ، من خلال المجالس المحلية، والاستفتاءات، والموازنات التشاركية، والرقابة الشعبية، وإمكان عزل المسؤولين، والشفافية، والمشاركة الرقمية وغيرها من أدوات الديمقراطية التشاركية (16-17) .وعليه، لا ينبغي فهم الديمقراطية المباشرة باعتبارها نقيضًا مطلقًا للديمقراطية التمثيلية، بل باعتبارها محاولة لإعادة المجتمع إلى قلب العملية السياسية. ومن هنا تبرز فكرة الديمقراطية الكومونية؛ فالكومونة ليست مجرد وحدة إدارية، بل محاولة لجعل المجتمع نفسه وحدة سياسية ، فالناس لا يجتمعون فقط لانتخاب ممثل، وإنما لمناقشة قضاياهم واتخاذ القرارات التي تمس حياتهم اليومية ، وبذلك تصبح الديمقراطية وسيلة لإنتاج المجتمع السياسي نفسه، لا مجرد آلية لإنتاج السلطة.

  • هل يستطيع المال شراء السياسة؟

تتجلى العلاقة بين الديمقراطية والتنمية الاقتصادية في سؤال جوهري: هل يستطيع المال شراء السياسة؟ فقد جرى، في كثير من المجتمعات، التعامل مع التنمية والديمقراطية باعتبارهما مشروعين منفصلين؛ فالتنمية تُختزل في الطرق والمصانع والاستثمارات والمؤسسات، بينما تُختزل الديمقراطية في الانتخابات والأحزاب والبرلمانات. غير أن هذا الفصل يخفي علاقة عميقة بين المجالين؛ فالتنمية التي تتم من دون مشاركة مجتمعية قد تتحول إلى مشروع تفرضه النخب من أعلى، كما أن الديمقراطية التي تنفصل عن العدالة الاجتماعية قد تتحول إلى مجرد منافسة انتخابية بين قوى لا تمتلك الموارد نفسها ولا القدرة ذاتها على التأثير.

لذلك، لا يكفي أن نسأل: هل تحققت التنمية؟ بل ينبغي أن نسأل: أي تنمية؟ ولصالح من؟ وبأي مشاركة؟ وبالمثل، لا يكفي السؤال عن وجود الديمقراطية، بل يجب أن نسأل: أي ديمقراطية؟ ولصالح من؟ ومن يمتلك القدرة الفعلية على التأثير في القرار السياسي؟

فإذا كانت التنمية تؤدي إلى مجتمع يزداد اعتمادًا على الدولة، وكانت الديمقراطية تبقي المواطن معتمدًا بصورة شبه كاملة على ممثليه، فإن النتيجة قد تكون مجتمعًا ضعيف القدرة على التنظيم الذاتي، مهما بدت مؤسسات الدولة حديثة ومتطورة ، وعند هذه النقطة يدخل الاقتصاد إلى قلب السؤال الديمقراطي؛ إذ لا يمكن فصل السياسة بصورة كاملة عن توزيع الثروة والموارد.

فقد يكون المواطنون متساوين أمام القانون، لكنهم يظلون غير متساوين في قدرتهم على الوصول إلى التعليم والإعلام والتمويل ومراكز التأثير وصناعة القرار ، وعندما يصبح هذا التفاوت كبيرًا، فإن المساواة السياسية تفقد جزءًا أساسيًا من مضمونها؛ لأن الديمقراطية لا تعني فقط أن يمتلك كل مواطن صوتًا انتخابيًا واحدًا، بل أن يمتلك أيضًا قدرًا من القدرة الفعلية على الحضور والتأثير والمشاركة في المجال العام.

ومن هنا تتقاطع الديمقراطية مع سؤال التنمية بصورة مباشرة ، فالتنمية التي ترفع الناتج المحلي وتوسع حجم الاقتصاد، لكنها تنتج في الوقت نفسه تفاوتًا هائلًا في الثروة والفرص والقدرة على التأثير السياسي، قد تحقق تحديثًا اقتصاديًا من دون دمقرطة حقيقية للمجتمع ، وبالمقابل ، فإن الديمقراطية التي تتيح الانتخابات وتداول المقاعد السياسية، بينما يبقى الاقتصاد خاضعًا لاحتكارات ضيقة ومراكز نفوذ محدودة، قد تنتج دولة انتخابية من دون مجتمع ديمقراطي قوي.

وهنا يظهر الفشل في صورته المزدوجة: تفشل التنمية عندما تعجز عن تحويل النمو الاقتصادي إلى عدالة وفرص ومواطنة فاعلة، وتفشل الديمقراطية عندما تعجز عن تحويل الحق في الانتخاب إلى قدرة اجتماعية حقيقية على المشاركة والتأثير. لذلك فإن السؤال الأعمق ليس ما إذا كان المال يستطيع شراء السياسة فحسب، بل كيف يتحول التفاوت الاقتصادي إلى تفاوت في القوة السياسية، وكيف يمكن للديمقراطية أن تمنع احتكار الثروة من التحول إلى احتكار للقرار؟

  • من حكم الشعب إلى قدرة الشعب

ربما تكون هذه هي الخلاصة الفلسفية الأهم ، فالديمقراطية، في معناها التقليدي، تسأل: من يحكم؟ ، أما الديمقراطية في معناها الاجتماعي العميق فتسأل: هل يستطيع المجتمع أن يحكم نفسه؟

الأولى تتعلق بتوزيع السلطة، بينما تتعلق الثانية بإنتاج القدرة الاجتماعية.

الأولى قد تنتج حكومة، أما الثانية فتسعى إلى إنتاج مجتمع سياسي قادر على الفعل.

ومن هنا يمكن إعادة تعريف الديمقراطية بأنها ليست فقط حكم الشعب، بل قدرة المجتمع على تنظيم حياته وإدارة شؤونه والمشاركة في إنتاج القرارات التي تحدد مستقبله ، ولذلك فإن من أكبر أخطاء النقاش المعاصر حول الديمقراطية أن نبدأ من الدولة بدلًا من الإنسان، وأن ننظر إلى البرلمان ولا ننظر إلى المجتمع، وأن نراقب الانتخابات ولا نراقب توزيع السلطة الاقتصادية ، وأن نقيس الديمقراطية بعدد الأحزاب ولا نسأل عن قدرة المواطن على التأثير، وأن نتحدث عن تداول السلطة ولا نسأل عن تداول المعرفة والثروة والفرص . وأن نقيس التنمية بالنمو الاقتصادي ولا نسأل عما إذا كان الإنسان قد أصبح أكثر قدرة على تقرير مصيره. ومن هنا فإن أزمة الديمقراطية ليست أزمة تقنية فحسب، بل أزمة فلسفية تتعلق بتعريف الإنسان السياسي. فهل الإنسان مواطن يظهر مرة كل أربع سنوات أمام صندوق الاقتراع، أم أنه كائن سياسي يعيش الديمقراطية في تفاصيل حياته اليومية؟

يعيدنا هذا السؤال إلى النقطة التي بدأ منها تاريخ الديمقراطية : المجتمع. فإذا كانت الديمقراطية قد نشأت، في أحد أبعادها، من حاجة البشر إلى تنظيم حياتهم بصورة جماعية، فإن تحويلها إلى مجرد مؤسسة من مؤسسات الدولة يمثل اختزالًا تاريخيًا لمفهوم أوسع ، ولهذا فإن التحدي أمام الديمقراطية في القرن الحادي والعشرين ليس فقط الدفاع عن الانتخابات في مواجهة الاستبداد، بل أيضًا تحرير الديمقراطية من اختزالها في الانتخابات.

وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال الصحيح: هل نريد الديمقراطية أم لا؟ بل: أي ديمقراطية نريد؟

أهي ديمقراطية تختار حكامًا باسم المجتمع، أم ديمقراطية تجعل المجتمع نفسه قادرًا على تنظيم حياته؟

ومن هنا يمكن إعادة صياغة علاقة الديمقراطية بالتنمية: لا تنمية ديمقراطية من دون مجتمع قادر على المشاركة، ولا ديمقراطية مستدامة من دون تنمية تمنح الإنسان القدرة الفعلية على أن يكون مواطنًا حرًا، ولا مجتمع حر إذا بقيت السياسة محتكرة داخل مؤسسات السلطة وحدها.

لذلك، فإن مستقبل الديمقراطية قد لا يكمن في المزيد من الدولة، ولا في إلغاء الدولة ببساطة، وإنما في بناء علاقة جديدة بين الدولة والمجتمع تحد من احتكار السلطة، وتوسع مساحة الإدارة الذاتية والمشاركة المجتمعية، وتجعل الديمقراطية ممارسة اجتماعية وأخلاقية وسياسية يومية، تجعل المجتمع قادرًا على أن يكون شريكًا كاملًا في صناعة تاريخه ومستقبله.

 

المراجع :

  1. 1. أرسطو. السياسة. نحو 350 ق.م. من أهم النصوص الكلاسيكية في تحليل أشكال الحكم والتمييز بين الحكم لمصلحة الجميع والحكم لمصلحة فئة معينة.
  2. أفلاطون. الجمهورية. نحو 380 ق.م. نقد الديمقراطية الأثينية وتحليل العلاقة بين الحرية والفوضى والطغيان.
  3. هيرودوت. التاريخ. نحو 440 ق.م. من المصادر اليونانية المبكرة التي تناقش أشكال الحكم، ومنها الديمقراطية والأوليغارشية والملكية.
  4. بلوتارخ. حياة سولون. نحو 100 م. مصدر كلاسيكي مهم لإعادة بناء شخصية سولون وإصلاحاته في أثينا.
  5. ماركوس توليوس شيشرون. في الجمهورية. نحو 54–51 ق.م. تحليل الجمهورية والقانون والمواطنة في الفكر الروماني.
  6. روسو، جان جاك. العقد الاجتماعي. 1762. من أهم النصوص الحديثة في مفهوم السيادة الشعبية والإرادة العامة والحرية السياسية.
  7. هيغل، غ. ف. ف. مبادئ فلسفة الحق. 1821. دراسة العلاقة بين الأسرة والمجتمع المدني والدولة والحياة الأخلاقية.
  8. ماركس، كارل. الحرب الأهلية في فرنسا. 1871. تحليل كومونة باريس ونقد جهاز الدولة المركزي وعلاقة الطبقة العاملة بالسلطة.
  9. تشايلد، ف. غوردون. Man Makes Himself. 1936. دراسة تطور الإنسان والمجتمع والحضارة والتحولات الاقتصادية والاجتماعية التي رافقت نشوء المدن والدول.
  10. فرانك، أندريه غوندر. ReORIENT: Global Economy in the Asian Age. Berkeley: University of California Press, 1998. نقد المركزية الأوروبية في كتابة التاريخ الاقتصادي العالمي وإعادة قراءة العلاقات بين آسيا وأوروبا.
  11. أوجلان، عبدالله. ما وراء الدولة والسلطة والعنف. 2007. من الأعمال التي تتناول نقد الدولة والسلطة والعنف وإعادة التفكير في السياسة.
  12. أوجلان، عبدالله. الفكر السياسي: كردستان، ثورة المرأة، والكونفدرالية الديمقراطية. London: Pluto Press, 2017.
  13. أوجلان، عبدالله. سيسولوجيا الحرية. 2020. محاولة لتأسيس قراءة اجتماعية وفلسفية للحرية والمجتمع والديمقراطية والحضارة.
  14. بوكشين، موراي. إيكولوجيا الحرية. 1982. دراسة العلاقة بين الحرية والتراتبية والبيئة، وهي مهمة لفهم الخلفية الفكرية لبعض مفاهيم الديمقراطية المحلية والبلدية التحررية.
  15. بوكشين، موراي. From Urbanization to Cities. 1987. من الأعمال المرتبطة بفكرة الإدارة المحلية والبلدية التحررية، التي أثرت بصورة غير مباشرة في بعض القراءات اللاحقة للكونفدرالية الديمقراطية.
  16. توكفيل، ألكسيس دو. Democracy in America. 1835–1840. دراسة كلاسيكية للعلاقة بين الديمقراطية والمجتمع المدني والعادات السياسية والمشاركة المحلية.
  17. دال، روبرت. Democracy and Its Critics. 1989. دراسة مهمة حول الأسس النظرية للديمقراطية وحدودها ومشكلاتها.
عامر داوود
عامر داوود محامي وباحث عضو سابق لمجلس الشعوب الديمقراطية وعضو أكاديمية علم الاجتماع في سوريا ومؤسس مركز الحداثة الديمقراطية في الشرق الأوسط ببيروت

 

شارك