الدكتور سعيد عيسى ـ جذور نشوء الدولة في الشرق الأوسط ووادي النيل

 

بعض الحالات إلى امتداد لشبكات الزعامات التقليدية والعائلية والريعية.جذور نشوء الدولة في الشرق الأوسط ووادي النيل

 

مقاربة أنثروبولوجية وسوسيولوجية تاريخية في آليات السلطة، والرمز، والتشكل مع معالجة إشكالية انفصال الدولة عن المجتمع

 

 

 

 

 

المقدمة

 

تُعد دراسة نشوء الدولة في بلاد ما بين النهرين ووادي النيل من أعقد الإشكاليات التاريخية والأنثروبولوجية لا بل أكثرها تعقيدًا، لأنها تتطلب تقاطعًا معرفيًا دقيقاً بين التاريخ، وعلم الاجتماع السياسي، والأنثروبولوجيا الثقافية والاقتصادية. فالدولة في هذه الجغرافيا لم تكن مجرد جهاز قسري أو أداة إدارية بحتة، بل كانت بنية أنثروبولوجية وثقافية شاملة أعادت، عبر مراحل تاريخية طويلة، هندسة الوعي البشري، والمخيال الرمزي، وشبكات القرابة العضوية، لتستبدل بها تدريجيًا رابطة الطاعة الإقليمية والقانون المركزي.

 

ومن هنا يبرز في صلب هذه الإشكالية سؤال يبدو بسيطًا في صياغته، لكنه شديد التعقيد في دلالته: متى وكيف انفصلت الدولة عن المجتمع؟ وبمعنى أكثر تحديدًا: كيف تحولت السلطة من كونها وظيفة جماعية أفقية داخل نسيج القرابة إلى جهاز رأسي متعالٍ نسبيًا ومستقل، يستحوذ على القرار والثروة والعنف؟

 

هذا السؤال لا يفترض أن الدولة كانت موجودة منذ بداية التاريخ ثم تغير شكلها، ولا يفترض أن المجتمع كان كيانًا ناقصًا ينتظر الدولة لكي يكتمل. العكس هو الأقرب إلى الفهم التاريخي والأنثروبولوجي: المجتمع أقدم من الدولة، والدولة نفسها نتاج لتحولات حدثت داخل المجتمع. لكن هذه التحولات أنتجت في لحظة معينة مؤسسات للسلطة لم تعد تعمل بالطريقة نفسها التي كانت تعمل بها السلطة داخل علاقات القرابة.

 

ومن هنا فإن دراسة الدولة لا تعني فقط أن نبحث عن أول ملك أو أول قصر أو أول قانون، وإنما أن نبحث عن اللحظة التي أصبحت فيها السلطة متخصصة، ومتمركزة، وقادرة على ممارسة وظائف لم تعد الجماعة قادرة على القيام بها بصورة مباشرة.

 

وهذا يقودنا إلى ضرورة التمييز منذ البداية بين مفهومين كثيرًا ما يجري الخلط بينهما: الدولة بوصفها شكلًا تاريخيًا من أشكال التنظيم السياسي، والدولة الحديثة بوصفها شكلًا تاريخيًا محددًا من أشكال الدولة.

 

فليس صحيحًا، مثلًا، أن نقول إن السومريين لم يعرفوا الدولة لأن دولتهم لم تكن تشبه فرنسا في عهد شارل ديغول. وليس صحيحًا، في المقابل، أن نساوي بين دولة المدينة السومرية والدولة القومية الحديثة. الأولى كانت دولة ضمن شروطها التاريخية، والثانية دولة ضمن شروط تاريخية مختلفة جذريًا.

 

وهذا التمييز سيكون ضروريًا ونحن ننتقل من دول المدن القديمة إلى الممالك والإمبراطوريات، ثم إلى الخلافة والدولة العثمانية، وصولًا إلى الدولة الوطنية الحديثة.

 

إن الهدف من هذه الدراسة، إذن، ليس كتابة تاريخ سياسي تقليدي لحوض بلاد مابين النهريين ووادي النيل، بل تفكيك الجذور الاجتماعية والاقتصادية والرمزية التي جعلت الدولة ممكنة، وتتبع مسار تحول الكيانات البشرية من مجتمعات أفقية قائمة بدرجة كبيرة على الدم والقرابة إلى مجتمعات سياسية أكثر هرمية، تقوم على الإقليم والطبقة والمؤسسات، ثم تتبع التحولات اللاحقة التي أوصلت إلى الدولة الوطنية المعاصرة وإشكالياتها البنيوية.

 

المبحث الأول

 

المقاربة الأنثروبولوجية التطورية لنشوء الدولة: من القرابة إلى الإقليم والطبقة

 

في حقل الأنثروبولوجيا السياسية، يمثل الانتقال من مجتمعات القرابة إلى المجتمعات السياسية القائمة على الإقليم والطبقة أحد أكثر التحولات دراماتيكية في التاريخ البشري . وليس المقصود بذلك أن القرابة اختفت بمجرد ظهور الدولة، أو أن القبيلة تحولت بصورة آلية إلى دولة، وإنما أن القرابة فقدت تدريجيًا موقعها بوصفها الإطار السياسي الوحيد الذي ينظم الحقوق والواجبات والسلطة، وبدأ الإقليم يحتل موقعًا متزايد الأهمية في تعريف الجماعة السياسية.

 

النموذج التطوري لمراتب التنظيم الاجتماعي: إلمان سيرفيس ومورتون فريد

يوضح علماء الأنثروبولوجيا، ومن بينهم إلمان سيرفيس ومورتون فريد، أن التنظيم السياسي البشري مرّ تاريخيًا بأشكال متعددة تبدأ بالجماعات المتنقلة، ثم القبائل، فالمشيخات، وصولًا إلى الدولة ، ولا ينبغي فهم هذه المراحل باعتبارها سلمًا تطوريًا ميكانيكيًا أو قانونًا تاريخيًا صارمًا تسلكه جميع المجتمعات بالطريقة نفسها، وإنما بوصفها محاولة لتحديد أشكال متزايدة التعقيد من التنظيم السياسي والاجتماعي.

 

في الجماعات الصغيرة، كانت السلطة موزعة داخل شبكة العلاقات الاجتماعية، وكان حجم الجماعة وطبيعة الاقتصاد يسمحان بإدارة معظم شؤونها من خلال العرف والعلاقات الشخصية والقرابة ، ومع نمو الجماعة، تظهر أشكال من التمايز، وتبرز شخصية الزعيم أو الشيخ ، وتبدأ السلطة في اتخاذ طابع أكثر تركيزًا.

 

في مرحلة المشيخات، يبدأ التمايز الاجتماعي والسياسي في البروز من خلال نظام القرابة المركزي: الزعيم وأقاربه يحتلون موقعًا متميزًا، وتصبح هناك تراتبية اجتماعية وسياسية أكثر وضوحًا ، لكن الدولة، وفق هذا التصور، لا تظهر بوصفها كيانًا سياسيًا مستقلًا إلا عندما يبدأ هذا الاحتكار القرابي بالتصدع ، ويُستبدل به شكل من السلطة السياسية الإقليمية التي تتجاوز العشائر، وتستطيع فرض قواعد عامة على جماعات متعددة، واحتكار القوة الشرعية، وفرض الضرائب بغض النظر عن روابط الدم.

 

وهنا تقع النقلة الأساسية ، ففي المجتمع القائم على القرابة، يكون موقع الفرد داخل شجرة العائلة محددًا بدرجة كبيرة لحقوقه وواجباته ، فهو عضو في جماعة يعرف أفرادها بعضهم بعضًا، وتقوم بينهم علاقات التزام متبادلة . أما في المجتمع السياسي الإقليمي، فإن الفرد يصبح خاضعًا لسلطة تتجاوزه شخصيًا وعائليًا، وتطال آخرين لا تربطه بهم بالضرورة رابطة نسب ، وبذلك تصبح الأرض نفسها أساسًا لتنظيم السلطة.

 

لم يعد الانتماء السياسي قائمًا فقط على السؤال: من أي جماعة أنت؟ بل بدأ يرتبط بالسؤال: في أي إقليم تعيش، ولأي سلطة تخضع؟

 

وهذا التحول من رابطة الدم إلى رابطة الإقليم لا يعني اختفاء رابطة الدم ، فالعشيرة والقبيلة والأسرة استمرت، لكنها لم تعد الإطار السياسي الوحيد ، لأن الدولة أضافت إليها إطارًا جديدًا أكثر شمولًا، هو الإقليم السياسي.

 

تصدع أنظمة النسب والقرابة في المجتمعات النيوليتية

في المجتمعات النيوليتية المبكرة في الهلال الخصيب ووادي النيل، كانت الروابط الاجتماعية تنظم من خلال العشيرة والقبيلة والنسب الموسع ، وكان الفرد يحصل على كثير من حقوقه وواجباته ومكانته الاجتماعية من موقعه داخل شبكة القرابة ، لكن هذا التنظيم واجه حدودًا مع تزايد الكثافة السكانية وتراكم الفائض.

 

فالجماعة الصغيرة تستطيع أن تدير مواردها اعتمادًا على المعرفة المباشرة والعلاقات الشخصية ، لكن الوضع يتغير عندما تصبح هناك جماعات كبيرة ، وموارد واسعة ، وأراضٍ تحتاج إلى إدارة ، ومياه ينبغي تنظيمها ، ومحاصيل يجب تخزينها وإعادة توزيعها ، ونزاعات تتجاوز حدود العشيرة الواحدة ، عندها تبدأ آليات القرابة في فقدان قدرتها على ضبط كل العلاقات.

 

وهذا لا يعني أن المجتمع قرر التخلي عن القرابة، بل يعني أن التعقيد الاجتماعي نفسه أنتج الحاجة إلى سلطة تتجاوز القرابة ، ومن هنا ظهرت، وفق هذا التحليل، سلطة فوق – قرابية (Super-kinship authority) ، وهي النواة الأنثروبولوجية الأولى للدولة.

 

وهذه النقطة مهمة لفهم الدولة لاحقًا : الدولة لا تظهر بالضرورة لأن أحدًا اخترع فكرة اسمها الدولة ، وإنما لأن حجم المجتمع وتعقيد علاقاته جعلا بعض وظائف التنظيم تتجاوز قدرة البنى القرابية وحدها.

 

من المجتمع الأفقي إلى السلطة الرأسية

إذا كانت القرابة تمثل بنية اجتماعية أفقية نسبيًا، فإن الدولة تبدأ في إنتاج بنية رأسية.

 

ففي المجتمع القرابي، لا توجد بالضرورة مسافة كبيرة بين من يمارس السلطة وبين بقية أفراد الجماعة ، أما عندما تظهر الدولة ، تبدأ السلطة في التمايز عن المجتمع وتصبح لها مواقع ومؤسسات وموظفون وموارد خاصة بها ،وهنا يمكن فهم معنى انفصال الدولة عن المجتمع بصورة أكثر دقة.

 

إنه ليس انفصالًا جغرافيًا، ولا يعني أن الدولة أصبحت خارج المجتمع ، بل هو انفصال وظيفي ومؤسسي: يصبح هناك جهاز متخصص في اتخاذ القرار، وجمع الموارد، وفرض القواعد، وتسوية النزاعات، وتنظيم العمل، وممارسة العنف ، وهذه الوظائف كانت موجودة في المجتمع سابقًا، لكنها كانت موزعة بين الأسرة والعشيرة والوجهاء والجماعة والعرف ، أما الآن فأصبحت مركزة في جهاز سياسي متخصص.

 

الأنثروبولوجيا الاقتصادية واقتصاديات إعادة التوزيع: كارل بولاني وموريس غوديلييه

لا يمكن فهم هذه النقلة السياسية من دون فهم التغير الاقتصادي الذي رافقها ، فوفقًا لأدبيات الأنثروبولوجيا الاقتصادية، وخاصة أطروحة كارل بولاني حول أشكال التكامل الاقتصادي، لم يكن الاقتصاد في المجتمعات القديمة قائمًا على السوق الحرة بالمعنى الحديث، ولا كانت علاقات الإنتاج والتوزيع منفصلة عن البنية الاجتماعية والسياسية والدينية ، بل كان الاقتصاد مدمجًا في المجتمع، أي أن إنتاج السلع وتبادلها وتوزيعها كانت عمليات مرتبطة بعلاقات القرابة والسلطة والطقوس والمؤسسات الدينية والسياسية ، وهنا تكتسب آلية إعادة التوزيع أهميتها.

 

فالمعبد والقصر في بلاد الرافدين ووادي النيل لم يكونا مؤسستين دينيتين أو سياسيتين فقط، بل كانا أيضًا مركزين اقتصاديين، حيث كانت المحاصيل والسلع تجمع من المنتجين عبر الضرائب العينية والالتزامات والطقوس، ثم تخزن وتوزع على الحرفيين والكتبة والعمال وغيرهم وفق تراتبية اجتماعية دقيقة.

 

ومن هنا يصبح الفائض عنصرًا حاسمًا في ظهور السلطة المركزية ، لأن السلطة التي تملك القدرة على جمع الفائض وإعادة توزيعه تملك في الوقت نفسه قدرة على إنتاج علاقات جديدة من التبعية ، فالمنتج لم يعد يحتفظ بكل ما ينتجه داخل جماعته ، وإنما أصبح جزء من إنتاجه يمر عبر مركز سياسي أو ديني ، ثم يعود إليه أو إلى غيره ضمن نظام تحدده السلطة.

 

ويضيف موريس غوديلييه بعدًا آخر إلى هذا التحليل ، فالسيطرة على الموارد الاقتصادية الكبرى لم تكن تحتاج إلى القوة المادية وحدها، بل كانت تحتاج أيضًا إلى شرعية ، ولذلك اكتسبت السيطرة الاقتصادية في المجتمعات القديمة بعدًا مقدسًا؛ فالمقدس كان يؤدي وظيفة القوة الخفية التي تبرر تركز الفائض في أيدي النخبة الحاكمة.

 

وهنا تبدأ العلاقة بين الاقتصاد والسلطة والرمز التي ستظهر بوضوح أكبر في بلاد الرافدين ووادي النيل ، فالدولة لم تكتفِ بجمع الفائض؛ كان عليها أن تجعل جمعه مشروعًا ومقبولًا ومفهومًا داخل النظام الرمزي للمجتمع.

 

وهذا ما يقودنا إلى السؤال المركزي الثاني في هذه المحاضرة: متى وكيف حدث الانفصال الفعلي بين الدولة والمجتمع؟

 

 

 

المبحث الثاني

 

لحظة وآليات انفصال الدولة عن المجتمع: المقاربة البنيوية والأنثروبولوجية

 

يمثل سؤال “متى وكيف انفصلت الدولة عن المجتمع؟” جوهر التحليل السوسيولوجي التاريخي والأنثروبولوجي لنشوء الحضارات الأولى في بلاد مابين النهريين ووادي النيل. وهو سؤال لا يتعلق فقط بتاريخ ظهور أول ملك أو أول عاصمة، وإنما بتاريخ تحول السلطة نفسها من وظيفة اجتماعية موزعة إلى مؤسسة متخصصة ومتمايزة.

 

متى حدث الانفصال؟ التأريخ الأنثروبولوجي للتحول

حدث هذا الانفصال، وفق الصياغة التي تعتمدها المحاضرة، على المستوى البنيوي في أعقاب الثورة النيوليتية ومع بدايات العصر البرونزي، نحو الألفية الرابعة قبل الميلاد، بالتزامن مع التحول من نظام العائلة الأمومية إلى نظام العائلة الأبوية، وما رافقه من انتقال تدريجي من اقتصاد الكفاية المعيشية إلى اقتصاد الفائض المستدام. قبل هذه اللحظة، كانت السلطة مندمجة بدرجة كبيرة في نسيج القرابة والعلاقات الاجتماعية اليومية ، و لم تكن هناك دولة منفصلة عن الجماعة بالمعنى المؤسسي الذي سيظهر لاحقًا.

 

لكن تراكم الفائض الزراعي، وتطور الزراعة المروية، وازدياد حجم الجماعات، وتعقد عمليات التخزين والتوزيع، أوجدت شروطًا جديدة.

 

ظهرت طبقة متخصصة تستطيع أن تتفرغ لإدارة الموارد من دون أن تشارك بصورة مباشرة في الإنتاج الزراعي العضوي نفسه. وهنا حدثت النقلة التي يمكن وصفها بأنها القطيعة الكبرى: تحولت الأداة الإدارية من خادم للجماعة إلى جهاز يتولى إدارة الجماعة من موقع متعالٍ نسبيًا عنها.

 

هذه النقطة تفسر لنا أيضًا لماذا لا ينبغي النظر إلى الدولة باعتبارها مجرد “حكومة” بالمعنى المعاصر. فالدولة الأولى كانت تحولًا في بنية المجتمع نفسها. لقد أعادت توزيع الأدوار، وخلقت فئات متخصصة في الإدارة والطقوس والكتابة والحرب، وربطت هذه الفئات بمركز سياسي أصبح يملك قدرًا متزايدًا من الاستقلال.

 

كيف انفصلت الدولة عن المجتمع؟ آليات التمايز البنيوي

لم يحدث الانفصال بآلية واحدة ، بل عبر مسارات مترابطة ومتكاملة ، ويمكن تحديدها في خمس مسارات رئيسية.

 

أولًا: الاحتكار المادي للفائض الاقتصادي

 

تركزت الثروة في المعابد والزيقورات والقصور الملكية ، وأصبح الفائض ينتقل من أيدي الفلاحين والمنتجين المباشرين إلى مراكز التجميع والتخزين وإعادة التوزيع ، وبهذه الطريقة أصبحت النخبة الإدارية والكهنوتية والملكية تسيطر على جزء أساسي من مقدرات المجتمع، وعلى أدوات الإنتاج الكبرى ، وهنا لا يكون الفائض مجرد كمية اقتصادية إضافية، بل يصبح مصدرًا للسلطة.

 

من يملك القدرة على جمع الفائض يستطيع تمويل الموظفين والكتبة والجيش والمشروعات الكبرى، وبالتالي يستطيع توسيع استقلاله عن المنتجين المباشرين.

 

ثانيًا: إحلال رابطة الإقليم محل رابطة الدم

 

لكي تنفصل الدولة عن المجتمع وتعمل بوصفها سلطة أوسع من العشيرة، كان لا بد من تجاوز الولاءات القرابية الضيقة واستبدالها برابطة الخضوع الإقليمي الموحد.

 

لم يعد شيخ القبيلة هو المرجع السياسي النهائي للجماعة، بل ظهر مركز سياسي يستطيع أن يفرض الجباية والقانون على جماعات مختلفة.

 

لكن هذه العملية لم تؤدِّ إلى اختفاء القبيلة، وهذه نقطة ستصبح لاحقًا مهمة جدًا في فهم الدولة ؛ فالقبيلة يمكن أن تستمر داخل الدولة، لكنها تصبح في علاقة جديدة معها: علاقة تفاوض، أو احتواء، أو صراع، أو تحالف.

 

ثالثًا: احتكار العنف الشرعي والتشريع

 

انتقل حق فض النزاعات تدريجيًا من الأعراف المجتمعية التلقائية إلى مؤسسات قضائية وتشريعية مركزية ، وتمثل قوانين أورنامو ومسلة حمورابي في بلاد الرافدين، إلى جانب أنظمة القضاء في وادي النيل، أمثلة على هذا التحول ، فلم يعد القانون مجرد عرف تتناقله الجماعة، بل أصبح مرتبطًا بسلطة مركزية تستطيع إعلانه وتطبيقه ، وهنا تتجسد إحدى أهم خصائص الدولة: احتكار إنتاج القاعدة القانونية وتطبيق القوة باسم النظام العام.

 

رابعًا: الأدْلَجة والقداسة

 

لم تكن الدولة قادرة على الاستمرار بالقوة وحدها ، كان عليها أن تنتج تصورًا رمزيًا يجعل السلطة تبدو جزءًا من النظام الطبيعي أو الكوني ، ففي مصر ظهر نموذج الملك الإله، وفي بلاد الرافدين ظهر الحاكم بوصفه وكيلًا للإله أو ممثلًا لإرادته. وهكذا نشأت مسافة رمزية ونفسية بين الحاكم والمحكوم، وأصبحت الدولة في وعي الأفراد قوة كوزمولوجية متعالية نسبيًا عن المجتمع ، وهذا يفسر لماذا لا يمكن فصل دراسة الدولة القديمة عن دراسة الأسطورة والطقس والدين ، فالشرعية ليست مجرد فكرة قانونية؛ إنها أيضًا طريقة يرى بها المجتمع السلطة ويفسر وجودها.

 

خامسًا: تكوين الجهاز البيروقراطي المستقل

 

مع تطور الدولة ظهرت طبقة إدارية محترفة من الكتبة والكهنة والوزراء، تعمل لصالح المركز وتملك معرفة ومهارات لا يمتلكها عموم المنتجين ، وكان لظهور الكتابة أحد أهم شروط هذا التحول، لأنها سمحت بتسجيل الضرائب والمخازن والأراضي والعمال والقوانين والقرارات ، وهكذا أصبح للدولة جهازها الخاص.

 

هنا يمكن أن نلخص عملية الانفصال في سلسلة مترابطة: الفائض يولّد الحاجة إلى الإدارة؛ الإدارة تنتج التخصص؛ التخصص ينتج جهازًا؛ الجهاز يكتسب موارد؛ الموارد تمنحه استقلالًا؛ والاستقلال يحتاج إلى شرعية؛ والشرعية تعيد إنتاج السلطة.

 

لكن هذه السلسلة لا تعني أن الدولة أصبحت منفصلة تمامًا عن المجتمع ، فالدولة بقيت تعتمد على المجتمع في إنتاج الفائض والعمل والجنود والمعرفة ، لذلك فإن انفصال الدولة عن المجتمع هو انفصال نسبي ومؤسسي، لا انفصال مطلق. ومن هنا تبدأ المشكلة التي سترافق تاريخ الدولة منذ سومر ومصر إلى الدولة الوطنية الحديثة : كيف تستطيع الدولة أن تصبح كيانًا مستقلًا نسبيًا عن المجتمع، من دون أن تفقد الأساس الاجتماعي الذي تستمد منه قدرتها على البقاء؟

 

هذا السؤال هو الذي سيقودنا إلى النظريات التي حاولت تفسير لماذا ظهرت الدولة في بعض البيئات والتجمعات التاريخية، وكيف ارتبط نشوء الدولة بالمدينة والبيئة والمياه والصراع.

 

 

 

المبحث الثالث

 

نظريات نشوء الدولة: التفسير الوظيفي والبيئي والصراعي

 

إذا كان المبحثان السابقان قد حددا التحول الاجتماعي والاقتصادي الذي جعل الدولة ممكنة، فإن السؤال التالي هو: لماذا ظهرت الدولة في بعض البيئات التاريخية بهذا الوضوح، ولماذا اتخذت أشكالًا مختلفة من مجتمع إلى آخر؟

 

لا توجد إجابة واحدة عن هذا السؤال. فقد حاولت مدارس متعددة تفسير نشوء الدولة من خلال عوامل مختلفة: المدينة، والاقتصاد، والبيئة، والسيطرة على المياه، والصراع على الموارد، والحرب، والحاجة إلى الإدارة.

 

والأهمية هنا ليست في اختيار نظرية واحدة وإقصاء غيرها، وإنما في النظر إلى الدولة بوصفها نتيجة تفاعل مجموعة من العوامل.

 

جوردون تشيلد والثورة الحضرية

يمثل جوردون تشيلد أحد أبرز الباحثين الذين ربطوا نشوء الدولة بما سماه الثورة الحضرية ، فبعد الثورة الزراعية، لم تعد المستوطنات مجرد تجمعات من المزارعين ، كما أدى استقرار السكان وتراكم الفائض إلى زيادة الكثافة السكانية، وظهور تخصصات مهنية جديدة، وتوسع التجارة، وازدياد الحاجة إلى الإدارة ، ومن هنا أصبحت المدينة أكثر من مجرد مكان للسكن ، حيث أصبحت مركزًا اقتصاديًا وسياسيًا ودينيًا.

 

وتكمن أهمية أطروحة تشيلد في أنها تربط بين التحضر والتخصص الاجتماعي ، فعندما تنتج الجماعة فائضًا أكبر من حاجتها المباشرة، يصبح من الممكن أن يتفرغ جزء من السكان لأعمال أخرى: الكتابة، والحرف، والإدارة، والطقوس، والتجارة، والجيش .وهكذا يبدأ المجتمع في إنتاج طبقات ووظائف لم تكن ممكنة في القرية الزراعية الصغيرة.

 

لكن المدينة لا تنتج الدولة وحدها ، فالمدينة تحتاج إلى سلطة قادرة على إدارة مواردها، وتنظيم علاقاتها، وحماية طرق التجارة، وتسوية النزاعات، وإدارة العلاقة بين السكان ومراكز الفائض ، ولهذا فإن ظهور المدينة والدولة كانا متداخلين، وإن لم يكونا الشيء نفسه.

 

ومن هنا نفهم لماذا كانت بلاد الرافدين واحدة من أكثر المناطق أهمية في دراسة الدولة المبكرة: فقد شهدت نشوء مدن كبيرة مثل أوروك وأور ولَجَش، وتحولت المدينة إلى وحدة سياسية كاملة.

 

كارل ويتفوغل والإدارة الهيدروليكية

إذا كان تشيلد قد ركز على المدينة والفائض والتخصص، فإن كارل ويتفوغل حاول تفسير نشوء الدولة من خلال التحكم في المياه ، ففي المجتمعات التي قامت على الزراعة المروية في الأنهار الكبرى، كان تنظيم المياه يحتاج إلى قدر من التنسيق يتجاوز قدرة الأسرة أو القرية الصغيرة : لحفر القنوات، وصيانتها، وتنظيم تدفق المياه، وتوزيعها، وحماية الأراضي من الفيضانات، كلها وظائف تتطلب إدارة واسعة ،ومن هنا نشأت، وفق هذه الفرضية، حاجة إلى سلطة مركزية قادرة على تنظيم العمل الجماعي.

 

لكن أهمية هذه النظرية لا تكمن في القول إن الري اخترع الدولة ، فالدولة كانت أكثر تعقيدًا من مجرد جهاز لإدارة المياه ، وإنما تكشف لنا النظرية كيف يمكن للبنية التحتية أن تنتج حاجة إلى الإدارة، وكيف يمكن للإدارة أن تنتج بدورها سلطة أكثر مركزية.

 

وهنا تتقاطع النظرية الهيدروليكية مع ما سبق أن ناقشناه حول الفائض ، فالمياه تنتج الزراعة، والزراعة تنتج الفائض، والفائض يحتاج إلى تخزين وإدارة وتوزيع، وهذه العمليات تنتج أجهزة إدارية متخصصة.

 

لكن يجب ألا نحول هذا المسار إلى قانون حتمي؛ فوجود الأنهار لا يؤدي تلقائيًا إلى الدولة المركزية ، فالتاريخ أكثر تعقيدًا، والعوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية تدخل دائمًا في تشكيل النتيجة.

 

روبرت كارنيرو والصراع على الموارد

يقدم روبرت كارنيرو تفسيرًا مختلفًا يركز على الصراع والضغط السكاني والقيود البيئية ، فعندما تتزايد أعداد السكان في مناطق محدودة الموارد، يصبح التنافس على الأرض والمياه والموارد أكثر حدة ، وقد يؤدي هذا التنافس إلى الحروب بين الجماعات، ثم إلى توسع جماعة على حساب أخرى، وظهور مراكز سياسية أكثر قدرة على فرض السيطرة ،وبهذا المعنى، يمكن أن تكون الحرب عاملًا في تكوين الدولة.

 

لكن الحرب هنا ليست مجرد نتيجة لوجود الدولة، بل يمكن أن تكون أيضًا إحدى الآليات التي ساعدت على نشوئها ، فالجماعة التي تستطيع تنظيم جيش، وتعبئة الموارد، وإدارة الأراضي التي تسيطر عليها، تصبح أكثر قدرة على التوسع ، ومع التوسع تصبح الإدارة أكثر تعقيدًا، ويزداد الفائض، وتحتاج السلطة إلى موظفين وجباة وجنود. وهكذا يمكن أن تتحول المنافسة بين الجماعات إلى عامل في بناء جهاز الدولة.

 

نحو تفسير مركب

إذا جمعنا تشيلد وويتفوغل وكارنيرو، سنجد أن كل نظرية تضيء جانبًا من العملية ، فتشيلد يوضح لنا المدينة والتخصص والفائض ،ويتفوغل يوضح لنا المياه والبنية التحتية والحاجة إلى التنسيق ، بينما كارنيرو يوضح لنا الصراع على الموارد والضغط السكاني والتوسع السياسي ، لكن هذه العناصر لا تعمل منفصلة.

 

فالفائض يحتاج إلى إدارة، والإدارة تحتاج إلى سلطة، والسلطة تحتاج إلى موارد، والموارد قد تصبح موضوعًا للصراع، والصراع يحتاج إلى تنظيم عسكري، والتنظيم العسكري يحتاج إلى إدارة، والإدارة تنتج جهازًا أكثر استقلالًا ، ومن هنا لا ينبغي أن نسأل: أي نظرية هي الصحيحة؟

 

الأدق أن نسأل: كيف تفاعلت هذه العوامل داخل البيئات التاريخية المحددة؟

 

وهذا يقودنا مباشرة إلى الحالة الأكثر أهمية في هذه المحاضرة : بلاد الرافدين.

 

 

 

المبحث الرابع

 

نموذج بلاد الرافدين ووادي النيل: الدولة كنتاج للمدينة والمقدس والإدارة

 

تمثل بلاد الرافدين ووادي النيل مختبرين تاريخيين بالغَي الأهمية لفهم نشوء الدولة ، فهما لم تنتجا شكلًا واحدًا من الدولة، بل قدمتا نموذجين مختلفين نسبيًا: نموذج دولة المدن في بلاد الرافدين، ونموذج الدولة المركزية الموحدة في مصر القديمة.

 

وهذا الاختلاف مهم لأنه يؤكد أن الدولة ليست نتيجة عامل واحد، وأن البيئة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية يمكن أن تنتج أشكالًا مختلفة من التنظيم السياسي.

 

أولًا: بلاد الرافدين ودولة المدينة

 

كانت بلاد الرافدين، ولا سيما جنوبها، من أوائل المناطق التي شهدت نمو المدن الكبيرة وظهور المؤسسات السياسية والإدارية المعقدة ، فظهرت مدن مثل أوروك وأور ولَجَش وإريدو، ولم تكن هذه المدن مجرد تجمعات سكانية؛ كانت كيانات سياسية مستقلة نسبيًا، لها مؤسساتها، وقياداتها، ومعابدها، ومواردها، وجيوشها، ونظمها الإدارية.

 

وهنا ينبغي التوقف عند مفهوم دولة المدينة ، فكل مدينة كبرى كانت تمثل مركزًا سياسيًا، وتحيط بها أراضٍ زراعية ومستوطنات تعتمد عليها ، كما كانت المدينة تملك سلطة على المجال المحيط بها، وتتنافس مع المدن الأخرى على الأرض والمياه والموارد.

 

وهكذا فإن الدولة السومرية لم تكن دولة قومية موحدة بالمعنى الذي نعرفه اليوم، بل كانت مجموعة من دول المدن ، وهنا يمكن إدخال السؤال الذي طُرح في النقاش: هل دولة سومر هي دولة فرنسا في عهد شارل ديغول؟

 

المقارنة تكشف خطأ منهجيًا مهمًا ، فإذا كان المقصود: هل كان السومريون يملكون دولة ومؤسسات وسلطة سياسية وقوانين وجيشًا وإدارة؟ فالجواب نعم.

 

أما إذا كان المقصود: هل كانت دولة سومر دولة قومية حديثة مثل فرنسا؟ فالجواب لا.

فالدولة لا تتخذ شكلًا واحدًا عبر التاريخ ، فدولة المدينة السومرية كانت دولة تاريخية، لكنها لم تكن دولة قومية حديثة ، و لم تكن تقوم على مفهوم المواطنة الحديثة، ولا على الحدود القومية الحديثة، ولا على فصل واضح بين الدين والسياسة، ولا على مفهوم السيادة الوطنية بالشكل الذي تبلور لاحقًا.

 

لذلك فإن استخدام فرنسا في عهد ديغول (على سبيل المثال لا الحصر) معيارًا للحكم على سومر يؤدي إلى إسقاط مفهوم حديث على مجتمع قديم.

 

والأصح أن نستخدم معيارًا تاريخيًا: هل كانت هناك سلطة سياسية متمايزة؟ هل كانت هناك إدارة؟ هل كان هناك احتكار نسبي للعنف؟ هل كانت هناك جباية؟ هل كان هناك قانون؟ هل كانت هناك مؤسسات تملك قدرًا من الاستقلال عن العلاقات القرابية المباشرة؟

 

في الحالة السومرية، نجد هذه العناصر بدرجات واضحة.

 

كيف استطاع السومريون إنشاء دولة؟

 

السؤال الآخر الذي طُرح في النقاش أكثر تحديدًا: كيف استطاع السومريون إنشاء دولة؟

 

والإجابة تبدأ من رفض فكرة أن السومريين جلسوا في لحظة تاريخية وقرروا إنشاء الدولة ، فالدولة لم تكن مشروعًا هندسيًا مخططًا من البداية ، بل ظهرت من تراكم ظروف تاريخية.

 

فالزراعة في جنوب بلاد الرافدين ارتبطت بشبكة معقدة من المياه والقنوات، ونمو المدن أدى إلى تراكم السكان، وتراكم السكان أدى إلى زيادة الحاجة إلى تنظيم الإنتاج، والإنتاج الزراعي أنتج فائضًا، والفائض استدعى التخزين والتوزيع، والتخزين والتوزيع احتاجا إلى كتبة وموظفين ومخازن، ومع اتساع المجال السياسي ظهرت الحاجة إلى الجند والإدارة والقانون ، وهكذا أصبح لدينا جهاز سياسي يتجاوز الأسرة والعشيرة.

 

كانت الزيقورة والمعبد في قلب هذه المنظومة ، فالمعبد لم يكن مجرد مكان للعبادة، بل كان مؤسسة اقتصادية واجتماعية وسياسية ، يمتلك الأراضي ويجمع الموارد ويشرف على العمل ويعيد توزيع جزء من الفائض ، ثم ظهر القصر الملكي بوصفه مركزًا آخر للسلطة.

 

ومن هنا نشأ تداخل المعبد والقصر والمدينة

الإنسي واللوغال

 

تظهر طبيعة السلطة السياسية السومرية من خلال التمييز بين الإنسي واللوغال ، فالإنسي ارتبط بصورة أكبر بحكم المدينة وإدارتها، بينما ارتبط اللوغال بالملكية والسلطة العسكرية والتوسع.

 

ولا ينبغي النظر إلى هذه المصطلحات وكأنها تطابق تمامًا لمفهوم رئيس البلدية و الملك الحديثين؛ فالمؤسسات السومرية كانت جزءًا من منظومة سياسية ودينية مختلفة ، لكن التمييز يكشف لنا شيئًا أساسيًا: السلطة بدأت تتخصص ، ولم يعد المجتمع كله يمارس الوظائف السياسية بصورة مباشرة، وإنما أصبح هناك أفراد ومؤسسات متخصصة في الحكم والإدارة والطقوس والحرب ، وهذه هي بالضبط اللحظة التي تحدثنا عنها في المبحث السابق: تحول السلطة من وظيفة موزعة اجتماعيًا إلى جهاز أكثر تخصصًا وتمايزًا.

 

أكيتو والشرعية السياسية

 

كانت الطقوس السياسية والدينية جزءًا من عملية إنتاج الشرعية ، ويمثل عيد أكيتو مثالًا مهمًا على ذلك ، فلم يكن الطقس مجرد احتفال ديني، بل كان يعيد إنتاج العلاقة بين الملك والآلهة والمجتمع والنظام الكوني.

 

ففي الطقس، كان النظام السياسي يعاد تثبيته رمزيًا ، وهنا تظهر أهمية الأسطورة في الدولة القديمة ، فأسطورة تيامات ومردوخ، مثلًا، لا يمكن فصلها عن تصور النظام السياسي والكوني؛ فهزيمة الفوضى وإنتاج النظام الكوني يمكن أن تقرأ في علاقتها بتثبيت سلطة المدينة ومركزيتها ، وهذا هو ما يجعل الدولة القديمة بنية سياسية ورمزية في الوقت نفسه.

 

الكتابة والقانون

 

كانت الكتابة واحدة من أهم التحولات في نشوء الدولة ، فالكتابة سمحت بتسجيل المحاصيل والضرائب والأراضي والعمال والديون والمعاملات والقوانين ، ومع الكتابة أصبح من الممكن أن تتجاوز الإدارة حدود الذاكرة الشخصية.

 

وهذا تحول هائل ، ففي مجتمع صغير، يستطيع الشيخ أو رب الأسرة الاعتماد على الذاكرة والعلاقات المباشرة ، أما في مدينة كبيرة وإدارة معقدة، فإن الدولة تحتاج إلى سجلات ، وهكذا أصبحت الكتابة جزءًا من البنية البيروقراطية للدولة.

 

أما القوانين، مثل قوانين أورنامو ثم لاحقًا مسلة حمورابي، فقد عبرت عن انتقال مهم من العرف المحلي إلى سلطة تشريعية أكثر مركزية.

 

لكن القانون لم يكن محايدًا اجتماعيًا بالمعنى الحديث؛ فقد عكس بنية المجتمع الطبقية ودرجات المكانة والتمييز بين الفئات ، وهنا نعود إلى السؤال الذي طرحناه في البداية: كيف انفصلت الدولة عن المجتمع؟

 

لقد حدث ذلك من خلال مجموعة متراكمة من الأدوات: الفائض، والمعبد، والقصر، والكتابة، والقانون، والجيش، والشرعية الدينية، والإدارة.

 

ثانيًا: وادي النيل والدولة المركزية

 

إذا كانت بلاد الرافدين تقدم نموذجًا لدولة المدن، فإن وادي النيل يقدم نموذجًا مختلفًا نسبيًا: الدولة المركزية التي اتخذت شكلًا أكثر وحدة واستقرارًا.

 

وهنا يظهر سؤال البيئة مرة أخرى ، كان النيل هو العمود الفقري للحياة الاقتصادية المصرية ، فالفيضان السنوي لم يكن مجرد ظاهرة طبيعية، بل كان أساس النظام الزراعي ، ومع انتظام الزراعة، أصبحت هناك حاجة إلى قياس الأراضي، وتنظيم القنوات، وحساب المحاصيل، وجمع الضرائب، وتحديد حقوق الانتفاع بالأرض ، وهكذا تحولت البيئة إلى عامل من عوامل التنظيم السياسي.

 

نارمر وتوحيد مصر

يرتبط توحيد مصر القديمة تقليديًا بالملك نارمر أو مينا، في أواخر الألفية الرابعة قبل الميلاد ، ولا ينبغي أن نفهم التوحيد باعتباره مجرد انتصار عسكري لشخص على آخر، بل بوصفه بداية لتكوين مجال سياسي واسع يخضع لمركز واحد ، وهنا تختلف مصر عن نموذج دول المدن في بلاد الرافدين.

 

فبدلًا من تعدد المراكز السياسية المتنافسة، ظهر مركز ملكي قادر على إدارة مساحة واسعة من وادي النيل ، وهذا المركز احتاج إلى جهاز إداري كبير.

 

الملكية الكوزمولوجية والماعت

لكن قوة الدولة المصرية لم تكن قائمة على الإدارة وحدها ، لقد كان الملك في الفكر المصري جزءًا من النظام الكوني نفسه ، وكان مفهوم الماعت يمثل العدالة والنظام والانسجام الكوني.

 

ومن هنا أصبحت مهمة الملك ليست فقط إدارة الدولة، بل الحفاظ على النظام الكوني ، هذه الفكرة مهمة جدًا لفهم العلاقة بين المقدس والدولة ، فحين يعتقد المجتمع أن استقرار العالم نفسه مرتبط باستقرار السلطة، تصبح طاعة الملك أكثر من مجرد التزام سياسي؛ تصبح جزءًا من الحفاظ على النظام.

 

وهكذا يؤدي الرمز وظيفة سياسية عميقة.

مركز الحداثة الديمقراطية في الشرق الاوسط
تغيير حجم الخط
Aa
مركز الحداثة الديمقراطية في الشرق الاوسط
>
Blog
>
أبحاث ودراسات
>
الدكتور سعيد عيسى ـ جذور نشوء الدولة في الشرق الأوسط ووادي النيل
الدكتور سعيد عيسى ـ جذور نشوء الدولة في الشرق الأوسط ووادي النيل
9 ساعات مضت

بعض الحالات إلى امتداد لشبكات الزعامات التقليدية والعائلية والريعية.جذور نشوء الدولة في الشرق الأوسط ووادي النيل

مقاربة أنثروبولوجية وسوسيولوجية تاريخية في آليات السلطة، والرمز، والتشكل مع معالجة إشكالية انفصال الدولة عن المجتمع

 

 

المقدمة

تُعد دراسة نشوء الدولة في بلاد ما بين النهرين ووادي النيل من أعقد الإشكاليات التاريخية والأنثروبولوجية لا بل أكثرها تعقيدًا، لأنها تتطلب تقاطعًا معرفيًا دقيقاً بين التاريخ، وعلم الاجتماع السياسي، والأنثروبولوجيا الثقافية والاقتصادية. فالدولة في هذه الجغرافيا لم تكن مجرد جهاز قسري أو أداة إدارية بحتة، بل كانت بنية أنثروبولوجية وثقافية شاملة أعادت، عبر مراحل تاريخية طويلة، هندسة الوعي البشري، والمخيال الرمزي، وشبكات القرابة العضوية، لتستبدل بها تدريجيًا رابطة الطاعة الإقليمية والقانون المركزي.

ومن هنا يبرز في صلب هذه الإشكالية سؤال يبدو بسيطًا في صياغته، لكنه شديد التعقيد في دلالته: متى وكيف انفصلت الدولة عن المجتمع؟ وبمعنى أكثر تحديدًا: كيف تحولت السلطة من كونها وظيفة جماعية أفقية داخل نسيج القرابة إلى جهاز رأسي متعالٍ نسبيًا ومستقل، يستحوذ على القرار والثروة والعنف؟

هذا السؤال لا يفترض أن الدولة كانت موجودة منذ بداية التاريخ ثم تغير شكلها، ولا يفترض أن المجتمع كان كيانًا ناقصًا ينتظر الدولة لكي يكتمل. العكس هو الأقرب إلى الفهم التاريخي والأنثروبولوجي: المجتمع أقدم من الدولة، والدولة نفسها نتاج لتحولات حدثت داخل المجتمع. لكن هذه التحولات أنتجت في لحظة معينة مؤسسات للسلطة لم تعد تعمل بالطريقة نفسها التي كانت تعمل بها السلطة داخل علاقات القرابة.

ومن هنا فإن دراسة الدولة لا تعني فقط أن نبحث عن أول ملك أو أول قصر أو أول قانون، وإنما أن نبحث عن اللحظة التي أصبحت فيها السلطة متخصصة، ومتمركزة، وقادرة على ممارسة وظائف لم تعد الجماعة قادرة على القيام بها بصورة مباشرة.

وهذا يقودنا إلى ضرورة التمييز منذ البداية بين مفهومين كثيرًا ما يجري الخلط بينهما: الدولة بوصفها شكلًا تاريخيًا من أشكال التنظيم السياسي، والدولة الحديثة بوصفها شكلًا تاريخيًا محددًا من أشكال الدولة.

فليس صحيحًا، مثلًا، أن نقول إن السومريين لم يعرفوا الدولة لأن دولتهم لم تكن تشبه فرنسا في عهد شارل ديغول. وليس صحيحًا، في المقابل، أن نساوي بين دولة المدينة السومرية والدولة القومية الحديثة. الأولى كانت دولة ضمن شروطها التاريخية، والثانية دولة ضمن شروط تاريخية مختلفة جذريًا.

وهذا التمييز سيكون ضروريًا ونحن ننتقل من دول المدن القديمة إلى الممالك والإمبراطوريات، ثم إلى الخلافة والدولة العثمانية، وصولًا إلى الدولة الوطنية الحديثة.

إن الهدف من هذه الدراسة، إذن، ليس كتابة تاريخ سياسي تقليدي لحوض بلاد مابين النهريين ووادي النيل، بل تفكيك الجذور الاجتماعية والاقتصادية والرمزية التي جعلت الدولة ممكنة، وتتبع مسار تحول الكيانات البشرية من مجتمعات أفقية قائمة بدرجة كبيرة على الدم والقرابة إلى مجتمعات سياسية أكثر هرمية، تقوم على الإقليم والطبقة والمؤسسات، ثم تتبع التحولات اللاحقة التي أوصلت إلى الدولة الوطنية المعاصرة وإشكالياتها البنيوية.

المبحث الأول

المقاربة الأنثروبولوجية التطورية لنشوء الدولة: من القرابة إلى الإقليم والطبقة

في حقل الأنثروبولوجيا السياسية، يمثل الانتقال من مجتمعات القرابة إلى المجتمعات السياسية القائمة على الإقليم والطبقة أحد أكثر التحولات دراماتيكية في التاريخ البشري . وليس المقصود بذلك أن القرابة اختفت بمجرد ظهور الدولة، أو أن القبيلة تحولت بصورة آلية إلى دولة، وإنما أن القرابة فقدت تدريجيًا موقعها بوصفها الإطار السياسي الوحيد الذي ينظم الحقوق والواجبات والسلطة، وبدأ الإقليم يحتل موقعًا متزايد الأهمية في تعريف الجماعة السياسية.

النموذج التطوري لمراتب التنظيم الاجتماعي: إلمان سيرفيس ومورتون فريد
يوضح علماء الأنثروبولوجيا، ومن بينهم إلمان سيرفيس ومورتون فريد، أن التنظيم السياسي البشري مرّ تاريخيًا بأشكال متعددة تبدأ بالجماعات المتنقلة، ثم القبائل، فالمشيخات، وصولًا إلى الدولة ، ولا ينبغي فهم هذه المراحل باعتبارها سلمًا تطوريًا ميكانيكيًا أو قانونًا تاريخيًا صارمًا تسلكه جميع المجتمعات بالطريقة نفسها، وإنما بوصفها محاولة لتحديد أشكال متزايدة التعقيد من التنظيم السياسي والاجتماعي.

في الجماعات الصغيرة، كانت السلطة موزعة داخل شبكة العلاقات الاجتماعية، وكان حجم الجماعة وطبيعة الاقتصاد يسمحان بإدارة معظم شؤونها من خلال العرف والعلاقات الشخصية والقرابة ، ومع نمو الجماعة، تظهر أشكال من التمايز، وتبرز شخصية الزعيم أو الشيخ ، وتبدأ السلطة في اتخاذ طابع أكثر تركيزًا.

في مرحلة المشيخات، يبدأ التمايز الاجتماعي والسياسي في البروز من خلال نظام القرابة المركزي: الزعيم وأقاربه يحتلون موقعًا متميزًا، وتصبح هناك تراتبية اجتماعية وسياسية أكثر وضوحًا ، لكن الدولة، وفق هذا التصور، لا تظهر بوصفها كيانًا سياسيًا مستقلًا إلا عندما يبدأ هذا الاحتكار القرابي بالتصدع ، ويُستبدل به شكل من السلطة السياسية الإقليمية التي تتجاوز العشائر، وتستطيع فرض قواعد عامة على جماعات متعددة، واحتكار القوة الشرعية، وفرض الضرائب بغض النظر عن روابط الدم.

وهنا تقع النقلة الأساسية ، ففي المجتمع القائم على القرابة، يكون موقع الفرد داخل شجرة العائلة محددًا بدرجة كبيرة لحقوقه وواجباته ، فهو عضو في جماعة يعرف أفرادها بعضهم بعضًا، وتقوم بينهم علاقات التزام متبادلة . أما في المجتمع السياسي الإقليمي، فإن الفرد يصبح خاضعًا لسلطة تتجاوزه شخصيًا وعائليًا، وتطال آخرين لا تربطه بهم بالضرورة رابطة نسب ، وبذلك تصبح الأرض نفسها أساسًا لتنظيم السلطة.

لم يعد الانتماء السياسي قائمًا فقط على السؤال: من أي جماعة أنت؟ بل بدأ يرتبط بالسؤال: في أي إقليم تعيش، ولأي سلطة تخضع؟

وهذا التحول من رابطة الدم إلى رابطة الإقليم لا يعني اختفاء رابطة الدم ، فالعشيرة والقبيلة والأسرة استمرت، لكنها لم تعد الإطار السياسي الوحيد ، لأن الدولة أضافت إليها إطارًا جديدًا أكثر شمولًا، هو الإقليم السياسي.

تصدع أنظمة النسب والقرابة في المجتمعات النيوليتية
في المجتمعات النيوليتية المبكرة في الهلال الخصيب ووادي النيل، كانت الروابط الاجتماعية تنظم من خلال العشيرة والقبيلة والنسب الموسع ، وكان الفرد يحصل على كثير من حقوقه وواجباته ومكانته الاجتماعية من موقعه داخل شبكة القرابة ، لكن هذا التنظيم واجه حدودًا مع تزايد الكثافة السكانية وتراكم الفائض.

فالجماعة الصغيرة تستطيع أن تدير مواردها اعتمادًا على المعرفة المباشرة والعلاقات الشخصية ، لكن الوضع يتغير عندما تصبح هناك جماعات كبيرة ، وموارد واسعة ، وأراضٍ تحتاج إلى إدارة ، ومياه ينبغي تنظيمها ، ومحاصيل يجب تخزينها وإعادة توزيعها ، ونزاعات تتجاوز حدود العشيرة الواحدة ، عندها تبدأ آليات القرابة في فقدان قدرتها على ضبط كل العلاقات.

وهذا لا يعني أن المجتمع قرر التخلي عن القرابة، بل يعني أن التعقيد الاجتماعي نفسه أنتج الحاجة إلى سلطة تتجاوز القرابة ، ومن هنا ظهرت، وفق هذا التحليل، سلطة فوق – قرابية (Super-kinship authority) ، وهي النواة الأنثروبولوجية الأولى للدولة.

وهذه النقطة مهمة لفهم الدولة لاحقًا : الدولة لا تظهر بالضرورة لأن أحدًا اخترع فكرة اسمها الدولة ، وإنما لأن حجم المجتمع وتعقيد علاقاته جعلا بعض وظائف التنظيم تتجاوز قدرة البنى القرابية وحدها.

من المجتمع الأفقي إلى السلطة الرأسية
إذا كانت القرابة تمثل بنية اجتماعية أفقية نسبيًا، فإن الدولة تبدأ في إنتاج بنية رأسية.

ففي المجتمع القرابي، لا توجد بالضرورة مسافة كبيرة بين من يمارس السلطة وبين بقية أفراد الجماعة ، أما عندما تظهر الدولة ، تبدأ السلطة في التمايز عن المجتمع وتصبح لها مواقع ومؤسسات وموظفون وموارد خاصة بها ،وهنا يمكن فهم معنى انفصال الدولة عن المجتمع بصورة أكثر دقة.

إنه ليس انفصالًا جغرافيًا، ولا يعني أن الدولة أصبحت خارج المجتمع ، بل هو انفصال وظيفي ومؤسسي: يصبح هناك جهاز متخصص في اتخاذ القرار، وجمع الموارد، وفرض القواعد، وتسوية النزاعات، وتنظيم العمل، وممارسة العنف ، وهذه الوظائف كانت موجودة في المجتمع سابقًا، لكنها كانت موزعة بين الأسرة والعشيرة والوجهاء والجماعة والعرف ، أما الآن فأصبحت مركزة في جهاز سياسي متخصص.

الأنثروبولوجيا الاقتصادية واقتصاديات إعادة التوزيع: كارل بولاني وموريس غوديلييه
لا يمكن فهم هذه النقلة السياسية من دون فهم التغير الاقتصادي الذي رافقها ، فوفقًا لأدبيات الأنثروبولوجيا الاقتصادية، وخاصة أطروحة كارل بولاني حول أشكال التكامل الاقتصادي، لم يكن الاقتصاد في المجتمعات القديمة قائمًا على السوق الحرة بالمعنى الحديث، ولا كانت علاقات الإنتاج والتوزيع منفصلة عن البنية الاجتماعية والسياسية والدينية ، بل كان الاقتصاد مدمجًا في المجتمع، أي أن إنتاج السلع وتبادلها وتوزيعها كانت عمليات مرتبطة بعلاقات القرابة والسلطة والطقوس والمؤسسات الدينية والسياسية ، وهنا تكتسب آلية إعادة التوزيع أهميتها.

فالمعبد والقصر في بلاد الرافدين ووادي النيل لم يكونا مؤسستين دينيتين أو سياسيتين فقط، بل كانا أيضًا مركزين اقتصاديين، حيث كانت المحاصيل والسلع تجمع من المنتجين عبر الضرائب العينية والالتزامات والطقوس، ثم تخزن وتوزع على الحرفيين والكتبة والعمال وغيرهم وفق تراتبية اجتماعية دقيقة.

ومن هنا يصبح الفائض عنصرًا حاسمًا في ظهور السلطة المركزية ، لأن السلطة التي تملك القدرة على جمع الفائض وإعادة توزيعه تملك في الوقت نفسه قدرة على إنتاج علاقات جديدة من التبعية ، فالمنتج لم يعد يحتفظ بكل ما ينتجه داخل جماعته ، وإنما أصبح جزء من إنتاجه يمر عبر مركز سياسي أو ديني ، ثم يعود إليه أو إلى غيره ضمن نظام تحدده السلطة.

ويضيف موريس غوديلييه بعدًا آخر إلى هذا التحليل ، فالسيطرة على الموارد الاقتصادية الكبرى لم تكن تحتاج إلى القوة المادية وحدها، بل كانت تحتاج أيضًا إلى شرعية ، ولذلك اكتسبت السيطرة الاقتصادية في المجتمعات القديمة بعدًا مقدسًا؛ فالمقدس كان يؤدي وظيفة القوة الخفية التي تبرر تركز الفائض في أيدي النخبة الحاكمة.

وهنا تبدأ العلاقة بين الاقتصاد والسلطة والرمز التي ستظهر بوضوح أكبر في بلاد الرافدين ووادي النيل ، فالدولة لم تكتفِ بجمع الفائض؛ كان عليها أن تجعل جمعه مشروعًا ومقبولًا ومفهومًا داخل النظام الرمزي للمجتمع.

وهذا ما يقودنا إلى السؤال المركزي الثاني في هذه المحاضرة: متى وكيف حدث الانفصال الفعلي بين الدولة والمجتمع؟

 

المبحث الثاني

لحظة وآليات انفصال الدولة عن المجتمع: المقاربة البنيوية والأنثروبولوجية

يمثل سؤال “متى وكيف انفصلت الدولة عن المجتمع؟” جوهر التحليل السوسيولوجي التاريخي والأنثروبولوجي لنشوء الحضارات الأولى في بلاد مابين النهريين ووادي النيل. وهو سؤال لا يتعلق فقط بتاريخ ظهور أول ملك أو أول عاصمة، وإنما بتاريخ تحول السلطة نفسها من وظيفة اجتماعية موزعة إلى مؤسسة متخصصة ومتمايزة.

متى حدث الانفصال؟ التأريخ الأنثروبولوجي للتحول
حدث هذا الانفصال، وفق الصياغة التي تعتمدها المحاضرة، على المستوى البنيوي في أعقاب الثورة النيوليتية ومع بدايات العصر البرونزي، نحو الألفية الرابعة قبل الميلاد، بالتزامن مع التحول من نظام العائلة الأمومية إلى نظام العائلة الأبوية، وما رافقه من انتقال تدريجي من اقتصاد الكفاية المعيشية إلى اقتصاد الفائض المستدام. قبل هذه اللحظة، كانت السلطة مندمجة بدرجة كبيرة في نسيج القرابة والعلاقات الاجتماعية اليومية ، و لم تكن هناك دولة منفصلة عن الجماعة بالمعنى المؤسسي الذي سيظهر لاحقًا.

لكن تراكم الفائض الزراعي، وتطور الزراعة المروية، وازدياد حجم الجماعات، وتعقد عمليات التخزين والتوزيع، أوجدت شروطًا جديدة.

ظهرت طبقة متخصصة تستطيع أن تتفرغ لإدارة الموارد من دون أن تشارك بصورة مباشرة في الإنتاج الزراعي العضوي نفسه. وهنا حدثت النقلة التي يمكن وصفها بأنها القطيعة الكبرى: تحولت الأداة الإدارية من خادم للجماعة إلى جهاز يتولى إدارة الجماعة من موقع متعالٍ نسبيًا عنها.

هذه النقطة تفسر لنا أيضًا لماذا لا ينبغي النظر إلى الدولة باعتبارها مجرد “حكومة” بالمعنى المعاصر. فالدولة الأولى كانت تحولًا في بنية المجتمع نفسها. لقد أعادت توزيع الأدوار، وخلقت فئات متخصصة في الإدارة والطقوس والكتابة والحرب، وربطت هذه الفئات بمركز سياسي أصبح يملك قدرًا متزايدًا من الاستقلال.

كيف انفصلت الدولة عن المجتمع؟ آليات التمايز البنيوي
لم يحدث الانفصال بآلية واحدة ، بل عبر مسارات مترابطة ومتكاملة ، ويمكن تحديدها في خمس مسارات رئيسية.

أولًا: الاحتكار المادي للفائض الاقتصادي

تركزت الثروة في المعابد والزيقورات والقصور الملكية ، وأصبح الفائض ينتقل من أيدي الفلاحين والمنتجين المباشرين إلى مراكز التجميع والتخزين وإعادة التوزيع ، وبهذه الطريقة أصبحت النخبة الإدارية والكهنوتية والملكية تسيطر على جزء أساسي من مقدرات المجتمع، وعلى أدوات الإنتاج الكبرى ، وهنا لا يكون الفائض مجرد كمية اقتصادية إضافية، بل يصبح مصدرًا للسلطة.

من يملك القدرة على جمع الفائض يستطيع تمويل الموظفين والكتبة والجيش والمشروعات الكبرى، وبالتالي يستطيع توسيع استقلاله عن المنتجين المباشرين.

ثانيًا: إحلال رابطة الإقليم محل رابطة الدم

لكي تنفصل الدولة عن المجتمع وتعمل بوصفها سلطة أوسع من العشيرة، كان لا بد من تجاوز الولاءات القرابية الضيقة واستبدالها برابطة الخضوع الإقليمي الموحد.

لم يعد شيخ القبيلة هو المرجع السياسي النهائي للجماعة، بل ظهر مركز سياسي يستطيع أن يفرض الجباية والقانون على جماعات مختلفة.

لكن هذه العملية لم تؤدِّ إلى اختفاء القبيلة، وهذه نقطة ستصبح لاحقًا مهمة جدًا في فهم الدولة ؛ فالقبيلة يمكن أن تستمر داخل الدولة، لكنها تصبح في علاقة جديدة معها: علاقة تفاوض، أو احتواء، أو صراع، أو تحالف.

ثالثًا: احتكار العنف الشرعي والتشريع

انتقل حق فض النزاعات تدريجيًا من الأعراف المجتمعية التلقائية إلى مؤسسات قضائية وتشريعية مركزية ، وتمثل قوانين أورنامو ومسلة حمورابي في بلاد الرافدين، إلى جانب أنظمة القضاء في وادي النيل، أمثلة على هذا التحول ، فلم يعد القانون مجرد عرف تتناقله الجماعة، بل أصبح مرتبطًا بسلطة مركزية تستطيع إعلانه وتطبيقه ، وهنا تتجسد إحدى أهم خصائص الدولة: احتكار إنتاج القاعدة القانونية وتطبيق القوة باسم النظام العام.

رابعًا: الأدْلَجة والقداسة

لم تكن الدولة قادرة على الاستمرار بالقوة وحدها ، كان عليها أن تنتج تصورًا رمزيًا يجعل السلطة تبدو جزءًا من النظام الطبيعي أو الكوني ، ففي مصر ظهر نموذج الملك الإله، وفي بلاد الرافدين ظهر الحاكم بوصفه وكيلًا للإله أو ممثلًا لإرادته. وهكذا نشأت مسافة رمزية ونفسية بين الحاكم والمحكوم، وأصبحت الدولة في وعي الأفراد قوة كوزمولوجية متعالية نسبيًا عن المجتمع ، وهذا يفسر لماذا لا يمكن فصل دراسة الدولة القديمة عن دراسة الأسطورة والطقس والدين ، فالشرعية ليست مجرد فكرة قانونية؛ إنها أيضًا طريقة يرى بها المجتمع السلطة ويفسر وجودها.

خامسًا: تكوين الجهاز البيروقراطي المستقل

مع تطور الدولة ظهرت طبقة إدارية محترفة من الكتبة والكهنة والوزراء، تعمل لصالح المركز وتملك معرفة ومهارات لا يمتلكها عموم المنتجين ، وكان لظهور الكتابة أحد أهم شروط هذا التحول، لأنها سمحت بتسجيل الضرائب والمخازن والأراضي والعمال والقوانين والقرارات ، وهكذا أصبح للدولة جهازها الخاص.

هنا يمكن أن نلخص عملية الانفصال في سلسلة مترابطة: الفائض يولّد الحاجة إلى الإدارة؛ الإدارة تنتج التخصص؛ التخصص ينتج جهازًا؛ الجهاز يكتسب موارد؛ الموارد تمنحه استقلالًا؛ والاستقلال يحتاج إلى شرعية؛ والشرعية تعيد إنتاج السلطة.

لكن هذه السلسلة لا تعني أن الدولة أصبحت منفصلة تمامًا عن المجتمع ، فالدولة بقيت تعتمد على المجتمع في إنتاج الفائض والعمل والجنود والمعرفة ، لذلك فإن انفصال الدولة عن المجتمع هو انفصال نسبي ومؤسسي، لا انفصال مطلق. ومن هنا تبدأ المشكلة التي سترافق تاريخ الدولة منذ سومر ومصر إلى الدولة الوطنية الحديثة : كيف تستطيع الدولة أن تصبح كيانًا مستقلًا نسبيًا عن المجتمع، من دون أن تفقد الأساس الاجتماعي الذي تستمد منه قدرتها على البقاء؟

هذا السؤال هو الذي سيقودنا إلى النظريات التي حاولت تفسير لماذا ظهرت الدولة في بعض البيئات والتجمعات التاريخية، وكيف ارتبط نشوء الدولة بالمدينة والبيئة والمياه والصراع.

 

المبحث الثالث

نظريات نشوء الدولة: التفسير الوظيفي والبيئي والصراعي

إذا كان المبحثان السابقان قد حددا التحول الاجتماعي والاقتصادي الذي جعل الدولة ممكنة، فإن السؤال التالي هو: لماذا ظهرت الدولة في بعض البيئات التاريخية بهذا الوضوح، ولماذا اتخذت أشكالًا مختلفة من مجتمع إلى آخر؟

لا توجد إجابة واحدة عن هذا السؤال. فقد حاولت مدارس متعددة تفسير نشوء الدولة من خلال عوامل مختلفة: المدينة، والاقتصاد، والبيئة، والسيطرة على المياه، والصراع على الموارد، والحرب، والحاجة إلى الإدارة.

والأهمية هنا ليست في اختيار نظرية واحدة وإقصاء غيرها، وإنما في النظر إلى الدولة بوصفها نتيجة تفاعل مجموعة من العوامل.

جوردون تشيلد والثورة الحضرية
يمثل جوردون تشيلد أحد أبرز الباحثين الذين ربطوا نشوء الدولة بما سماه الثورة الحضرية ، فبعد الثورة الزراعية، لم تعد المستوطنات مجرد تجمعات من المزارعين ، كما أدى استقرار السكان وتراكم الفائض إلى زيادة الكثافة السكانية، وظهور تخصصات مهنية جديدة، وتوسع التجارة، وازدياد الحاجة إلى الإدارة ، ومن هنا أصبحت المدينة أكثر من مجرد مكان للسكن ، حيث أصبحت مركزًا اقتصاديًا وسياسيًا ودينيًا.

وتكمن أهمية أطروحة تشيلد في أنها تربط بين التحضر والتخصص الاجتماعي ، فعندما تنتج الجماعة فائضًا أكبر من حاجتها المباشرة، يصبح من الممكن أن يتفرغ جزء من السكان لأعمال أخرى: الكتابة، والحرف، والإدارة، والطقوس، والتجارة، والجيش .وهكذا يبدأ المجتمع في إنتاج طبقات ووظائف لم تكن ممكنة في القرية الزراعية الصغيرة.

لكن المدينة لا تنتج الدولة وحدها ، فالمدينة تحتاج إلى سلطة قادرة على إدارة مواردها، وتنظيم علاقاتها، وحماية طرق التجارة، وتسوية النزاعات، وإدارة العلاقة بين السكان ومراكز الفائض ، ولهذا فإن ظهور المدينة والدولة كانا متداخلين، وإن لم يكونا الشيء نفسه.

ومن هنا نفهم لماذا كانت بلاد الرافدين واحدة من أكثر المناطق أهمية في دراسة الدولة المبكرة: فقد شهدت نشوء مدن كبيرة مثل أوروك وأور ولَجَش، وتحولت المدينة إلى وحدة سياسية كاملة.

كارل ويتفوغل والإدارة الهيدروليكية
إذا كان تشيلد قد ركز على المدينة والفائض والتخصص، فإن كارل ويتفوغل حاول تفسير نشوء الدولة من خلال التحكم في المياه ، ففي المجتمعات التي قامت على الزراعة المروية في الأنهار الكبرى، كان تنظيم المياه يحتاج إلى قدر من التنسيق يتجاوز قدرة الأسرة أو القرية الصغيرة : لحفر القنوات، وصيانتها، وتنظيم تدفق المياه، وتوزيعها، وحماية الأراضي من الفيضانات، كلها وظائف تتطلب إدارة واسعة ،ومن هنا نشأت، وفق هذه الفرضية، حاجة إلى سلطة مركزية قادرة على تنظيم العمل الجماعي.

لكن أهمية هذه النظرية لا تكمن في القول إن الري اخترع الدولة ، فالدولة كانت أكثر تعقيدًا من مجرد جهاز لإدارة المياه ، وإنما تكشف لنا النظرية كيف يمكن للبنية التحتية أن تنتج حاجة إلى الإدارة، وكيف يمكن للإدارة أن تنتج بدورها سلطة أكثر مركزية.

وهنا تتقاطع النظرية الهيدروليكية مع ما سبق أن ناقشناه حول الفائض ، فالمياه تنتج الزراعة، والزراعة تنتج الفائض، والفائض يحتاج إلى تخزين وإدارة وتوزيع، وهذه العمليات تنتج أجهزة إدارية متخصصة.

لكن يجب ألا نحول هذا المسار إلى قانون حتمي؛ فوجود الأنهار لا يؤدي تلقائيًا إلى الدولة المركزية ، فالتاريخ أكثر تعقيدًا، والعوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية تدخل دائمًا في تشكيل النتيجة.

روبرت كارنيرو والصراع على الموارد
يقدم روبرت كارنيرو تفسيرًا مختلفًا يركز على الصراع والضغط السكاني والقيود البيئية ، فعندما تتزايد أعداد السكان في مناطق محدودة الموارد، يصبح التنافس على الأرض والمياه والموارد أكثر حدة ، وقد يؤدي هذا التنافس إلى الحروب بين الجماعات، ثم إلى توسع جماعة على حساب أخرى، وظهور مراكز سياسية أكثر قدرة على فرض السيطرة ،وبهذا المعنى، يمكن أن تكون الحرب عاملًا في تكوين الدولة.

لكن الحرب هنا ليست مجرد نتيجة لوجود الدولة، بل يمكن أن تكون أيضًا إحدى الآليات التي ساعدت على نشوئها ، فالجماعة التي تستطيع تنظيم جيش، وتعبئة الموارد، وإدارة الأراضي التي تسيطر عليها، تصبح أكثر قدرة على التوسع ، ومع التوسع تصبح الإدارة أكثر تعقيدًا، ويزداد الفائض، وتحتاج السلطة إلى موظفين وجباة وجنود. وهكذا يمكن أن تتحول المنافسة بين الجماعات إلى عامل في بناء جهاز الدولة.

نحو تفسير مركب
إذا جمعنا تشيلد وويتفوغل وكارنيرو، سنجد أن كل نظرية تضيء جانبًا من العملية ، فتشيلد يوضح لنا المدينة والتخصص والفائض ،ويتفوغل يوضح لنا المياه والبنية التحتية والحاجة إلى التنسيق ، بينما كارنيرو يوضح لنا الصراع على الموارد والضغط السكاني والتوسع السياسي ، لكن هذه العناصر لا تعمل منفصلة.

فالفائض يحتاج إلى إدارة، والإدارة تحتاج إلى سلطة، والسلطة تحتاج إلى موارد، والموارد قد تصبح موضوعًا للصراع، والصراع يحتاج إلى تنظيم عسكري، والتنظيم العسكري يحتاج إلى إدارة، والإدارة تنتج جهازًا أكثر استقلالًا ، ومن هنا لا ينبغي أن نسأل: أي نظرية هي الصحيحة؟

الأدق أن نسأل: كيف تفاعلت هذه العوامل داخل البيئات التاريخية المحددة؟

وهذا يقودنا مباشرة إلى الحالة الأكثر أهمية في هذه المحاضرة : بلاد الرافدين.

 

المبحث الرابع

نموذج بلاد الرافدين ووادي النيل: الدولة كنتاج للمدينة والمقدس والإدارة

تمثل بلاد الرافدين ووادي النيل مختبرين تاريخيين بالغَي الأهمية لفهم نشوء الدولة ، فهما لم تنتجا شكلًا واحدًا من الدولة، بل قدمتا نموذجين مختلفين نسبيًا: نموذج دولة المدن في بلاد الرافدين، ونموذج الدولة المركزية الموحدة في مصر القديمة.

وهذا الاختلاف مهم لأنه يؤكد أن الدولة ليست نتيجة عامل واحد، وأن البيئة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية يمكن أن تنتج أشكالًا مختلفة من التنظيم السياسي.

أولًا: بلاد الرافدين ودولة المدينة

كانت بلاد الرافدين، ولا سيما جنوبها، من أوائل المناطق التي شهدت نمو المدن الكبيرة وظهور المؤسسات السياسية والإدارية المعقدة ، فظهرت مدن مثل أوروك وأور ولَجَش وإريدو، ولم تكن هذه المدن مجرد تجمعات سكانية؛ كانت كيانات سياسية مستقلة نسبيًا، لها مؤسساتها، وقياداتها، ومعابدها، ومواردها، وجيوشها، ونظمها الإدارية.

وهنا ينبغي التوقف عند مفهوم دولة المدينة ، فكل مدينة كبرى كانت تمثل مركزًا سياسيًا، وتحيط بها أراضٍ زراعية ومستوطنات تعتمد عليها ، كما كانت المدينة تملك سلطة على المجال المحيط بها، وتتنافس مع المدن الأخرى على الأرض والمياه والموارد.

وهكذا فإن الدولة السومرية لم تكن دولة قومية موحدة بالمعنى الذي نعرفه اليوم، بل كانت مجموعة من دول المدن ، وهنا يمكن إدخال السؤال الذي طُرح في النقاش: هل دولة سومر هي دولة فرنسا في عهد شارل ديغول؟

المقارنة تكشف خطأ منهجيًا مهمًا ، فإذا كان المقصود: هل كان السومريون يملكون دولة ومؤسسات وسلطة سياسية وقوانين وجيشًا وإدارة؟ فالجواب نعم.

أما إذا كان المقصود: هل كانت دولة سومر دولة قومية حديثة مثل فرنسا؟ فالجواب لا.

فالدولة لا تتخذ شكلًا واحدًا عبر التاريخ ، فدولة المدينة السومرية كانت دولة تاريخية، لكنها لم تكن دولة قومية حديثة ، و لم تكن تقوم على مفهوم المواطنة الحديثة، ولا على الحدود القومية الحديثة، ولا على فصل واضح بين الدين والسياسة، ولا على مفهوم السيادة الوطنية بالشكل الذي تبلور لاحقًا.

لذلك فإن استخدام فرنسا في عهد ديغول (على سبيل المثال لا الحصر) معيارًا للحكم على سومر يؤدي إلى إسقاط مفهوم حديث على مجتمع قديم.

والأصح أن نستخدم معيارًا تاريخيًا: هل كانت هناك سلطة سياسية متمايزة؟ هل كانت هناك إدارة؟ هل كان هناك احتكار نسبي للعنف؟ هل كانت هناك جباية؟ هل كان هناك قانون؟ هل كانت هناك مؤسسات تملك قدرًا من الاستقلال عن العلاقات القرابية المباشرة؟

في الحالة السومرية، نجد هذه العناصر بدرجات واضحة.

كيف استطاع السومريون إنشاء دولة؟

السؤال الآخر الذي طُرح في النقاش أكثر تحديدًا: كيف استطاع السومريون إنشاء دولة؟

والإجابة تبدأ من رفض فكرة أن السومريين جلسوا في لحظة تاريخية وقرروا إنشاء الدولة ، فالدولة لم تكن مشروعًا هندسيًا مخططًا من البداية ، بل ظهرت من تراكم ظروف تاريخية.

فالزراعة في جنوب بلاد الرافدين ارتبطت بشبكة معقدة من المياه والقنوات، ونمو المدن أدى إلى تراكم السكان، وتراكم السكان أدى إلى زيادة الحاجة إلى تنظيم الإنتاج، والإنتاج الزراعي أنتج فائضًا، والفائض استدعى التخزين والتوزيع، والتخزين والتوزيع احتاجا إلى كتبة وموظفين ومخازن، ومع اتساع المجال السياسي ظهرت الحاجة إلى الجند والإدارة والقانون ، وهكذا أصبح لدينا جهاز سياسي يتجاوز الأسرة والعشيرة.

كانت الزيقورة والمعبد في قلب هذه المنظومة ، فالمعبد لم يكن مجرد مكان للعبادة، بل كان مؤسسة اقتصادية واجتماعية وسياسية ، يمتلك الأراضي ويجمع الموارد ويشرف على العمل ويعيد توزيع جزء من الفائض ، ثم ظهر القصر الملكي بوصفه مركزًا آخر للسلطة.

ومن هنا نشأ تداخل المعبد والقصر والمدينة.

الإنسي واللوغال

تظهر طبيعة السلطة السياسية السومرية من خلال التمييز بين الإنسي واللوغال ، فالإنسي ارتبط بصورة أكبر بحكم المدينة وإدارتها، بينما ارتبط اللوغال بالملكية والسلطة العسكرية والتوسع.

ولا ينبغي النظر إلى هذه المصطلحات وكأنها تطابق تمامًا لمفهوم رئيس البلدية و الملك الحديثين؛ فالمؤسسات السومرية كانت جزءًا من منظومة سياسية ودينية مختلفة ، لكن التمييز يكشف لنا شيئًا أساسيًا: السلطة بدأت تتخصص ، ولم يعد المجتمع كله يمارس الوظائف السياسية بصورة مباشرة، وإنما أصبح هناك أفراد ومؤسسات متخصصة في الحكم والإدارة والطقوس والحرب ، وهذه هي بالضبط اللحظة التي تحدثنا عنها في المبحث السابق: تحول السلطة من وظيفة موزعة اجتماعيًا إلى جهاز أكثر تخصصًا وتمايزًا.

أكيتو والشرعية السياسية

كانت الطقوس السياسية والدينية جزءًا من عملية إنتاج الشرعية ، ويمثل عيد أكيتو مثالًا مهمًا على ذلك ، فلم يكن الطقس مجرد احتفال ديني، بل كان يعيد إنتاج العلاقة بين الملك والآلهة والمجتمع والنظام الكوني.

ففي الطقس، كان النظام السياسي يعاد تثبيته رمزيًا ، وهنا تظهر أهمية الأسطورة في الدولة القديمة ، فأسطورة تيامات ومردوخ، مثلًا، لا يمكن فصلها عن تصور النظام السياسي والكوني؛ فهزيمة الفوضى وإنتاج النظام الكوني يمكن أن تقرأ في علاقتها بتثبيت سلطة المدينة ومركزيتها ، وهذا هو ما يجعل الدولة القديمة بنية سياسية ورمزية في الوقت نفسه.

الكتابة والقانون

كانت الكتابة واحدة من أهم التحولات في نشوء الدولة ، فالكتابة سمحت بتسجيل المحاصيل والضرائب والأراضي والعمال والديون والمعاملات والقوانين ، ومع الكتابة أصبح من الممكن أن تتجاوز الإدارة حدود الذاكرة الشخصية.

وهذا تحول هائل ، ففي مجتمع صغير، يستطيع الشيخ أو رب الأسرة الاعتماد على الذاكرة والعلاقات المباشرة ، أما في مدينة كبيرة وإدارة معقدة، فإن الدولة تحتاج إلى سجلات ، وهكذا أصبحت الكتابة جزءًا من البنية البيروقراطية للدولة.

أما القوانين، مثل قوانين أورنامو ثم لاحقًا مسلة حمورابي، فقد عبرت عن انتقال مهم من العرف المحلي إلى سلطة تشريعية أكثر مركزية.

لكن القانون لم يكن محايدًا اجتماعيًا بالمعنى الحديث؛ فقد عكس بنية المجتمع الطبقية ودرجات المكانة والتمييز بين الفئات ، وهنا نعود إلى السؤال الذي طرحناه في البداية: كيف انفصلت الدولة عن المجتمع؟

لقد حدث ذلك من خلال مجموعة متراكمة من الأدوات: الفائض، والمعبد، والقصر، والكتابة، والقانون، والجيش، والشرعية الدينية، والإدارة.

ثانيًا: وادي النيل والدولة المركزية

إذا كانت بلاد الرافدين تقدم نموذجًا لدولة المدن، فإن وادي النيل يقدم نموذجًا مختلفًا نسبيًا: الدولة المركزية التي اتخذت شكلًا أكثر وحدة واستقرارًا.

وهنا يظهر سؤال البيئة مرة أخرى ، كان النيل هو العمود الفقري للحياة الاقتصادية المصرية ، فالفيضان السنوي لم يكن مجرد ظاهرة طبيعية، بل كان أساس النظام الزراعي ، ومع انتظام الزراعة، أصبحت هناك حاجة إلى قياس الأراضي، وتنظيم القنوات، وحساب المحاصيل، وجمع الضرائب، وتحديد حقوق الانتفاع بالأرض ، وهكذا تحولت البيئة إلى عامل من عوامل التنظيم السياسي.

نارمر وتوحيد مصر
يرتبط توحيد مصر القديمة تقليديًا بالملك نارمر أو مينا، في أواخر الألفية الرابعة قبل الميلاد ، ولا ينبغي أن نفهم التوحيد باعتباره مجرد انتصار عسكري لشخص على آخر، بل بوصفه بداية لتكوين مجال سياسي واسع يخضع لمركز واحد ، وهنا تختلف مصر عن نموذج دول المدن في بلاد الرافدين.

فبدلًا من تعدد المراكز السياسية المتنافسة، ظهر مركز ملكي قادر على إدارة مساحة واسعة من وادي النيل ، وهذا المركز احتاج إلى جهاز إداري كبير.

الملكية الكوزمولوجية والماعت
لكن قوة الدولة المصرية لم تكن قائمة على الإدارة وحدها ، لقد كان الملك في الفكر المصري جزءًا من النظام الكوني نفسه ، وكان مفهوم الماعت يمثل العدالة والنظام والانسجام الكوني.

ومن هنا أصبحت مهمة الملك ليست فقط إدارة الدولة، بل الحفاظ على النظام الكوني ، هذه الفكرة مهمة جدًا لفهم العلاقة بين المقدس والدولة ، فحين يعتقد المجتمع أن استقرار العالم نفسه مرتبط باستقرار السلطة، تصبح طاعة الملك أكثر من مجرد التزام سياسي؛ تصبح جزءًا من الحفاظ على النظام.

وهكذا يؤدي الرمز وظيفة سياسية عميقة.

الأهرامات كاقتصاد سياسي
يمكن أن تبدو الأهرامات للوهلة الأولى آثارًا دينية أو جنائزية، لكنها تكشف أيضًا عن قدرة الدولة على تنظيم الموارد والعمل ، فإنشاء مشروع بهذا الحجم يتطلب تعبئة أعداد ضخمة من العمال، وتوفير الغذاء، وتنظيم النقل، وإدارة الحجر، وتوزيع المهام، ومراقبة العمل ، وبالتالي فإن الهرم يمثل، من منظور الدولة، تجسيدًا ماديًا لقدرتها التنظيمية ، إنه يربط بين الدين والاقتصاد والإدارة والسلطة في بنية واحدة.

الوزير والكتبة والأقاليم
اعتمدت الدولة المصرية على جهاز إداري متطور، كان الوزير في قمته إلى جانب شبكة واسعة من الكتبة والموظفين ، حيث كانت مصر مقسمة إلى أقاليم، أو Nomarchies، تحتاج إلى إدارة محلية مرتبطة بالمركز ، وهنا تظهر مرة أخرى العلاقة بين المركز والأطراف.

فالدولة لا تستطيع إدارة مجال واسع من العاصمة وحدها، ولذلك تحتاج إلى وسطاء محليين، لكن هؤلاء الوسطاء قد يصبحون بدورهم مراكز قوة ، ومن هنا فإن بناء الدولة لا يعني القضاء على القوى المحلية، بل إعادة تنظيمها ضمن بنية مركزية.

بين سومر ومصر: شكلان للدولة
تكشف المقارنة بين بلاد الرافدين ووادي النيل أن الدولة لا تتبع طريقًا واحدًا ، ففي بلاد الرافدين، برزت دولة المدينة، والتنافس بين المراكز(المدن)، والمعبد بوصفه مؤسسة اقتصادية وسياسية، وتعدد المدن والممالك.

وفي مصر، برزت الدولة المركزية الموحدة، والملك بوصفه محور النظام السياسي والكوني، والإدارة الإقليمية المرتبطة بالمركز.

لكن النموذجين يشتركان في عناصر أساسية: الفائض الزراعي، التخصص الاجتماعي، الإدارة، الكتابة، الجباية، الجيش، القانون، الشرعية الرمزية، والمؤسسات المتمايزة نسبيًا عن المجتمع ، وهنا يمكن أن نعود إلى سؤال الشعوب ودورها.

لم تكن الدولة السومرية أو المصرية نتاج الملك وحده ، فالملك لم يبنِ القنوات، ولم يزرع الحقول، ولم يصنع الأدوات، ولم ينقل الأحجار، ولم يكتب السجلات بنفسه ، لقد كانت الدولة تعتمد على مجتمع كامل من المنتجين والحرفيين والعمال والكتبة والجنود.

لكن المفارقة هي أن المجتمع الذي أنتج الموارد هو نفسه الذي بدأت الدولة تفرض عليه الضرائب والعمل الإجباري والقواعد ، ومن هنا فإن نشوء الدولة لم يكن مجرد تنظيم للمجتمع، بل كان أيضًا إعادة توزيع للسلطة داخل المجتمع ، وهذا هو الجانب الذي سنحتاج إليه لاحقًا لفهم الطبقات، والقرابة، والقبيلة، والإمبراطوريات، ثم الدولة الحديثة.

فكلما تطورت الدولة، أصبحت أكثر قدرة على تنظيم المجتمع، لكنها أصبحت في الوقت نفسه أكثر قدرة على استخلاص موارده وضبطه ، وهنا تبدأ العلاقة التاريخية المعقدة بين الدولة والمجتمع التي سترافق بلاد ما بين النهرين ووادي النيل عبر آلاف السنين.

 

المبحث الخامس

البنية الاقتصادية والاجتماعية لعصر فجر التاريخ

الفائض والطبقية والتشريع
إذا كان نشوء الدولة قد ارتبط، كما رأينا، بتراكم الفائض وتخصص الإدارة وظهور المؤسسات السياسية والدينية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه الآن هو: ماذا فعلت الدولة بالمجتمع الذي أنتجها؟

هذه النقطة أساسية لأن الدولة لم تكن مجرد استجابة محايدة لمتطلبات التنظيم. فمع ظهورها تغيرت البنية الاجتماعية نفسها ، وأصبح المجتمع أكثر تمايزًا، وظهرت طبقات وفئات ذات مواقع مختلفة في عملية الإنتاج والتوزيع والسلطة.

لقد تأسست الدولة في المشرق ووادي النيل على ركائز اقتصادية واجتماعية حددت ملامحها لقرون طويلة، وفي مقدمتها اقتصاد المعبد والقصر، والطبقية الاجتماعية، وتقسيم العمل، ثم التشريع والتقنين.

اقتصاد المعبد والقصر
تركزت الثروة والسلطة الاقتصادية في المراحل المبكرة في مؤسسات المعبد، ثم في القصر والقيادة الملكية والعسكرية ، وكانت الموارد، من محاصيل زراعية ومعادن وغيرها، تُجمع في مخازن مركزية ثم يعاد توزيعها على الحرفيين والعاملين وفق نظام اقتصادي مركزي دقيق ، وهنا نصل إلى نقطة مهمة في فهم علاقة الدولة بالمجتمع ، إن الفائض الذي جعل الدولة ممكنة هو نفسه الذي أعطاها القدرة على الاستمرار.

فالدولة تحتاج إلى مورد دائم لتمويل جهازها الإداري والعسكري والديني ، وكلما توسع الجهاز، ازدادت حاجته إلى الموارد، وكلما ازدادت الموارد التي تمر عبره، ازدادت قدرته على الاستقلال عن المنتجين المباشرين ، لكن ذلك لا يعني أن المجتمع كان مجرد ضحية سلبية للدولة.

فالفلاحون والحرفيون والعمال كانوا أساس الاقتصاد كله ، و من دون إنتاجهم لا يوجد فائض، ومن دون الفائض لا توجد مؤسسة مركزية قادرة على الاستمرار.

من هنا يمكن أن نجيب عن أحد الأسئلة التي تطرح في النقاش: ما دور الشعوب في تشكل الدول؟

دور الشعوب لم يكن هامشيًا أو ثانويًا ، فالدولة لم تنشأ من فوق فقط؛ بل نشأت من التحولات التي حدثت في المجتمعات نفسها ، فالمزارعون طوروا الزراعة، والجماعات نظمت المياه، والحرفيون طوروا التخصص، والتجار وسعوا شبكات التبادل، والعمال والجنود والكتبة جعلوا الجهاز السياسي قادرًا على العمل.

لكن المفارقة التاريخية هي أن المجتمع، حين أنتج هذه الشروط، أنتج في الوقت نفسه جهازًا أصبح قادرًا على تنظيمه من موقع أعلى ، وهكذا فإن نشوء الدولة يمكن فهمه بوصفه عملية اجتماعية أنتجت مؤسسة أصبحت لاحقًا أكثر استقلالًا نسبيًا عن المجتمع الذي أنتجها.

 

الطبقية الاجتماعية وتقسيم العمل

 

أدى الفائض الإنتاجي إلى ظهور تمايز طبقي واضح بين فئة حاكمة ومسيطرة تضم الملوك والكهنة وأمراء الأقاليم وقادة الجيش، وفئة منتجة تضم الفلاحين والحرفيين وعمال البناء، وفئة ثالثة من المُسْتَرَقين في بعض المراحل .

 

توثق المدونات والوثائق الاقتصادية السومرية والمصرية القديمة جوانب عديدة من هذا التمايز.

 

وهنا تظهر أهمية تقسيم العمل ، فالزراعة لم تعد النشاط الوحيد الذي يمارسه أفراد المجتمع ، حيث أصبح هناك من يكتب، ومن يدير، ومن يحارب، ومن يمارس الطقوس، ومن يصنع الأدوات، ومن ينقل السلع، ومن يعمل في البناء ، وهذا التخصص رفع قدرة المجتمع على الإنتاج، لكنه أنتج في الوقت نفسه تفاوتًا في المكانة والموارد ، وبالتالي فإن الدولة لم تنشأ فقط من الحاجة إلى تنظيم مجتمع متزايد التعقيد؛ إنها ساهمت أيضًا في إعادة تنظيم هذا المجتمع على أساس التراتب.

 

التشريع والتقنين

 

مع ظهور القوانين والمدونات، أصبح للدولة دور أكثر وضوحًا في تحديد الحقوق والواجبات وتنظيم الملكية والعقود والعقوبات ، ومن أبرز الأمثلة قوانين أورنامو، وقوانين لبت-عشتار، ومسلة حمورابي في بلاد الرافدين، إلى جانب التشريعات الملكية وتنظيم القضاء في مصر الفرعونية. وقد أدت هذه القوانين وظيفة سياسية وقانونية في ضبط العلاقات الاجتماعية وحماية الملكية وترسيخ الدولة بوصفها مرجعًا للعدالة والنظام العام ، لكن القانون لم يكن مجرد أداة للعدالة بالمفهوم الحديث ، لقد كان أيضًا أداة لتثبيت النظام الاجتماعي القائم.

 

وهذا يعيدنا إلى السؤال الأساسي حول انفصال الدولة عن المجتمع: كلما أصبحت الدولة مصدرًا للقانون، لم تعد القواعد الاجتماعية تُنتج داخل الجماعة وحدها، وإنما أصبح هناك مركز يملك القدرة على تعريف السلوك المشروع وغير المشروع ، وهنا تكتمل إحدى أهم مراحل الانتقال من المجتمع القرابي إلى المجتمع السياسي.

 

 

 

المبحث السادس

 

ديناميكيات القرابة والقبيلة في مواجهة الدولة

 

مقاربة سوسيولوجية تاريخية: ابن خلدون وإرنست غيلنر

 

إذا كان نشوء الدولة قد ارتبط تاريخيًا بتجاوز السلطة للقرابة، فهذا لا يعني أن القرابة اختفت ، وهذه نقطة شديدة الأهمية في تاريخ بلاد ما بين النهرين ، فالقبيلة والعائلة والعشيرة ظلت فاعلة حتى بعد نشوء الدول والإمبراطوريات، ولذلك فإن علاقة الدولة بالقبيلة لم تكن علاقة استبدال كامل، وإنما علاقة صراع واحتواء وتفاوض وإعادة تركيب مستمرة ، وهنا تكتسب أفكار ابن خلدون وإرنست غيلنر أهمية خاصة.

 

العصبية والدولة عند ابن خلدون

 

تشكل نظرية ابن خلدون في العصبية في المقدمة أحد أهم التفسيرات العربية لدور البداوة والقبيلة في تأسيس الدول ، فالعصبية تمنح الجماعة قوة التضامن الضرورية للغلبة وتأسيس السلطة، لكن الدولة، بعد تأسيسها، تبدأ تدريجيًا في تغيير طبيعة الجماعة التي جاءت منها ، وهنا تظهر المفارقة الخلدونية.

 

الجماعة التي تمتلك العصبية وتستطيع إقامة الدولة تحتاج إلى العصبية لكي تنتصر، لكن الدولة بعد أن تستقر تبدأ في إنتاج حياة حضرية أكثر تعقيدًا، وتوسيع الإدارة، وتوزيع الموارد، وإعادة تنظيم العلاقات، وهو ما يؤدي تدريجيًا إلى إضعاف العصبية الأولى.

 

وهكذا تصبح الدولة، في دورة ابن خلدون، نتيجة للعصبية وفي الوقت نفسه عاملًا في تفكيكها ، وهذه الفكرة تساعدنا على فهم سؤال آخر يُطرح في النقاش: هل الدولة تلغي القبيلة؟

 

التاريخ يقول إن الأمر ليس بهذه البساطة ، فالدولة تستطيع أن تضعف القبيلة عندما تصبح المؤسسات المركزية قوية، لكنها قد تحتاج إليها أيضًا في الأطراف، وفي التجنيد، وفي جمع الضرائب، وفي توفير الأمن المحلي ، لذلك فإن الدولة والقبيلة يمكن أن تعيشا في حالة اعتماد متبادل، حتى عندما تبدو إحداهما في صراع مع الأخرى.

 

غيلنر والثنائية بين الدولة والمجتمع القبلي

 

يحلل إرنست غيلنر المجتمعات الإسلامية والشرق أوسطية من خلال ثنائية بين الدولة الحضرية المركزية والمجتمعات القبلية القطاعية.

 

وفق هذا التصور، تسعى الدولة إلى تدجين القبائل أو فرض الجباية عليها، بينما تمثل القبائل مصدرًا دائمًا للتمرد، كما يمكن أن تكون مصدرًا لتجديد النخب الحاكمة عند انهيار المركز.

 

لكن الأهم هنا أن القبيلة لا تُفهم بوصفها بقايا من الماضي فحسب ، إنها شكل من أشكال التنظيم الاجتماعي قادر على إنتاج التضامن والحماية والهوية وتوزيع الموارد ، ولهذا فإن محاولة الدولة القضاء عليها بصورة مباشرة قد لا تؤدي بالضرورة إلى اختفائها؛ فقد تعيد القبيلة إنتاج نفسها في أشكال جديدة، وقد تنتقل علاقات القرابة إلى الأحزاب أو المؤسسات أو شبكات الزبائنية.

 

ومن هنا يمكن أن نفهم لاحقًا لماذا لم تنجح الدولة الحديثة في بلاد ما بين النهرين دائمًا في تحويل المواطن إلى فرد يرتبط بالدولة مباشرة ، ففي كثير من الحالات ظل المواطن مرتبطًا في الوقت نفسه بالعائلة والطائفة والعشيرة والمنطقة.

 

المبحث السابع

 التحولات المورفولوجية والسياسية في بنية الدولة عبر العصور

إذا أردنا الآن أن نتابع مسار الدولة عبر التاريخ، فسوف نجد أنها لم تتطور في خط مستقيم من “الدولة القديمة” إلى “الدولة الحديثة”.

لقد تغير شكلها مرات عديدة ، حيث انتقلت من دولة المدينة إلى المملكة والإمبراطورية، ثم ظهرت أشكال جديدة مع الخلافة الإسلامية، ثم الإمبراطورية العثمانية، وصولًا إلى الدولة الوطنية الحديثة.

ولهذا فإن السرد التاريخي الذي نستخدمه هنا ليس مجرد استعراض للماضي ، إنه وسيلة لفهم كيف تغير معنى السلطة نفسها عبر الزمن ، وهنا يمكن الإجابة عن السؤال الذي يُطرح في النقاش: ماذا يفيد السرد التاريخي في التطرق إلى الدولة الحديثة؟

يفيد لأنه يمنعنا من التعامل مع الدولة الحديثة بوصفها كيانًا طبيعيًا أزليًا ، فعندما نعرف أن الدولة مرت بأشكال متعددة، ندرك أن حدودها ومؤسساتها وعلاقتها بالمجتمع ليست حقائق ثابتة، بل نتائج تاريخية.

ومن دون هذا المنظور، قد نتصور أن المواطن والدستور والحدود والسيادة والمؤسسات البيروقراطية كانت موجودة دائمًا، بينما هي في الحقيقة نتاج مرحلة تاريخية محددة. فالتاريخ، إذن، لا يقدم لنا مجرد تسلسل للأحداث؛ إنه يكشف الأصول العميقة للمؤسسات التي نعيش داخلها اليوم.

  • دولة المدن والإمبراطوريات القديمة

تطورت الدولة من دولة المدينة والممالك المحلية المستقلة إلى إمبراطوريات واسعة النطاق، مثل أكد وبابل وآشور والإمبراطوريات الفرعونية المتعاقبة، ثم الإمبراطورية الفارسية والهلنستية والرومانية.

وقد اتسمت هذه الإمبراطوريات بالتوسع العسكري، والجباية المركزية، وتعدد القوميات والثقافات داخل سلطة سياسية واحدة، يجمعها الولاء للملك أو الإمبراطور والالتزام بالضرائب والجباية.

وهنا حدث تحول مهم في حجم الدولة ، فالدولة لم تعد مدينة ومجالها الزراعي، بل أصبحت تضم جماعات متعددة اللغات والثقافات والديانات ، وهذا يعني أن الدولة واجهت سؤالًا جديدًا: كيف تحكم جماعات ليست من جماعة واحدة؟

كانت الإجابة القديمة غالبًا تقوم على القوة والجباية والولاء للإمبراطور، مع ترك مساحة من الاستقلال للعادات المحلية. وهذا النمط سيظهر لاحقًا، بصور مختلفة، في الإمبراطوريات الإسلامية والعثمانية.

  • الدولة الإسلامية والخلافة

مع ظهور الإسلام والفتوحات الكبرى في القرنين السابع والثامن الميلاديين، تشكل نمط سياسي جديد استند إلى شرعية دينية سياسية تمثلت في مؤسسة الخلافة ، وتطورت هذه الدولة عبر العصور الأموية والعباسية، ثم الفاطمية والمملوكية، وأنتجت أجهزة إدارية ومالية متقدمة، مثل دواوين الخراج والجند والبريد، ونظام الوزارة والقضاء الشرعي ، ولكن هنا يبرز سؤال بالغ الأهمية طُرح في النقاش: هل الخلافة الإسلامية دولة بالمعنى الحديث؟

الجواب يحتاج إلى تمييز بين أمرين ، فإذا كنا نستخدم كلمة دولة بمعناها التاريخي الواسع، أي كيان سياسي يملك سلطة على إقليم وسكان، ويمارس الجباية، ويملك مؤسسات للإدارة والقضاء والجيش، فالخلافة كانت دولة .

أما إذا استخدمنا مفهوم الدولة الحديثة، فلا يمكن مساواتها بها ، فالدولة الحديثة تقوم على مفاهيم تاريخية لم تكن مكتملة في الخلافة، مثل الدولة القومية، والمواطنة المتساوية بصيغتها الحديثة، والحدود الإقليمية الصارمة، والسيادة الوطنية الحديثة، والفصل المؤسسي الواضح بين الدولة والمجال الديني.

الخلافة كانت دولة تاريخية ذات شرعية دينية وسياسية، لكنها ليست دولة وطنية حديثة قبل أوانها ، وهذا التمييز ضروري، تمامًا كما كان ضروريًا في حالة سومر.

فإذا قلنا إن الخلافة ليست دولة لأنّها لا تشبه فرنسا المعاصرة، فنحن نستخدم معيارًا زمنيًا خاطئًا ، أما إذا قلنا إنها دولة حديثة كاملة، فنحن نقع في الخطأ المعاكس ، فالأدق أن نقول إنها شكل تاريخي من أشكال الدولة، له منطقه الخاص في الشرعية والإدارة والإقليم والسلطة.

من المدينة إلى المجال الإمبراطوري

لم تعد السلطة الإسلامية محصورة بمدينة واحدة أو جماعة قرابية واحدة ، لقد توسعت لتشمل مجالًا جغرافيًا واسعًا، وضمّت جماعات متعددة من العرب والفرس والكرد والأمازيغ وغيرهم.

وهذا جعل الإدارة أكثر تعقيدًا ، فظهرت الدواوين، والجباية المنظمة، والبريد، والوزارة، والقضاء، والجيش ، وبذلك أصبح الجهاز الإداري أكثر استقلالًا وتخصصًا، وهي السمة نفسها التي رأينا بداياتها في الدول القديمة ، لكن الشرعية تغيرت ، ففي سومر كانت الشرعية مرتبطة بعلاقة الحاكم بالإله المحلي والنظام الكوني ، وفي مصر ارتبطت بالملك الإله والماعت ، أما في الخلافة فأصبحت الشرعية مرتبطة بالإسلام ومفهوم الجماعة والخلافة والحكم وفق الشريعة، مع اختلافات كبيرة بين التجارب السياسية والتاريخية المتعاقبة. وهكذا لا تختفي العلاقة بين المقدس والدولة؛ وإنما يتغير شكلها التاريخي.

 

  • الدولة العثمانية ودمج بلاد ما بين النهرين ووادي النيل

وصل مسار التحولات السياسية في المنطقة إلى مرحلة مختلفة مع الدولة العثمانية، التي حكمت أجزاء واسعة من بلاد ما بين النهرين ووادي النيل لقرون. وهنا يُطرح في النقاش سؤال مباشر: هل العثمانيون كانوا دولة؟

نعم، إذا استخدمنا مفهوم الدولة التاريخي والسياسي ، حيث كانت الدولة العثمانية سلطة سياسية مركزية ذات مؤسسات إدارية ومالية وعسكرية وقضائية، تملك جهازًا للجباية، وتسيطر على أقاليم واسعة، وتدير جيوشًا، وتصدر القوانين والأوامر، وتمارس السيادة على سكان ومجالات جغرافية واسعة.

لكنها، مرة أخرى، لم تكن دولة قومية حديثة ، فقد كانت إمبراطورية متعددة القوميات والأديان والمناطق، يقوم تنظيمها على علاقة مركزية بين إسطنبول والأقاليم، وعلى شبكات من الوسطاء المحليين.

وقد دمج العثمانيون بلاد ما بين النهرين ووادي النيل في الإمبراطورية عبر نظام الولايات والسناجق، مع وجود تبعية إدارية ومالية وعسكرية للمركز، لكن مع احتفاظ الزعامات المحلية والوجاهات والعشائر وأمراء الأقضية بدور مهم في جمع الضرائب وإدارة الشؤون اليومية، عبر أنظمة مثل الالتزام والإقطاع وغيرها.

وهذا النموذج يكشف مرة أخرى أن الدولة لا تعمل دائمًا من المركز مباشرة ، فحتى أقوى الإمبراطوريات تحتاج إلى وسطاء.

العثماني في إسطنبول لا يستطيع إدارة كل قرية ومدينة وناحية بنفسه ، ولذلك يحتاج إلى الوالي، والمتصرف، والملتزم، والزعيم المحلي، والوجهاء، وشبكات القوى الاجتماعية . وهنا تستمر البنية القديمة التي رأيناها منذ ابن خلدون: الدولة المركزية تحتاج إلى المجتمع المحلي، والمجتمع المحلي يحتاج إلى الدولة المركزية.

ولهذا فإن الدولة العثمانية لم تقضِ على البنى الاجتماعية المحلية، بل أعادت تنظيمها داخل الإمبراطورية.

لماذا يهمنا ذلك في فهم الدولة الحديثة؟

لأن الدولة الوطنية التي ستظهر بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية لم تبدأ من فراغ ، لقد كانت المجتمعات التي دخلت مرحلة الدولة الوطنية تحمل معها تاريخًا طويلًا من علاقات المركز بالأطراف، والقبيلة بالدولة، والطائفة بالسلطة، والزعامة المحلية بالإدارة المركزية.

وعندما انهارت الإمبراطورية، لم تختفِ هذه البنى ، بل دخلت إلى الدولة الجديدة ، وهنا نقترب من الإجابة عن سؤال سيصبح أكثر إلحاحًا في المبحثين الثامن والتاسع: لماذا لم تستطع الدولة الوطنية الحديثة دائمًا أن تستبدل الولاءات المحلية والقرابية والطائفية بولاء وطني جامع؟

الإجابة لا تبدأ في القرن العشرين ،  إنها تمتد جذورها إلى التاريخ الطويل لعلاقة الدولة بالمجتمع في المشرق ، ولهذا فإن الانتقال من الدولة العثمانية إلى الدولة الوطنية ليس مجرد انتقال من علم إلى علم أو من حاكم إلى حاكم؛ إنه انتقال من منطق إمبراطوري متعدد الجماعات إلى منطق الدولة الوطنية الذي يفترض مواطنًا متساويًا داخل إقليم محدد.

وهنا تبدأ واحدة من أكثر التحولات صعوبة في تاريخ المنطقة: كيف يمكن تحويل مجتمع تاريخي متعدد الجماعات والولاءات إلى مجتمع مواطنين متساوين أمام دولة واحدة؟

هذا السؤال سيقودنا إلى المبحث الثامن، حيث تدخل القوى الاستعمارية الأوروبية على خط تشكيل الدولة الحديثة، وترسم حدودًا جديدة، وتعيد تنظيم المؤسسات، ثم إلى المبحث التاسع حيث سنواجه السؤال الأصعب: لماذا بقيت الطائفية والقرابة والزعامة الأبوية حاضرة داخل الدولة الوطنية بدل أن تذوب فيها؟

المبحث الثامن

 الاستعمار وولادة الدولة الوطنية الحديثة

إذا كانت الدولة العثمانية قد مثّلت آخر الصيغ الإمبراطورية الكبرى التي حكمت معظم بلاد ما بين النهرين ووادي النيل، فإن سقوطها بعد الحرب العالمية الأولى لم يكن مجرد انتقال من سلطة سياسية إلى سلطة أخرى. لقد كان لحظة إعادة تركيب عميقة للخريطة السياسية والاجتماعية، نقلت المنطقة من منطق الإمبراطورية متعددة الجماعات إلى منطق الدولة الوطنية ذات الحدود الإقليمية المحددة.

وهنا يصبح السرد التاريخي ضروريًا مرة أخرى، ليس من أجل استعادة الماضي لذاته، وإنما من أجل فهم السؤال الذي طرح في النقاش: ماذا يفيدنا التاريخ عندما نتحدث عن الدولة الحديثة؟

يفيدنا أولًا في إدراك أن الدولة الحديثة لم تولد من فراغ ، فالمجتمعات التي دخلت القرن العشرين كانت تحمل معها طبقات متراكمة من التاريخ: علاقات القرابة، والعشيرة، والطائفة، والزعامة المحلية، وأنماط الإدارة العثمانية، والذاكرة الإمبراطورية، والروابط الاقتصادية التي لم تكن تتطابق بالضرورة مع الحدود السياسية التي ستظهر لاحقًا. ولهذا فإن الحدود الجديدة لم تكن مجرد خطوط على الخريطة؛ كانت تدخلًا في بنية اجتماعية قائمة.

سايكس – بيكو ولوزان والانتداب

شهد بلاد ما بين النهرين ووادي النيل نقطة انعطاف حاسمة ومأساوية مع نهاية الحرب العالمية الأولى وسقوط الدولة العثمانية.

فقد قسّمت القوى الاستعمارية الكبرى، ولا سيما بريطانيا وفرنسا، فضاء بلاد ما بين النهرين من خلال اتفاقيات وتفاهمات سياسية كان أبرزها اتفاقية سايكس-بيكو عام 1916 واتفاقيات سيفر عام 1920 ولوزان عام 1923 ، ثم وعد بلفور، وما أعقب ذلك من أنظمة الانتداب ، وأعيد رسم حدود سياسية جديدة فصلت، في حالات كثيرة، بين مدن وقبائل ومراكز اقتصادية وثقافية كانت مرتبطة تاريخيًا ضمن فضاءات أوسع.

لكن المشكلة ليست في رسم الحدود وحده ، فالدولة الحديثة جاءت أيضًا بمؤسسات جديدة: دستور، وبرلمان، وجهاز بيروقراطي، وقانون مدني، وجيش، وإدارة مركزية ، وبذلك دخلت إلى المنطقة صورة مختلفة للدولة.

لكن هذه الدولة لم تبدأ من نقطة الصفر؛ فقد حملت داخلها آثار الماضي الذي سبقتها إليه ، وهنا تظهر أهمية التاريخ مرة أخرى :إن فهم الدولة الوطنية لا يكون بالنظر إلى مؤسساتها الرسمية فقط، بل بالنظر إلى البنى الاجتماعية التي دخلت هذه المؤسسات معها ، فإذا كانت الدولة الحديثة تقول إن المواطن هو الوحدة الأساسية في المجال السياسي، فإن المجتمع لم يتحول بين ليلة وضحاها إلى مجتمع من أفراد منفصلين عن العائلة والطائفة والعشيرة والمنطقة ، وهنا بدأ التوتر بين الشكل المؤسسي الحديث للدولة وبين البنية الاجتماعية التاريخية للمجتمع.

الدولة الوطنية وبناء المؤسسات

فرضت أنظمة الانتداب البريطانية والفرنسية أطرًا دستورية وقانونية وتشريعية للدول الوطنية الناشئة، ومنها سوريا والعراق ولبنان والأردن وفلسطين، فيما تطورت مصر ضمن مسارها الاستعماري الخاص.

ثم نالت دول المنطقة استقلالها تباعًا في منتصف القرن العشرين، وشهدت هذه المرحلة صعود التيارات الوطنية والقومية، بما فيها المد القومي العربي، وتأسيس أنظمة جمهورية وملكية، وبناء مؤسسات إدارية وتعليمية وعسكرية حديثة سعت إلى ترسيخ سيادة الدولة الوطنية وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

وهنا ظهر تناقض جديد ، فالدولة الحديثة جاءت بمؤسسات يفترض أنها محايدة وعامة، لكن هذه المؤسسات وجدت نفسها تعمل داخل مجتمعات لم تتخلَّ عن بنياتها التاريخية.

ومن هنا لا يكفي أن نسأل: هل أنشأت الدولة الحديثة برلمانًا أو وزارة أو جيشًا؟

السؤال الأعمق هو: هل تغيرت العلاقات الاجتماعية التي تعطي هذه المؤسسات معناها؟

وهذا السؤال سيصبح جوهريًا في فهم الأزمة المعاصرة.

 

الدكتور سعيد عيسى ـ جذور نشوء الدولة في الشرق الأوسط  ووادي النيل


بعض الحالات إلى امتداد لشبكات الزعامات التقليدية والعائلية والريعية.جذور نشوء الدولة في الشرق الأوسط  ووادي النيل

مقاربة أنثروبولوجية وسوسيولوجية تاريخية في آليات السلطة، والرمز، والتشكل مع معالجة إشكالية انفصال الدولة عن المجتمع

 

 

المقدمة

تُعد دراسة نشوء الدولة في بلاد ما بين النهرين ووادي النيل من أعقد الإشكاليات التاريخية والأنثروبولوجية لا بل أكثرها تعقيدًا، لأنها تتطلب تقاطعًا معرفيًا دقيقاً بين التاريخ، وعلم الاجتماع السياسي، والأنثروبولوجيا الثقافية والاقتصادية. فالدولة في هذه الجغرافيا لم تكن مجرد جهاز قسري أو أداة إدارية بحتة، بل كانت بنية أنثروبولوجية وثقافية شاملة أعادت، عبر مراحل تاريخية طويلة، هندسة الوعي البشري، والمخيال الرمزي، وشبكات القرابة العضوية، لتستبدل بها تدريجيًا رابطة الطاعة الإقليمية والقانون المركزي.

ومن هنا يبرز في صلب هذه الإشكالية سؤال يبدو بسيطًا في صياغته، لكنه شديد التعقيد في دلالته: متى وكيف انفصلت الدولة عن المجتمع؟ وبمعنى أكثر تحديدًا: كيف تحولت السلطة من كونها وظيفة جماعية أفقية داخل نسيج القرابة إلى جهاز رأسي متعالٍ نسبيًا ومستقل، يستحوذ على القرار والثروة والعنف؟

هذا السؤال لا يفترض أن الدولة كانت موجودة منذ بداية التاريخ ثم تغير شكلها، ولا يفترض أن المجتمع كان كيانًا ناقصًا ينتظر الدولة لكي يكتمل. العكس هو الأقرب إلى الفهم التاريخي والأنثروبولوجي: المجتمع أقدم من الدولة، والدولة نفسها نتاج لتحولات حدثت داخل المجتمع. لكن هذه التحولات أنتجت في لحظة معينة مؤسسات للسلطة لم تعد تعمل بالطريقة نفسها التي كانت تعمل بها السلطة داخل علاقات القرابة.

ومن هنا فإن دراسة الدولة لا تعني فقط أن نبحث عن أول ملك أو أول قصر أو أول قانون، وإنما أن نبحث عن اللحظة التي أصبحت فيها السلطة متخصصة، ومتمركزة، وقادرة على ممارسة وظائف لم تعد الجماعة قادرة على القيام بها بصورة مباشرة.

وهذا يقودنا إلى ضرورة التمييز منذ البداية بين مفهومين كثيرًا ما يجري الخلط بينهما: الدولة بوصفها شكلًا تاريخيًا من أشكال التنظيم السياسي، والدولة الحديثة بوصفها شكلًا تاريخيًا محددًا من أشكال الدولة.

فليس صحيحًا، مثلًا، أن نقول إن السومريين لم يعرفوا الدولة لأن دولتهم لم تكن تشبه فرنسا في عهد شارل ديغول. وليس صحيحًا، في المقابل، أن نساوي بين دولة المدينة السومرية والدولة القومية الحديثة. الأولى كانت دولة ضمن شروطها التاريخية، والثانية دولة ضمن شروط تاريخية مختلفة جذريًا.

وهذا التمييز سيكون ضروريًا ونحن ننتقل من دول المدن القديمة إلى الممالك والإمبراطوريات، ثم إلى الخلافة والدولة العثمانية، وصولًا إلى الدولة الوطنية الحديثة.

إن الهدف من هذه الدراسة، إذن، ليس كتابة تاريخ سياسي تقليدي لحوض بلاد مابين النهريين ووادي النيل، بل تفكيك الجذور الاجتماعية والاقتصادية والرمزية التي جعلت الدولة ممكنة، وتتبع مسار تحول الكيانات البشرية من مجتمعات أفقية قائمة بدرجة كبيرة على الدم والقرابة إلى مجتمعات سياسية أكثر هرمية، تقوم على الإقليم والطبقة والمؤسسات، ثم تتبع التحولات اللاحقة التي أوصلت إلى الدولة الوطنية المعاصرة وإشكالياتها البنيوية.

المبحث الأول

المقاربة الأنثروبولوجية التطورية لنشوء الدولة: من القرابة إلى الإقليم والطبقة

في حقل الأنثروبولوجيا السياسية، يمثل الانتقال من مجتمعات القرابة إلى المجتمعات السياسية القائمة على الإقليم والطبقة أحد أكثر التحولات دراماتيكية في التاريخ البشري . وليس المقصود بذلك أن القرابة اختفت بمجرد ظهور الدولة، أو أن القبيلة تحولت بصورة آلية إلى دولة، وإنما أن القرابة فقدت تدريجيًا موقعها بوصفها الإطار السياسي الوحيد الذي ينظم الحقوق والواجبات والسلطة، وبدأ الإقليم يحتل موقعًا متزايد الأهمية في تعريف الجماعة السياسية.

  • النموذج التطوري لمراتب التنظيم الاجتماعي: إلمان سيرفيس ومورتون فريد

يوضح علماء الأنثروبولوجيا، ومن بينهم إلمان سيرفيس ومورتون فريد، أن التنظيم السياسي البشري مرّ تاريخيًا بأشكال متعددة تبدأ بالجماعات المتنقلة، ثم القبائل، فالمشيخات، وصولًا إلى الدولة ، ولا ينبغي فهم هذه المراحل باعتبارها سلمًا تطوريًا ميكانيكيًا أو قانونًا تاريخيًا صارمًا تسلكه جميع المجتمعات بالطريقة نفسها، وإنما بوصفها محاولة لتحديد أشكال متزايدة التعقيد من التنظيم السياسي والاجتماعي.

في الجماعات الصغيرة، كانت السلطة موزعة داخل شبكة العلاقات الاجتماعية، وكان حجم الجماعة وطبيعة الاقتصاد يسمحان بإدارة معظم شؤونها من خلال العرف والعلاقات الشخصية والقرابة ، ومع نمو الجماعة، تظهر أشكال من التمايز، وتبرز شخصية الزعيم أو الشيخ ، وتبدأ السلطة في اتخاذ طابع أكثر تركيزًا.

في مرحلة المشيخات، يبدأ التمايز الاجتماعي والسياسي في البروز من خلال نظام القرابة المركزي: الزعيم وأقاربه يحتلون موقعًا متميزًا، وتصبح هناك تراتبية اجتماعية وسياسية أكثر وضوحًا ، لكن الدولة، وفق هذا التصور، لا تظهر بوصفها كيانًا سياسيًا مستقلًا إلا عندما يبدأ هذا الاحتكار القرابي بالتصدع ، ويُستبدل به شكل من السلطة السياسية الإقليمية التي تتجاوز العشائر، وتستطيع فرض قواعد عامة على جماعات متعددة، واحتكار القوة الشرعية، وفرض الضرائب بغض النظر عن روابط الدم.

وهنا تقع النقلة الأساسية ، ففي المجتمع القائم على القرابة، يكون موقع الفرد داخل شجرة العائلة محددًا بدرجة كبيرة لحقوقه وواجباته ، فهو عضو في جماعة يعرف أفرادها بعضهم بعضًا، وتقوم بينهم علاقات التزام متبادلة . أما في المجتمع السياسي الإقليمي، فإن الفرد يصبح خاضعًا لسلطة تتجاوزه شخصيًا وعائليًا، وتطال آخرين لا تربطه بهم بالضرورة رابطة نسب ، وبذلك تصبح الأرض نفسها أساسًا لتنظيم السلطة.

لم يعد الانتماء السياسي قائمًا فقط على السؤال: من أي جماعة أنت؟ بل بدأ يرتبط بالسؤال: في أي إقليم تعيش، ولأي سلطة تخضع؟

وهذا التحول من رابطة الدم إلى رابطة الإقليم لا يعني اختفاء رابطة الدم ، فالعشيرة والقبيلة والأسرة استمرت، لكنها لم تعد الإطار السياسي الوحيد ، لأن الدولة أضافت إليها إطارًا جديدًا أكثر شمولًا، هو الإقليم السياسي.

  1. تصدع أنظمة النسب والقرابة في المجتمعات النيوليتية

في المجتمعات النيوليتية المبكرة في الهلال الخصيب ووادي النيل، كانت الروابط الاجتماعية تنظم من خلال العشيرة والقبيلة والنسب الموسع ، وكان الفرد يحصل على كثير من حقوقه وواجباته ومكانته الاجتماعية من موقعه داخل شبكة القرابة ، لكن هذا التنظيم واجه حدودًا مع تزايد الكثافة السكانية وتراكم الفائض.

فالجماعة الصغيرة تستطيع أن تدير مواردها اعتمادًا على المعرفة المباشرة والعلاقات الشخصية ، لكن الوضع يتغير عندما تصبح هناك جماعات كبيرة ، وموارد واسعة ، وأراضٍ تحتاج إلى إدارة ، ومياه ينبغي تنظيمها ، ومحاصيل يجب تخزينها وإعادة توزيعها ، ونزاعات تتجاوز حدود العشيرة الواحدة ، عندها تبدأ آليات القرابة في فقدان قدرتها على ضبط كل العلاقات.

وهذا لا يعني أن المجتمع قرر التخلي عن القرابة، بل يعني أن التعقيد الاجتماعي نفسه أنتج الحاجة إلى سلطة تتجاوز القرابة ، ومن هنا ظهرت، وفق هذا التحليل، سلطة فوق – قرابية (Super-kinship authority) ، وهي النواة الأنثروبولوجية الأولى للدولة.

وهذه النقطة مهمة لفهم الدولة لاحقًا : الدولة لا تظهر بالضرورة لأن أحدًا اخترع فكرة اسمها الدولة ، وإنما لأن حجم المجتمع وتعقيد علاقاته جعلا بعض وظائف التنظيم تتجاوز قدرة البنى القرابية وحدها.

  • من المجتمع الأفقي إلى السلطة الرأسية

إذا كانت القرابة تمثل بنية اجتماعية أفقية نسبيًا، فإن الدولة تبدأ في إنتاج بنية رأسية.

ففي المجتمع القرابي، لا توجد بالضرورة مسافة كبيرة بين من يمارس السلطة وبين بقية أفراد الجماعة ، أما عندما تظهر الدولة ، تبدأ السلطة في التمايز عن المجتمع وتصبح لها مواقع ومؤسسات وموظفون وموارد خاصة بها ،وهنا يمكن فهم معنى انفصال الدولة عن المجتمع بصورة أكثر دقة.

إنه ليس انفصالًا جغرافيًا، ولا يعني أن الدولة أصبحت خارج المجتمع ، بل هو انفصال وظيفي ومؤسسي: يصبح هناك جهاز متخصص في اتخاذ القرار، وجمع الموارد، وفرض القواعد، وتسوية النزاعات، وتنظيم العمل، وممارسة العنف ، وهذه الوظائف كانت موجودة في المجتمع سابقًا، لكنها كانت موزعة بين الأسرة والعشيرة والوجهاء والجماعة والعرف ، أما الآن فأصبحت مركزة في جهاز سياسي متخصص.

  • الأنثروبولوجيا الاقتصادية واقتصاديات إعادة التوزيع: كارل بولاني وموريس غوديلييه

لا يمكن فهم هذه النقلة السياسية من دون فهم التغير الاقتصادي الذي رافقها ، فوفقًا لأدبيات الأنثروبولوجيا الاقتصادية، وخاصة أطروحة كارل بولاني حول أشكال التكامل الاقتصادي، لم يكن الاقتصاد في المجتمعات القديمة قائمًا على السوق الحرة بالمعنى الحديث، ولا كانت علاقات الإنتاج والتوزيع منفصلة عن البنية الاجتماعية والسياسية والدينية ، بل كان الاقتصاد مدمجًا في المجتمع، أي أن إنتاج السلع وتبادلها وتوزيعها كانت عمليات مرتبطة بعلاقات القرابة والسلطة والطقوس والمؤسسات الدينية والسياسية ، وهنا تكتسب آلية إعادة التوزيع أهميتها.

فالمعبد والقصر في بلاد الرافدين ووادي النيل لم يكونا مؤسستين دينيتين أو سياسيتين فقط، بل كانا أيضًا مركزين اقتصاديين، حيث كانت المحاصيل والسلع تجمع من المنتجين عبر الضرائب العينية والالتزامات والطقوس، ثم تخزن وتوزع على الحرفيين والكتبة والعمال وغيرهم وفق تراتبية اجتماعية دقيقة.

ومن هنا يصبح الفائض عنصرًا حاسمًا في ظهور السلطة المركزية ، لأن السلطة التي تملك القدرة على جمع الفائض وإعادة توزيعه تملك في الوقت نفسه قدرة على إنتاج علاقات جديدة من التبعية ، فالمنتج لم يعد يحتفظ بكل ما ينتجه داخل جماعته ، وإنما أصبح جزء من إنتاجه يمر عبر مركز سياسي أو ديني ، ثم يعود إليه أو إلى غيره ضمن نظام تحدده السلطة.

ويضيف موريس غوديلييه بعدًا آخر إلى هذا التحليل ، فالسيطرة على الموارد الاقتصادية الكبرى لم تكن تحتاج إلى القوة المادية وحدها، بل كانت تحتاج أيضًا إلى شرعية ، ولذلك اكتسبت السيطرة الاقتصادية في المجتمعات القديمة بعدًا مقدسًا؛ فالمقدس كان يؤدي وظيفة القوة الخفية التي تبرر تركز الفائض في أيدي النخبة الحاكمة.

وهنا تبدأ العلاقة بين الاقتصاد والسلطة والرمز التي ستظهر بوضوح أكبر في بلاد الرافدين ووادي النيل ، فالدولة لم تكتفِ بجمع الفائض؛ كان عليها أن تجعل جمعه مشروعًا ومقبولًا ومفهومًا داخل النظام الرمزي للمجتمع.

وهذا ما يقودنا إلى السؤال المركزي الثاني في هذه المحاضرة: متى وكيف حدث الانفصال الفعلي بين الدولة والمجتمع؟

 

المبحث الثاني

لحظة وآليات انفصال الدولة عن المجتمع: المقاربة البنيوية والأنثروبولوجية

يمثل سؤال “متى وكيف انفصلت الدولة عن المجتمع؟” جوهر التحليل السوسيولوجي التاريخي والأنثروبولوجي لنشوء الحضارات الأولى في بلاد مابين النهريين ووادي النيل. وهو سؤال لا يتعلق فقط بتاريخ ظهور أول ملك أو أول عاصمة، وإنما بتاريخ تحول السلطة نفسها من وظيفة اجتماعية موزعة إلى مؤسسة متخصصة ومتمايزة.

  • متى حدث الانفصال؟ التأريخ الأنثروبولوجي للتحول

حدث هذا الانفصال، وفق الصياغة التي تعتمدها المحاضرة، على المستوى البنيوي في أعقاب الثورة النيوليتية ومع بدايات العصر البرونزي، نحو الألفية الرابعة قبل الميلاد، بالتزامن مع التحول من نظام العائلة الأمومية إلى نظام العائلة الأبوية، وما رافقه من انتقال تدريجي من اقتصاد الكفاية المعيشية إلى اقتصاد الفائض المستدام. قبل هذه اللحظة، كانت السلطة مندمجة بدرجة كبيرة في نسيج القرابة والعلاقات الاجتماعية اليومية ، و لم تكن هناك دولة منفصلة عن الجماعة بالمعنى المؤسسي الذي سيظهر لاحقًا.

لكن تراكم الفائض الزراعي، وتطور الزراعة المروية، وازدياد حجم الجماعات، وتعقد عمليات التخزين والتوزيع، أوجدت شروطًا جديدة.

ظهرت طبقة متخصصة تستطيع أن تتفرغ لإدارة الموارد من دون أن تشارك بصورة مباشرة في الإنتاج الزراعي العضوي نفسه. وهنا حدثت النقلة التي يمكن وصفها بأنها القطيعة الكبرى: تحولت الأداة الإدارية من خادم للجماعة إلى جهاز يتولى إدارة الجماعة من موقع متعالٍ نسبيًا عنها.

هذه النقطة تفسر لنا أيضًا لماذا لا ينبغي النظر إلى الدولة باعتبارها مجرد “حكومة” بالمعنى المعاصر. فالدولة الأولى كانت تحولًا في بنية المجتمع نفسها. لقد أعادت توزيع الأدوار، وخلقت فئات متخصصة في الإدارة والطقوس والكتابة والحرب، وربطت هذه الفئات بمركز سياسي أصبح يملك قدرًا متزايدًا من الاستقلال.

  • كيف انفصلت الدولة عن المجتمع؟ آليات التمايز البنيوي

لم يحدث الانفصال بآلية واحدة ، بل عبر مسارات مترابطة ومتكاملة ، ويمكن تحديدها في خمس مسارات رئيسية.

أولًا: الاحتكار المادي للفائض الاقتصادي

تركزت الثروة في المعابد والزيقورات والقصور الملكية ، وأصبح الفائض ينتقل من أيدي الفلاحين والمنتجين المباشرين إلى مراكز التجميع والتخزين وإعادة التوزيع ، وبهذه الطريقة أصبحت النخبة الإدارية والكهنوتية والملكية تسيطر على جزء أساسي من مقدرات المجتمع، وعلى أدوات الإنتاج الكبرى ، وهنا لا يكون الفائض مجرد كمية اقتصادية إضافية، بل يصبح مصدرًا للسلطة.

من يملك القدرة على جمع الفائض يستطيع تمويل الموظفين والكتبة والجيش والمشروعات الكبرى، وبالتالي يستطيع توسيع استقلاله عن المنتجين المباشرين.

ثانيًا: إحلال رابطة الإقليم محل رابطة الدم

لكي تنفصل الدولة عن المجتمع وتعمل بوصفها سلطة أوسع من العشيرة، كان لا بد من تجاوز الولاءات القرابية الضيقة واستبدالها برابطة الخضوع الإقليمي الموحد.

لم يعد شيخ القبيلة هو المرجع السياسي النهائي للجماعة، بل ظهر مركز سياسي يستطيع أن يفرض الجباية والقانون على جماعات مختلفة.

لكن هذه العملية لم تؤدِّ إلى اختفاء القبيلة، وهذه نقطة ستصبح لاحقًا مهمة جدًا في فهم الدولة ؛ فالقبيلة يمكن أن تستمر داخل الدولة، لكنها تصبح في علاقة جديدة معها: علاقة تفاوض، أو احتواء، أو صراع، أو تحالف.

ثالثًا: احتكار العنف الشرعي والتشريع

انتقل حق فض النزاعات تدريجيًا من الأعراف المجتمعية التلقائية إلى مؤسسات قضائية وتشريعية مركزية ، وتمثل قوانين أورنامو ومسلة حمورابي في بلاد الرافدين، إلى جانب أنظمة القضاء في وادي النيل، أمثلة على هذا التحول ، فلم يعد القانون مجرد عرف تتناقله الجماعة، بل أصبح مرتبطًا بسلطة مركزية تستطيع إعلانه وتطبيقه ، وهنا تتجسد إحدى أهم خصائص الدولة: احتكار إنتاج القاعدة القانونية وتطبيق القوة باسم النظام العام.

رابعًا: الأدْلَجة والقداسة

لم تكن الدولة قادرة على الاستمرار بالقوة وحدها ،  كان عليها أن تنتج تصورًا رمزيًا يجعل السلطة تبدو جزءًا من النظام الطبيعي أو الكوني ، ففي مصر ظهر نموذج الملك الإله، وفي بلاد الرافدين ظهر الحاكم بوصفه وكيلًا للإله أو ممثلًا لإرادته. وهكذا نشأت مسافة رمزية ونفسية بين الحاكم والمحكوم، وأصبحت الدولة في وعي الأفراد قوة كوزمولوجية متعالية نسبيًا عن المجتمع ، وهذا يفسر لماذا لا يمكن فصل دراسة الدولة القديمة عن دراسة الأسطورة والطقس والدين ، فالشرعية ليست مجرد فكرة قانونية؛ إنها أيضًا طريقة يرى بها المجتمع السلطة ويفسر وجودها.

خامسًا: تكوين الجهاز البيروقراطي المستقل

مع تطور الدولة ظهرت طبقة إدارية محترفة من الكتبة والكهنة والوزراء، تعمل لصالح المركز وتملك معرفة ومهارات لا يمتلكها عموم المنتجين ، وكان لظهور الكتابة أحد أهم شروط هذا التحول، لأنها سمحت بتسجيل الضرائب والمخازن والأراضي والعمال والقوانين والقرارات ، وهكذا أصبح للدولة جهازها الخاص.

هنا يمكن أن نلخص عملية الانفصال في سلسلة مترابطة: الفائض يولّد الحاجة إلى الإدارة؛ الإدارة تنتج التخصص؛ التخصص ينتج جهازًا؛ الجهاز يكتسب موارد؛ الموارد تمنحه استقلالًا؛ والاستقلال يحتاج إلى شرعية؛ والشرعية تعيد إنتاج السلطة.

لكن هذه السلسلة لا تعني أن الدولة أصبحت منفصلة تمامًا عن المجتمع ، فالدولة بقيت تعتمد على المجتمع في إنتاج الفائض والعمل والجنود والمعرفة ، لذلك فإن  انفصال الدولة عن المجتمع  هو انفصال نسبي ومؤسسي، لا انفصال مطلق. ومن هنا تبدأ المشكلة التي سترافق تاريخ الدولة منذ سومر ومصر إلى الدولة الوطنية الحديثة : كيف تستطيع الدولة أن تصبح كيانًا مستقلًا نسبيًا عن المجتمع، من دون أن تفقد الأساس الاجتماعي الذي تستمد منه قدرتها على البقاء؟

هذا السؤال هو الذي سيقودنا إلى النظريات التي حاولت تفسير لماذا ظهرت الدولة في بعض البيئات والتجمعات التاريخية، وكيف ارتبط نشوء الدولة بالمدينة والبيئة والمياه والصراع.

 

المبحث الثالث

نظريات نشوء الدولة: التفسير الوظيفي والبيئي والصراعي

إذا كان المبحثان السابقان قد حددا التحول الاجتماعي والاقتصادي الذي جعل الدولة ممكنة، فإن السؤال التالي هو: لماذا ظهرت الدولة في بعض البيئات التاريخية بهذا الوضوح، ولماذا اتخذت أشكالًا مختلفة من مجتمع إلى آخر؟

لا توجد إجابة واحدة عن هذا السؤال. فقد حاولت مدارس متعددة تفسير نشوء الدولة من خلال عوامل مختلفة: المدينة، والاقتصاد، والبيئة، والسيطرة على المياه، والصراع على الموارد، والحرب، والحاجة إلى الإدارة.

والأهمية هنا ليست في اختيار نظرية واحدة وإقصاء غيرها، وإنما في النظر إلى الدولة بوصفها نتيجة تفاعل مجموعة من العوامل.

  • جوردون تشيلد والثورة الحضرية

يمثل جوردون تشيلد أحد أبرز الباحثين الذين ربطوا نشوء الدولة بما سماه الثورة الحضرية ، فبعد الثورة الزراعية، لم تعد المستوطنات مجرد تجمعات من المزارعين ، كما أدى استقرار السكان وتراكم الفائض إلى زيادة الكثافة السكانية، وظهور تخصصات مهنية جديدة، وتوسع التجارة، وازدياد الحاجة إلى الإدارة ، ومن هنا أصبحت المدينة أكثر من مجرد مكان للسكن ، حيث أصبحت مركزًا اقتصاديًا وسياسيًا ودينيًا.

وتكمن أهمية أطروحة تشيلد في أنها تربط بين التحضر والتخصص الاجتماعي ، فعندما تنتج الجماعة فائضًا أكبر من حاجتها المباشرة، يصبح من الممكن أن يتفرغ جزء من السكان لأعمال أخرى: الكتابة، والحرف، والإدارة، والطقوس، والتجارة، والجيش .وهكذا يبدأ المجتمع في إنتاج طبقات ووظائف لم تكن ممكنة في القرية الزراعية الصغيرة.

لكن المدينة لا تنتج الدولة وحدها ، فالمدينة تحتاج إلى سلطة قادرة على إدارة مواردها، وتنظيم علاقاتها، وحماية طرق التجارة، وتسوية النزاعات، وإدارة العلاقة بين السكان ومراكز الفائض ، ولهذا فإن ظهور المدينة والدولة كانا متداخلين، وإن لم يكونا الشيء نفسه.

ومن هنا نفهم لماذا كانت بلاد الرافدين واحدة من أكثر المناطق أهمية في دراسة الدولة المبكرة: فقد شهدت نشوء مدن كبيرة مثل أوروك وأور ولَجَش، وتحولت المدينة إلى وحدة سياسية كاملة.

  • كارل ويتفوغل والإدارة الهيدروليكية

إذا كان تشيلد قد ركز على المدينة والفائض والتخصص، فإن كارل ويتفوغل حاول تفسير نشوء الدولة من خلال التحكم في المياه ، ففي المجتمعات التي قامت على الزراعة المروية في الأنهار الكبرى، كان تنظيم المياه يحتاج إلى قدر من التنسيق يتجاوز قدرة الأسرة أو القرية الصغيرة : لحفر القنوات، وصيانتها، وتنظيم تدفق المياه، وتوزيعها، وحماية الأراضي من الفيضانات، كلها وظائف تتطلب إدارة واسعة ،ومن هنا نشأت، وفق هذه الفرضية، حاجة إلى سلطة مركزية قادرة على تنظيم العمل الجماعي.

لكن أهمية هذه النظرية لا تكمن في القول إن الري اخترع الدولة ، فالدولة كانت أكثر تعقيدًا من مجرد جهاز لإدارة المياه ، وإنما تكشف لنا النظرية كيف يمكن للبنية التحتية أن تنتج حاجة إلى الإدارة، وكيف يمكن للإدارة أن تنتج بدورها سلطة أكثر مركزية.

وهنا تتقاطع النظرية الهيدروليكية مع ما سبق أن ناقشناه حول الفائض ، فالمياه تنتج الزراعة، والزراعة تنتج الفائض، والفائض يحتاج إلى تخزين وإدارة وتوزيع، وهذه العمليات تنتج أجهزة إدارية متخصصة.

لكن يجب ألا نحول هذا المسار إلى قانون حتمي؛ فوجود الأنهار لا يؤدي تلقائيًا إلى الدولة المركزية ، فالتاريخ أكثر تعقيدًا، والعوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية تدخل دائمًا في تشكيل النتيجة.

  • روبرت كارنيرو والصراع على الموارد

يقدم روبرت كارنيرو تفسيرًا مختلفًا يركز على الصراع والضغط السكاني والقيود البيئية ، فعندما تتزايد أعداد السكان في مناطق محدودة الموارد، يصبح التنافس على الأرض والمياه والموارد أكثر حدة ، وقد يؤدي هذا التنافس إلى الحروب بين الجماعات، ثم إلى توسع جماعة على حساب أخرى، وظهور مراكز سياسية أكثر قدرة على فرض السيطرة ،وبهذا المعنى، يمكن أن تكون الحرب عاملًا في تكوين الدولة.

لكن الحرب هنا ليست مجرد نتيجة لوجود الدولة، بل يمكن أن تكون أيضًا إحدى الآليات التي ساعدت على نشوئها ، فالجماعة التي تستطيع تنظيم جيش، وتعبئة الموارد، وإدارة الأراضي التي تسيطر عليها، تصبح أكثر قدرة على التوسع ، ومع التوسع تصبح الإدارة أكثر تعقيدًا، ويزداد الفائض، وتحتاج السلطة إلى موظفين وجباة وجنود. وهكذا يمكن أن تتحول المنافسة بين الجماعات إلى عامل في بناء جهاز الدولة.

  • نحو تفسير مركب

إذا جمعنا تشيلد وويتفوغل وكارنيرو، سنجد أن كل نظرية تضيء جانبًا من العملية ، فتشيلد يوضح لنا المدينة والتخصص والفائض ،ويتفوغل يوضح لنا المياه والبنية التحتية والحاجة إلى التنسيق ، بينما كارنيرو يوضح لنا الصراع على الموارد والضغط السكاني والتوسع السياسي ، لكن هذه العناصر لا تعمل منفصلة.

فالفائض يحتاج إلى إدارة، والإدارة تحتاج إلى سلطة، والسلطة تحتاج إلى موارد، والموارد قد تصبح موضوعًا للصراع، والصراع يحتاج إلى تنظيم عسكري، والتنظيم العسكري يحتاج إلى إدارة، والإدارة تنتج جهازًا أكثر استقلالًا ، ومن هنا لا ينبغي أن نسأل: أي نظرية هي الصحيحة؟

الأدق أن نسأل: كيف تفاعلت هذه العوامل داخل البيئات التاريخية المحددة؟

وهذا يقودنا مباشرة إلى الحالة الأكثر أهمية في هذه المحاضرة : بلاد الرافدين.

 

المبحث الرابع

نموذج بلاد الرافدين ووادي النيل: الدولة كنتاج للمدينة والمقدس والإدارة

تمثل بلاد الرافدين ووادي النيل مختبرين تاريخيين بالغَي الأهمية لفهم نشوء الدولة ، فهما لم تنتجا شكلًا واحدًا من الدولة، بل قدمتا نموذجين مختلفين نسبيًا: نموذج دولة المدن في بلاد الرافدين، ونموذج الدولة المركزية الموحدة في مصر القديمة.

وهذا الاختلاف مهم لأنه يؤكد أن الدولة ليست نتيجة عامل واحد، وأن البيئة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية يمكن أن تنتج أشكالًا مختلفة من التنظيم السياسي.

أولًا: بلاد الرافدين ودولة المدينة

كانت بلاد الرافدين، ولا سيما جنوبها، من أوائل المناطق التي شهدت نمو المدن الكبيرة وظهور المؤسسات السياسية والإدارية المعقدة ، فظهرت مدن مثل أوروك وأور ولَجَش وإريدو، ولم تكن هذه المدن مجرد تجمعات سكانية؛ كانت كيانات سياسية مستقلة نسبيًا، لها مؤسساتها، وقياداتها، ومعابدها، ومواردها، وجيوشها، ونظمها الإدارية.

وهنا ينبغي التوقف عند مفهوم دولة المدينة ، فكل مدينة كبرى كانت تمثل مركزًا سياسيًا، وتحيط بها أراضٍ زراعية ومستوطنات تعتمد عليها ، كما كانت المدينة تملك سلطة على المجال المحيط بها، وتتنافس مع المدن الأخرى على الأرض والمياه والموارد.

وهكذا فإن الدولة السومرية لم تكن دولة قومية موحدة بالمعنى الذي نعرفه اليوم، بل كانت مجموعة من دول المدن ، وهنا يمكن إدخال السؤال الذي طُرح في النقاش: هل دولة سومر هي دولة فرنسا في عهد شارل ديغول؟

المقارنة تكشف خطأ منهجيًا مهمًا ، فإذا كان المقصود: هل كان السومريون يملكون دولة ومؤسسات وسلطة سياسية وقوانين وجيشًا وإدارة؟ فالجواب نعم.

أما إذا كان المقصود: هل كانت دولة سومر دولة قومية حديثة مثل فرنسا؟ فالجواب لا.

فالدولة لا تتخذ شكلًا واحدًا عبر التاريخ ، فدولة المدينة السومرية كانت دولة تاريخية، لكنها لم تكن دولة قومية حديثة ، و لم تكن تقوم على مفهوم المواطنة الحديثة، ولا على الحدود القومية الحديثة، ولا على فصل واضح بين الدين والسياسة، ولا على مفهوم السيادة الوطنية بالشكل الذي تبلور لاحقًا.

لذلك فإن استخدام فرنسا في عهد ديغول (على سبيل المثال لا الحصر) معيارًا للحكم على سومر يؤدي إلى إسقاط مفهوم حديث على مجتمع قديم.

والأصح أن نستخدم معيارًا تاريخيًا: هل كانت هناك سلطة سياسية متمايزة؟ هل كانت هناك إدارة؟ هل كان هناك احتكار نسبي للعنف؟ هل كانت هناك جباية؟ هل كان هناك قانون؟ هل كانت هناك مؤسسات تملك قدرًا من الاستقلال عن العلاقات القرابية المباشرة؟

في الحالة السومرية، نجد هذه العناصر بدرجات واضحة.

كيف استطاع السومريون إنشاء دولة؟

السؤال الآخر الذي طُرح في النقاش أكثر تحديدًا: كيف استطاع السومريون إنشاء دولة؟

والإجابة تبدأ من رفض فكرة أن السومريين جلسوا في لحظة تاريخية وقرروا  إنشاء الدولة  ، فالدولة لم تكن مشروعًا هندسيًا مخططًا من البداية ، بل ظهرت من تراكم ظروف تاريخية.

فالزراعة في جنوب بلاد الرافدين ارتبطت بشبكة معقدة من المياه والقنوات، ونمو المدن أدى إلى تراكم السكان، وتراكم السكان أدى إلى زيادة الحاجة إلى تنظيم الإنتاج، والإنتاج الزراعي أنتج فائضًا، والفائض استدعى التخزين والتوزيع، والتخزين والتوزيع احتاجا إلى كتبة وموظفين ومخازن، ومع اتساع المجال السياسي ظهرت الحاجة إلى الجند والإدارة والقانون ، وهكذا أصبح لدينا جهاز سياسي يتجاوز الأسرة والعشيرة.

كانت الزيقورة والمعبد في قلب هذه المنظومة ، فالمعبد لم يكن مجرد مكان للعبادة، بل كان مؤسسة اقتصادية واجتماعية وسياسية ، يمتلك الأراضي ويجمع الموارد ويشرف على العمل ويعيد توزيع جزء من الفائض ، ثم ظهر القصر الملكي بوصفه مركزًا آخر للسلطة.

ومن هنا نشأ تداخل المعبد والقصر والمدينة.

الإنسي واللوغال

تظهر طبيعة السلطة السياسية السومرية من خلال التمييز بين الإنسي واللوغال ، فالإنسي ارتبط بصورة أكبر بحكم المدينة وإدارتها، بينما ارتبط اللوغال بالملكية والسلطة العسكرية والتوسع.

ولا ينبغي النظر إلى هذه المصطلحات وكأنها تطابق تمامًا لمفهوم رئيس البلدية و الملك الحديثين؛ فالمؤسسات السومرية كانت جزءًا من منظومة سياسية ودينية مختلفة ، لكن التمييز يكشف لنا شيئًا أساسيًا: السلطة بدأت تتخصص ، ولم يعد المجتمع كله يمارس الوظائف السياسية بصورة مباشرة، وإنما أصبح هناك أفراد ومؤسسات متخصصة في الحكم والإدارة والطقوس والحرب ، وهذه هي بالضبط اللحظة التي تحدثنا عنها في المبحث السابق: تحول السلطة من وظيفة موزعة اجتماعيًا إلى جهاز أكثر تخصصًا وتمايزًا.

أكيتو والشرعية السياسية

كانت الطقوس السياسية والدينية جزءًا من عملية إنتاج الشرعية ، ويمثل عيد أكيتو مثالًا مهمًا على ذلك ، فلم يكن الطقس مجرد احتفال ديني، بل كان يعيد إنتاج العلاقة بين الملك والآلهة والمجتمع والنظام الكوني.

ففي الطقس، كان النظام السياسي يعاد تثبيته رمزيًا ، وهنا تظهر أهمية الأسطورة في الدولة القديمة ، فأسطورة تيامات ومردوخ، مثلًا، لا يمكن فصلها عن تصور النظام السياسي والكوني؛ فهزيمة الفوضى وإنتاج النظام الكوني يمكن أن تقرأ في علاقتها بتثبيت سلطة المدينة ومركزيتها ، وهذا هو ما يجعل الدولة القديمة بنية سياسية ورمزية في الوقت نفسه.

الكتابة والقانون

كانت الكتابة واحدة من أهم التحولات في نشوء الدولة ، فالكتابة سمحت بتسجيل المحاصيل والضرائب والأراضي والعمال والديون والمعاملات والقوانين ، ومع الكتابة أصبح من الممكن أن تتجاوز الإدارة حدود الذاكرة الشخصية.

وهذا تحول هائل ، ففي مجتمع صغير، يستطيع الشيخ أو رب الأسرة الاعتماد على الذاكرة والعلاقات المباشرة ، أما في مدينة كبيرة وإدارة معقدة، فإن الدولة تحتاج إلى سجلات ، وهكذا أصبحت الكتابة جزءًا من البنية البيروقراطية للدولة.

أما القوانين، مثل قوانين أورنامو ثم لاحقًا مسلة حمورابي، فقد عبرت عن انتقال مهم من العرف المحلي إلى سلطة تشريعية أكثر مركزية.

لكن القانون لم يكن محايدًا اجتماعيًا بالمعنى الحديث؛ فقد عكس بنية المجتمع الطبقية ودرجات المكانة والتمييز بين الفئات ، وهنا نعود إلى السؤال الذي طرحناه في البداية: كيف انفصلت الدولة عن المجتمع؟

لقد حدث ذلك من خلال مجموعة متراكمة من الأدوات: الفائض، والمعبد، والقصر، والكتابة، والقانون، والجيش، والشرعية الدينية، والإدارة.

ثانيًا: وادي النيل والدولة المركزية

إذا كانت بلاد الرافدين تقدم نموذجًا لدولة المدن، فإن وادي النيل يقدم نموذجًا مختلفًا نسبيًا: الدولة المركزية التي اتخذت شكلًا أكثر وحدة واستقرارًا.

وهنا يظهر سؤال البيئة مرة أخرى ، كان النيل هو العمود الفقري للحياة الاقتصادية المصرية ، فالفيضان السنوي لم يكن مجرد ظاهرة طبيعية، بل كان أساس النظام الزراعي ، ومع انتظام الزراعة، أصبحت هناك حاجة إلى قياس الأراضي، وتنظيم القنوات، وحساب المحاصيل، وجمع الضرائب، وتحديد حقوق الانتفاع بالأرض ، وهكذا تحولت البيئة إلى عامل من عوامل التنظيم السياسي.

  • نارمر وتوحيد مصر

يرتبط توحيد مصر القديمة تقليديًا بالملك نارمر أو مينا، في أواخر الألفية الرابعة قبل الميلاد ، ولا ينبغي أن نفهم التوحيد باعتباره مجرد انتصار عسكري لشخص على آخر، بل بوصفه بداية لتكوين مجال سياسي واسع يخضع لمركز واحد ، وهنا تختلف مصر عن نموذج دول المدن في بلاد الرافدين.

فبدلًا من تعدد المراكز السياسية المتنافسة، ظهر مركز ملكي قادر على إدارة مساحة واسعة من وادي النيل ، وهذا المركز احتاج إلى جهاز إداري كبير.

  • الملكية الكوزمولوجية والماعت

لكن قوة الدولة المصرية لم تكن قائمة على الإدارة وحدها ، لقد كان الملك في الفكر المصري جزءًا من النظام الكوني نفسه ، وكان مفهوم الماعت يمثل العدالة والنظام والانسجام الكوني.

ومن هنا أصبحت مهمة الملك ليست فقط إدارة الدولة، بل الحفاظ على النظام الكوني ، هذه الفكرة مهمة جدًا لفهم العلاقة بين المقدس والدولة ، فحين يعتقد المجتمع أن استقرار العالم نفسه مرتبط باستقرار السلطة، تصبح طاعة الملك أكثر من مجرد التزام سياسي؛ تصبح جزءًا من الحفاظ على النظام.

وهكذا يؤدي الرمز وظيفة سياسية عميقة.

  • الأهرامات كاقتصاد سياسي

يمكن أن تبدو الأهرامات للوهلة الأولى آثارًا دينية أو جنائزية، لكنها تكشف أيضًا عن قدرة الدولة على تنظيم الموارد والعمل ، فإنشاء مشروع بهذا الحجم يتطلب تعبئة أعداد ضخمة من العمال، وتوفير الغذاء، وتنظيم النقل، وإدارة الحجر، وتوزيع المهام، ومراقبة العمل  ، وبالتالي فإن الهرم يمثل، من منظور الدولة، تجسيدًا ماديًا لقدرتها التنظيمية ، إنه يربط بين الدين والاقتصاد والإدارة والسلطة في بنية واحدة.

  • الوزير والكتبة والأقاليم

اعتمدت الدولة المصرية على جهاز إداري متطور، كان الوزير في قمته إلى جانب شبكة واسعة من الكتبة والموظفين ، حيث كانت مصر مقسمة إلى أقاليم، أو Nomarchies، تحتاج إلى إدارة محلية مرتبطة بالمركز ، وهنا تظهر مرة أخرى العلاقة بين المركز والأطراف.

فالدولة لا تستطيع إدارة مجال واسع من العاصمة وحدها، ولذلك تحتاج إلى وسطاء محليين، لكن هؤلاء الوسطاء قد يصبحون بدورهم مراكز قوة ، ومن هنا فإن بناء الدولة لا يعني القضاء على القوى المحلية، بل إعادة تنظيمها ضمن بنية مركزية.

  • بين سومر ومصر: شكلان للدولة

تكشف المقارنة بين بلاد الرافدين ووادي النيل أن الدولة لا تتبع طريقًا واحدًا ، ففي بلاد الرافدين، برزت دولة المدينة، والتنافس بين المراكز(المدن)، والمعبد بوصفه مؤسسة اقتصادية وسياسية، وتعدد المدن والممالك.

وفي مصر، برزت الدولة المركزية الموحدة، والملك بوصفه محور النظام السياسي والكوني، والإدارة الإقليمية المرتبطة بالمركز.

لكن النموذجين يشتركان في عناصر أساسية: الفائض الزراعي، التخصص الاجتماعي، الإدارة، الكتابة، الجباية، الجيش، القانون، الشرعية الرمزية، والمؤسسات المتمايزة نسبيًا عن المجتمع ، وهنا يمكن أن نعود إلى سؤال الشعوب ودورها.

لم تكن الدولة السومرية أو المصرية نتاج الملك وحده ، فالملك لم يبنِ القنوات، ولم يزرع الحقول، ولم يصنع الأدوات، ولم ينقل الأحجار، ولم يكتب السجلات بنفسه ، لقد كانت الدولة تعتمد على مجتمع كامل من المنتجين والحرفيين والعمال والكتبة والجنود.

لكن المفارقة هي أن المجتمع الذي أنتج الموارد هو نفسه الذي بدأت الدولة تفرض عليه الضرائب والعمل الإجباري والقواعد ، ومن هنا فإن نشوء الدولة لم يكن مجرد تنظيم للمجتمع، بل كان أيضًا إعادة توزيع للسلطة داخل المجتمع ، وهذا هو الجانب الذي سنحتاج إليه لاحقًا لفهم الطبقات، والقرابة، والقبيلة، والإمبراطوريات، ثم الدولة الحديثة.

فكلما تطورت الدولة، أصبحت أكثر قدرة على تنظيم المجتمع، لكنها أصبحت في الوقت نفسه أكثر قدرة على استخلاص موارده وضبطه ، وهنا تبدأ العلاقة التاريخية المعقدة بين الدولة والمجتمع التي سترافق بلاد ما بين النهرين ووادي النيل عبر آلاف السنين.

 

المبحث الخامس

 البنية الاقتصادية والاجتماعية لعصر فجر التاريخ

  • الفائض والطبقية والتشريع

إذا كان نشوء الدولة قد ارتبط، كما رأينا، بتراكم الفائض وتخصص الإدارة وظهور المؤسسات السياسية والدينية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه الآن هو: ماذا فعلت الدولة بالمجتمع الذي أنتجها؟

هذه النقطة أساسية لأن الدولة لم تكن مجرد استجابة محايدة لمتطلبات التنظيم. فمع ظهورها تغيرت البنية الاجتماعية نفسها ، وأصبح المجتمع أكثر تمايزًا، وظهرت طبقات وفئات ذات مواقع مختلفة في عملية الإنتاج والتوزيع والسلطة.

لقد تأسست الدولة في المشرق ووادي النيل على ركائز اقتصادية واجتماعية حددت ملامحها لقرون طويلة، وفي مقدمتها اقتصاد المعبد والقصر، والطبقية الاجتماعية، وتقسيم العمل، ثم التشريع والتقنين.

  • اقتصاد المعبد والقصر

تركزت الثروة والسلطة الاقتصادية في المراحل المبكرة في مؤسسات المعبد، ثم في القصر والقيادة الملكية والعسكرية ، وكانت الموارد، من محاصيل زراعية ومعادن وغيرها، تُجمع في مخازن مركزية ثم يعاد توزيعها على الحرفيين والعاملين وفق نظام اقتصادي مركزي دقيق ، وهنا نصل إلى نقطة مهمة في فهم علاقة الدولة بالمجتمع ، إن الفائض الذي جعل الدولة ممكنة هو نفسه الذي أعطاها القدرة على الاستمرار.

فالدولة تحتاج إلى مورد دائم لتمويل جهازها الإداري والعسكري والديني ، وكلما توسع الجهاز، ازدادت حاجته إلى الموارد، وكلما ازدادت الموارد التي تمر عبره، ازدادت قدرته على الاستقلال عن المنتجين المباشرين ، لكن ذلك لا يعني أن المجتمع كان مجرد ضحية سلبية للدولة.

فالفلاحون والحرفيون والعمال كانوا أساس الاقتصاد كله ، و من دون إنتاجهم لا يوجد فائض، ومن دون الفائض لا توجد مؤسسة مركزية قادرة على الاستمرار.

من هنا يمكن أن نجيب عن أحد الأسئلة التي تطرح في النقاش: ما دور الشعوب في تشكل الدول؟

دور الشعوب لم يكن هامشيًا أو ثانويًا ، فالدولة لم تنشأ من فوق فقط؛ بل نشأت من التحولات التي حدثت في المجتمعات نفسها ، فالمزارعون طوروا الزراعة، والجماعات نظمت المياه، والحرفيون طوروا التخصص، والتجار وسعوا شبكات التبادل، والعمال والجنود والكتبة جعلوا الجهاز السياسي قادرًا على العمل.

لكن المفارقة التاريخية هي أن المجتمع، حين أنتج هذه الشروط، أنتج في الوقت نفسه جهازًا أصبح قادرًا على تنظيمه من موقع أعلى ، وهكذا فإن نشوء الدولة يمكن فهمه بوصفه عملية اجتماعية أنتجت مؤسسة أصبحت لاحقًا أكثر استقلالًا نسبيًا عن المجتمع الذي أنتجها.

الطبقية الاجتماعية وتقسيم العمل

أدى الفائض الإنتاجي إلى ظهور تمايز طبقي واضح بين فئة حاكمة ومسيطرة تضم الملوك والكهنة وأمراء الأقاليم وقادة الجيش، وفئة منتجة تضم الفلاحين والحرفيين وعمال البناء، وفئة ثالثة من المُسْتَرَقين في بعض المراحل .

توثق المدونات والوثائق الاقتصادية السومرية والمصرية القديمة جوانب عديدة من هذا التمايز.

وهنا تظهر أهمية تقسيم العمل ، فالزراعة لم تعد النشاط الوحيد الذي يمارسه أفراد المجتمع ، حيث أصبح هناك من يكتب، ومن يدير، ومن يحارب، ومن يمارس الطقوس، ومن يصنع الأدوات، ومن ينقل السلع، ومن يعمل في البناء ، وهذا التخصص رفع قدرة المجتمع على الإنتاج، لكنه أنتج في الوقت نفسه تفاوتًا في المكانة والموارد ، وبالتالي فإن الدولة لم تنشأ فقط من الحاجة إلى تنظيم مجتمع متزايد التعقيد؛ إنها ساهمت أيضًا في إعادة تنظيم هذا المجتمع على أساس التراتب.

التشريع والتقنين

مع ظهور القوانين والمدونات، أصبح للدولة دور أكثر وضوحًا في تحديد الحقوق والواجبات وتنظيم الملكية والعقود والعقوبات ، ومن أبرز الأمثلة قوانين أورنامو، وقوانين لبت-عشتار، ومسلة حمورابي في بلاد الرافدين، إلى جانب التشريعات الملكية وتنظيم القضاء في مصر الفرعونية. وقد أدت هذه القوانين وظيفة سياسية وقانونية في ضبط العلاقات الاجتماعية وحماية الملكية وترسيخ الدولة بوصفها مرجعًا للعدالة والنظام العام ، لكن القانون لم يكن مجرد أداة للعدالة بالمفهوم الحديث ، لقد كان أيضًا أداة لتثبيت النظام الاجتماعي القائم.

وهذا يعيدنا إلى السؤال الأساسي حول انفصال الدولة عن المجتمع: كلما أصبحت الدولة مصدرًا للقانون، لم تعد القواعد الاجتماعية تُنتج داخل الجماعة وحدها، وإنما أصبح هناك مركز يملك القدرة على تعريف السلوك المشروع وغير المشروع ، وهنا تكتمل إحدى أهم مراحل الانتقال من المجتمع القرابي إلى المجتمع السياسي.

 

المبحث السادس

 ديناميكيات القرابة والقبيلة في مواجهة الدولة

مقاربة سوسيولوجية تاريخية: ابن خلدون وإرنست غيلنر

إذا كان نشوء الدولة قد ارتبط تاريخيًا بتجاوز السلطة للقرابة، فهذا لا يعني أن القرابة اختفت ، وهذه نقطة شديدة الأهمية في تاريخ بلاد ما بين النهرين ، فالقبيلة والعائلة والعشيرة ظلت فاعلة حتى بعد نشوء الدول والإمبراطوريات، ولذلك فإن علاقة الدولة بالقبيلة لم تكن علاقة استبدال كامل، وإنما علاقة صراع واحتواء وتفاوض وإعادة تركيب مستمرة ، وهنا تكتسب أفكار ابن خلدون وإرنست غيلنر أهمية خاصة.

العصبية والدولة عند ابن خلدون

تشكل نظرية ابن خلدون في العصبية في المقدمة أحد أهم التفسيرات العربية لدور البداوة والقبيلة في تأسيس الدول ، فالعصبية تمنح الجماعة قوة التضامن الضرورية للغلبة وتأسيس السلطة، لكن الدولة، بعد تأسيسها، تبدأ تدريجيًا في تغيير طبيعة الجماعة التي جاءت منها ، وهنا تظهر المفارقة الخلدونية.

الجماعة التي تمتلك العصبية وتستطيع إقامة الدولة تحتاج إلى العصبية لكي تنتصر، لكن الدولة بعد أن تستقر تبدأ في إنتاج حياة حضرية أكثر تعقيدًا، وتوسيع الإدارة، وتوزيع الموارد، وإعادة تنظيم العلاقات، وهو ما يؤدي تدريجيًا إلى إضعاف العصبية الأولى.

وهكذا تصبح الدولة، في دورة ابن خلدون، نتيجة للعصبية وفي الوقت نفسه عاملًا في تفكيكها ، وهذه الفكرة تساعدنا على فهم سؤال آخر يُطرح في النقاش: هل الدولة تلغي القبيلة؟

التاريخ يقول إن الأمر ليس بهذه البساطة ، فالدولة تستطيع أن تضعف القبيلة عندما تصبح المؤسسات المركزية قوية، لكنها قد تحتاج إليها أيضًا في الأطراف، وفي التجنيد، وفي جمع الضرائب، وفي توفير الأمن المحلي ، لذلك فإن الدولة والقبيلة يمكن أن تعيشا في حالة اعتماد متبادل، حتى عندما تبدو إحداهما في صراع مع الأخرى.

غيلنر والثنائية بين الدولة والمجتمع القبلي

يحلل إرنست غيلنر المجتمعات الإسلامية والشرق أوسطية من خلال ثنائية بين الدولة الحضرية المركزية والمجتمعات القبلية القطاعية.

وفق هذا التصور، تسعى الدولة إلى تدجين القبائل أو فرض الجباية عليها، بينما تمثل القبائل مصدرًا دائمًا للتمرد، كما يمكن أن تكون مصدرًا لتجديد النخب الحاكمة عند انهيار المركز.

لكن الأهم هنا أن القبيلة لا تُفهم بوصفها بقايا من الماضي فحسب ، إنها شكل من أشكال التنظيم الاجتماعي قادر على إنتاج التضامن والحماية والهوية وتوزيع الموارد ، ولهذا فإن محاولة الدولة القضاء عليها بصورة مباشرة قد لا تؤدي بالضرورة إلى اختفائها؛ فقد تعيد القبيلة إنتاج نفسها في أشكال جديدة، وقد تنتقل علاقات القرابة إلى الأحزاب أو المؤسسات أو شبكات الزبائنية.

ومن هنا يمكن أن نفهم لاحقًا لماذا لم تنجح الدولة الحديثة في بلاد ما بين النهرين دائمًا في تحويل المواطن إلى فرد يرتبط بالدولة مباشرة ، ففي كثير من الحالات ظل المواطن مرتبطًا في الوقت نفسه بالعائلة والطائفة والعشيرة والمنطقة.

 

المبحث السابع

 التحولات المورفولوجية والسياسية في بنية الدولة عبر العصور

إذا أردنا الآن أن نتابع مسار الدولة عبر التاريخ، فسوف نجد أنها لم تتطور في خط مستقيم من “الدولة القديمة” إلى “الدولة الحديثة”.

لقد تغير شكلها مرات عديدة ، حيث انتقلت من دولة المدينة إلى المملكة والإمبراطورية، ثم ظهرت أشكال جديدة مع الخلافة الإسلامية، ثم الإمبراطورية العثمانية، وصولًا إلى الدولة الوطنية الحديثة.

ولهذا فإن السرد التاريخي الذي نستخدمه هنا ليس مجرد استعراض للماضي ، إنه وسيلة لفهم كيف تغير معنى السلطة نفسها عبر الزمن ، وهنا يمكن الإجابة عن السؤال الذي يُطرح في النقاش: ماذا يفيد السرد التاريخي في التطرق إلى الدولة الحديثة؟

يفيد لأنه يمنعنا من التعامل مع الدولة الحديثة بوصفها كيانًا طبيعيًا أزليًا ، فعندما نعرف أن الدولة مرت بأشكال متعددة، ندرك أن حدودها ومؤسساتها وعلاقتها بالمجتمع ليست حقائق ثابتة، بل نتائج تاريخية.

ومن دون هذا المنظور، قد نتصور أن المواطن والدستور والحدود والسيادة والمؤسسات البيروقراطية كانت موجودة دائمًا، بينما هي في الحقيقة نتاج مرحلة تاريخية محددة. فالتاريخ، إذن، لا يقدم لنا مجرد تسلسل للأحداث؛ إنه يكشف الأصول العميقة للمؤسسات التي نعيش داخلها اليوم.

  • دولة المدن والإمبراطوريات القديمة

تطورت الدولة من دولة المدينة والممالك المحلية المستقلة إلى إمبراطوريات واسعة النطاق، مثل أكد وبابل وآشور والإمبراطوريات الفرعونية المتعاقبة، ثم الإمبراطورية الفارسية والهلنستية والرومانية.

وقد اتسمت هذه الإمبراطوريات بالتوسع العسكري، والجباية المركزية، وتعدد القوميات والثقافات داخل سلطة سياسية واحدة، يجمعها الولاء للملك أو الإمبراطور والالتزام بالضرائب والجباية.

وهنا حدث تحول مهم في حجم الدولة ، فالدولة لم تعد مدينة ومجالها الزراعي، بل أصبحت تضم جماعات متعددة اللغات والثقافات والديانات ، وهذا يعني أن الدولة واجهت سؤالًا جديدًا: كيف تحكم جماعات ليست من جماعة واحدة؟

كانت الإجابة القديمة غالبًا تقوم على القوة والجباية والولاء للإمبراطور، مع ترك مساحة من الاستقلال للعادات المحلية. وهذا النمط سيظهر لاحقًا، بصور مختلفة، في الإمبراطوريات الإسلامية والعثمانية.

  • الدولة الإسلامية والخلافة

مع ظهور الإسلام والفتوحات الكبرى في القرنين السابع والثامن الميلاديين، تشكل نمط سياسي جديد استند إلى شرعية دينية سياسية تمثلت في مؤسسة الخلافة ، وتطورت هذه الدولة عبر العصور الأموية والعباسية، ثم الفاطمية والمملوكية، وأنتجت أجهزة إدارية ومالية متقدمة، مثل دواوين الخراج والجند والبريد، ونظام الوزارة والقضاء الشرعي ، ولكن هنا يبرز سؤال بالغ الأهمية طُرح في النقاش: هل الخلافة الإسلامية دولة بالمعنى الحديث؟

الجواب يحتاج إلى تمييز بين أمرين ، فإذا كنا نستخدم كلمة دولة بمعناها التاريخي الواسع، أي كيان سياسي يملك سلطة على إقليم وسكان، ويمارس الجباية، ويملك مؤسسات للإدارة والقضاء والجيش، فالخلافة كانت دولة .

أما إذا استخدمنا مفهوم الدولة الحديثة، فلا يمكن مساواتها بها ، فالدولة الحديثة تقوم على مفاهيم تاريخية لم تكن مكتملة في الخلافة، مثل الدولة القومية، والمواطنة المتساوية بصيغتها الحديثة، والحدود الإقليمية الصارمة، والسيادة الوطنية الحديثة، والفصل المؤسسي الواضح بين الدولة والمجال الديني.

الخلافة كانت دولة تاريخية ذات شرعية دينية وسياسية، لكنها ليست دولة وطنية حديثة قبل أوانها ، وهذا التمييز ضروري، تمامًا كما كان ضروريًا في حالة سومر.

فإذا قلنا إن الخلافة ليست دولة لأنّها لا تشبه فرنسا المعاصرة، فنحن نستخدم معيارًا زمنيًا خاطئًا ، أما إذا قلنا إنها دولة حديثة كاملة، فنحن نقع في الخطأ المعاكس ، فالأدق أن نقول إنها شكل تاريخي من أشكال الدولة، له منطقه الخاص في الشرعية والإدارة والإقليم والسلطة.

من المدينة إلى المجال الإمبراطوري

لم تعد السلطة الإسلامية محصورة بمدينة واحدة أو جماعة قرابية واحدة ، لقد توسعت لتشمل مجالًا جغرافيًا واسعًا، وضمّت جماعات متعددة من العرب والفرس والكرد والأمازيغ وغيرهم.

وهذا جعل الإدارة أكثر تعقيدًا ، فظهرت الدواوين، والجباية المنظمة، والبريد، والوزارة، والقضاء، والجيش ، وبذلك أصبح الجهاز الإداري أكثر استقلالًا وتخصصًا، وهي السمة نفسها التي رأينا بداياتها في الدول القديمة ، لكن الشرعية تغيرت ، ففي سومر كانت الشرعية مرتبطة بعلاقة الحاكم بالإله المحلي والنظام الكوني ، وفي مصر ارتبطت بالملك الإله والماعت ، أما في الخلافة فأصبحت الشرعية مرتبطة بالإسلام ومفهوم الجماعة والخلافة والحكم وفق الشريعة، مع اختلافات كبيرة بين التجارب السياسية والتاريخية المتعاقبة. وهكذا لا تختفي العلاقة بين المقدس والدولة؛ وإنما يتغير شكلها التاريخي.

  • الدولة العثمانية ودمج بلاد ما بين النهرين ووادي النيل

وصل مسار التحولات السياسية في المنطقة إلى مرحلة مختلفة مع الدولة العثمانية، التي حكمت أجزاء واسعة من بلاد ما بين النهرين ووادي النيل لقرون. وهنا يُطرح في النقاش سؤال مباشر: هل العثمانيون كانوا دولة؟

نعم، إذا استخدمنا مفهوم الدولة التاريخي والسياسي ، حيث كانت الدولة العثمانية سلطة سياسية مركزية ذات مؤسسات إدارية ومالية وعسكرية وقضائية، تملك جهازًا للجباية، وتسيطر على أقاليم واسعة، وتدير جيوشًا، وتصدر القوانين والأوامر، وتمارس السيادة على سكان ومجالات جغرافية واسعة.

لكنها، مرة أخرى، لم تكن دولة قومية حديثة ، فقد كانت إمبراطورية متعددة القوميات والأديان والمناطق، يقوم تنظيمها على علاقة مركزية بين إسطنبول والأقاليم، وعلى شبكات من الوسطاء المحليين.

وقد دمج العثمانيون بلاد ما بين النهرين ووادي النيل في الإمبراطورية عبر نظام الولايات والسناجق، مع وجود تبعية إدارية ومالية وعسكرية للمركز، لكن مع احتفاظ الزعامات المحلية والوجاهات والعشائر وأمراء الأقضية بدور مهم في جمع الضرائب وإدارة الشؤون اليومية، عبر أنظمة مثل الالتزام والإقطاع وغيرها.

وهذا النموذج يكشف مرة أخرى أن الدولة لا تعمل دائمًا من المركز مباشرة ، فحتى أقوى الإمبراطوريات تحتاج إلى وسطاء.

العثماني في إسطنبول لا يستطيع إدارة كل قرية ومدينة وناحية بنفسه ، ولذلك يحتاج إلى الوالي، والمتصرف، والملتزم، والزعيم المحلي، والوجهاء، وشبكات القوى الاجتماعية . وهنا تستمر البنية القديمة التي رأيناها منذ ابن خلدون: الدولة المركزية تحتاج إلى المجتمع المحلي، والمجتمع المحلي يحتاج إلى الدولة المركزية.

ولهذا فإن الدولة العثمانية لم تقضِ على البنى الاجتماعية المحلية، بل أعادت تنظيمها داخل الإمبراطورية.

لماذا يهمنا ذلك في فهم الدولة الحديثة؟

لأن الدولة الوطنية التي ستظهر بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية لم تبدأ من فراغ ، لقد كانت المجتمعات التي دخلت مرحلة الدولة الوطنية تحمل معها تاريخًا طويلًا من علاقات المركز بالأطراف، والقبيلة بالدولة، والطائفة بالسلطة، والزعامة المحلية بالإدارة المركزية.

وعندما انهارت الإمبراطورية، لم تختفِ هذه البنى ، بل دخلت إلى الدولة الجديدة ، وهنا نقترب من الإجابة عن سؤال سيصبح أكثر إلحاحًا في المبحثين الثامن والتاسع: لماذا لم تستطع الدولة الوطنية الحديثة دائمًا أن تستبدل الولاءات المحلية والقرابية والطائفية بولاء وطني جامع؟

الإجابة لا تبدأ في القرن العشرين ،  إنها تمتد جذورها إلى التاريخ الطويل لعلاقة الدولة بالمجتمع في المشرق ، ولهذا فإن الانتقال من الدولة العثمانية إلى الدولة الوطنية ليس مجرد انتقال من علم إلى علم أو من حاكم إلى حاكم؛ إنه انتقال من منطق إمبراطوري متعدد الجماعات إلى منطق الدولة الوطنية الذي يفترض مواطنًا متساويًا داخل إقليم محدد.

وهنا تبدأ واحدة من أكثر التحولات صعوبة في تاريخ المنطقة: كيف يمكن تحويل مجتمع تاريخي متعدد الجماعات والولاءات إلى مجتمع مواطنين متساوين أمام دولة واحدة؟

هذا السؤال سيقودنا إلى المبحث الثامن، حيث تدخل القوى الاستعمارية الأوروبية على خط تشكيل الدولة الحديثة، وترسم حدودًا جديدة، وتعيد تنظيم المؤسسات، ثم إلى المبحث التاسع حيث سنواجه السؤال الأصعب: لماذا بقيت الطائفية والقرابة والزعامة الأبوية حاضرة داخل الدولة الوطنية بدل أن تذوب فيها؟

 

المبحث الثامن

 الاستعمار وولادة الدولة الوطنية الحديثة

إذا كانت الدولة العثمانية قد مثّلت آخر الصيغ الإمبراطورية الكبرى التي حكمت معظم بلاد ما بين النهرين ووادي النيل، فإن سقوطها بعد الحرب العالمية الأولى لم يكن مجرد انتقال من سلطة سياسية إلى سلطة أخرى. لقد كان لحظة إعادة تركيب عميقة للخريطة السياسية والاجتماعية، نقلت المنطقة من منطق الإمبراطورية متعددة الجماعات إلى منطق الدولة الوطنية ذات الحدود الإقليمية المحددة.

وهنا يصبح السرد التاريخي ضروريًا مرة أخرى، ليس من أجل استعادة الماضي لذاته، وإنما من أجل فهم السؤال الذي طرح في النقاش: ماذا يفيدنا التاريخ عندما نتحدث عن الدولة الحديثة؟

يفيدنا أولًا في إدراك أن الدولة الحديثة لم تولد من فراغ ، فالمجتمعات التي دخلت القرن العشرين كانت تحمل معها طبقات متراكمة من التاريخ: علاقات القرابة، والعشيرة، والطائفة، والزعامة المحلية، وأنماط الإدارة العثمانية، والذاكرة الإمبراطورية، والروابط الاقتصادية التي لم تكن تتطابق بالضرورة مع الحدود السياسية التي ستظهر لاحقًا. ولهذا فإن الحدود الجديدة لم تكن مجرد خطوط على الخريطة؛ كانت تدخلًا في بنية اجتماعية قائمة.

سايكس – بيكو ولوزان والانتداب

شهد بلاد ما بين النهرين ووادي النيل نقطة انعطاف حاسمة ومأساوية مع نهاية الحرب العالمية الأولى وسقوط الدولة العثمانية.

فقد قسّمت القوى الاستعمارية الكبرى، ولا سيما بريطانيا وفرنسا، فضاء بلاد ما بين النهرين من خلال اتفاقيات وتفاهمات سياسية كان أبرزها اتفاقية سايكس-بيكو عام 1916 واتفاقيات سيفر عام 1920 ولوزان عام 1923 ، ثم وعد بلفور، وما أعقب ذلك من أنظمة الانتداب ، وأعيد رسم حدود سياسية جديدة فصلت، في حالات كثيرة، بين مدن وقبائل ومراكز اقتصادية وثقافية كانت مرتبطة تاريخيًا ضمن فضاءات أوسع.

لكن المشكلة ليست في رسم الحدود وحده ، فالدولة الحديثة جاءت أيضًا بمؤسسات جديدة: دستور، وبرلمان، وجهاز بيروقراطي، وقانون مدني، وجيش، وإدارة مركزية ، وبذلك دخلت إلى المنطقة صورة مختلفة للدولة.

لكن هذه الدولة لم تبدأ من نقطة الصفر؛ فقد حملت داخلها آثار الماضي الذي سبقتها إليه ، وهنا تظهر أهمية التاريخ مرة أخرى :إن فهم الدولة الوطنية لا يكون بالنظر إلى مؤسساتها الرسمية فقط، بل بالنظر إلى البنى الاجتماعية التي دخلت هذه المؤسسات معها ، فإذا كانت الدولة الحديثة تقول إن المواطن هو الوحدة الأساسية في المجال السياسي، فإن المجتمع لم يتحول بين ليلة وضحاها إلى مجتمع من أفراد منفصلين عن العائلة والطائفة والعشيرة والمنطقة ، وهنا بدأ التوتر بين الشكل المؤسسي الحديث للدولة وبين البنية الاجتماعية التاريخية للمجتمع.

الدولة الوطنية وبناء المؤسسات

فرضت أنظمة الانتداب البريطانية والفرنسية أطرًا دستورية وقانونية وتشريعية للدول الوطنية الناشئة، ومنها سوريا والعراق ولبنان والأردن وفلسطين، فيما تطورت مصر ضمن مسارها الاستعماري الخاص.

ثم نالت دول المنطقة استقلالها تباعًا في منتصف القرن العشرين، وشهدت هذه المرحلة صعود التيارات الوطنية والقومية، بما فيها المد القومي العربي، وتأسيس أنظمة جمهورية وملكية، وبناء مؤسسات إدارية وتعليمية وعسكرية حديثة سعت إلى ترسيخ سيادة الدولة الوطنية وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

وهنا ظهر تناقض جديد ، فالدولة الحديثة جاءت بمؤسسات يفترض أنها محايدة وعامة، لكن هذه المؤسسات وجدت نفسها تعمل داخل مجتمعات لم تتخلَّ عن بنياتها التاريخية.

ومن هنا لا يكفي أن نسأل: هل أنشأت الدولة الحديثة برلمانًا أو وزارة أو جيشًا؟

السؤال الأعمق هو: هل تغيرت العلاقات الاجتماعية التي تعطي هذه المؤسسات معناها؟

وهذا السؤال سيصبح جوهريًا في فهم الأزمة المعاصرة.

المبحث التاسع

 أنثروبولوجيا الدولة الوطنية المعاصرة: الأزمات، البطريركية، والريعية

إذا كان تاريخ الدولة قد بدأ بتحول السلطة من بنية قرابية أفقية إلى سلطة أكثر مركزية وتمايزًا، فإن الدولة الوطنية الحديثة يفترض أن تكون قد قطعت شوطًا أبعد: أن تجعل المواطن، لا العائلة أو القبيلة أو الطائفة، أساس العلاقة السياسية.

لكن هذا الانتقال لم يكتمل بصورة متساوية في المشرق العربي ووادي النيل.

فالدولة الحديثة امتلكت مؤسسات حديثة، لكنها لم تنجح دائمًا في تحويل المجتمع إلى مجتمع مواطنين متساوين يرتبطون بالدولة بعقد اجتماعي جامع.

ومن هنا تظهر مجموعة من الأزمات البنيوية التي تساعدنا على فهم استمرار التوتر بين الدولة والمجتمع.

أزمة العقد الاجتماعي والمواطنة

تتمثل المشكلة الأولى في عجز عدد من النظم السياسية عن صياغة عقد اجتماعي شامل وحقيقي يدمج مختلف المكونات الإثنية والدينية والمذهبية تحت مظلة المواطنة المتساوية وسيادة القانون.

وحين لا تنجح الدولة في إنتاج هذه المساواة، تبحث الجماعات عن أطر أخرى للحماية والانتماء.

فتعود الولاءات الفرعية إلى الواجهة: الطائفة، والعشيرة، والإثنية، والمنطقة، والعائلة.

وهنا يمكننا أن نعود إلى السؤال الذي طُرح في النقاش: ما دور الشعوب في تشكل الدول؟

الشعوب ليست مجرد مادة خام تصنع الدولة ثم تختفي من المشهد.

المجتمع يشارك في إنتاج الدولة، لكنه يستطيع أيضًا أن يقاومها أو يعيد تشكيلها أو يستخدم مؤسساتها لخدمة مصالح جماعاته.

فإذا كانت الدولة قوية ومؤسساتها عادلة، تستطيع أن تنقل الولاء من الروابط الأولية إلى المواطنة.

أما إذا كانت الدولة ضعيفة أو منحازة، فإن المجتمع يعود إلى شبكات الحماية القديمة.

وهنا لا ينبغي أن ننظر إلى الطائفية والعشائرية باعتبارهما مجرد “بقايا من الماضي”. إنهما قد تتحولان إلى استجابات اجتماعية لضعف الدولة أو لعدم الثقة بها.

لماذا تبدو الطائفية ملازمة للدولة في الشرق الاوسط ووادي النيل ؟

هذا السؤال يحتاج إلى قدر من الحذر؛ لأن القول إن الطائفية «ملازمة» للدولة المشرقية لا يعني أنها طبيعة أبدية للمجتمع، ولا أن المجتمعات المشرقية عاجزة بطبيعتها عن بناء دولة مواطنة.

الطائفية ظاهرة تاريخية  ، لكن استمرارها داخل الدولة الحديثة يرتبط بأن الدولة لم تنجح دائمًا في إلغاء أو تجاوز البنى الوسيطة التي سبقتها ، فمنذ الدولة القديمة، رأينا أن السلطة المركزية لا تحكم المجتمع مباشرة في كل تفاصيله؛ إنها تحتاج إلى وسطاء. وفي الدولة الإمبراطورية، كان هؤلاء الوسطاء ولاة وزعماء محليين ووجهاء وعشائر ومؤسسات دينية.

وفي الدولة العثمانية استمرت الزعامات المحلية والوجاهات والعشائر في لعب أدوار وسيطة بين المركز والمجتمع ، وعندما جاءت الدولة الوطنية الحديثة، لم تختفِ هذه البنى ، بل دخل بعضها إلى الدولة نفسها ، ولهذا فإن الطائفية ليست بالضرورة نقيض الدولة؛ قد تصبح إحدى الطرق التي تُنظَّم بها العلاقة بين الدولة والمجتمع. وهنا يمكن فهم إحدى المفارقات الأساسية:

الدولة التي يفترض أن توحد المجتمع قد تصبح أحيانًا الإطار الذي يعيد المجتمع من خلاله إنتاج انقساماته ، فإذا أصبحت الوظيفة العامة موزعة وفق الانتماء الطائفي ، وإذا أصبحت الحماية الاجتماعية مرتبطة بالجماعة، وإذا أصبحت الانتخابات تعتمد على التعبئة الطائفية ، فإن الدولة لا تلغي الطائفية ، بل تمنحها موارد ومؤسسات جديدة ، ومن هنا لا يكفي أن نقول إن الطائفية موجودة في المجتمع.

السؤال الأهم هو: كيف تعمل الدولة على إعادة إنتاجها؟

وهذه نقطة تجعل دراسة الطائفية دراسة للدولة نفسها، لا للمجتمع وحده ، فالدولة قد تكون أداة لتجاوز الطائفية، وقد تكون في ظروف أخرى آلية لإعادة إنتاجها ، وهذا يفسر لماذا تبدو الطائفية في بعض الدول المشرقية أكثر رسوخًا من مجرد كونها هوية اجتماعية؛ فهي تصبح أحيانًا جزءًا من بنية السلطة وتوزيع الموارد والتمثيل السياسي.

البنية البطريركية وسلطة الأب الحاكم

يرتبط ذلك بأزمة ثانية تتمثل في البنية البطريركية.

كما يحلل هشام شرابي في دراساته حول المجتمع الأبوي، أُلبست الدولة الحديثة في كثير من التجارب العربية لباسًا أبويًا؛ فتحولت المؤسسات الحديثة، من البرلمانات والأحزاب إلى البيروقراطية، في

وهنا نجد مفارقة أخرى.

المؤسسة قد تبدو حديثة من الخارج: وزارة، وبرلمان، وحزب، وإدارة، وانتخابات. لكن العلاقات التي تتحرك داخلها قد تكون علاقات شخصية وأبوية.

في هذه الحالة لا يصبح المواطن مواطنًا بالمعنى الكامل، بل قد يتحول إلى تابع ينتظر الخدمة من الزعيم أو الحاكم أو الوسيط. وهكذا تعود علاقة “الأب والأبناء” القديمة إلى داخل المؤسسة الحديثة.

وهذا يفسر جزئيًا لماذا يمكن أن توجد مؤسسات دستورية حديثة إلى جانب علاقات سياسية غير حديثة.

فالمشكلة ليست في شكل المؤسسة وحده، وإنما في نوع العلاقات الاجتماعية التي تنتجها وتعيد إنتاجها.

الدكتور سعيد عيسى ـ جذور نشوء الدولة في الشرق الأوسط  ووادي النيل


بعض الحالات إلى امتداد لشبكات الزعامات التقليدية والعائلية والريعية.جذور نشوء الدولة في الشرق الأوسط  ووادي النيل

مقاربة أنثروبولوجية وسوسيولوجية تاريخية في آليات السلطة، والرمز، والتشكل مع معالجة إشكالية انفصال الدولة عن المجتمع

 

 

المقدمة

تُعد دراسة نشوء الدولة في بلاد ما بين النهرين ووادي النيل من أعقد الإشكاليات التاريخية والأنثروبولوجية لا بل أكثرها تعقيدًا، لأنها تتطلب تقاطعًا معرفيًا دقيقاً بين التاريخ، وعلم الاجتماع السياسي، والأنثروبولوجيا الثقافية والاقتصادية. فالدولة في هذه الجغرافيا لم تكن مجرد جهاز قسري أو أداة إدارية بحتة، بل كانت بنية أنثروبولوجية وثقافية شاملة أعادت، عبر مراحل تاريخية طويلة، هندسة الوعي البشري، والمخيال الرمزي، وشبكات القرابة العضوية، لتستبدل بها تدريجيًا رابطة الطاعة الإقليمية والقانون المركزي.

ومن هنا يبرز في صلب هذه الإشكالية سؤال يبدو بسيطًا في صياغته، لكنه شديد التعقيد في دلالته: متى وكيف انفصلت الدولة عن المجتمع؟ وبمعنى أكثر تحديدًا: كيف تحولت السلطة من كونها وظيفة جماعية أفقية داخل نسيج القرابة إلى جهاز رأسي متعالٍ نسبيًا ومستقل، يستحوذ على القرار والثروة والعنف؟

هذا السؤال لا يفترض أن الدولة كانت موجودة منذ بداية التاريخ ثم تغير شكلها، ولا يفترض أن المجتمع كان كيانًا ناقصًا ينتظر الدولة لكي يكتمل. العكس هو الأقرب إلى الفهم التاريخي والأنثروبولوجي: المجتمع أقدم من الدولة، والدولة نفسها نتاج لتحولات حدثت داخل المجتمع. لكن هذه التحولات أنتجت في لحظة معينة مؤسسات للسلطة لم تعد تعمل بالطريقة نفسها التي كانت تعمل بها السلطة داخل علاقات القرابة.

ومن هنا فإن دراسة الدولة لا تعني فقط أن نبحث عن أول ملك أو أول قصر أو أول قانون، وإنما أن نبحث عن اللحظة التي أصبحت فيها السلطة متخصصة، ومتمركزة، وقادرة على ممارسة وظائف لم تعد الجماعة قادرة على القيام بها بصورة مباشرة.

وهذا يقودنا إلى ضرورة التمييز منذ البداية بين مفهومين كثيرًا ما يجري الخلط بينهما: الدولة بوصفها شكلًا تاريخيًا من أشكال التنظيم السياسي، والدولة الحديثة بوصفها شكلًا تاريخيًا محددًا من أشكال الدولة.

فليس صحيحًا، مثلًا، أن نقول إن السومريين لم يعرفوا الدولة لأن دولتهم لم تكن تشبه فرنسا في عهد شارل ديغول. وليس صحيحًا، في المقابل، أن نساوي بين دولة المدينة السومرية والدولة القومية الحديثة. الأولى كانت دولة ضمن شروطها التاريخية، والثانية دولة ضمن شروط تاريخية مختلفة جذريًا.

وهذا التمييز سيكون ضروريًا ونحن ننتقل من دول المدن القديمة إلى الممالك والإمبراطوريات، ثم إلى الخلافة والدولة العثمانية، وصولًا إلى الدولة الوطنية الحديثة.

إن الهدف من هذه الدراسة، إذن، ليس كتابة تاريخ سياسي تقليدي لحوض بلاد مابين النهريين ووادي النيل، بل تفكيك الجذور الاجتماعية والاقتصادية والرمزية التي جعلت الدولة ممكنة، وتتبع مسار تحول الكيانات البشرية من مجتمعات أفقية قائمة بدرجة كبيرة على الدم والقرابة إلى مجتمعات سياسية أكثر هرمية، تقوم على الإقليم والطبقة والمؤسسات، ثم تتبع التحولات اللاحقة التي أوصلت إلى الدولة الوطنية المعاصرة وإشكالياتها البنيوية.

المبحث الأول

المقاربة الأنثروبولوجية التطورية لنشوء الدولة: من القرابة إلى الإقليم والطبقة

في حقل الأنثروبولوجيا السياسية، يمثل الانتقال من مجتمعات القرابة إلى المجتمعات السياسية القائمة على الإقليم والطبقة أحد أكثر التحولات دراماتيكية في التاريخ البشري . وليس المقصود بذلك أن القرابة اختفت بمجرد ظهور الدولة، أو أن القبيلة تحولت بصورة آلية إلى دولة، وإنما أن القرابة فقدت تدريجيًا موقعها بوصفها الإطار السياسي الوحيد الذي ينظم الحقوق والواجبات والسلطة، وبدأ الإقليم يحتل موقعًا متزايد الأهمية في تعريف الجماعة السياسية.

  • النموذج التطوري لمراتب التنظيم الاجتماعي: إلمان سيرفيس ومورتون فريد

يوضح علماء الأنثروبولوجيا، ومن بينهم إلمان سيرفيس ومورتون فريد، أن التنظيم السياسي البشري مرّ تاريخيًا بأشكال متعددة تبدأ بالجماعات المتنقلة، ثم القبائل، فالمشيخات، وصولًا إلى الدولة ، ولا ينبغي فهم هذه المراحل باعتبارها سلمًا تطوريًا ميكانيكيًا أو قانونًا تاريخيًا صارمًا تسلكه جميع المجتمعات بالطريقة نفسها، وإنما بوصفها محاولة لتحديد أشكال متزايدة التعقيد من التنظيم السياسي والاجتماعي.

في الجماعات الصغيرة، كانت السلطة موزعة داخل شبكة العلاقات الاجتماعية، وكان حجم الجماعة وطبيعة الاقتصاد يسمحان بإدارة معظم شؤونها من خلال العرف والعلاقات الشخصية والقرابة ، ومع نمو الجماعة، تظهر أشكال من التمايز، وتبرز شخصية الزعيم أو الشيخ ، وتبدأ السلطة في اتخاذ طابع أكثر تركيزًا.

في مرحلة المشيخات، يبدأ التمايز الاجتماعي والسياسي في البروز من خلال نظام القرابة المركزي: الزعيم وأقاربه يحتلون موقعًا متميزًا، وتصبح هناك تراتبية اجتماعية وسياسية أكثر وضوحًا ، لكن الدولة، وفق هذا التصور، لا تظهر بوصفها كيانًا سياسيًا مستقلًا إلا عندما يبدأ هذا الاحتكار القرابي بالتصدع ، ويُستبدل به شكل من السلطة السياسية الإقليمية التي تتجاوز العشائر، وتستطيع فرض قواعد عامة على جماعات متعددة، واحتكار القوة الشرعية، وفرض الضرائب بغض النظر عن روابط الدم.

وهنا تقع النقلة الأساسية ، ففي المجتمع القائم على القرابة، يكون موقع الفرد داخل شجرة العائلة محددًا بدرجة كبيرة لحقوقه وواجباته ، فهو عضو في جماعة يعرف أفرادها بعضهم بعضًا، وتقوم بينهم علاقات التزام متبادلة . أما في المجتمع السياسي الإقليمي، فإن الفرد يصبح خاضعًا لسلطة تتجاوزه شخصيًا وعائليًا، وتطال آخرين لا تربطه بهم بالضرورة رابطة نسب ، وبذلك تصبح الأرض نفسها أساسًا لتنظيم السلطة.

لم يعد الانتماء السياسي قائمًا فقط على السؤال: من أي جماعة أنت؟ بل بدأ يرتبط بالسؤال: في أي إقليم تعيش، ولأي سلطة تخضع؟

وهذا التحول من رابطة الدم إلى رابطة الإقليم لا يعني اختفاء رابطة الدم ، فالعشيرة والقبيلة والأسرة استمرت، لكنها لم تعد الإطار السياسي الوحيد ، لأن الدولة أضافت إليها إطارًا جديدًا أكثر شمولًا، هو الإقليم السياسي.

  1. تصدع أنظمة النسب والقرابة في المجتمعات النيوليتية

في المجتمعات النيوليتية المبكرة في الهلال الخصيب ووادي النيل، كانت الروابط الاجتماعية تنظم من خلال العشيرة والقبيلة والنسب الموسع ، وكان الفرد يحصل على كثير من حقوقه وواجباته ومكانته الاجتماعية من موقعه داخل شبكة القرابة ، لكن هذا التنظيم واجه حدودًا مع تزايد الكثافة السكانية وتراكم الفائض.

فالجماعة الصغيرة تستطيع أن تدير مواردها اعتمادًا على المعرفة المباشرة والعلاقات الشخصية ، لكن الوضع يتغير عندما تصبح هناك جماعات كبيرة ، وموارد واسعة ، وأراضٍ تحتاج إلى إدارة ، ومياه ينبغي تنظيمها ، ومحاصيل يجب تخزينها وإعادة توزيعها ، ونزاعات تتجاوز حدود العشيرة الواحدة ، عندها تبدأ آليات القرابة في فقدان قدرتها على ضبط كل العلاقات.

وهذا لا يعني أن المجتمع قرر التخلي عن القرابة، بل يعني أن التعقيد الاجتماعي نفسه أنتج الحاجة إلى سلطة تتجاوز القرابة ، ومن هنا ظهرت، وفق هذا التحليل، سلطة فوق – قرابية (Super-kinship authority) ، وهي النواة الأنثروبولوجية الأولى للدولة.

وهذه النقطة مهمة لفهم الدولة لاحقًا : الدولة لا تظهر بالضرورة لأن أحدًا اخترع فكرة اسمها الدولة ، وإنما لأن حجم المجتمع وتعقيد علاقاته جعلا بعض وظائف التنظيم تتجاوز قدرة البنى القرابية وحدها.

  • من المجتمع الأفقي إلى السلطة الرأسية

إذا كانت القرابة تمثل بنية اجتماعية أفقية نسبيًا، فإن الدولة تبدأ في إنتاج بنية رأسية.

ففي المجتمع القرابي، لا توجد بالضرورة مسافة كبيرة بين من يمارس السلطة وبين بقية أفراد الجماعة ، أما عندما تظهر الدولة ، تبدأ السلطة في التمايز عن المجتمع وتصبح لها مواقع ومؤسسات وموظفون وموارد خاصة بها ،وهنا يمكن فهم معنى انفصال الدولة عن المجتمع بصورة أكثر دقة.

إنه ليس انفصالًا جغرافيًا، ولا يعني أن الدولة أصبحت خارج المجتمع ، بل هو انفصال وظيفي ومؤسسي: يصبح هناك جهاز متخصص في اتخاذ القرار، وجمع الموارد، وفرض القواعد، وتسوية النزاعات، وتنظيم العمل، وممارسة العنف ، وهذه الوظائف كانت موجودة في المجتمع سابقًا، لكنها كانت موزعة بين الأسرة والعشيرة والوجهاء والجماعة والعرف ، أما الآن فأصبحت مركزة في جهاز سياسي متخصص.

  • الأنثروبولوجيا الاقتصادية واقتصاديات إعادة التوزيع: كارل بولاني وموريس غوديلييه

لا يمكن فهم هذه النقلة السياسية من دون فهم التغير الاقتصادي الذي رافقها ، فوفقًا لأدبيات الأنثروبولوجيا الاقتصادية، وخاصة أطروحة كارل بولاني حول أشكال التكامل الاقتصادي، لم يكن الاقتصاد في المجتمعات القديمة قائمًا على السوق الحرة بالمعنى الحديث، ولا كانت علاقات الإنتاج والتوزيع منفصلة عن البنية الاجتماعية والسياسية والدينية ، بل كان الاقتصاد مدمجًا في المجتمع، أي أن إنتاج السلع وتبادلها وتوزيعها كانت عمليات مرتبطة بعلاقات القرابة والسلطة والطقوس والمؤسسات الدينية والسياسية ، وهنا تكتسب آلية إعادة التوزيع أهميتها.

فالمعبد والقصر في بلاد الرافدين ووادي النيل لم يكونا مؤسستين دينيتين أو سياسيتين فقط، بل كانا أيضًا مركزين اقتصاديين، حيث كانت المحاصيل والسلع تجمع من المنتجين عبر الضرائب العينية والالتزامات والطقوس، ثم تخزن وتوزع على الحرفيين والكتبة والعمال وغيرهم وفق تراتبية اجتماعية دقيقة.

ومن هنا يصبح الفائض عنصرًا حاسمًا في ظهور السلطة المركزية ، لأن السلطة التي تملك القدرة على جمع الفائض وإعادة توزيعه تملك في الوقت نفسه قدرة على إنتاج علاقات جديدة من التبعية ، فالمنتج لم يعد يحتفظ بكل ما ينتجه داخل جماعته ، وإنما أصبح جزء من إنتاجه يمر عبر مركز سياسي أو ديني ، ثم يعود إليه أو إلى غيره ضمن نظام تحدده السلطة.

ويضيف موريس غوديلييه بعدًا آخر إلى هذا التحليل ، فالسيطرة على الموارد الاقتصادية الكبرى لم تكن تحتاج إلى القوة المادية وحدها، بل كانت تحتاج أيضًا إلى شرعية ، ولذلك اكتسبت السيطرة الاقتصادية في المجتمعات القديمة بعدًا مقدسًا؛ فالمقدس كان يؤدي وظيفة القوة الخفية التي تبرر تركز الفائض في أيدي النخبة الحاكمة.

وهنا تبدأ العلاقة بين الاقتصاد والسلطة والرمز التي ستظهر بوضوح أكبر في بلاد الرافدين ووادي النيل ، فالدولة لم تكتفِ بجمع الفائض؛ كان عليها أن تجعل جمعه مشروعًا ومقبولًا ومفهومًا داخل النظام الرمزي للمجتمع.

وهذا ما يقودنا إلى السؤال المركزي الثاني في هذه المحاضرة: متى وكيف حدث الانفصال الفعلي بين الدولة والمجتمع؟

 

المبحث الثاني

لحظة وآليات انفصال الدولة عن المجتمع: المقاربة البنيوية والأنثروبولوجية

يمثل سؤال “متى وكيف انفصلت الدولة عن المجتمع؟” جوهر التحليل السوسيولوجي التاريخي والأنثروبولوجي لنشوء الحضارات الأولى في بلاد مابين النهريين ووادي النيل. وهو سؤال لا يتعلق فقط بتاريخ ظهور أول ملك أو أول عاصمة، وإنما بتاريخ تحول السلطة نفسها من وظيفة اجتماعية موزعة إلى مؤسسة متخصصة ومتمايزة.

  • متى حدث الانفصال؟ التأريخ الأنثروبولوجي للتحول

حدث هذا الانفصال، وفق الصياغة التي تعتمدها المحاضرة، على المستوى البنيوي في أعقاب الثورة النيوليتية ومع بدايات العصر البرونزي، نحو الألفية الرابعة قبل الميلاد، بالتزامن مع التحول من نظام العائلة الأمومية إلى نظام العائلة الأبوية، وما رافقه من انتقال تدريجي من اقتصاد الكفاية المعيشية إلى اقتصاد الفائض المستدام. قبل هذه اللحظة، كانت السلطة مندمجة بدرجة كبيرة في نسيج القرابة والعلاقات الاجتماعية اليومية ، و لم تكن هناك دولة منفصلة عن الجماعة بالمعنى المؤسسي الذي سيظهر لاحقًا.

لكن تراكم الفائض الزراعي، وتطور الزراعة المروية، وازدياد حجم الجماعات، وتعقد عمليات التخزين والتوزيع، أوجدت شروطًا جديدة.

ظهرت طبقة متخصصة تستطيع أن تتفرغ لإدارة الموارد من دون أن تشارك بصورة مباشرة في الإنتاج الزراعي العضوي نفسه. وهنا حدثت النقلة التي يمكن وصفها بأنها القطيعة الكبرى: تحولت الأداة الإدارية من خادم للجماعة إلى جهاز يتولى إدارة الجماعة من موقع متعالٍ نسبيًا عنها.

هذه النقطة تفسر لنا أيضًا لماذا لا ينبغي النظر إلى الدولة باعتبارها مجرد “حكومة” بالمعنى المعاصر. فالدولة الأولى كانت تحولًا في بنية المجتمع نفسها. لقد أعادت توزيع الأدوار، وخلقت فئات متخصصة في الإدارة والطقوس والكتابة والحرب، وربطت هذه الفئات بمركز سياسي أصبح يملك قدرًا متزايدًا من الاستقلال.

  • كيف انفصلت الدولة عن المجتمع؟ آليات التمايز البنيوي

لم يحدث الانفصال بآلية واحدة ، بل عبر مسارات مترابطة ومتكاملة ، ويمكن تحديدها في خمس مسارات رئيسية.

أولًا: الاحتكار المادي للفائض الاقتصادي

تركزت الثروة في المعابد والزيقورات والقصور الملكية ، وأصبح الفائض ينتقل من أيدي الفلاحين والمنتجين المباشرين إلى مراكز التجميع والتخزين وإعادة التوزيع ، وبهذه الطريقة أصبحت النخبة الإدارية والكهنوتية والملكية تسيطر على جزء أساسي من مقدرات المجتمع، وعلى أدوات الإنتاج الكبرى ، وهنا لا يكون الفائض مجرد كمية اقتصادية إضافية، بل يصبح مصدرًا للسلطة.

من يملك القدرة على جمع الفائض يستطيع تمويل الموظفين والكتبة والجيش والمشروعات الكبرى، وبالتالي يستطيع توسيع استقلاله عن المنتجين المباشرين.

ثانيًا: إحلال رابطة الإقليم محل رابطة الدم

لكي تنفصل الدولة عن المجتمع وتعمل بوصفها سلطة أوسع من العشيرة، كان لا بد من تجاوز الولاءات القرابية الضيقة واستبدالها برابطة الخضوع الإقليمي الموحد.

لم يعد شيخ القبيلة هو المرجع السياسي النهائي للجماعة، بل ظهر مركز سياسي يستطيع أن يفرض الجباية والقانون على جماعات مختلفة.

لكن هذه العملية لم تؤدِّ إلى اختفاء القبيلة، وهذه نقطة ستصبح لاحقًا مهمة جدًا في فهم الدولة ؛ فالقبيلة يمكن أن تستمر داخل الدولة، لكنها تصبح في علاقة جديدة معها: علاقة تفاوض، أو احتواء، أو صراع، أو تحالف.

ثالثًا: احتكار العنف الشرعي والتشريع

انتقل حق فض النزاعات تدريجيًا من الأعراف المجتمعية التلقائية إلى مؤسسات قضائية وتشريعية مركزية ، وتمثل قوانين أورنامو ومسلة حمورابي في بلاد الرافدين، إلى جانب أنظمة القضاء في وادي النيل، أمثلة على هذا التحول ، فلم يعد القانون مجرد عرف تتناقله الجماعة، بل أصبح مرتبطًا بسلطة مركزية تستطيع إعلانه وتطبيقه ، وهنا تتجسد إحدى أهم خصائص الدولة: احتكار إنتاج القاعدة القانونية وتطبيق القوة باسم النظام العام.

رابعًا: الأدْلَجة والقداسة

لم تكن الدولة قادرة على الاستمرار بالقوة وحدها ،  كان عليها أن تنتج تصورًا رمزيًا يجعل السلطة تبدو جزءًا من النظام الطبيعي أو الكوني ، ففي مصر ظهر نموذج الملك الإله، وفي بلاد الرافدين ظهر الحاكم بوصفه وكيلًا للإله أو ممثلًا لإرادته. وهكذا نشأت مسافة رمزية ونفسية بين الحاكم والمحكوم، وأصبحت الدولة في وعي الأفراد قوة كوزمولوجية متعالية نسبيًا عن المجتمع ، وهذا يفسر لماذا لا يمكن فصل دراسة الدولة القديمة عن دراسة الأسطورة والطقس والدين ، فالشرعية ليست مجرد فكرة قانونية؛ إنها أيضًا طريقة يرى بها المجتمع السلطة ويفسر وجودها.

خامسًا: تكوين الجهاز البيروقراطي المستقل

مع تطور الدولة ظهرت طبقة إدارية محترفة من الكتبة والكهنة والوزراء، تعمل لصالح المركز وتملك معرفة ومهارات لا يمتلكها عموم المنتجين ، وكان لظهور الكتابة أحد أهم شروط هذا التحول، لأنها سمحت بتسجيل الضرائب والمخازن والأراضي والعمال والقوانين والقرارات ، وهكذا أصبح للدولة جهازها الخاص.

هنا يمكن أن نلخص عملية الانفصال في سلسلة مترابطة: الفائض يولّد الحاجة إلى الإدارة؛ الإدارة تنتج التخصص؛ التخصص ينتج جهازًا؛ الجهاز يكتسب موارد؛ الموارد تمنحه استقلالًا؛ والاستقلال يحتاج إلى شرعية؛ والشرعية تعيد إنتاج السلطة.

لكن هذه السلسلة لا تعني أن الدولة أصبحت منفصلة تمامًا عن المجتمع ، فالدولة بقيت تعتمد على المجتمع في إنتاج الفائض والعمل والجنود والمعرفة ، لذلك فإن  انفصال الدولة عن المجتمع  هو انفصال نسبي ومؤسسي، لا انفصال مطلق. ومن هنا تبدأ المشكلة التي سترافق تاريخ الدولة منذ سومر ومصر إلى الدولة الوطنية الحديثة : كيف تستطيع الدولة أن تصبح كيانًا مستقلًا نسبيًا عن المجتمع، من دون أن تفقد الأساس الاجتماعي الذي تستمد منه قدرتها على البقاء؟

هذا السؤال هو الذي سيقودنا إلى النظريات التي حاولت تفسير لماذا ظهرت الدولة في بعض البيئات والتجمعات التاريخية، وكيف ارتبط نشوء الدولة بالمدينة والبيئة والمياه والصراع.

 

المبحث الثالث

نظريات نشوء الدولة: التفسير الوظيفي والبيئي والصراعي

إذا كان المبحثان السابقان قد حددا التحول الاجتماعي والاقتصادي الذي جعل الدولة ممكنة، فإن السؤال التالي هو: لماذا ظهرت الدولة في بعض البيئات التاريخية بهذا الوضوح، ولماذا اتخذت أشكالًا مختلفة من مجتمع إلى آخر؟

لا توجد إجابة واحدة عن هذا السؤال. فقد حاولت مدارس متعددة تفسير نشوء الدولة من خلال عوامل مختلفة: المدينة، والاقتصاد، والبيئة، والسيطرة على المياه، والصراع على الموارد، والحرب، والحاجة إلى الإدارة.

والأهمية هنا ليست في اختيار نظرية واحدة وإقصاء غيرها، وإنما في النظر إلى الدولة بوصفها نتيجة تفاعل مجموعة من العوامل.

  • جوردون تشيلد والثورة الحضرية

يمثل جوردون تشيلد أحد أبرز الباحثين الذين ربطوا نشوء الدولة بما سماه الثورة الحضرية ، فبعد الثورة الزراعية، لم تعد المستوطنات مجرد تجمعات من المزارعين ، كما أدى استقرار السكان وتراكم الفائض إلى زيادة الكثافة السكانية، وظهور تخصصات مهنية جديدة، وتوسع التجارة، وازدياد الحاجة إلى الإدارة ، ومن هنا أصبحت المدينة أكثر من مجرد مكان للسكن ، حيث أصبحت مركزًا اقتصاديًا وسياسيًا ودينيًا.

وتكمن أهمية أطروحة تشيلد في أنها تربط بين التحضر والتخصص الاجتماعي ، فعندما تنتج الجماعة فائضًا أكبر من حاجتها المباشرة، يصبح من الممكن أن يتفرغ جزء من السكان لأعمال أخرى: الكتابة، والحرف، والإدارة، والطقوس، والتجارة، والجيش .وهكذا يبدأ المجتمع في إنتاج طبقات ووظائف لم تكن ممكنة في القرية الزراعية الصغيرة.

لكن المدينة لا تنتج الدولة وحدها ، فالمدينة تحتاج إلى سلطة قادرة على إدارة مواردها، وتنظيم علاقاتها، وحماية طرق التجارة، وتسوية النزاعات، وإدارة العلاقة بين السكان ومراكز الفائض ، ولهذا فإن ظهور المدينة والدولة كانا متداخلين، وإن لم يكونا الشيء نفسه.

ومن هنا نفهم لماذا كانت بلاد الرافدين واحدة من أكثر المناطق أهمية في دراسة الدولة المبكرة: فقد شهدت نشوء مدن كبيرة مثل أوروك وأور ولَجَش، وتحولت المدينة إلى وحدة سياسية كاملة.

  • كارل ويتفوغل والإدارة الهيدروليكية

إذا كان تشيلد قد ركز على المدينة والفائض والتخصص، فإن كارل ويتفوغل حاول تفسير نشوء الدولة من خلال التحكم في المياه ، ففي المجتمعات التي قامت على الزراعة المروية في الأنهار الكبرى، كان تنظيم المياه يحتاج إلى قدر من التنسيق يتجاوز قدرة الأسرة أو القرية الصغيرة : لحفر القنوات، وصيانتها، وتنظيم تدفق المياه، وتوزيعها، وحماية الأراضي من الفيضانات، كلها وظائف تتطلب إدارة واسعة ،ومن هنا نشأت، وفق هذه الفرضية، حاجة إلى سلطة مركزية قادرة على تنظيم العمل الجماعي.

لكن أهمية هذه النظرية لا تكمن في القول إن الري اخترع الدولة ، فالدولة كانت أكثر تعقيدًا من مجرد جهاز لإدارة المياه ، وإنما تكشف لنا النظرية كيف يمكن للبنية التحتية أن تنتج حاجة إلى الإدارة، وكيف يمكن للإدارة أن تنتج بدورها سلطة أكثر مركزية.

وهنا تتقاطع النظرية الهيدروليكية مع ما سبق أن ناقشناه حول الفائض ، فالمياه تنتج الزراعة، والزراعة تنتج الفائض، والفائض يحتاج إلى تخزين وإدارة وتوزيع، وهذه العمليات تنتج أجهزة إدارية متخصصة.

لكن يجب ألا نحول هذا المسار إلى قانون حتمي؛ فوجود الأنهار لا يؤدي تلقائيًا إلى الدولة المركزية ، فالتاريخ أكثر تعقيدًا، والعوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية تدخل دائمًا في تشكيل النتيجة.

  • روبرت كارنيرو والصراع على الموارد

يقدم روبرت كارنيرو تفسيرًا مختلفًا يركز على الصراع والضغط السكاني والقيود البيئية ، فعندما تتزايد أعداد السكان في مناطق محدودة الموارد، يصبح التنافس على الأرض والمياه والموارد أكثر حدة ، وقد يؤدي هذا التنافس إلى الحروب بين الجماعات، ثم إلى توسع جماعة على حساب أخرى، وظهور مراكز سياسية أكثر قدرة على فرض السيطرة ،وبهذا المعنى، يمكن أن تكون الحرب عاملًا في تكوين الدولة.

لكن الحرب هنا ليست مجرد نتيجة لوجود الدولة، بل يمكن أن تكون أيضًا إحدى الآليات التي ساعدت على نشوئها ، فالجماعة التي تستطيع تنظيم جيش، وتعبئة الموارد، وإدارة الأراضي التي تسيطر عليها، تصبح أكثر قدرة على التوسع ، ومع التوسع تصبح الإدارة أكثر تعقيدًا، ويزداد الفائض، وتحتاج السلطة إلى موظفين وجباة وجنود. وهكذا يمكن أن تتحول المنافسة بين الجماعات إلى عامل في بناء جهاز الدولة.

  • نحو تفسير مركب

إذا جمعنا تشيلد وويتفوغل وكارنيرو، سنجد أن كل نظرية تضيء جانبًا من العملية ، فتشيلد يوضح لنا المدينة والتخصص والفائض ،ويتفوغل يوضح لنا المياه والبنية التحتية والحاجة إلى التنسيق ، بينما كارنيرو يوضح لنا الصراع على الموارد والضغط السكاني والتوسع السياسي ، لكن هذه العناصر لا تعمل منفصلة.

فالفائض يحتاج إلى إدارة، والإدارة تحتاج إلى سلطة، والسلطة تحتاج إلى موارد، والموارد قد تصبح موضوعًا للصراع، والصراع يحتاج إلى تنظيم عسكري، والتنظيم العسكري يحتاج إلى إدارة، والإدارة تنتج جهازًا أكثر استقلالًا ، ومن هنا لا ينبغي أن نسأل: أي نظرية هي الصحيحة؟

الأدق أن نسأل: كيف تفاعلت هذه العوامل داخل البيئات التاريخية المحددة؟

وهذا يقودنا مباشرة إلى الحالة الأكثر أهمية في هذه المحاضرة : بلاد الرافدين.

 

المبحث الرابع

نموذج بلاد الرافدين ووادي النيل: الدولة كنتاج للمدينة والمقدس والإدارة

تمثل بلاد الرافدين ووادي النيل مختبرين تاريخيين بالغَي الأهمية لفهم نشوء الدولة ، فهما لم تنتجا شكلًا واحدًا من الدولة، بل قدمتا نموذجين مختلفين نسبيًا: نموذج دولة المدن في بلاد الرافدين، ونموذج الدولة المركزية الموحدة في مصر القديمة.

وهذا الاختلاف مهم لأنه يؤكد أن الدولة ليست نتيجة عامل واحد، وأن البيئة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية يمكن أن تنتج أشكالًا مختلفة من التنظيم السياسي.

أولًا: بلاد الرافدين ودولة المدينة

كانت بلاد الرافدين، ولا سيما جنوبها، من أوائل المناطق التي شهدت نمو المدن الكبيرة وظهور المؤسسات السياسية والإدارية المعقدة ، فظهرت مدن مثل أوروك وأور ولَجَش وإريدو، ولم تكن هذه المدن مجرد تجمعات سكانية؛ كانت كيانات سياسية مستقلة نسبيًا، لها مؤسساتها، وقياداتها، ومعابدها، ومواردها، وجيوشها، ونظمها الإدارية.

وهنا ينبغي التوقف عند مفهوم دولة المدينة ، فكل مدينة كبرى كانت تمثل مركزًا سياسيًا، وتحيط بها أراضٍ زراعية ومستوطنات تعتمد عليها ، كما كانت المدينة تملك سلطة على المجال المحيط بها، وتتنافس مع المدن الأخرى على الأرض والمياه والموارد.

وهكذا فإن الدولة السومرية لم تكن دولة قومية موحدة بالمعنى الذي نعرفه اليوم، بل كانت مجموعة من دول المدن ، وهنا يمكن إدخال السؤال الذي طُرح في النقاش: هل دولة سومر هي دولة فرنسا في عهد شارل ديغول؟

المقارنة تكشف خطأ منهجيًا مهمًا ، فإذا كان المقصود: هل كان السومريون يملكون دولة ومؤسسات وسلطة سياسية وقوانين وجيشًا وإدارة؟ فالجواب نعم.

أما إذا كان المقصود: هل كانت دولة سومر دولة قومية حديثة مثل فرنسا؟ فالجواب لا.

فالدولة لا تتخذ شكلًا واحدًا عبر التاريخ ، فدولة المدينة السومرية كانت دولة تاريخية، لكنها لم تكن دولة قومية حديثة ، و لم تكن تقوم على مفهوم المواطنة الحديثة، ولا على الحدود القومية الحديثة، ولا على فصل واضح بين الدين والسياسة، ولا على مفهوم السيادة الوطنية بالشكل الذي تبلور لاحقًا.

لذلك فإن استخدام فرنسا في عهد ديغول (على سبيل المثال لا الحصر) معيارًا للحكم على سومر يؤدي إلى إسقاط مفهوم حديث على مجتمع قديم.

والأصح أن نستخدم معيارًا تاريخيًا: هل كانت هناك سلطة سياسية متمايزة؟ هل كانت هناك إدارة؟ هل كان هناك احتكار نسبي للعنف؟ هل كانت هناك جباية؟ هل كان هناك قانون؟ هل كانت هناك مؤسسات تملك قدرًا من الاستقلال عن العلاقات القرابية المباشرة؟

في الحالة السومرية، نجد هذه العناصر بدرجات واضحة.

كيف استطاع السومريون إنشاء دولة؟

السؤال الآخر الذي طُرح في النقاش أكثر تحديدًا: كيف استطاع السومريون إنشاء دولة؟

والإجابة تبدأ من رفض فكرة أن السومريين جلسوا في لحظة تاريخية وقرروا  إنشاء الدولة  ، فالدولة لم تكن مشروعًا هندسيًا مخططًا من البداية ، بل ظهرت من تراكم ظروف تاريخية.

فالزراعة في جنوب بلاد الرافدين ارتبطت بشبكة معقدة من المياه والقنوات، ونمو المدن أدى إلى تراكم السكان، وتراكم السكان أدى إلى زيادة الحاجة إلى تنظيم الإنتاج، والإنتاج الزراعي أنتج فائضًا، والفائض استدعى التخزين والتوزيع، والتخزين والتوزيع احتاجا إلى كتبة وموظفين ومخازن، ومع اتساع المجال السياسي ظهرت الحاجة إلى الجند والإدارة والقانون ، وهكذا أصبح لدينا جهاز سياسي يتجاوز الأسرة والعشيرة.

كانت الزيقورة والمعبد في قلب هذه المنظومة ، فالمعبد لم يكن مجرد مكان للعبادة، بل كان مؤسسة اقتصادية واجتماعية وسياسية ، يمتلك الأراضي ويجمع الموارد ويشرف على العمل ويعيد توزيع جزء من الفائض ، ثم ظهر القصر الملكي بوصفه مركزًا آخر للسلطة.

ومن هنا نشأ تداخل المعبد والقصر والمدينة.

الإنسي واللوغال

تظهر طبيعة السلطة السياسية السومرية من خلال التمييز بين الإنسي واللوغال ، فالإنسي ارتبط بصورة أكبر بحكم المدينة وإدارتها، بينما ارتبط اللوغال بالملكية والسلطة العسكرية والتوسع.

ولا ينبغي النظر إلى هذه المصطلحات وكأنها تطابق تمامًا لمفهوم رئيس البلدية و الملك الحديثين؛ فالمؤسسات السومرية كانت جزءًا من منظومة سياسية ودينية مختلفة ، لكن التمييز يكشف لنا شيئًا أساسيًا: السلطة بدأت تتخصص ، ولم يعد المجتمع كله يمارس الوظائف السياسية بصورة مباشرة، وإنما أصبح هناك أفراد ومؤسسات متخصصة في الحكم والإدارة والطقوس والحرب ، وهذه هي بالضبط اللحظة التي تحدثنا عنها في المبحث السابق: تحول السلطة من وظيفة موزعة اجتماعيًا إلى جهاز أكثر تخصصًا وتمايزًا.

أكيتو والشرعية السياسية

كانت الطقوس السياسية والدينية جزءًا من عملية إنتاج الشرعية ، ويمثل عيد أكيتو مثالًا مهمًا على ذلك ، فلم يكن الطقس مجرد احتفال ديني، بل كان يعيد إنتاج العلاقة بين الملك والآلهة والمجتمع والنظام الكوني.

ففي الطقس، كان النظام السياسي يعاد تثبيته رمزيًا ، وهنا تظهر أهمية الأسطورة في الدولة القديمة ، فأسطورة تيامات ومردوخ، مثلًا، لا يمكن فصلها عن تصور النظام السياسي والكوني؛ فهزيمة الفوضى وإنتاج النظام الكوني يمكن أن تقرأ في علاقتها بتثبيت سلطة المدينة ومركزيتها ، وهذا هو ما يجعل الدولة القديمة بنية سياسية ورمزية في الوقت نفسه.

الكتابة والقانون

كانت الكتابة واحدة من أهم التحولات في نشوء الدولة ، فالكتابة سمحت بتسجيل المحاصيل والضرائب والأراضي والعمال والديون والمعاملات والقوانين ، ومع الكتابة أصبح من الممكن أن تتجاوز الإدارة حدود الذاكرة الشخصية.

وهذا تحول هائل ، ففي مجتمع صغير، يستطيع الشيخ أو رب الأسرة الاعتماد على الذاكرة والعلاقات المباشرة ، أما في مدينة كبيرة وإدارة معقدة، فإن الدولة تحتاج إلى سجلات ، وهكذا أصبحت الكتابة جزءًا من البنية البيروقراطية للدولة.

أما القوانين، مثل قوانين أورنامو ثم لاحقًا مسلة حمورابي، فقد عبرت عن انتقال مهم من العرف المحلي إلى سلطة تشريعية أكثر مركزية.

لكن القانون لم يكن محايدًا اجتماعيًا بالمعنى الحديث؛ فقد عكس بنية المجتمع الطبقية ودرجات المكانة والتمييز بين الفئات ، وهنا نعود إلى السؤال الذي طرحناه في البداية: كيف انفصلت الدولة عن المجتمع؟

لقد حدث ذلك من خلال مجموعة متراكمة من الأدوات: الفائض، والمعبد، والقصر، والكتابة، والقانون، والجيش، والشرعية الدينية، والإدارة.

ثانيًا: وادي النيل والدولة المركزية

إذا كانت بلاد الرافدين تقدم نموذجًا لدولة المدن، فإن وادي النيل يقدم نموذجًا مختلفًا نسبيًا: الدولة المركزية التي اتخذت شكلًا أكثر وحدة واستقرارًا.

وهنا يظهر سؤال البيئة مرة أخرى ، كان النيل هو العمود الفقري للحياة الاقتصادية المصرية ، فالفيضان السنوي لم يكن مجرد ظاهرة طبيعية، بل كان أساس النظام الزراعي ، ومع انتظام الزراعة، أصبحت هناك حاجة إلى قياس الأراضي، وتنظيم القنوات، وحساب المحاصيل، وجمع الضرائب، وتحديد حقوق الانتفاع بالأرض ، وهكذا تحولت البيئة إلى عامل من عوامل التنظيم السياسي.

  • نارمر وتوحيد مصر

يرتبط توحيد مصر القديمة تقليديًا بالملك نارمر أو مينا، في أواخر الألفية الرابعة قبل الميلاد ، ولا ينبغي أن نفهم التوحيد باعتباره مجرد انتصار عسكري لشخص على آخر، بل بوصفه بداية لتكوين مجال سياسي واسع يخضع لمركز واحد ، وهنا تختلف مصر عن نموذج دول المدن في بلاد الرافدين.

فبدلًا من تعدد المراكز السياسية المتنافسة، ظهر مركز ملكي قادر على إدارة مساحة واسعة من وادي النيل ، وهذا المركز احتاج إلى جهاز إداري كبير.

  • الملكية الكوزمولوجية والماعت

لكن قوة الدولة المصرية لم تكن قائمة على الإدارة وحدها ، لقد كان الملك في الفكر المصري جزءًا من النظام الكوني نفسه ، وكان مفهوم الماعت يمثل العدالة والنظام والانسجام الكوني.

ومن هنا أصبحت مهمة الملك ليست فقط إدارة الدولة، بل الحفاظ على النظام الكوني ، هذه الفكرة مهمة جدًا لفهم العلاقة بين المقدس والدولة ، فحين يعتقد المجتمع أن استقرار العالم نفسه مرتبط باستقرار السلطة، تصبح طاعة الملك أكثر من مجرد التزام سياسي؛ تصبح جزءًا من الحفاظ على النظام.

وهكذا يؤدي الرمز وظيفة سياسية عميقة.

  • الأهرامات كاقتصاد سياسي

يمكن أن تبدو الأهرامات للوهلة الأولى آثارًا دينية أو جنائزية، لكنها تكشف أيضًا عن قدرة الدولة على تنظيم الموارد والعمل ، فإنشاء مشروع بهذا الحجم يتطلب تعبئة أعداد ضخمة من العمال، وتوفير الغذاء، وتنظيم النقل، وإدارة الحجر، وتوزيع المهام، ومراقبة العمل  ، وبالتالي فإن الهرم يمثل، من منظور الدولة، تجسيدًا ماديًا لقدرتها التنظيمية ، إنه يربط بين الدين والاقتصاد والإدارة والسلطة في بنية واحدة.

  • الوزير والكتبة والأقاليم

اعتمدت الدولة المصرية على جهاز إداري متطور، كان الوزير في قمته إلى جانب شبكة واسعة من الكتبة والموظفين ، حيث كانت مصر مقسمة إلى أقاليم، أو Nomarchies، تحتاج إلى إدارة محلية مرتبطة بالمركز ، وهنا تظهر مرة أخرى العلاقة بين المركز والأطراف.

فالدولة لا تستطيع إدارة مجال واسع من العاصمة وحدها، ولذلك تحتاج إلى وسطاء محليين، لكن هؤلاء الوسطاء قد يصبحون بدورهم مراكز قوة ، ومن هنا فإن بناء الدولة لا يعني القضاء على القوى المحلية، بل إعادة تنظيمها ضمن بنية مركزية.

  • بين سومر ومصر: شكلان للدولة

تكشف المقارنة بين بلاد الرافدين ووادي النيل أن الدولة لا تتبع طريقًا واحدًا ، ففي بلاد الرافدين، برزت دولة المدينة، والتنافس بين المراكز(المدن)، والمعبد بوصفه مؤسسة اقتصادية وسياسية، وتعدد المدن والممالك.

وفي مصر، برزت الدولة المركزية الموحدة، والملك بوصفه محور النظام السياسي والكوني، والإدارة الإقليمية المرتبطة بالمركز.

لكن النموذجين يشتركان في عناصر أساسية: الفائض الزراعي، التخصص الاجتماعي، الإدارة، الكتابة، الجباية، الجيش، القانون، الشرعية الرمزية، والمؤسسات المتمايزة نسبيًا عن المجتمع ، وهنا يمكن أن نعود إلى سؤال الشعوب ودورها.

لم تكن الدولة السومرية أو المصرية نتاج الملك وحده ، فالملك لم يبنِ القنوات، ولم يزرع الحقول، ولم يصنع الأدوات، ولم ينقل الأحجار، ولم يكتب السجلات بنفسه ، لقد كانت الدولة تعتمد على مجتمع كامل من المنتجين والحرفيين والعمال والكتبة والجنود.

لكن المفارقة هي أن المجتمع الذي أنتج الموارد هو نفسه الذي بدأت الدولة تفرض عليه الضرائب والعمل الإجباري والقواعد ، ومن هنا فإن نشوء الدولة لم يكن مجرد تنظيم للمجتمع، بل كان أيضًا إعادة توزيع للسلطة داخل المجتمع ، وهذا هو الجانب الذي سنحتاج إليه لاحقًا لفهم الطبقات، والقرابة، والقبيلة، والإمبراطوريات، ثم الدولة الحديثة.

فكلما تطورت الدولة، أصبحت أكثر قدرة على تنظيم المجتمع، لكنها أصبحت في الوقت نفسه أكثر قدرة على استخلاص موارده وضبطه ، وهنا تبدأ العلاقة التاريخية المعقدة بين الدولة والمجتمع التي سترافق بلاد ما بين النهرين ووادي النيل عبر آلاف السنين.

 

المبحث الخامس

 البنية الاقتصادية والاجتماعية لعصر فجر التاريخ

  • الفائض والطبقية والتشريع

إذا كان نشوء الدولة قد ارتبط، كما رأينا، بتراكم الفائض وتخصص الإدارة وظهور المؤسسات السياسية والدينية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه الآن هو: ماذا فعلت الدولة بالمجتمع الذي أنتجها؟

هذه النقطة أساسية لأن الدولة لم تكن مجرد استجابة محايدة لمتطلبات التنظيم. فمع ظهورها تغيرت البنية الاجتماعية نفسها ، وأصبح المجتمع أكثر تمايزًا، وظهرت طبقات وفئات ذات مواقع مختلفة في عملية الإنتاج والتوزيع والسلطة.

لقد تأسست الدولة في المشرق ووادي النيل على ركائز اقتصادية واجتماعية حددت ملامحها لقرون طويلة، وفي مقدمتها اقتصاد المعبد والقصر، والطبقية الاجتماعية، وتقسيم العمل، ثم التشريع والتقنين.

  • اقتصاد المعبد والقصر

تركزت الثروة والسلطة الاقتصادية في المراحل المبكرة في مؤسسات المعبد، ثم في القصر والقيادة الملكية والعسكرية ، وكانت الموارد، من محاصيل زراعية ومعادن وغيرها، تُجمع في مخازن مركزية ثم يعاد توزيعها على الحرفيين والعاملين وفق نظام اقتصادي مركزي دقيق ، وهنا نصل إلى نقطة مهمة في فهم علاقة الدولة بالمجتمع ، إن الفائض الذي جعل الدولة ممكنة هو نفسه الذي أعطاها القدرة على الاستمرار.

فالدولة تحتاج إلى مورد دائم لتمويل جهازها الإداري والعسكري والديني ، وكلما توسع الجهاز، ازدادت حاجته إلى الموارد، وكلما ازدادت الموارد التي تمر عبره، ازدادت قدرته على الاستقلال عن المنتجين المباشرين ، لكن ذلك لا يعني أن المجتمع كان مجرد ضحية سلبية للدولة.

فالفلاحون والحرفيون والعمال كانوا أساس الاقتصاد كله ، و من دون إنتاجهم لا يوجد فائض، ومن دون الفائض لا توجد مؤسسة مركزية قادرة على الاستمرار.

من هنا يمكن أن نجيب عن أحد الأسئلة التي تطرح في النقاش: ما دور الشعوب في تشكل الدول؟

دور الشعوب لم يكن هامشيًا أو ثانويًا ، فالدولة لم تنشأ من فوق فقط؛ بل نشأت من التحولات التي حدثت في المجتمعات نفسها ، فالمزارعون طوروا الزراعة، والجماعات نظمت المياه، والحرفيون طوروا التخصص، والتجار وسعوا شبكات التبادل، والعمال والجنود والكتبة جعلوا الجهاز السياسي قادرًا على العمل.

لكن المفارقة التاريخية هي أن المجتمع، حين أنتج هذه الشروط، أنتج في الوقت نفسه جهازًا أصبح قادرًا على تنظيمه من موقع أعلى ، وهكذا فإن نشوء الدولة يمكن فهمه بوصفه عملية اجتماعية أنتجت مؤسسة أصبحت لاحقًا أكثر استقلالًا نسبيًا عن المجتمع الذي أنتجها.

الطبقية الاجتماعية وتقسيم العمل

أدى الفائض الإنتاجي إلى ظهور تمايز طبقي واضح بين فئة حاكمة ومسيطرة تضم الملوك والكهنة وأمراء الأقاليم وقادة الجيش، وفئة منتجة تضم الفلاحين والحرفيين وعمال البناء، وفئة ثالثة من المُسْتَرَقين في بعض المراحل .

توثق المدونات والوثائق الاقتصادية السومرية والمصرية القديمة جوانب عديدة من هذا التمايز.

وهنا تظهر أهمية تقسيم العمل ، فالزراعة لم تعد النشاط الوحيد الذي يمارسه أفراد المجتمع ، حيث أصبح هناك من يكتب، ومن يدير، ومن يحارب، ومن يمارس الطقوس، ومن يصنع الأدوات، ومن ينقل السلع، ومن يعمل في البناء ، وهذا التخصص رفع قدرة المجتمع على الإنتاج، لكنه أنتج في الوقت نفسه تفاوتًا في المكانة والموارد ، وبالتالي فإن الدولة لم تنشأ فقط من الحاجة إلى تنظيم مجتمع متزايد التعقيد؛ إنها ساهمت أيضًا في إعادة تنظيم هذا المجتمع على أساس التراتب.

التشريع والتقنين

مع ظهور القوانين والمدونات، أصبح للدولة دور أكثر وضوحًا في تحديد الحقوق والواجبات وتنظيم الملكية والعقود والعقوبات ، ومن أبرز الأمثلة قوانين أورنامو، وقوانين لبت-عشتار، ومسلة حمورابي في بلاد الرافدين، إلى جانب التشريعات الملكية وتنظيم القضاء في مصر الفرعونية. وقد أدت هذه القوانين وظيفة سياسية وقانونية في ضبط العلاقات الاجتماعية وحماية الملكية وترسيخ الدولة بوصفها مرجعًا للعدالة والنظام العام ، لكن القانون لم يكن مجرد أداة للعدالة بالمفهوم الحديث ، لقد كان أيضًا أداة لتثبيت النظام الاجتماعي القائم.

وهذا يعيدنا إلى السؤال الأساسي حول انفصال الدولة عن المجتمع: كلما أصبحت الدولة مصدرًا للقانون، لم تعد القواعد الاجتماعية تُنتج داخل الجماعة وحدها، وإنما أصبح هناك مركز يملك القدرة على تعريف السلوك المشروع وغير المشروع ، وهنا تكتمل إحدى أهم مراحل الانتقال من المجتمع القرابي إلى المجتمع السياسي.

 

المبحث السادس

 ديناميكيات القرابة والقبيلة في مواجهة الدولة

مقاربة سوسيولوجية تاريخية: ابن خلدون وإرنست غيلنر

إذا كان نشوء الدولة قد ارتبط تاريخيًا بتجاوز السلطة للقرابة، فهذا لا يعني أن القرابة اختفت ، وهذه نقطة شديدة الأهمية في تاريخ بلاد ما بين النهرين ، فالقبيلة والعائلة والعشيرة ظلت فاعلة حتى بعد نشوء الدول والإمبراطوريات، ولذلك فإن علاقة الدولة بالقبيلة لم تكن علاقة استبدال كامل، وإنما علاقة صراع واحتواء وتفاوض وإعادة تركيب مستمرة ، وهنا تكتسب أفكار ابن خلدون وإرنست غيلنر أهمية خاصة.

العصبية والدولة عند ابن خلدون

تشكل نظرية ابن خلدون في العصبية في المقدمة أحد أهم التفسيرات العربية لدور البداوة والقبيلة في تأسيس الدول ، فالعصبية تمنح الجماعة قوة التضامن الضرورية للغلبة وتأسيس السلطة، لكن الدولة، بعد تأسيسها، تبدأ تدريجيًا في تغيير طبيعة الجماعة التي جاءت منها ، وهنا تظهر المفارقة الخلدونية.

الجماعة التي تمتلك العصبية وتستطيع إقامة الدولة تحتاج إلى العصبية لكي تنتصر، لكن الدولة بعد أن تستقر تبدأ في إنتاج حياة حضرية أكثر تعقيدًا، وتوسيع الإدارة، وتوزيع الموارد، وإعادة تنظيم العلاقات، وهو ما يؤدي تدريجيًا إلى إضعاف العصبية الأولى.

وهكذا تصبح الدولة، في دورة ابن خلدون، نتيجة للعصبية وفي الوقت نفسه عاملًا في تفكيكها ، وهذه الفكرة تساعدنا على فهم سؤال آخر يُطرح في النقاش: هل الدولة تلغي القبيلة؟

التاريخ يقول إن الأمر ليس بهذه البساطة ، فالدولة تستطيع أن تضعف القبيلة عندما تصبح المؤسسات المركزية قوية، لكنها قد تحتاج إليها أيضًا في الأطراف، وفي التجنيد، وفي جمع الضرائب، وفي توفير الأمن المحلي ، لذلك فإن الدولة والقبيلة يمكن أن تعيشا في حالة اعتماد متبادل، حتى عندما تبدو إحداهما في صراع مع الأخرى.

غيلنر والثنائية بين الدولة والمجتمع القبلي

يحلل إرنست غيلنر المجتمعات الإسلامية والشرق أوسطية من خلال ثنائية بين الدولة الحضرية المركزية والمجتمعات القبلية القطاعية.

وفق هذا التصور، تسعى الدولة إلى تدجين القبائل أو فرض الجباية عليها، بينما تمثل القبائل مصدرًا دائمًا للتمرد، كما يمكن أن تكون مصدرًا لتجديد النخب الحاكمة عند انهيار المركز.

لكن الأهم هنا أن القبيلة لا تُفهم بوصفها بقايا من الماضي فحسب ، إنها شكل من أشكال التنظيم الاجتماعي قادر على إنتاج التضامن والحماية والهوية وتوزيع الموارد ، ولهذا فإن محاولة الدولة القضاء عليها بصورة مباشرة قد لا تؤدي بالضرورة إلى اختفائها؛ فقد تعيد القبيلة إنتاج نفسها في أشكال جديدة، وقد تنتقل علاقات القرابة إلى الأحزاب أو المؤسسات أو شبكات الزبائنية.

ومن هنا يمكن أن نفهم لاحقًا لماذا لم تنجح الدولة الحديثة في بلاد ما بين النهرين دائمًا في تحويل المواطن إلى فرد يرتبط بالدولة مباشرة ، ففي كثير من الحالات ظل المواطن مرتبطًا في الوقت نفسه بالعائلة والطائفة والعشيرة والمنطقة.

 

المبحث السابع

 التحولات المورفولوجية والسياسية في بنية الدولة عبر العصور

إذا أردنا الآن أن نتابع مسار الدولة عبر التاريخ، فسوف نجد أنها لم تتطور في خط مستقيم من “الدولة القديمة” إلى “الدولة الحديثة”.

لقد تغير شكلها مرات عديدة ، حيث انتقلت من دولة المدينة إلى المملكة والإمبراطورية، ثم ظهرت أشكال جديدة مع الخلافة الإسلامية، ثم الإمبراطورية العثمانية، وصولًا إلى الدولة الوطنية الحديثة.

ولهذا فإن السرد التاريخي الذي نستخدمه هنا ليس مجرد استعراض للماضي ، إنه وسيلة لفهم كيف تغير معنى السلطة نفسها عبر الزمن ، وهنا يمكن الإجابة عن السؤال الذي يُطرح في النقاش: ماذا يفيد السرد التاريخي في التطرق إلى الدولة الحديثة؟

يفيد لأنه يمنعنا من التعامل مع الدولة الحديثة بوصفها كيانًا طبيعيًا أزليًا ، فعندما نعرف أن الدولة مرت بأشكال متعددة، ندرك أن حدودها ومؤسساتها وعلاقتها بالمجتمع ليست حقائق ثابتة، بل نتائج تاريخية.

ومن دون هذا المنظور، قد نتصور أن المواطن والدستور والحدود والسيادة والمؤسسات البيروقراطية كانت موجودة دائمًا، بينما هي في الحقيقة نتاج مرحلة تاريخية محددة. فالتاريخ، إذن، لا يقدم لنا مجرد تسلسل للأحداث؛ إنه يكشف الأصول العميقة للمؤسسات التي نعيش داخلها اليوم.

  • دولة المدن والإمبراطوريات القديمة

تطورت الدولة من دولة المدينة والممالك المحلية المستقلة إلى إمبراطوريات واسعة النطاق، مثل أكد وبابل وآشور والإمبراطوريات الفرعونية المتعاقبة، ثم الإمبراطورية الفارسية والهلنستية والرومانية.

وقد اتسمت هذه الإمبراطوريات بالتوسع العسكري، والجباية المركزية، وتعدد القوميات والثقافات داخل سلطة سياسية واحدة، يجمعها الولاء للملك أو الإمبراطور والالتزام بالضرائب والجباية.

وهنا حدث تحول مهم في حجم الدولة ، فالدولة لم تعد مدينة ومجالها الزراعي، بل أصبحت تضم جماعات متعددة اللغات والثقافات والديانات ، وهذا يعني أن الدولة واجهت سؤالًا جديدًا: كيف تحكم جماعات ليست من جماعة واحدة؟

كانت الإجابة القديمة غالبًا تقوم على القوة والجباية والولاء للإمبراطور، مع ترك مساحة من الاستقلال للعادات المحلية. وهذا النمط سيظهر لاحقًا، بصور مختلفة، في الإمبراطوريات الإسلامية والعثمانية.

  • الدولة الإسلامية والخلافة

مع ظهور الإسلام والفتوحات الكبرى في القرنين السابع والثامن الميلاديين، تشكل نمط سياسي جديد استند إلى شرعية دينية سياسية تمثلت في مؤسسة الخلافة ، وتطورت هذه الدولة عبر العصور الأموية والعباسية، ثم الفاطمية والمملوكية، وأنتجت أجهزة إدارية ومالية متقدمة، مثل دواوين الخراج والجند والبريد، ونظام الوزارة والقضاء الشرعي ، ولكن هنا يبرز سؤال بالغ الأهمية طُرح في النقاش: هل الخلافة الإسلامية دولة بالمعنى الحديث؟

الجواب يحتاج إلى تمييز بين أمرين ، فإذا كنا نستخدم كلمة دولة بمعناها التاريخي الواسع، أي كيان سياسي يملك سلطة على إقليم وسكان، ويمارس الجباية، ويملك مؤسسات للإدارة والقضاء والجيش، فالخلافة كانت دولة .

أما إذا استخدمنا مفهوم الدولة الحديثة، فلا يمكن مساواتها بها ، فالدولة الحديثة تقوم على مفاهيم تاريخية لم تكن مكتملة في الخلافة، مثل الدولة القومية، والمواطنة المتساوية بصيغتها الحديثة، والحدود الإقليمية الصارمة، والسيادة الوطنية الحديثة، والفصل المؤسسي الواضح بين الدولة والمجال الديني.

الخلافة كانت دولة تاريخية ذات شرعية دينية وسياسية، لكنها ليست دولة وطنية حديثة قبل أوانها ، وهذا التمييز ضروري، تمامًا كما كان ضروريًا في حالة سومر.

فإذا قلنا إن الخلافة ليست دولة لأنّها لا تشبه فرنسا المعاصرة، فنحن نستخدم معيارًا زمنيًا خاطئًا ، أما إذا قلنا إنها دولة حديثة كاملة، فنحن نقع في الخطأ المعاكس ، فالأدق أن نقول إنها شكل تاريخي من أشكال الدولة، له منطقه الخاص في الشرعية والإدارة والإقليم والسلطة.

من المدينة إلى المجال الإمبراطوري

لم تعد السلطة الإسلامية محصورة بمدينة واحدة أو جماعة قرابية واحدة ، لقد توسعت لتشمل مجالًا جغرافيًا واسعًا، وضمّت جماعات متعددة من العرب والفرس والكرد والأمازيغ وغيرهم.

وهذا جعل الإدارة أكثر تعقيدًا ، فظهرت الدواوين، والجباية المنظمة، والبريد، والوزارة، والقضاء، والجيش ، وبذلك أصبح الجهاز الإداري أكثر استقلالًا وتخصصًا، وهي السمة نفسها التي رأينا بداياتها في الدول القديمة ، لكن الشرعية تغيرت ، ففي سومر كانت الشرعية مرتبطة بعلاقة الحاكم بالإله المحلي والنظام الكوني ، وفي مصر ارتبطت بالملك الإله والماعت ، أما في الخلافة فأصبحت الشرعية مرتبطة بالإسلام ومفهوم الجماعة والخلافة والحكم وفق الشريعة، مع اختلافات كبيرة بين التجارب السياسية والتاريخية المتعاقبة. وهكذا لا تختفي العلاقة بين المقدس والدولة؛ وإنما يتغير شكلها التاريخي.

  • الدولة العثمانية ودمج بلاد ما بين النهرين ووادي النيل

وصل مسار التحولات السياسية في المنطقة إلى مرحلة مختلفة مع الدولة العثمانية، التي حكمت أجزاء واسعة من بلاد ما بين النهرين ووادي النيل لقرون. وهنا يُطرح في النقاش سؤال مباشر: هل العثمانيون كانوا دولة؟

نعم، إذا استخدمنا مفهوم الدولة التاريخي والسياسي ، حيث كانت الدولة العثمانية سلطة سياسية مركزية ذات مؤسسات إدارية ومالية وعسكرية وقضائية، تملك جهازًا للجباية، وتسيطر على أقاليم واسعة، وتدير جيوشًا، وتصدر القوانين والأوامر، وتمارس السيادة على سكان ومجالات جغرافية واسعة.

لكنها، مرة أخرى، لم تكن دولة قومية حديثة ، فقد كانت إمبراطورية متعددة القوميات والأديان والمناطق، يقوم تنظيمها على علاقة مركزية بين إسطنبول والأقاليم، وعلى شبكات من الوسطاء المحليين.

وقد دمج العثمانيون بلاد ما بين النهرين ووادي النيل في الإمبراطورية عبر نظام الولايات والسناجق، مع وجود تبعية إدارية ومالية وعسكرية للمركز، لكن مع احتفاظ الزعامات المحلية والوجاهات والعشائر وأمراء الأقضية بدور مهم في جمع الضرائب وإدارة الشؤون اليومية، عبر أنظمة مثل الالتزام والإقطاع وغيرها.

وهذا النموذج يكشف مرة أخرى أن الدولة لا تعمل دائمًا من المركز مباشرة ، فحتى أقوى الإمبراطوريات تحتاج إلى وسطاء.

العثماني في إسطنبول لا يستطيع إدارة كل قرية ومدينة وناحية بنفسه ، ولذلك يحتاج إلى الوالي، والمتصرف، والملتزم، والزعيم المحلي، والوجهاء، وشبكات القوى الاجتماعية . وهنا تستمر البنية القديمة التي رأيناها منذ ابن خلدون: الدولة المركزية تحتاج إلى المجتمع المحلي، والمجتمع المحلي يحتاج إلى الدولة المركزية.

ولهذا فإن الدولة العثمانية لم تقضِ على البنى الاجتماعية المحلية، بل أعادت تنظيمها داخل الإمبراطورية.

لماذا يهمنا ذلك في فهم الدولة الحديثة؟

لأن الدولة الوطنية التي ستظهر بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية لم تبدأ من فراغ ، لقد كانت المجتمعات التي دخلت مرحلة الدولة الوطنية تحمل معها تاريخًا طويلًا من علاقات المركز بالأطراف، والقبيلة بالدولة، والطائفة بالسلطة، والزعامة المحلية بالإدارة المركزية.

وعندما انهارت الإمبراطورية، لم تختفِ هذه البنى ، بل دخلت إلى الدولة الجديدة ، وهنا نقترب من الإجابة عن سؤال سيصبح أكثر إلحاحًا في المبحثين الثامن والتاسع: لماذا لم تستطع الدولة الوطنية الحديثة دائمًا أن تستبدل الولاءات المحلية والقرابية والطائفية بولاء وطني جامع؟

الإجابة لا تبدأ في القرن العشرين ،  إنها تمتد جذورها إلى التاريخ الطويل لعلاقة الدولة بالمجتمع في المشرق ، ولهذا فإن الانتقال من الدولة العثمانية إلى الدولة الوطنية ليس مجرد انتقال من علم إلى علم أو من حاكم إلى حاكم؛ إنه انتقال من منطق إمبراطوري متعدد الجماعات إلى منطق الدولة الوطنية الذي يفترض مواطنًا متساويًا داخل إقليم محدد.

وهنا تبدأ واحدة من أكثر التحولات صعوبة في تاريخ المنطقة: كيف يمكن تحويل مجتمع تاريخي متعدد الجماعات والولاءات إلى مجتمع مواطنين متساوين أمام دولة واحدة؟

هذا السؤال سيقودنا إلى المبحث الثامن، حيث تدخل القوى الاستعمارية الأوروبية على خط تشكيل الدولة الحديثة، وترسم حدودًا جديدة، وتعيد تنظيم المؤسسات، ثم إلى المبحث التاسع حيث سنواجه السؤال الأصعب: لماذا بقيت الطائفية والقرابة والزعامة الأبوية حاضرة داخل الدولة الوطنية بدل أن تذوب فيها؟

 

المبحث الثامن

 الاستعمار وولادة الدولة الوطنية الحديثة

إذا كانت الدولة العثمانية قد مثّلت آخر الصيغ الإمبراطورية الكبرى التي حكمت معظم بلاد ما بين النهرين ووادي النيل، فإن سقوطها بعد الحرب العالمية الأولى لم يكن مجرد انتقال من سلطة سياسية إلى سلطة أخرى. لقد كان لحظة إعادة تركيب عميقة للخريطة السياسية والاجتماعية، نقلت المنطقة من منطق الإمبراطورية متعددة الجماعات إلى منطق الدولة الوطنية ذات الحدود الإقليمية المحددة.

وهنا يصبح السرد التاريخي ضروريًا مرة أخرى، ليس من أجل استعادة الماضي لذاته، وإنما من أجل فهم السؤال الذي طرح في النقاش: ماذا يفيدنا التاريخ عندما نتحدث عن الدولة الحديثة؟

يفيدنا أولًا في إدراك أن الدولة الحديثة لم تولد من فراغ ، فالمجتمعات التي دخلت القرن العشرين كانت تحمل معها طبقات متراكمة من التاريخ: علاقات القرابة، والعشيرة، والطائفة، والزعامة المحلية، وأنماط الإدارة العثمانية، والذاكرة الإمبراطورية، والروابط الاقتصادية التي لم تكن تتطابق بالضرورة مع الحدود السياسية التي ستظهر لاحقًا. ولهذا فإن الحدود الجديدة لم تكن مجرد خطوط على الخريطة؛ كانت تدخلًا في بنية اجتماعية قائمة.

سايكس – بيكو ولوزان والانتداب

شهد بلاد ما بين النهرين ووادي النيل نقطة انعطاف حاسمة ومأساوية مع نهاية الحرب العالمية الأولى وسقوط الدولة العثمانية.

فقد قسّمت القوى الاستعمارية الكبرى، ولا سيما بريطانيا وفرنسا، فضاء بلاد ما بين النهرين من خلال اتفاقيات وتفاهمات سياسية كان أبرزها اتفاقية سايكس-بيكو عام 1916 واتفاقيات سيفر عام 1920 ولوزان عام 1923 ، ثم وعد بلفور، وما أعقب ذلك من أنظمة الانتداب ، وأعيد رسم حدود سياسية جديدة فصلت، في حالات كثيرة، بين مدن وقبائل ومراكز اقتصادية وثقافية كانت مرتبطة تاريخيًا ضمن فضاءات أوسع.

لكن المشكلة ليست في رسم الحدود وحده ، فالدولة الحديثة جاءت أيضًا بمؤسسات جديدة: دستور، وبرلمان، وجهاز بيروقراطي، وقانون مدني، وجيش، وإدارة مركزية ، وبذلك دخلت إلى المنطقة صورة مختلفة للدولة.

لكن هذه الدولة لم تبدأ من نقطة الصفر؛ فقد حملت داخلها آثار الماضي الذي سبقتها إليه ، وهنا تظهر أهمية التاريخ مرة أخرى :إن فهم الدولة الوطنية لا يكون بالنظر إلى مؤسساتها الرسمية فقط، بل بالنظر إلى البنى الاجتماعية التي دخلت هذه المؤسسات معها ، فإذا كانت الدولة الحديثة تقول إن المواطن هو الوحدة الأساسية في المجال السياسي، فإن المجتمع لم يتحول بين ليلة وضحاها إلى مجتمع من أفراد منفصلين عن العائلة والطائفة والعشيرة والمنطقة ، وهنا بدأ التوتر بين الشكل المؤسسي الحديث للدولة وبين البنية الاجتماعية التاريخية للمجتمع.

الدولة الوطنية وبناء المؤسسات

فرضت أنظمة الانتداب البريطانية والفرنسية أطرًا دستورية وقانونية وتشريعية للدول الوطنية الناشئة، ومنها سوريا والعراق ولبنان والأردن وفلسطين، فيما تطورت مصر ضمن مسارها الاستعماري الخاص.

ثم نالت دول المنطقة استقلالها تباعًا في منتصف القرن العشرين، وشهدت هذه المرحلة صعود التيارات الوطنية والقومية، بما فيها المد القومي العربي، وتأسيس أنظمة جمهورية وملكية، وبناء مؤسسات إدارية وتعليمية وعسكرية حديثة سعت إلى ترسيخ سيادة الدولة الوطنية وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

وهنا ظهر تناقض جديد ، فالدولة الحديثة جاءت بمؤسسات يفترض أنها محايدة وعامة، لكن هذه المؤسسات وجدت نفسها تعمل داخل مجتمعات لم تتخلَّ عن بنياتها التاريخية.

ومن هنا لا يكفي أن نسأل: هل أنشأت الدولة الحديثة برلمانًا أو وزارة أو جيشًا؟

السؤال الأعمق هو: هل تغيرت العلاقات الاجتماعية التي تعطي هذه المؤسسات معناها؟

وهذا السؤال سيصبح جوهريًا في فهم الأزمة المعاصرة.

المبحث التاسع

 أنثروبولوجيا الدولة الوطنية المعاصرة: الأزمات، البطريركية، والريعية

إذا كان تاريخ الدولة قد بدأ بتحول السلطة من بنية قرابية أفقية إلى سلطة أكثر مركزية وتمايزًا، فإن الدولة الوطنية الحديثة يفترض أن تكون قد قطعت شوطًا أبعد: أن تجعل المواطن، لا العائلة أو القبيلة أو الطائفة، أساس العلاقة السياسية.

لكن هذا الانتقال لم يكتمل بصورة متساوية في المشرق العربي ووادي النيل.

فالدولة الحديثة امتلكت مؤسسات حديثة، لكنها لم تنجح دائمًا في تحويل المجتمع إلى مجتمع مواطنين متساوين يرتبطون بالدولة بعقد اجتماعي جامع.

ومن هنا تظهر مجموعة من الأزمات البنيوية التي تساعدنا على فهم استمرار التوتر بين الدولة والمجتمع.

أزمة العقد الاجتماعي والمواطنة

تتمثل المشكلة الأولى في عجز عدد من النظم السياسية عن صياغة عقد اجتماعي شامل وحقيقي يدمج مختلف المكونات الإثنية والدينية والمذهبية تحت مظلة المواطنة المتساوية وسيادة القانون.

وحين لا تنجح الدولة في إنتاج هذه المساواة، تبحث الجماعات عن أطر أخرى للحماية والانتماء.

فتعود الولاءات الفرعية إلى الواجهة: الطائفة، والعشيرة، والإثنية، والمنطقة، والعائلة.

وهنا يمكننا أن نعود إلى السؤال الذي طُرح في النقاش: ما دور الشعوب في تشكل الدول؟

الشعوب ليست مجرد مادة خام تصنع الدولة ثم تختفي من المشهد.

المجتمع يشارك في إنتاج الدولة، لكنه يستطيع أيضًا أن يقاومها أو يعيد تشكيلها أو يستخدم مؤسساتها لخدمة مصالح جماعاته.

فإذا كانت الدولة قوية ومؤسساتها عادلة، تستطيع أن تنقل الولاء من الروابط الأولية إلى المواطنة.

أما إذا كانت الدولة ضعيفة أو منحازة، فإن المجتمع يعود إلى شبكات الحماية القديمة.

وهنا لا ينبغي أن ننظر إلى الطائفية والعشائرية باعتبارهما مجرد “بقايا من الماضي”. إنهما قد تتحولان إلى استجابات اجتماعية لضعف الدولة أو لعدم الثقة بها.

لماذا تبدو الطائفية ملازمة للدولة في الشرق الاوسط ووادي النيل ؟

هذا السؤال يحتاج إلى قدر من الحذر؛ لأن القول إن الطائفية «ملازمة» للدولة المشرقية لا يعني أنها طبيعة أبدية للمجتمع، ولا أن المجتمعات المشرقية عاجزة بطبيعتها عن بناء دولة مواطنة.

الطائفية ظاهرة تاريخية  ، لكن استمرارها داخل الدولة الحديثة يرتبط بأن الدولة لم تنجح دائمًا في إلغاء أو تجاوز البنى الوسيطة التي سبقتها ، فمنذ الدولة القديمة، رأينا أن السلطة المركزية لا تحكم المجتمع مباشرة في كل تفاصيله؛ إنها تحتاج إلى وسطاء. وفي الدولة الإمبراطورية، كان هؤلاء الوسطاء ولاة وزعماء محليين ووجهاء وعشائر ومؤسسات دينية.

وفي الدولة العثمانية استمرت الزعامات المحلية والوجاهات والعشائر في لعب أدوار وسيطة بين المركز والمجتمع ، وعندما جاءت الدولة الوطنية الحديثة، لم تختفِ هذه البنى ، بل دخل بعضها إلى الدولة نفسها ، ولهذا فإن الطائفية ليست بالضرورة نقيض الدولة؛ قد تصبح إحدى الطرق التي تُنظَّم بها العلاقة بين الدولة والمجتمع. وهنا يمكن فهم إحدى المفارقات الأساسية:

الدولة التي يفترض أن توحد المجتمع قد تصبح أحيانًا الإطار الذي يعيد المجتمع من خلاله إنتاج انقساماته ، فإذا أصبحت الوظيفة العامة موزعة وفق الانتماء الطائفي ، وإذا أصبحت الحماية الاجتماعية مرتبطة بالجماعة، وإذا أصبحت الانتخابات تعتمد على التعبئة الطائفية ، فإن الدولة لا تلغي الطائفية ، بل تمنحها موارد ومؤسسات جديدة ، ومن هنا لا يكفي أن نقول إن الطائفية موجودة في المجتمع.

السؤال الأهم هو: كيف تعمل الدولة على إعادة إنتاجها؟

وهذه نقطة تجعل دراسة الطائفية دراسة للدولة نفسها، لا للمجتمع وحده ، فالدولة قد تكون أداة لتجاوز الطائفية، وقد تكون في ظروف أخرى آلية لإعادة إنتاجها ، وهذا يفسر لماذا تبدو الطائفية في بعض الدول المشرقية أكثر رسوخًا من مجرد كونها هوية اجتماعية؛ فهي تصبح أحيانًا جزءًا من بنية السلطة وتوزيع الموارد والتمثيل السياسي.

البنية البطريركية وسلطة الأب الحاكم

يرتبط ذلك بأزمة ثانية تتمثل في البنية البطريركية.

كما يحلل هشام شرابي في دراساته حول المجتمع الأبوي، أُلبست الدولة الحديثة في كثير من التجارب العربية لباسًا أبويًا؛ فتحولت المؤسسات الحديثة، من البرلمانات والأحزاب إلى البيروقراطية، في

وهنا نجد مفارقة أخرى.

المؤسسة قد تبدو حديثة من الخارج: وزارة، وبرلمان، وحزب، وإدارة، وانتخابات. لكن العلاقات التي تتحرك داخلها قد تكون علاقات شخصية وأبوية.

في هذه الحالة لا يصبح المواطن مواطنًا بالمعنى الكامل، بل قد يتحول إلى تابع ينتظر الخدمة من الزعيم أو الحاكم أو الوسيط. وهكذا تعود علاقة “الأب والأبناء” القديمة إلى داخل المؤسسة الحديثة.

وهذا يفسر جزئيًا لماذا يمكن أن توجد مؤسسات دستورية حديثة إلى جانب علاقات سياسية غير حديثة.

فالمشكلة ليست في شكل المؤسسة وحده، وإنما في نوع العلاقات الاجتماعية التي تنتجها وتعيد إنتاجها.

الاقتصاد الريعي والتبعية

أما الأزمة الثالثة فتتمثل في الاقتصاد الريعي ، لقد اتسمت هياكل الاقتصاد في عدد من دول الشرق الاوسط ووادي النيل بالاعتماد على الريع النفطي أو المساعدات الخارجية أو تحويلات المغتربين، إلى جانب ضعف الإنتاج الحقيقي وغياب العدالة الاجتماعية في توزيع الثروة.

وهنا الريع لا يؤثر في الاقتصاد فقط ، بل إنه يؤثر في علاقة الدولة بالمجتمع ، فعندما تعتمد الدولة على مورد لا يأتي بصورة أساسية من الضرائب المباشرة على المواطنين ، يمكن أن تضعف العلاقة التعاقدية بينهم وبينها.

فالدولة التي تعتمد بصورة كبيرة على الضرائب تحتاج إلى مواطن قادر على المطالبة بالمقابل: أين تذهب أموالي؟ ماذا تقدم لي الدولة؟

أما الدولة الريعية فقد تستطيع، في بعض الحالات، أن تمول جزءًا من وظائفها من موارد خارج العملية الإنتاجية الاجتماعية المباشرة.

وهذا قد يضعف الضغط الاجتماعي باتجاه المساءلة، ويعزز الزبائنية والتوزيع السياسي للموارد ، وبذلك يرتبط الاقتصاد الريعي بالأزمة السياسية والاجتماعية، وليس الاقتصادية فقط.

الهشاشة والتدخلات الجيوسياسية

أما الأزمة الرابعة فهي هشاشة الدولة أمام التدخلات الإقليمية والدولية ، لقد ظلت المنطقة مسرحًا لتقاطعات جيوسياسية تنافسية ، ساهمت في حالات مختلفة في إضعاف سيادة بعض الدول وانهيار مؤسساتها المركزية، كما ظهر في تجارب العراق وسوريا ولبنان وليبيا واليمن والسودان… وهنا نعود مرة أخرى إلى العلاقة بين الدولة والمجتمع.

فحين تضعف الدولة، لا يختفي المجتمع السياسي، بل تعود الوحدات الاجتماعية الأصغر إلى لعب أدوار أكبر: الطائفة، والعشيرة، والحزب، والمنطقة، والشبكات الاقتصادية، وأحيانًا القوى المسلحة . وهذا يعيد إنتاج المسار الذي بدأنا منه في هذه المحاضرة ، ففي البداية كانت الدولة محاولة لتجاوز التجزئة القرابية وبناء سلطة مركزية ، أما عندما تضعف الدولة الحديثة، فإن المجتمع قد يعود إلى البحث عن الحماية داخل البنى الوسيطة ، ومن هنا فإن أزمة الدولة ليست فقط أزمة مؤسسات، بل أزمة علاقة اجتماعية بين الدولة والمجتمع.

إنكار التعدد وصهر الجماعات

من المشكلات البنيوية التي رافقت تشكّل الدولة الوطنية في بلاد مابين النهرين ووادي النيل، ثم امتدت بأشكال مختلفة إلى شمال أفريقيا، تعاملها مع التعدد الإثني واللغوي والثقافي بوصفه مشكلة ينبغي ضبطها، لا باعتباره مكوّناً أصيلاً من مكونات المجتمع والدولة ، فقد نشأت الدولة الحديثة في مجتمعات لم تكن متجانسة إثنياً أو لغوياً، وكان الأكراد والأمازيغ والنوبيون والبجا والتبو والطوارق والآشوريون والسريان وغيرهم جزءاً من التاريخ الاجتماعي والسياسي والاقتصادي لهذه الأقاليم قبل نشوء الدولة الوطنية بحدودها الحديثة ، ومع ذلك، اتجهت بعض مشاريع بناء الدولة إلى إنتاج تصور أحادي للأمة، يقوم على ربط المواطنة والهوية الوطنية بثقافة الأغلبية ولغتها وروايتها التاريخية.

ولم يكن هذا المسار واحداً في جميع الدول، كما لم تتخذ سياسات الصهر الشكل نفسه في كل مرحلة تاريخية ، ففي بعض الحالات جرى إنكار وجود جماعة إثنية بوصفها جماعة متميزة، وفي حالات أخرى جرى الاعتراف بوجودها اجتماعياً مع إنكار حقوقها اللغوية والثقافية، بينما اتخذ الأمر في حالات ثالثة صورة التعريب أو التتريك أو إعادة تسمية الأماكن أو الحد من استخدام اللغة الأصلية في التعليم والإدارة والحياة العامة ، وهكذا أصبحت عملية بناء الدولة مرتبطة، في بعض التجارب، بعملية إعادة تشكيل المجتمع نفسه وفق تصور مسبق لما ينبغي أن تكون عليه الأمة.

وتكشف الحالة الكردية في سوريا وتركيا والعراق وايران ، والحالة الأمازيغية في الجزائر والمغرب وليبيا، والحالات النوبية والبجاوية والتبوية والطوارقية، عن اختلاف الأشكال التي اتخذها هذا المسار. فالأمازيغ، مثلاً، ليسوا جماعة طارئة على شمال أفريقيا، والأكراد ليسوا جماعة وافدة على الشرق الاوسط ، كما أن النوبيين والبجا جزء من التاريخ العميق لوادي النيل وشرق السودان. ومع ذلك، تعاملت الدولة الوطنية في مراحل مختلفة مع هذه الجماعات من موقع المركز الذي يحدد وحده اللغة الوطنية والهوية القومية والرواية التاريخية المقبولة.

المشكلة هنا لا تتوقف عند مسألة الاعتراف الثقافي ، فعندما تُعرَّف الأمة تعريفاً أحادياً، يصبح الاختلاف الإثني قابلاً للتحول إلى تفاوت في المواطنة . تبدأ العملية غالباً بإنكار اللغة أو الثقافة، ثم تنتقل إلى ضعف التمثيل السياسي، ثم إلى عدم التكافؤ في توزيع الموارد والخدمات والاستثمارات، وقد تنتهي إلى تهميش مجالي يجعل بعض المناطق التي تقطنها جماعات إثنية معينة تبدو وكأنها تقع خارج المجال الفعلي للدولة، رغم أنها تقع في قلب حدودها القانونية.

وهنا تظهر مفارقة أساسية في تجربة الدولة الوطنية :الجماعات التي أسهمت في تكوين المجال التاريخي للدولة قد تجد نفسها لاحقاً مطالبة بإثبات أصالتها داخلها ، فبدلاً من أن تكون الدولة إطاراً سياسياً يستوعب تعدد مكوناتها، قد تتحول إلى أداة لإعادة ترتيب هذا التعدد وفق هرمية بين مركز ثقافي وسياسي يُعرّف الأمة، وأطراف يُطلب منها الاندماج في تعريف لم تشارك بالضرورة في صياغته.

ولا يعني ذلك أن كل الدول اتبعت سياسة واحدة تجاه الجماعات الإثنية، ولا أن كل مطالب هذه الجماعات كانت متطابقة، كما لا يعني أن الانتماء القومي كان بالضرورة مشروعاً لإقصائها . لكن المشكلة تظهر عندما يتحول الانتماء القومي من إطار ثقافي جامع إلى معيارسياسي  لتحديد درجة الانتماء الوطني، بحيث تصبح العربية والتركية والفارسية ، أو الثقافة التي تمثلها الدولة باعتبارها الثقافة الوطنية الأساسية، معياراً ضمنياً للأصالة والمواطنة الكاملة.

ومن هذه الزاوية، فإن أزمة الدولة الوطنية لا تتمثل فقط في ضعف مؤسساتها أو عجزها عن تقديم الخدمات أو احتكارها للسلطة، وإنما أيضاً في كيفية تعريفها للمجتمع الذي تحكمه ،  فالدولة التي تعجز عن الاعتراف بتعدد الجماعات التي تكوّن مجتمعها تجد نفسها أمام مفارقة: فهي تسعى إلى بناء الوحدة الوطنية من خلال إلغاء بعض مظاهر الاختلاف، لكنها قد تنتج، في المقابل، شعوراً بالاغتراب لدى الجماعات التي ترى أن الدولة لا تمثلها بصورة متساوية.

وتزداد هذه المشكلة وضوحاً عندما يترافق الصهر القومي مع التهميش السياسي والمجالي ، فالمناطق التي تسكنها جماعات إثنية غير مندمجة في تعريف الدولة للأمة قد تصبح أقل حظاً في التنمية والاستثمار والتمثيل، فتتحول الهوية الإثنية من مجرد انتماء ثقافي إلى إطار للاحتجاج السياسي والمطالبة بالحقوق ، وعند هذه النقطة لا تعود المسألة مسألة أقلية بالمعنى الديموغرافي فقط ، بل تصبح مسألة علاقة بين المركز والأطراف ، وبين الدولة ومجتمعها ، وبين مفهوم المواطنة كما تصفه القوانين وممارستها الفعلية.

ومن هنا يمكن فهم جانب من الأزمات الممتدة في الشرق الاوسط  ووادي النيل وشمال أفريقيا: لم تكن المشكلة دائماً في وجود التعدد، وإنما في عجز الدولة عن تحويل هذا التعدد إلى مصدر للمواطنة المشتركة بدلاً من التعامل معه باعتباره تهديداً لوحدة الدولة . فالدولة الأكثر استقراراً ليست بالضرورة الدولة التي نجحت في صهر اختلافات مجتمعها ، بل الدولة التي استطاعت أن تجعل الانتماءات الإثنية واللغوية والثقافية المختلفة متوافقة مع الانتماء الوطني العام ، بحيث لا يضطر المواطن إلى الاختيار بين هويته الأصلية وهويته الوطنية.

وبذلك يصبح الاعتراف بالتعدد جزءاً من إعادة بناء الدولة نفسها، لا مجرد تنازل تقدمه الدولة للأقليات ، فالأكراد والأمازيغ والنوبيون والبجا والتبو والطوارق وغيرهم ليسوا جماعات تقع خارج تاريخ الدولة، وإنما هم من مكونات التاريخ الذي سبق الدولة الوطنية وأسهم في تشكيل المجال الذي قامت عليه ، والمطلوب ليس إعادة إنتاج دول إثنية متنافسة داخل الدولة ، بل الانتقال من دولة تسعى إلى توحيد المجتمع عبر الصهر إلى دولة تستطيع توحيد المجتمع عبر المواطنة

الدكتور سعيد عيسى ـ جذور نشوء الدولة في الشرق الأوسط  ووادي النيل


بعض الحالات إلى امتداد لشبكات الزعامات التقليدية والعائلية والريعية.جذور نشوء الدولة في الشرق الأوسط  ووادي النيل

مقاربة أنثروبولوجية وسوسيولوجية تاريخية في آليات السلطة، والرمز، والتشكل مع معالجة إشكالية انفصال الدولة عن المجتمع

 

 

المقدمة

تُعد دراسة نشوء الدولة في بلاد ما بين النهرين ووادي النيل من أعقد الإشكاليات التاريخية والأنثروبولوجية لا بل أكثرها تعقيدًا، لأنها تتطلب تقاطعًا معرفيًا دقيقاً بين التاريخ، وعلم الاجتماع السياسي، والأنثروبولوجيا الثقافية والاقتصادية. فالدولة في هذه الجغرافيا لم تكن مجرد جهاز قسري أو أداة إدارية بحتة، بل كانت بنية أنثروبولوجية وثقافية شاملة أعادت، عبر مراحل تاريخية طويلة، هندسة الوعي البشري، والمخيال الرمزي، وشبكات القرابة العضوية، لتستبدل بها تدريجيًا رابطة الطاعة الإقليمية والقانون المركزي.

ومن هنا يبرز في صلب هذه الإشكالية سؤال يبدو بسيطًا في صياغته، لكنه شديد التعقيد في دلالته: متى وكيف انفصلت الدولة عن المجتمع؟ وبمعنى أكثر تحديدًا: كيف تحولت السلطة من كونها وظيفة جماعية أفقية داخل نسيج القرابة إلى جهاز رأسي متعالٍ نسبيًا ومستقل، يستحوذ على القرار والثروة والعنف؟

هذا السؤال لا يفترض أن الدولة كانت موجودة منذ بداية التاريخ ثم تغير شكلها، ولا يفترض أن المجتمع كان كيانًا ناقصًا ينتظر الدولة لكي يكتمل. العكس هو الأقرب إلى الفهم التاريخي والأنثروبولوجي: المجتمع أقدم من الدولة، والدولة نفسها نتاج لتحولات حدثت داخل المجتمع. لكن هذه التحولات أنتجت في لحظة معينة مؤسسات للسلطة لم تعد تعمل بالطريقة نفسها التي كانت تعمل بها السلطة داخل علاقات القرابة.

ومن هنا فإن دراسة الدولة لا تعني فقط أن نبحث عن أول ملك أو أول قصر أو أول قانون، وإنما أن نبحث عن اللحظة التي أصبحت فيها السلطة متخصصة، ومتمركزة، وقادرة على ممارسة وظائف لم تعد الجماعة قادرة على القيام بها بصورة مباشرة.

وهذا يقودنا إلى ضرورة التمييز منذ البداية بين مفهومين كثيرًا ما يجري الخلط بينهما: الدولة بوصفها شكلًا تاريخيًا من أشكال التنظيم السياسي، والدولة الحديثة بوصفها شكلًا تاريخيًا محددًا من أشكال الدولة.

فليس صحيحًا، مثلًا، أن نقول إن السومريين لم يعرفوا الدولة لأن دولتهم لم تكن تشبه فرنسا في عهد شارل ديغول. وليس صحيحًا، في المقابل، أن نساوي بين دولة المدينة السومرية والدولة القومية الحديثة. الأولى كانت دولة ضمن شروطها التاريخية، والثانية دولة ضمن شروط تاريخية مختلفة جذريًا.

وهذا التمييز سيكون ضروريًا ونحن ننتقل من دول المدن القديمة إلى الممالك والإمبراطوريات، ثم إلى الخلافة والدولة العثمانية، وصولًا إلى الدولة الوطنية الحديثة.

إن الهدف من هذه الدراسة، إذن، ليس كتابة تاريخ سياسي تقليدي لحوض بلاد مابين النهريين ووادي النيل، بل تفكيك الجذور الاجتماعية والاقتصادية والرمزية التي جعلت الدولة ممكنة، وتتبع مسار تحول الكيانات البشرية من مجتمعات أفقية قائمة بدرجة كبيرة على الدم والقرابة إلى مجتمعات سياسية أكثر هرمية، تقوم على الإقليم والطبقة والمؤسسات، ثم تتبع التحولات اللاحقة التي أوصلت إلى الدولة الوطنية المعاصرة وإشكالياتها البنيوية.

المبحث الأول

المقاربة الأنثروبولوجية التطورية لنشوء الدولة: من القرابة إلى الإقليم والطبقة

في حقل الأنثروبولوجيا السياسية، يمثل الانتقال من مجتمعات القرابة إلى المجتمعات السياسية القائمة على الإقليم والطبقة أحد أكثر التحولات دراماتيكية في التاريخ البشري . وليس المقصود بذلك أن القرابة اختفت بمجرد ظهور الدولة، أو أن القبيلة تحولت بصورة آلية إلى دولة، وإنما أن القرابة فقدت تدريجيًا موقعها بوصفها الإطار السياسي الوحيد الذي ينظم الحقوق والواجبات والسلطة، وبدأ الإقليم يحتل موقعًا متزايد الأهمية في تعريف الجماعة السياسية.

  • النموذج التطوري لمراتب التنظيم الاجتماعي: إلمان سيرفيس ومورتون فريد

يوضح علماء الأنثروبولوجيا، ومن بينهم إلمان سيرفيس ومورتون فريد، أن التنظيم السياسي البشري مرّ تاريخيًا بأشكال متعددة تبدأ بالجماعات المتنقلة، ثم القبائل، فالمشيخات، وصولًا إلى الدولة ، ولا ينبغي فهم هذه المراحل باعتبارها سلمًا تطوريًا ميكانيكيًا أو قانونًا تاريخيًا صارمًا تسلكه جميع المجتمعات بالطريقة نفسها، وإنما بوصفها محاولة لتحديد أشكال متزايدة التعقيد من التنظيم السياسي والاجتماعي.

في الجماعات الصغيرة، كانت السلطة موزعة داخل شبكة العلاقات الاجتماعية، وكان حجم الجماعة وطبيعة الاقتصاد يسمحان بإدارة معظم شؤونها من خلال العرف والعلاقات الشخصية والقرابة ، ومع نمو الجماعة، تظهر أشكال من التمايز، وتبرز شخصية الزعيم أو الشيخ ، وتبدأ السلطة في اتخاذ طابع أكثر تركيزًا.

في مرحلة المشيخات، يبدأ التمايز الاجتماعي والسياسي في البروز من خلال نظام القرابة المركزي: الزعيم وأقاربه يحتلون موقعًا متميزًا، وتصبح هناك تراتبية اجتماعية وسياسية أكثر وضوحًا ، لكن الدولة، وفق هذا التصور، لا تظهر بوصفها كيانًا سياسيًا مستقلًا إلا عندما يبدأ هذا الاحتكار القرابي بالتصدع ، ويُستبدل به شكل من السلطة السياسية الإقليمية التي تتجاوز العشائر، وتستطيع فرض قواعد عامة على جماعات متعددة، واحتكار القوة الشرعية، وفرض الضرائب بغض النظر عن روابط الدم.

وهنا تقع النقلة الأساسية ، ففي المجتمع القائم على القرابة، يكون موقع الفرد داخل شجرة العائلة محددًا بدرجة كبيرة لحقوقه وواجباته ، فهو عضو في جماعة يعرف أفرادها بعضهم بعضًا، وتقوم بينهم علاقات التزام متبادلة . أما في المجتمع السياسي الإقليمي، فإن الفرد يصبح خاضعًا لسلطة تتجاوزه شخصيًا وعائليًا، وتطال آخرين لا تربطه بهم بالضرورة رابطة نسب ، وبذلك تصبح الأرض نفسها أساسًا لتنظيم السلطة.

لم يعد الانتماء السياسي قائمًا فقط على السؤال: من أي جماعة أنت؟ بل بدأ يرتبط بالسؤال: في أي إقليم تعيش، ولأي سلطة تخضع؟

وهذا التحول من رابطة الدم إلى رابطة الإقليم لا يعني اختفاء رابطة الدم ، فالعشيرة والقبيلة والأسرة استمرت، لكنها لم تعد الإطار السياسي الوحيد ، لأن الدولة أضافت إليها إطارًا جديدًا أكثر شمولًا، هو الإقليم السياسي.

  1. تصدع أنظمة النسب والقرابة في المجتمعات النيوليتية

في المجتمعات النيوليتية المبكرة في الهلال الخصيب ووادي النيل، كانت الروابط الاجتماعية تنظم من خلال العشيرة والقبيلة والنسب الموسع ، وكان الفرد يحصل على كثير من حقوقه وواجباته ومكانته الاجتماعية من موقعه داخل شبكة القرابة ، لكن هذا التنظيم واجه حدودًا مع تزايد الكثافة السكانية وتراكم الفائض.

فالجماعة الصغيرة تستطيع أن تدير مواردها اعتمادًا على المعرفة المباشرة والعلاقات الشخصية ، لكن الوضع يتغير عندما تصبح هناك جماعات كبيرة ، وموارد واسعة ، وأراضٍ تحتاج إلى إدارة ، ومياه ينبغي تنظيمها ، ومحاصيل يجب تخزينها وإعادة توزيعها ، ونزاعات تتجاوز حدود العشيرة الواحدة ، عندها تبدأ آليات القرابة في فقدان قدرتها على ضبط كل العلاقات.

وهذا لا يعني أن المجتمع قرر التخلي عن القرابة، بل يعني أن التعقيد الاجتماعي نفسه أنتج الحاجة إلى سلطة تتجاوز القرابة ، ومن هنا ظهرت، وفق هذا التحليل، سلطة فوق – قرابية (Super-kinship authority) ، وهي النواة الأنثروبولوجية الأولى للدولة.

وهذه النقطة مهمة لفهم الدولة لاحقًا : الدولة لا تظهر بالضرورة لأن أحدًا اخترع فكرة اسمها الدولة ، وإنما لأن حجم المجتمع وتعقيد علاقاته جعلا بعض وظائف التنظيم تتجاوز قدرة البنى القرابية وحدها.

  • من المجتمع الأفقي إلى السلطة الرأسية

إذا كانت القرابة تمثل بنية اجتماعية أفقية نسبيًا، فإن الدولة تبدأ في إنتاج بنية رأسية.

ففي المجتمع القرابي، لا توجد بالضرورة مسافة كبيرة بين من يمارس السلطة وبين بقية أفراد الجماعة ، أما عندما تظهر الدولة ، تبدأ السلطة في التمايز عن المجتمع وتصبح لها مواقع ومؤسسات وموظفون وموارد خاصة بها ،وهنا يمكن فهم معنى انفصال الدولة عن المجتمع بصورة أكثر دقة.

إنه ليس انفصالًا جغرافيًا، ولا يعني أن الدولة أصبحت خارج المجتمع ، بل هو انفصال وظيفي ومؤسسي: يصبح هناك جهاز متخصص في اتخاذ القرار، وجمع الموارد، وفرض القواعد، وتسوية النزاعات، وتنظيم العمل، وممارسة العنف ، وهذه الوظائف كانت موجودة في المجتمع سابقًا، لكنها كانت موزعة بين الأسرة والعشيرة والوجهاء والجماعة والعرف ، أما الآن فأصبحت مركزة في جهاز سياسي متخصص.

  • الأنثروبولوجيا الاقتصادية واقتصاديات إعادة التوزيع: كارل بولاني وموريس غوديلييه

لا يمكن فهم هذه النقلة السياسية من دون فهم التغير الاقتصادي الذي رافقها ، فوفقًا لأدبيات الأنثروبولوجيا الاقتصادية، وخاصة أطروحة كارل بولاني حول أشكال التكامل الاقتصادي، لم يكن الاقتصاد في المجتمعات القديمة قائمًا على السوق الحرة بالمعنى الحديث، ولا كانت علاقات الإنتاج والتوزيع منفصلة عن البنية الاجتماعية والسياسية والدينية ، بل كان الاقتصاد مدمجًا في المجتمع، أي أن إنتاج السلع وتبادلها وتوزيعها كانت عمليات مرتبطة بعلاقات القرابة والسلطة والطقوس والمؤسسات الدينية والسياسية ، وهنا تكتسب آلية إعادة التوزيع أهميتها.

فالمعبد والقصر في بلاد الرافدين ووادي النيل لم يكونا مؤسستين دينيتين أو سياسيتين فقط، بل كانا أيضًا مركزين اقتصاديين، حيث كانت المحاصيل والسلع تجمع من المنتجين عبر الضرائب العينية والالتزامات والطقوس، ثم تخزن وتوزع على الحرفيين والكتبة والعمال وغيرهم وفق تراتبية اجتماعية دقيقة.

ومن هنا يصبح الفائض عنصرًا حاسمًا في ظهور السلطة المركزية ، لأن السلطة التي تملك القدرة على جمع الفائض وإعادة توزيعه تملك في الوقت نفسه قدرة على إنتاج علاقات جديدة من التبعية ، فالمنتج لم يعد يحتفظ بكل ما ينتجه داخل جماعته ، وإنما أصبح جزء من إنتاجه يمر عبر مركز سياسي أو ديني ، ثم يعود إليه أو إلى غيره ضمن نظام تحدده السلطة.

ويضيف موريس غوديلييه بعدًا آخر إلى هذا التحليل ، فالسيطرة على الموارد الاقتصادية الكبرى لم تكن تحتاج إلى القوة المادية وحدها، بل كانت تحتاج أيضًا إلى شرعية ، ولذلك اكتسبت السيطرة الاقتصادية في المجتمعات القديمة بعدًا مقدسًا؛ فالمقدس كان يؤدي وظيفة القوة الخفية التي تبرر تركز الفائض في أيدي النخبة الحاكمة.

وهنا تبدأ العلاقة بين الاقتصاد والسلطة والرمز التي ستظهر بوضوح أكبر في بلاد الرافدين ووادي النيل ، فالدولة لم تكتفِ بجمع الفائض؛ كان عليها أن تجعل جمعه مشروعًا ومقبولًا ومفهومًا داخل النظام الرمزي للمجتمع.

وهذا ما يقودنا إلى السؤال المركزي الثاني في هذه المحاضرة: متى وكيف حدث الانفصال الفعلي بين الدولة والمجتمع؟

 

المبحث الثاني

لحظة وآليات انفصال الدولة عن المجتمع: المقاربة البنيوية والأنثروبولوجية

يمثل سؤال “متى وكيف انفصلت الدولة عن المجتمع؟” جوهر التحليل السوسيولوجي التاريخي والأنثروبولوجي لنشوء الحضارات الأولى في بلاد مابين النهريين ووادي النيل. وهو سؤال لا يتعلق فقط بتاريخ ظهور أول ملك أو أول عاصمة، وإنما بتاريخ تحول السلطة نفسها من وظيفة اجتماعية موزعة إلى مؤسسة متخصصة ومتمايزة.

  • متى حدث الانفصال؟ التأريخ الأنثروبولوجي للتحول

حدث هذا الانفصال، وفق الصياغة التي تعتمدها المحاضرة، على المستوى البنيوي في أعقاب الثورة النيوليتية ومع بدايات العصر البرونزي، نحو الألفية الرابعة قبل الميلاد، بالتزامن مع التحول من نظام العائلة الأمومية إلى نظام العائلة الأبوية، وما رافقه من انتقال تدريجي من اقتصاد الكفاية المعيشية إلى اقتصاد الفائض المستدام. قبل هذه اللحظة، كانت السلطة مندمجة بدرجة كبيرة في نسيج القرابة والعلاقات الاجتماعية اليومية ، و لم تكن هناك دولة منفصلة عن الجماعة بالمعنى المؤسسي الذي سيظهر لاحقًا.

لكن تراكم الفائض الزراعي، وتطور الزراعة المروية، وازدياد حجم الجماعات، وتعقد عمليات التخزين والتوزيع، أوجدت شروطًا جديدة.

ظهرت طبقة متخصصة تستطيع أن تتفرغ لإدارة الموارد من دون أن تشارك بصورة مباشرة في الإنتاج الزراعي العضوي نفسه. وهنا حدثت النقلة التي يمكن وصفها بأنها القطيعة الكبرى: تحولت الأداة الإدارية من خادم للجماعة إلى جهاز يتولى إدارة الجماعة من موقع متعالٍ نسبيًا عنها.

هذه النقطة تفسر لنا أيضًا لماذا لا ينبغي النظر إلى الدولة باعتبارها مجرد “حكومة” بالمعنى المعاصر. فالدولة الأولى كانت تحولًا في بنية المجتمع نفسها. لقد أعادت توزيع الأدوار، وخلقت فئات متخصصة في الإدارة والطقوس والكتابة والحرب، وربطت هذه الفئات بمركز سياسي أصبح يملك قدرًا متزايدًا من الاستقلال.

  • كيف انفصلت الدولة عن المجتمع؟ آليات التمايز البنيوي

لم يحدث الانفصال بآلية واحدة ، بل عبر مسارات مترابطة ومتكاملة ، ويمكن تحديدها في خمس مسارات رئيسية.

أولًا: الاحتكار المادي للفائض الاقتصادي

تركزت الثروة في المعابد والزيقورات والقصور الملكية ، وأصبح الفائض ينتقل من أيدي الفلاحين والمنتجين المباشرين إلى مراكز التجميع والتخزين وإعادة التوزيع ، وبهذه الطريقة أصبحت النخبة الإدارية والكهنوتية والملكية تسيطر على جزء أساسي من مقدرات المجتمع، وعلى أدوات الإنتاج الكبرى ، وهنا لا يكون الفائض مجرد كمية اقتصادية إضافية، بل يصبح مصدرًا للسلطة.

من يملك القدرة على جمع الفائض يستطيع تمويل الموظفين والكتبة والجيش والمشروعات الكبرى، وبالتالي يستطيع توسيع استقلاله عن المنتجين المباشرين.

ثانيًا: إحلال رابطة الإقليم محل رابطة الدم

لكي تنفصل الدولة عن المجتمع وتعمل بوصفها سلطة أوسع من العشيرة، كان لا بد من تجاوز الولاءات القرابية الضيقة واستبدالها برابطة الخضوع الإقليمي الموحد.

لم يعد شيخ القبيلة هو المرجع السياسي النهائي للجماعة، بل ظهر مركز سياسي يستطيع أن يفرض الجباية والقانون على جماعات مختلفة.

لكن هذه العملية لم تؤدِّ إلى اختفاء القبيلة، وهذه نقطة ستصبح لاحقًا مهمة جدًا في فهم الدولة ؛ فالقبيلة يمكن أن تستمر داخل الدولة، لكنها تصبح في علاقة جديدة معها: علاقة تفاوض، أو احتواء، أو صراع، أو تحالف.

ثالثًا: احتكار العنف الشرعي والتشريع

انتقل حق فض النزاعات تدريجيًا من الأعراف المجتمعية التلقائية إلى مؤسسات قضائية وتشريعية مركزية ، وتمثل قوانين أورنامو ومسلة حمورابي في بلاد الرافدين، إلى جانب أنظمة القضاء في وادي النيل، أمثلة على هذا التحول ، فلم يعد القانون مجرد عرف تتناقله الجماعة، بل أصبح مرتبطًا بسلطة مركزية تستطيع إعلانه وتطبيقه ، وهنا تتجسد إحدى أهم خصائص الدولة: احتكار إنتاج القاعدة القانونية وتطبيق القوة باسم النظام العام.

رابعًا: الأدْلَجة والقداسة

لم تكن الدولة قادرة على الاستمرار بالقوة وحدها ،  كان عليها أن تنتج تصورًا رمزيًا يجعل السلطة تبدو جزءًا من النظام الطبيعي أو الكوني ، ففي مصر ظهر نموذج الملك الإله، وفي بلاد الرافدين ظهر الحاكم بوصفه وكيلًا للإله أو ممثلًا لإرادته. وهكذا نشأت مسافة رمزية ونفسية بين الحاكم والمحكوم، وأصبحت الدولة في وعي الأفراد قوة كوزمولوجية متعالية نسبيًا عن المجتمع ، وهذا يفسر لماذا لا يمكن فصل دراسة الدولة القديمة عن دراسة الأسطورة والطقس والدين ، فالشرعية ليست مجرد فكرة قانونية؛ إنها أيضًا طريقة يرى بها المجتمع السلطة ويفسر وجودها.

خامسًا: تكوين الجهاز البيروقراطي المستقل

مع تطور الدولة ظهرت طبقة إدارية محترفة من الكتبة والكهنة والوزراء، تعمل لصالح المركز وتملك معرفة ومهارات لا يمتلكها عموم المنتجين ، وكان لظهور الكتابة أحد أهم شروط هذا التحول، لأنها سمحت بتسجيل الضرائب والمخازن والأراضي والعمال والقوانين والقرارات ، وهكذا أصبح للدولة جهازها الخاص.

هنا يمكن أن نلخص عملية الانفصال في سلسلة مترابطة: الفائض يولّد الحاجة إلى الإدارة؛ الإدارة تنتج التخصص؛ التخصص ينتج جهازًا؛ الجهاز يكتسب موارد؛ الموارد تمنحه استقلالًا؛ والاستقلال يحتاج إلى شرعية؛ والشرعية تعيد إنتاج السلطة.

لكن هذه السلسلة لا تعني أن الدولة أصبحت منفصلة تمامًا عن المجتمع ، فالدولة بقيت تعتمد على المجتمع في إنتاج الفائض والعمل والجنود والمعرفة ، لذلك فإن  انفصال الدولة عن المجتمع  هو انفصال نسبي ومؤسسي، لا انفصال مطلق. ومن هنا تبدأ المشكلة التي سترافق تاريخ الدولة منذ سومر ومصر إلى الدولة الوطنية الحديثة : كيف تستطيع الدولة أن تصبح كيانًا مستقلًا نسبيًا عن المجتمع، من دون أن تفقد الأساس الاجتماعي الذي تستمد منه قدرتها على البقاء؟

هذا السؤال هو الذي سيقودنا إلى النظريات التي حاولت تفسير لماذا ظهرت الدولة في بعض البيئات والتجمعات التاريخية، وكيف ارتبط نشوء الدولة بالمدينة والبيئة والمياه والصراع.

 

المبحث الثالث

نظريات نشوء الدولة: التفسير الوظيفي والبيئي والصراعي

إذا كان المبحثان السابقان قد حددا التحول الاجتماعي والاقتصادي الذي جعل الدولة ممكنة، فإن السؤال التالي هو: لماذا ظهرت الدولة في بعض البيئات التاريخية بهذا الوضوح، ولماذا اتخذت أشكالًا مختلفة من مجتمع إلى آخر؟

لا توجد إجابة واحدة عن هذا السؤال. فقد حاولت مدارس متعددة تفسير نشوء الدولة من خلال عوامل مختلفة: المدينة، والاقتصاد، والبيئة، والسيطرة على المياه، والصراع على الموارد، والحرب، والحاجة إلى الإدارة.

والأهمية هنا ليست في اختيار نظرية واحدة وإقصاء غيرها، وإنما في النظر إلى الدولة بوصفها نتيجة تفاعل مجموعة من العوامل.

  • جوردون تشيلد والثورة الحضرية

يمثل جوردون تشيلد أحد أبرز الباحثين الذين ربطوا نشوء الدولة بما سماه الثورة الحضرية ، فبعد الثورة الزراعية، لم تعد المستوطنات مجرد تجمعات من المزارعين ، كما أدى استقرار السكان وتراكم الفائض إلى زيادة الكثافة السكانية، وظهور تخصصات مهنية جديدة، وتوسع التجارة، وازدياد الحاجة إلى الإدارة ، ومن هنا أصبحت المدينة أكثر من مجرد مكان للسكن ، حيث أصبحت مركزًا اقتصاديًا وسياسيًا ودينيًا.

وتكمن أهمية أطروحة تشيلد في أنها تربط بين التحضر والتخصص الاجتماعي ، فعندما تنتج الجماعة فائضًا أكبر من حاجتها المباشرة، يصبح من الممكن أن يتفرغ جزء من السكان لأعمال أخرى: الكتابة، والحرف، والإدارة، والطقوس، والتجارة، والجيش .وهكذا يبدأ المجتمع في إنتاج طبقات ووظائف لم تكن ممكنة في القرية الزراعية الصغيرة.

لكن المدينة لا تنتج الدولة وحدها ، فالمدينة تحتاج إلى سلطة قادرة على إدارة مواردها، وتنظيم علاقاتها، وحماية طرق التجارة، وتسوية النزاعات، وإدارة العلاقة بين السكان ومراكز الفائض ، ولهذا فإن ظهور المدينة والدولة كانا متداخلين، وإن لم يكونا الشيء نفسه.

ومن هنا نفهم لماذا كانت بلاد الرافدين واحدة من أكثر المناطق أهمية في دراسة الدولة المبكرة: فقد شهدت نشوء مدن كبيرة مثل أوروك وأور ولَجَش، وتحولت المدينة إلى وحدة سياسية كاملة.

  • كارل ويتفوغل والإدارة الهيدروليكية

إذا كان تشيلد قد ركز على المدينة والفائض والتخصص، فإن كارل ويتفوغل حاول تفسير نشوء الدولة من خلال التحكم في المياه ، ففي المجتمعات التي قامت على الزراعة المروية في الأنهار الكبرى، كان تنظيم المياه يحتاج إلى قدر من التنسيق يتجاوز قدرة الأسرة أو القرية الصغيرة : لحفر القنوات، وصيانتها، وتنظيم تدفق المياه، وتوزيعها، وحماية الأراضي من الفيضانات، كلها وظائف تتطلب إدارة واسعة ،ومن هنا نشأت، وفق هذه الفرضية، حاجة إلى سلطة مركزية قادرة على تنظيم العمل الجماعي.

لكن أهمية هذه النظرية لا تكمن في القول إن الري اخترع الدولة ، فالدولة كانت أكثر تعقيدًا من مجرد جهاز لإدارة المياه ، وإنما تكشف لنا النظرية كيف يمكن للبنية التحتية أن تنتج حاجة إلى الإدارة، وكيف يمكن للإدارة أن تنتج بدورها سلطة أكثر مركزية.

وهنا تتقاطع النظرية الهيدروليكية مع ما سبق أن ناقشناه حول الفائض ، فالمياه تنتج الزراعة، والزراعة تنتج الفائض، والفائض يحتاج إلى تخزين وإدارة وتوزيع، وهذه العمليات تنتج أجهزة إدارية متخصصة.

لكن يجب ألا نحول هذا المسار إلى قانون حتمي؛ فوجود الأنهار لا يؤدي تلقائيًا إلى الدولة المركزية ، فالتاريخ أكثر تعقيدًا، والعوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية تدخل دائمًا في تشكيل النتيجة.

  • روبرت كارنيرو والصراع على الموارد

يقدم روبرت كارنيرو تفسيرًا مختلفًا يركز على الصراع والضغط السكاني والقيود البيئية ، فعندما تتزايد أعداد السكان في مناطق محدودة الموارد، يصبح التنافس على الأرض والمياه والموارد أكثر حدة ، وقد يؤدي هذا التنافس إلى الحروب بين الجماعات، ثم إلى توسع جماعة على حساب أخرى، وظهور مراكز سياسية أكثر قدرة على فرض السيطرة ،وبهذا المعنى، يمكن أن تكون الحرب عاملًا في تكوين الدولة.

لكن الحرب هنا ليست مجرد نتيجة لوجود الدولة، بل يمكن أن تكون أيضًا إحدى الآليات التي ساعدت على نشوئها ، فالجماعة التي تستطيع تنظيم جيش، وتعبئة الموارد، وإدارة الأراضي التي تسيطر عليها، تصبح أكثر قدرة على التوسع ، ومع التوسع تصبح الإدارة أكثر تعقيدًا، ويزداد الفائض، وتحتاج السلطة إلى موظفين وجباة وجنود. وهكذا يمكن أن تتحول المنافسة بين الجماعات إلى عامل في بناء جهاز الدولة.

  • نحو تفسير مركب

إذا جمعنا تشيلد وويتفوغل وكارنيرو، سنجد أن كل نظرية تضيء جانبًا من العملية ، فتشيلد يوضح لنا المدينة والتخصص والفائض ،ويتفوغل يوضح لنا المياه والبنية التحتية والحاجة إلى التنسيق ، بينما كارنيرو يوضح لنا الصراع على الموارد والضغط السكاني والتوسع السياسي ، لكن هذه العناصر لا تعمل منفصلة.

فالفائض يحتاج إلى إدارة، والإدارة تحتاج إلى سلطة، والسلطة تحتاج إلى موارد، والموارد قد تصبح موضوعًا للصراع، والصراع يحتاج إلى تنظيم عسكري، والتنظيم العسكري يحتاج إلى إدارة، والإدارة تنتج جهازًا أكثر استقلالًا ، ومن هنا لا ينبغي أن نسأل: أي نظرية هي الصحيحة؟

الأدق أن نسأل: كيف تفاعلت هذه العوامل داخل البيئات التاريخية المحددة؟

وهذا يقودنا مباشرة إلى الحالة الأكثر أهمية في هذه المحاضرة : بلاد الرافدين.

 

المبحث الرابع

نموذج بلاد الرافدين ووادي النيل: الدولة كنتاج للمدينة والمقدس والإدارة

تمثل بلاد الرافدين ووادي النيل مختبرين تاريخيين بالغَي الأهمية لفهم نشوء الدولة ، فهما لم تنتجا شكلًا واحدًا من الدولة، بل قدمتا نموذجين مختلفين نسبيًا: نموذج دولة المدن في بلاد الرافدين، ونموذج الدولة المركزية الموحدة في مصر القديمة.

وهذا الاختلاف مهم لأنه يؤكد أن الدولة ليست نتيجة عامل واحد، وأن البيئة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية يمكن أن تنتج أشكالًا مختلفة من التنظيم السياسي.

أولًا: بلاد الرافدين ودولة المدينة

كانت بلاد الرافدين، ولا سيما جنوبها، من أوائل المناطق التي شهدت نمو المدن الكبيرة وظهور المؤسسات السياسية والإدارية المعقدة ، فظهرت مدن مثل أوروك وأور ولَجَش وإريدو، ولم تكن هذه المدن مجرد تجمعات سكانية؛ كانت كيانات سياسية مستقلة نسبيًا، لها مؤسساتها، وقياداتها، ومعابدها، ومواردها، وجيوشها، ونظمها الإدارية.

وهنا ينبغي التوقف عند مفهوم دولة المدينة ، فكل مدينة كبرى كانت تمثل مركزًا سياسيًا، وتحيط بها أراضٍ زراعية ومستوطنات تعتمد عليها ، كما كانت المدينة تملك سلطة على المجال المحيط بها، وتتنافس مع المدن الأخرى على الأرض والمياه والموارد.

وهكذا فإن الدولة السومرية لم تكن دولة قومية موحدة بالمعنى الذي نعرفه اليوم، بل كانت مجموعة من دول المدن ، وهنا يمكن إدخال السؤال الذي طُرح في النقاش: هل دولة سومر هي دولة فرنسا في عهد شارل ديغول؟

المقارنة تكشف خطأ منهجيًا مهمًا ، فإذا كان المقصود: هل كان السومريون يملكون دولة ومؤسسات وسلطة سياسية وقوانين وجيشًا وإدارة؟ فالجواب نعم.

أما إذا كان المقصود: هل كانت دولة سومر دولة قومية حديثة مثل فرنسا؟ فالجواب لا.

فالدولة لا تتخذ شكلًا واحدًا عبر التاريخ ، فدولة المدينة السومرية كانت دولة تاريخية، لكنها لم تكن دولة قومية حديثة ، و لم تكن تقوم على مفهوم المواطنة الحديثة، ولا على الحدود القومية الحديثة، ولا على فصل واضح بين الدين والسياسة، ولا على مفهوم السيادة الوطنية بالشكل الذي تبلور لاحقًا.

لذلك فإن استخدام فرنسا في عهد ديغول (على سبيل المثال لا الحصر) معيارًا للحكم على سومر يؤدي إلى إسقاط مفهوم حديث على مجتمع قديم.

والأصح أن نستخدم معيارًا تاريخيًا: هل كانت هناك سلطة سياسية متمايزة؟ هل كانت هناك إدارة؟ هل كان هناك احتكار نسبي للعنف؟ هل كانت هناك جباية؟ هل كان هناك قانون؟ هل كانت هناك مؤسسات تملك قدرًا من الاستقلال عن العلاقات القرابية المباشرة؟

في الحالة السومرية، نجد هذه العناصر بدرجات واضحة.

كيف استطاع السومريون إنشاء دولة؟

السؤال الآخر الذي طُرح في النقاش أكثر تحديدًا: كيف استطاع السومريون إنشاء دولة؟

والإجابة تبدأ من رفض فكرة أن السومريين جلسوا في لحظة تاريخية وقرروا  إنشاء الدولة  ، فالدولة لم تكن مشروعًا هندسيًا مخططًا من البداية ، بل ظهرت من تراكم ظروف تاريخية.

فالزراعة في جنوب بلاد الرافدين ارتبطت بشبكة معقدة من المياه والقنوات، ونمو المدن أدى إلى تراكم السكان، وتراكم السكان أدى إلى زيادة الحاجة إلى تنظيم الإنتاج، والإنتاج الزراعي أنتج فائضًا، والفائض استدعى التخزين والتوزيع، والتخزين والتوزيع احتاجا إلى كتبة وموظفين ومخازن، ومع اتساع المجال السياسي ظهرت الحاجة إلى الجند والإدارة والقانون ، وهكذا أصبح لدينا جهاز سياسي يتجاوز الأسرة والعشيرة.

كانت الزيقورة والمعبد في قلب هذه المنظومة ، فالمعبد لم يكن مجرد مكان للعبادة، بل كان مؤسسة اقتصادية واجتماعية وسياسية ، يمتلك الأراضي ويجمع الموارد ويشرف على العمل ويعيد توزيع جزء من الفائض ، ثم ظهر القصر الملكي بوصفه مركزًا آخر للسلطة.

ومن هنا نشأ تداخل المعبد والقصر والمدينة.

الإنسي واللوغال

تظهر طبيعة السلطة السياسية السومرية من خلال التمييز بين الإنسي واللوغال ، فالإنسي ارتبط بصورة أكبر بحكم المدينة وإدارتها، بينما ارتبط اللوغال بالملكية والسلطة العسكرية والتوسع.

ولا ينبغي النظر إلى هذه المصطلحات وكأنها تطابق تمامًا لمفهوم رئيس البلدية و الملك الحديثين؛ فالمؤسسات السومرية كانت جزءًا من منظومة سياسية ودينية مختلفة ، لكن التمييز يكشف لنا شيئًا أساسيًا: السلطة بدأت تتخصص ، ولم يعد المجتمع كله يمارس الوظائف السياسية بصورة مباشرة، وإنما أصبح هناك أفراد ومؤسسات متخصصة في الحكم والإدارة والطقوس والحرب ، وهذه هي بالضبط اللحظة التي تحدثنا عنها في المبحث السابق: تحول السلطة من وظيفة موزعة اجتماعيًا إلى جهاز أكثر تخصصًا وتمايزًا.

أكيتو والشرعية السياسية

كانت الطقوس السياسية والدينية جزءًا من عملية إنتاج الشرعية ، ويمثل عيد أكيتو مثالًا مهمًا على ذلك ، فلم يكن الطقس مجرد احتفال ديني، بل كان يعيد إنتاج العلاقة بين الملك والآلهة والمجتمع والنظام الكوني.

ففي الطقس، كان النظام السياسي يعاد تثبيته رمزيًا ، وهنا تظهر أهمية الأسطورة في الدولة القديمة ، فأسطورة تيامات ومردوخ، مثلًا، لا يمكن فصلها عن تصور النظام السياسي والكوني؛ فهزيمة الفوضى وإنتاج النظام الكوني يمكن أن تقرأ في علاقتها بتثبيت سلطة المدينة ومركزيتها ، وهذا هو ما يجعل الدولة القديمة بنية سياسية ورمزية في الوقت نفسه.

الكتابة والقانون

كانت الكتابة واحدة من أهم التحولات في نشوء الدولة ، فالكتابة سمحت بتسجيل المحاصيل والضرائب والأراضي والعمال والديون والمعاملات والقوانين ، ومع الكتابة أصبح من الممكن أن تتجاوز الإدارة حدود الذاكرة الشخصية.

وهذا تحول هائل ، ففي مجتمع صغير، يستطيع الشيخ أو رب الأسرة الاعتماد على الذاكرة والعلاقات المباشرة ، أما في مدينة كبيرة وإدارة معقدة، فإن الدولة تحتاج إلى سجلات ، وهكذا أصبحت الكتابة جزءًا من البنية البيروقراطية للدولة.

أما القوانين، مثل قوانين أورنامو ثم لاحقًا مسلة حمورابي، فقد عبرت عن انتقال مهم من العرف المحلي إلى سلطة تشريعية أكثر مركزية.

لكن القانون لم يكن محايدًا اجتماعيًا بالمعنى الحديث؛ فقد عكس بنية المجتمع الطبقية ودرجات المكانة والتمييز بين الفئات ، وهنا نعود إلى السؤال الذي طرحناه في البداية: كيف انفصلت الدولة عن المجتمع؟

لقد حدث ذلك من خلال مجموعة متراكمة من الأدوات: الفائض، والمعبد، والقصر، والكتابة، والقانون، والجيش، والشرعية الدينية، والإدارة.

ثانيًا: وادي النيل والدولة المركزية

إذا كانت بلاد الرافدين تقدم نموذجًا لدولة المدن، فإن وادي النيل يقدم نموذجًا مختلفًا نسبيًا: الدولة المركزية التي اتخذت شكلًا أكثر وحدة واستقرارًا.

وهنا يظهر سؤال البيئة مرة أخرى ، كان النيل هو العمود الفقري للحياة الاقتصادية المصرية ، فالفيضان السنوي لم يكن مجرد ظاهرة طبيعية، بل كان أساس النظام الزراعي ، ومع انتظام الزراعة، أصبحت هناك حاجة إلى قياس الأراضي، وتنظيم القنوات، وحساب المحاصيل، وجمع الضرائب، وتحديد حقوق الانتفاع بالأرض ، وهكذا تحولت البيئة إلى عامل من عوامل التنظيم السياسي.

  • نارمر وتوحيد مصر

يرتبط توحيد مصر القديمة تقليديًا بالملك نارمر أو مينا، في أواخر الألفية الرابعة قبل الميلاد ، ولا ينبغي أن نفهم التوحيد باعتباره مجرد انتصار عسكري لشخص على آخر، بل بوصفه بداية لتكوين مجال سياسي واسع يخضع لمركز واحد ، وهنا تختلف مصر عن نموذج دول المدن في بلاد الرافدين.

فبدلًا من تعدد المراكز السياسية المتنافسة، ظهر مركز ملكي قادر على إدارة مساحة واسعة من وادي النيل ، وهذا المركز احتاج إلى جهاز إداري كبير.

  • الملكية الكوزمولوجية والماعت

لكن قوة الدولة المصرية لم تكن قائمة على الإدارة وحدها ، لقد كان الملك في الفكر المصري جزءًا من النظام الكوني نفسه ، وكان مفهوم الماعت يمثل العدالة والنظام والانسجام الكوني.

ومن هنا أصبحت مهمة الملك ليست فقط إدارة الدولة، بل الحفاظ على النظام الكوني ، هذه الفكرة مهمة جدًا لفهم العلاقة بين المقدس والدولة ، فحين يعتقد المجتمع أن استقرار العالم نفسه مرتبط باستقرار السلطة، تصبح طاعة الملك أكثر من مجرد التزام سياسي؛ تصبح جزءًا من الحفاظ على النظام.

وهكذا يؤدي الرمز وظيفة سياسية عميقة.

  • الأهرامات كاقتصاد سياسي

يمكن أن تبدو الأهرامات للوهلة الأولى آثارًا دينية أو جنائزية، لكنها تكشف أيضًا عن قدرة الدولة على تنظيم الموارد والعمل ، فإنشاء مشروع بهذا الحجم يتطلب تعبئة أعداد ضخمة من العمال، وتوفير الغذاء، وتنظيم النقل، وإدارة الحجر، وتوزيع المهام، ومراقبة العمل  ، وبالتالي فإن الهرم يمثل، من منظور الدولة، تجسيدًا ماديًا لقدرتها التنظيمية ، إنه يربط بين الدين والاقتصاد والإدارة والسلطة في بنية واحدة.

  • الوزير والكتبة والأقاليم

اعتمدت الدولة المصرية على جهاز إداري متطور، كان الوزير في قمته إلى جانب شبكة واسعة من الكتبة والموظفين ، حيث كانت مصر مقسمة إلى أقاليم، أو Nomarchies، تحتاج إلى إدارة محلية مرتبطة بالمركز ، وهنا تظهر مرة أخرى العلاقة بين المركز والأطراف.

فالدولة لا تستطيع إدارة مجال واسع من العاصمة وحدها، ولذلك تحتاج إلى وسطاء محليين، لكن هؤلاء الوسطاء قد يصبحون بدورهم مراكز قوة ، ومن هنا فإن بناء الدولة لا يعني القضاء على القوى المحلية، بل إعادة تنظيمها ضمن بنية مركزية.

  • بين سومر ومصر: شكلان للدولة

تكشف المقارنة بين بلاد الرافدين ووادي النيل أن الدولة لا تتبع طريقًا واحدًا ، ففي بلاد الرافدين، برزت دولة المدينة، والتنافس بين المراكز(المدن)، والمعبد بوصفه مؤسسة اقتصادية وسياسية، وتعدد المدن والممالك.

وفي مصر، برزت الدولة المركزية الموحدة، والملك بوصفه محور النظام السياسي والكوني، والإدارة الإقليمية المرتبطة بالمركز.

لكن النموذجين يشتركان في عناصر أساسية: الفائض الزراعي، التخصص الاجتماعي، الإدارة، الكتابة، الجباية، الجيش، القانون، الشرعية الرمزية، والمؤسسات المتمايزة نسبيًا عن المجتمع ، وهنا يمكن أن نعود إلى سؤال الشعوب ودورها.

لم تكن الدولة السومرية أو المصرية نتاج الملك وحده ، فالملك لم يبنِ القنوات، ولم يزرع الحقول، ولم يصنع الأدوات، ولم ينقل الأحجار، ولم يكتب السجلات بنفسه ، لقد كانت الدولة تعتمد على مجتمع كامل من المنتجين والحرفيين والعمال والكتبة والجنود.

لكن المفارقة هي أن المجتمع الذي أنتج الموارد هو نفسه الذي بدأت الدولة تفرض عليه الضرائب والعمل الإجباري والقواعد ، ومن هنا فإن نشوء الدولة لم يكن مجرد تنظيم للمجتمع، بل كان أيضًا إعادة توزيع للسلطة داخل المجتمع ، وهذا هو الجانب الذي سنحتاج إليه لاحقًا لفهم الطبقات، والقرابة، والقبيلة، والإمبراطوريات، ثم الدولة الحديثة.

فكلما تطورت الدولة، أصبحت أكثر قدرة على تنظيم المجتمع، لكنها أصبحت في الوقت نفسه أكثر قدرة على استخلاص موارده وضبطه ، وهنا تبدأ العلاقة التاريخية المعقدة بين الدولة والمجتمع التي سترافق بلاد ما بين النهرين ووادي النيل عبر آلاف السنين.

 

المبحث الخامس

 البنية الاقتصادية والاجتماعية لعصر فجر التاريخ

  • الفائض والطبقية والتشريع

إذا كان نشوء الدولة قد ارتبط، كما رأينا، بتراكم الفائض وتخصص الإدارة وظهور المؤسسات السياسية والدينية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه الآن هو: ماذا فعلت الدولة بالمجتمع الذي أنتجها؟

هذه النقطة أساسية لأن الدولة لم تكن مجرد استجابة محايدة لمتطلبات التنظيم. فمع ظهورها تغيرت البنية الاجتماعية نفسها ، وأصبح المجتمع أكثر تمايزًا، وظهرت طبقات وفئات ذات مواقع مختلفة في عملية الإنتاج والتوزيع والسلطة.

لقد تأسست الدولة في المشرق ووادي النيل على ركائز اقتصادية واجتماعية حددت ملامحها لقرون طويلة، وفي مقدمتها اقتصاد المعبد والقصر، والطبقية الاجتماعية، وتقسيم العمل، ثم التشريع والتقنين.

  • اقتصاد المعبد والقصر

تركزت الثروة والسلطة الاقتصادية في المراحل المبكرة في مؤسسات المعبد، ثم في القصر والقيادة الملكية والعسكرية ، وكانت الموارد، من محاصيل زراعية ومعادن وغيرها، تُجمع في مخازن مركزية ثم يعاد توزيعها على الحرفيين والعاملين وفق نظام اقتصادي مركزي دقيق ، وهنا نصل إلى نقطة مهمة في فهم علاقة الدولة بالمجتمع ، إن الفائض الذي جعل الدولة ممكنة هو نفسه الذي أعطاها القدرة على الاستمرار.

فالدولة تحتاج إلى مورد دائم لتمويل جهازها الإداري والعسكري والديني ، وكلما توسع الجهاز، ازدادت حاجته إلى الموارد، وكلما ازدادت الموارد التي تمر عبره، ازدادت قدرته على الاستقلال عن المنتجين المباشرين ، لكن ذلك لا يعني أن المجتمع كان مجرد ضحية سلبية للدولة.

فالفلاحون والحرفيون والعمال كانوا أساس الاقتصاد كله ، و من دون إنتاجهم لا يوجد فائض، ومن دون الفائض لا توجد مؤسسة مركزية قادرة على الاستمرار.

من هنا يمكن أن نجيب عن أحد الأسئلة التي تطرح في النقاش: ما دور الشعوب في تشكل الدول؟

دور الشعوب لم يكن هامشيًا أو ثانويًا ، فالدولة لم تنشأ من فوق فقط؛ بل نشأت من التحولات التي حدثت في المجتمعات نفسها ، فالمزارعون طوروا الزراعة، والجماعات نظمت المياه، والحرفيون طوروا التخصص، والتجار وسعوا شبكات التبادل، والعمال والجنود والكتبة جعلوا الجهاز السياسي قادرًا على العمل.

لكن المفارقة التاريخية هي أن المجتمع، حين أنتج هذه الشروط، أنتج في الوقت نفسه جهازًا أصبح قادرًا على تنظيمه من موقع أعلى ، وهكذا فإن نشوء الدولة يمكن فهمه بوصفه عملية اجتماعية أنتجت مؤسسة أصبحت لاحقًا أكثر استقلالًا نسبيًا عن المجتمع الذي أنتجها.

الطبقية الاجتماعية وتقسيم العمل

أدى الفائض الإنتاجي إلى ظهور تمايز طبقي واضح بين فئة حاكمة ومسيطرة تضم الملوك والكهنة وأمراء الأقاليم وقادة الجيش، وفئة منتجة تضم الفلاحين والحرفيين وعمال البناء، وفئة ثالثة من المُسْتَرَقين في بعض المراحل .

توثق المدونات والوثائق الاقتصادية السومرية والمصرية القديمة جوانب عديدة من هذا التمايز.

وهنا تظهر أهمية تقسيم العمل ، فالزراعة لم تعد النشاط الوحيد الذي يمارسه أفراد المجتمع ، حيث أصبح هناك من يكتب، ومن يدير، ومن يحارب، ومن يمارس الطقوس، ومن يصنع الأدوات، ومن ينقل السلع، ومن يعمل في البناء ، وهذا التخصص رفع قدرة المجتمع على الإنتاج، لكنه أنتج في الوقت نفسه تفاوتًا في المكانة والموارد ، وبالتالي فإن الدولة لم تنشأ فقط من الحاجة إلى تنظيم مجتمع متزايد التعقيد؛ إنها ساهمت أيضًا في إعادة تنظيم هذا المجتمع على أساس التراتب.

التشريع والتقنين

مع ظهور القوانين والمدونات، أصبح للدولة دور أكثر وضوحًا في تحديد الحقوق والواجبات وتنظيم الملكية والعقود والعقوبات ، ومن أبرز الأمثلة قوانين أورنامو، وقوانين لبت-عشتار، ومسلة حمورابي في بلاد الرافدين، إلى جانب التشريعات الملكية وتنظيم القضاء في مصر الفرعونية. وقد أدت هذه القوانين وظيفة سياسية وقانونية في ضبط العلاقات الاجتماعية وحماية الملكية وترسيخ الدولة بوصفها مرجعًا للعدالة والنظام العام ، لكن القانون لم يكن مجرد أداة للعدالة بالمفهوم الحديث ، لقد كان أيضًا أداة لتثبيت النظام الاجتماعي القائم.

وهذا يعيدنا إلى السؤال الأساسي حول انفصال الدولة عن المجتمع: كلما أصبحت الدولة مصدرًا للقانون، لم تعد القواعد الاجتماعية تُنتج داخل الجماعة وحدها، وإنما أصبح هناك مركز يملك القدرة على تعريف السلوك المشروع وغير المشروع ، وهنا تكتمل إحدى أهم مراحل الانتقال من المجتمع القرابي إلى المجتمع السياسي.

 

المبحث السادس

 ديناميكيات القرابة والقبيلة في مواجهة الدولة

مقاربة سوسيولوجية تاريخية: ابن خلدون وإرنست غيلنر

إذا كان نشوء الدولة قد ارتبط تاريخيًا بتجاوز السلطة للقرابة، فهذا لا يعني أن القرابة اختفت ، وهذه نقطة شديدة الأهمية في تاريخ بلاد ما بين النهرين ، فالقبيلة والعائلة والعشيرة ظلت فاعلة حتى بعد نشوء الدول والإمبراطوريات، ولذلك فإن علاقة الدولة بالقبيلة لم تكن علاقة استبدال كامل، وإنما علاقة صراع واحتواء وتفاوض وإعادة تركيب مستمرة ، وهنا تكتسب أفكار ابن خلدون وإرنست غيلنر أهمية خاصة.

العصبية والدولة عند ابن خلدون

تشكل نظرية ابن خلدون في العصبية في المقدمة أحد أهم التفسيرات العربية لدور البداوة والقبيلة في تأسيس الدول ، فالعصبية تمنح الجماعة قوة التضامن الضرورية للغلبة وتأسيس السلطة، لكن الدولة، بعد تأسيسها، تبدأ تدريجيًا في تغيير طبيعة الجماعة التي جاءت منها ، وهنا تظهر المفارقة الخلدونية.

الجماعة التي تمتلك العصبية وتستطيع إقامة الدولة تحتاج إلى العصبية لكي تنتصر، لكن الدولة بعد أن تستقر تبدأ في إنتاج حياة حضرية أكثر تعقيدًا، وتوسيع الإدارة، وتوزيع الموارد، وإعادة تنظيم العلاقات، وهو ما يؤدي تدريجيًا إلى إضعاف العصبية الأولى.

وهكذا تصبح الدولة، في دورة ابن خلدون، نتيجة للعصبية وفي الوقت نفسه عاملًا في تفكيكها ، وهذه الفكرة تساعدنا على فهم سؤال آخر يُطرح في النقاش: هل الدولة تلغي القبيلة؟

التاريخ يقول إن الأمر ليس بهذه البساطة ، فالدولة تستطيع أن تضعف القبيلة عندما تصبح المؤسسات المركزية قوية، لكنها قد تحتاج إليها أيضًا في الأطراف، وفي التجنيد، وفي جمع الضرائب، وفي توفير الأمن المحلي ، لذلك فإن الدولة والقبيلة يمكن أن تعيشا في حالة اعتماد متبادل، حتى عندما تبدو إحداهما في صراع مع الأخرى.

غيلنر والثنائية بين الدولة والمجتمع القبلي

يحلل إرنست غيلنر المجتمعات الإسلامية والشرق أوسطية من خلال ثنائية بين الدولة الحضرية المركزية والمجتمعات القبلية القطاعية.

وفق هذا التصور، تسعى الدولة إلى تدجين القبائل أو فرض الجباية عليها، بينما تمثل القبائل مصدرًا دائمًا للتمرد، كما يمكن أن تكون مصدرًا لتجديد النخب الحاكمة عند انهيار المركز.

لكن الأهم هنا أن القبيلة لا تُفهم بوصفها بقايا من الماضي فحسب ، إنها شكل من أشكال التنظيم الاجتماعي قادر على إنتاج التضامن والحماية والهوية وتوزيع الموارد ، ولهذا فإن محاولة الدولة القضاء عليها بصورة مباشرة قد لا تؤدي بالضرورة إلى اختفائها؛ فقد تعيد القبيلة إنتاج نفسها في أشكال جديدة، وقد تنتقل علاقات القرابة إلى الأحزاب أو المؤسسات أو شبكات الزبائنية.

ومن هنا يمكن أن نفهم لاحقًا لماذا لم تنجح الدولة الحديثة في بلاد ما بين النهرين دائمًا في تحويل المواطن إلى فرد يرتبط بالدولة مباشرة ، ففي كثير من الحالات ظل المواطن مرتبطًا في الوقت نفسه بالعائلة والطائفة والعشيرة والمنطقة.

 

المبحث السابع

 التحولات المورفولوجية والسياسية في بنية الدولة عبر العصور

إذا أردنا الآن أن نتابع مسار الدولة عبر التاريخ، فسوف نجد أنها لم تتطور في خط مستقيم من “الدولة القديمة” إلى “الدولة الحديثة”.

لقد تغير شكلها مرات عديدة ، حيث انتقلت من دولة المدينة إلى المملكة والإمبراطورية، ثم ظهرت أشكال جديدة مع الخلافة الإسلامية، ثم الإمبراطورية العثمانية، وصولًا إلى الدولة الوطنية الحديثة.

ولهذا فإن السرد التاريخي الذي نستخدمه هنا ليس مجرد استعراض للماضي ، إنه وسيلة لفهم كيف تغير معنى السلطة نفسها عبر الزمن ، وهنا يمكن الإجابة عن السؤال الذي يُطرح في النقاش: ماذا يفيد السرد التاريخي في التطرق إلى الدولة الحديثة؟

يفيد لأنه يمنعنا من التعامل مع الدولة الحديثة بوصفها كيانًا طبيعيًا أزليًا ، فعندما نعرف أن الدولة مرت بأشكال متعددة، ندرك أن حدودها ومؤسساتها وعلاقتها بالمجتمع ليست حقائق ثابتة، بل نتائج تاريخية.

ومن دون هذا المنظور، قد نتصور أن المواطن والدستور والحدود والسيادة والمؤسسات البيروقراطية كانت موجودة دائمًا، بينما هي في الحقيقة نتاج مرحلة تاريخية محددة. فالتاريخ، إذن، لا يقدم لنا مجرد تسلسل للأحداث؛ إنه يكشف الأصول العميقة للمؤسسات التي نعيش داخلها اليوم.

  • دولة المدن والإمبراطوريات القديمة

تطورت الدولة من دولة المدينة والممالك المحلية المستقلة إلى إمبراطوريات واسعة النطاق، مثل أكد وبابل وآشور والإمبراطوريات الفرعونية المتعاقبة، ثم الإمبراطورية الفارسية والهلنستية والرومانية.

وقد اتسمت هذه الإمبراطوريات بالتوسع العسكري، والجباية المركزية، وتعدد القوميات والثقافات داخل سلطة سياسية واحدة، يجمعها الولاء للملك أو الإمبراطور والالتزام بالضرائب والجباية.

وهنا حدث تحول مهم في حجم الدولة ، فالدولة لم تعد مدينة ومجالها الزراعي، بل أصبحت تضم جماعات متعددة اللغات والثقافات والديانات ، وهذا يعني أن الدولة واجهت سؤالًا جديدًا: كيف تحكم جماعات ليست من جماعة واحدة؟

كانت الإجابة القديمة غالبًا تقوم على القوة والجباية والولاء للإمبراطور، مع ترك مساحة من الاستقلال للعادات المحلية. وهذا النمط سيظهر لاحقًا، بصور مختلفة، في الإمبراطوريات الإسلامية والعثمانية.

  • الدولة الإسلامية والخلافة

مع ظهور الإسلام والفتوحات الكبرى في القرنين السابع والثامن الميلاديين، تشكل نمط سياسي جديد استند إلى شرعية دينية سياسية تمثلت في مؤسسة الخلافة ، وتطورت هذه الدولة عبر العصور الأموية والعباسية، ثم الفاطمية والمملوكية، وأنتجت أجهزة إدارية ومالية متقدمة، مثل دواوين الخراج والجند والبريد، ونظام الوزارة والقضاء الشرعي ، ولكن هنا يبرز سؤال بالغ الأهمية طُرح في النقاش: هل الخلافة الإسلامية دولة بالمعنى الحديث؟

الجواب يحتاج إلى تمييز بين أمرين ، فإذا كنا نستخدم كلمة دولة بمعناها التاريخي الواسع، أي كيان سياسي يملك سلطة على إقليم وسكان، ويمارس الجباية، ويملك مؤسسات للإدارة والقضاء والجيش، فالخلافة كانت دولة .

أما إذا استخدمنا مفهوم الدولة الحديثة، فلا يمكن مساواتها بها ، فالدولة الحديثة تقوم على مفاهيم تاريخية لم تكن مكتملة في الخلافة، مثل الدولة القومية، والمواطنة المتساوية بصيغتها الحديثة، والحدود الإقليمية الصارمة، والسيادة الوطنية الحديثة، والفصل المؤسسي الواضح بين الدولة والمجال الديني.

الخلافة كانت دولة تاريخية ذات شرعية دينية وسياسية، لكنها ليست دولة وطنية حديثة قبل أوانها ، وهذا التمييز ضروري، تمامًا كما كان ضروريًا في حالة سومر.

فإذا قلنا إن الخلافة ليست دولة لأنّها لا تشبه فرنسا المعاصرة، فنحن نستخدم معيارًا زمنيًا خاطئًا ، أما إذا قلنا إنها دولة حديثة كاملة، فنحن نقع في الخطأ المعاكس ، فالأدق أن نقول إنها شكل تاريخي من أشكال الدولة، له منطقه الخاص في الشرعية والإدارة والإقليم والسلطة.

من المدينة إلى المجال الإمبراطوري

لم تعد السلطة الإسلامية محصورة بمدينة واحدة أو جماعة قرابية واحدة ، لقد توسعت لتشمل مجالًا جغرافيًا واسعًا، وضمّت جماعات متعددة من العرب والفرس والكرد والأمازيغ وغيرهم.

وهذا جعل الإدارة أكثر تعقيدًا ، فظهرت الدواوين، والجباية المنظمة، والبريد، والوزارة، والقضاء، والجيش ، وبذلك أصبح الجهاز الإداري أكثر استقلالًا وتخصصًا، وهي السمة نفسها التي رأينا بداياتها في الدول القديمة ، لكن الشرعية تغيرت ، ففي سومر كانت الشرعية مرتبطة بعلاقة الحاكم بالإله المحلي والنظام الكوني ، وفي مصر ارتبطت بالملك الإله والماعت ، أما في الخلافة فأصبحت الشرعية مرتبطة بالإسلام ومفهوم الجماعة والخلافة والحكم وفق الشريعة، مع اختلافات كبيرة بين التجارب السياسية والتاريخية المتعاقبة. وهكذا لا تختفي العلاقة بين المقدس والدولة؛ وإنما يتغير شكلها التاريخي.

  • الدولة العثمانية ودمج بلاد ما بين النهرين ووادي النيل

وصل مسار التحولات السياسية في المنطقة إلى مرحلة مختلفة مع الدولة العثمانية، التي حكمت أجزاء واسعة من بلاد ما بين النهرين ووادي النيل لقرون. وهنا يُطرح في النقاش سؤال مباشر: هل العثمانيون كانوا دولة؟

نعم، إذا استخدمنا مفهوم الدولة التاريخي والسياسي ، حيث كانت الدولة العثمانية سلطة سياسية مركزية ذات مؤسسات إدارية ومالية وعسكرية وقضائية، تملك جهازًا للجباية، وتسيطر على أقاليم واسعة، وتدير جيوشًا، وتصدر القوانين والأوامر، وتمارس السيادة على سكان ومجالات جغرافية واسعة.

لكنها، مرة أخرى، لم تكن دولة قومية حديثة ، فقد كانت إمبراطورية متعددة القوميات والأديان والمناطق، يقوم تنظيمها على علاقة مركزية بين إسطنبول والأقاليم، وعلى شبكات من الوسطاء المحليين.

وقد دمج العثمانيون بلاد ما بين النهرين ووادي النيل في الإمبراطورية عبر نظام الولايات والسناجق، مع وجود تبعية إدارية ومالية وعسكرية للمركز، لكن مع احتفاظ الزعامات المحلية والوجاهات والعشائر وأمراء الأقضية بدور مهم في جمع الضرائب وإدارة الشؤون اليومية، عبر أنظمة مثل الالتزام والإقطاع وغيرها.

وهذا النموذج يكشف مرة أخرى أن الدولة لا تعمل دائمًا من المركز مباشرة ، فحتى أقوى الإمبراطوريات تحتاج إلى وسطاء.

العثماني في إسطنبول لا يستطيع إدارة كل قرية ومدينة وناحية بنفسه ، ولذلك يحتاج إلى الوالي، والمتصرف، والملتزم، والزعيم المحلي، والوجهاء، وشبكات القوى الاجتماعية . وهنا تستمر البنية القديمة التي رأيناها منذ ابن خلدون: الدولة المركزية تحتاج إلى المجتمع المحلي، والمجتمع المحلي يحتاج إلى الدولة المركزية.

ولهذا فإن الدولة العثمانية لم تقضِ على البنى الاجتماعية المحلية، بل أعادت تنظيمها داخل الإمبراطورية.

لماذا يهمنا ذلك في فهم الدولة الحديثة؟

لأن الدولة الوطنية التي ستظهر بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية لم تبدأ من فراغ ، لقد كانت المجتمعات التي دخلت مرحلة الدولة الوطنية تحمل معها تاريخًا طويلًا من علاقات المركز بالأطراف، والقبيلة بالدولة، والطائفة بالسلطة، والزعامة المحلية بالإدارة المركزية.

وعندما انهارت الإمبراطورية، لم تختفِ هذه البنى ، بل دخلت إلى الدولة الجديدة ، وهنا نقترب من الإجابة عن سؤال سيصبح أكثر إلحاحًا في المبحثين الثامن والتاسع: لماذا لم تستطع الدولة الوطنية الحديثة دائمًا أن تستبدل الولاءات المحلية والقرابية والطائفية بولاء وطني جامع؟

الإجابة لا تبدأ في القرن العشرين ،  إنها تمتد جذورها إلى التاريخ الطويل لعلاقة الدولة بالمجتمع في المشرق ، ولهذا فإن الانتقال من الدولة العثمانية إلى الدولة الوطنية ليس مجرد انتقال من علم إلى علم أو من حاكم إلى حاكم؛ إنه انتقال من منطق إمبراطوري متعدد الجماعات إلى منطق الدولة الوطنية الذي يفترض مواطنًا متساويًا داخل إقليم محدد.

وهنا تبدأ واحدة من أكثر التحولات صعوبة في تاريخ المنطقة: كيف يمكن تحويل مجتمع تاريخي متعدد الجماعات والولاءات إلى مجتمع مواطنين متساوين أمام دولة واحدة؟

هذا السؤال سيقودنا إلى المبحث الثامن، حيث تدخل القوى الاستعمارية الأوروبية على خط تشكيل الدولة الحديثة، وترسم حدودًا جديدة، وتعيد تنظيم المؤسسات، ثم إلى المبحث التاسع حيث سنواجه السؤال الأصعب: لماذا بقيت الطائفية والقرابة والزعامة الأبوية حاضرة داخل الدولة الوطنية بدل أن تذوب فيها؟

 

المبحث الثامن

 الاستعمار وولادة الدولة الوطنية الحديثة

إذا كانت الدولة العثمانية قد مثّلت آخر الصيغ الإمبراطورية الكبرى التي حكمت معظم بلاد ما بين النهرين ووادي النيل، فإن سقوطها بعد الحرب العالمية الأولى لم يكن مجرد انتقال من سلطة سياسية إلى سلطة أخرى. لقد كان لحظة إعادة تركيب عميقة للخريطة السياسية والاجتماعية، نقلت المنطقة من منطق الإمبراطورية متعددة الجماعات إلى منطق الدولة الوطنية ذات الحدود الإقليمية المحددة.

وهنا يصبح السرد التاريخي ضروريًا مرة أخرى، ليس من أجل استعادة الماضي لذاته، وإنما من أجل فهم السؤال الذي طرح في النقاش: ماذا يفيدنا التاريخ عندما نتحدث عن الدولة الحديثة؟

يفيدنا أولًا في إدراك أن الدولة الحديثة لم تولد من فراغ ، فالمجتمعات التي دخلت القرن العشرين كانت تحمل معها طبقات متراكمة من التاريخ: علاقات القرابة، والعشيرة، والطائفة، والزعامة المحلية، وأنماط الإدارة العثمانية، والذاكرة الإمبراطورية، والروابط الاقتصادية التي لم تكن تتطابق بالضرورة مع الحدود السياسية التي ستظهر لاحقًا. ولهذا فإن الحدود الجديدة لم تكن مجرد خطوط على الخريطة؛ كانت تدخلًا في بنية اجتماعية قائمة.

سايكس – بيكو ولوزان والانتداب

شهد بلاد ما بين النهرين ووادي النيل نقطة انعطاف حاسمة ومأساوية مع نهاية الحرب العالمية الأولى وسقوط الدولة العثمانية.

فقد قسّمت القوى الاستعمارية الكبرى، ولا سيما بريطانيا وفرنسا، فضاء بلاد ما بين النهرين من خلال اتفاقيات وتفاهمات سياسية كان أبرزها اتفاقية سايكس-بيكو عام 1916 واتفاقيات سيفر عام 1920 ولوزان عام 1923 ، ثم وعد بلفور، وما أعقب ذلك من أنظمة الانتداب ، وأعيد رسم حدود سياسية جديدة فصلت، في حالات كثيرة، بين مدن وقبائل ومراكز اقتصادية وثقافية كانت مرتبطة تاريخيًا ضمن فضاءات أوسع.

لكن المشكلة ليست في رسم الحدود وحده ، فالدولة الحديثة جاءت أيضًا بمؤسسات جديدة: دستور، وبرلمان، وجهاز بيروقراطي، وقانون مدني، وجيش، وإدارة مركزية ، وبذلك دخلت إلى المنطقة صورة مختلفة للدولة.

لكن هذه الدولة لم تبدأ من نقطة الصفر؛ فقد حملت داخلها آثار الماضي الذي سبقتها إليه ، وهنا تظهر أهمية التاريخ مرة أخرى :إن فهم الدولة الوطنية لا يكون بالنظر إلى مؤسساتها الرسمية فقط، بل بالنظر إلى البنى الاجتماعية التي دخلت هذه المؤسسات معها ، فإذا كانت الدولة الحديثة تقول إن المواطن هو الوحدة الأساسية في المجال السياسي، فإن المجتمع لم يتحول بين ليلة وضحاها إلى مجتمع من أفراد منفصلين عن العائلة والطائفة والعشيرة والمنطقة ، وهنا بدأ التوتر بين الشكل المؤسسي الحديث للدولة وبين البنية الاجتماعية التاريخية للمجتمع.

الدولة الوطنية وبناء المؤسسات

فرضت أنظمة الانتداب البريطانية والفرنسية أطرًا دستورية وقانونية وتشريعية للدول الوطنية الناشئة، ومنها سوريا والعراق ولبنان والأردن وفلسطين، فيما تطورت مصر ضمن مسارها الاستعماري الخاص.

ثم نالت دول المنطقة استقلالها تباعًا في منتصف القرن العشرين، وشهدت هذه المرحلة صعود التيارات الوطنية والقومية، بما فيها المد القومي العربي، وتأسيس أنظمة جمهورية وملكية، وبناء مؤسسات إدارية وتعليمية وعسكرية حديثة سعت إلى ترسيخ سيادة الدولة الوطنية وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

وهنا ظهر تناقض جديد ، فالدولة الحديثة جاءت بمؤسسات يفترض أنها محايدة وعامة، لكن هذه المؤسسات وجدت نفسها تعمل داخل مجتمعات لم تتخلَّ عن بنياتها التاريخية.

ومن هنا لا يكفي أن نسأل: هل أنشأت الدولة الحديثة برلمانًا أو وزارة أو جيشًا؟

السؤال الأعمق هو: هل تغيرت العلاقات الاجتماعية التي تعطي هذه المؤسسات معناها؟

وهذا السؤال سيصبح جوهريًا في فهم الأزمة المعاصرة.

المبحث التاسع

 أنثروبولوجيا الدولة الوطنية المعاصرة: الأزمات، البطريركية، والريعية

إذا كان تاريخ الدولة قد بدأ بتحول السلطة من بنية قرابية أفقية إلى سلطة أكثر مركزية وتمايزًا، فإن الدولة الوطنية الحديثة يفترض أن تكون قد قطعت شوطًا أبعد: أن تجعل المواطن، لا العائلة أو القبيلة أو الطائفة، أساس العلاقة السياسية.

لكن هذا الانتقال لم يكتمل بصورة متساوية في المشرق العربي ووادي النيل.

فالدولة الحديثة امتلكت مؤسسات حديثة، لكنها لم تنجح دائمًا في تحويل المجتمع إلى مجتمع مواطنين متساوين يرتبطون بالدولة بعقد اجتماعي جامع.

ومن هنا تظهر مجموعة من الأزمات البنيوية التي تساعدنا على فهم استمرار التوتر بين الدولة والمجتمع.

أزمة العقد الاجتماعي والمواطنة

تتمثل المشكلة الأولى في عجز عدد من النظم السياسية عن صياغة عقد اجتماعي شامل وحقيقي يدمج مختلف المكونات الإثنية والدينية والمذهبية تحت مظلة المواطنة المتساوية وسيادة القانون.

وحين لا تنجح الدولة في إنتاج هذه المساواة، تبحث الجماعات عن أطر أخرى للحماية والانتماء.

فتعود الولاءات الفرعية إلى الواجهة: الطائفة، والعشيرة، والإثنية، والمنطقة، والعائلة.

وهنا يمكننا أن نعود إلى السؤال الذي طُرح في النقاش: ما دور الشعوب في تشكل الدول؟

الشعوب ليست مجرد مادة خام تصنع الدولة ثم تختفي من المشهد.

المجتمع يشارك في إنتاج الدولة، لكنه يستطيع أيضًا أن يقاومها أو يعيد تشكيلها أو يستخدم مؤسساتها لخدمة مصالح جماعاته.

فإذا كانت الدولة قوية ومؤسساتها عادلة، تستطيع أن تنقل الولاء من الروابط الأولية إلى المواطنة.

أما إذا كانت الدولة ضعيفة أو منحازة، فإن المجتمع يعود إلى شبكات الحماية القديمة.

وهنا لا ينبغي أن ننظر إلى الطائفية والعشائرية باعتبارهما مجرد “بقايا من الماضي”. إنهما قد تتحولان إلى استجابات اجتماعية لضعف الدولة أو لعدم الثقة بها.

لماذا تبدو الطائفية ملازمة للدولة في الشرق الاوسط ووادي النيل ؟

هذا السؤال يحتاج إلى قدر من الحذر؛ لأن القول إن الطائفية «ملازمة» للدولة المشرقية لا يعني أنها طبيعة أبدية للمجتمع، ولا أن المجتمعات المشرقية عاجزة بطبيعتها عن بناء دولة مواطنة.

الطائفية ظاهرة تاريخية  ، لكن استمرارها داخل الدولة الحديثة يرتبط بأن الدولة لم تنجح دائمًا في إلغاء أو تجاوز البنى الوسيطة التي سبقتها ، فمنذ الدولة القديمة، رأينا أن السلطة المركزية لا تحكم المجتمع مباشرة في كل تفاصيله؛ إنها تحتاج إلى وسطاء. وفي الدولة الإمبراطورية، كان هؤلاء الوسطاء ولاة وزعماء محليين ووجهاء وعشائر ومؤسسات دينية.

وفي الدولة العثمانية استمرت الزعامات المحلية والوجاهات والعشائر في لعب أدوار وسيطة بين المركز والمجتمع ، وعندما جاءت الدولة الوطنية الحديثة، لم تختفِ هذه البنى ، بل دخل بعضها إلى الدولة نفسها ، ولهذا فإن الطائفية ليست بالضرورة نقيض الدولة؛ قد تصبح إحدى الطرق التي تُنظَّم بها العلاقة بين الدولة والمجتمع. وهنا يمكن فهم إحدى المفارقات الأساسية:

الدولة التي يفترض أن توحد المجتمع قد تصبح أحيانًا الإطار الذي يعيد المجتمع من خلاله إنتاج انقساماته ، فإذا أصبحت الوظيفة العامة موزعة وفق الانتماء الطائفي ، وإذا أصبحت الحماية الاجتماعية مرتبطة بالجماعة، وإذا أصبحت الانتخابات تعتمد على التعبئة الطائفية ، فإن الدولة لا تلغي الطائفية ، بل تمنحها موارد ومؤسسات جديدة ، ومن هنا لا يكفي أن نقول إن الطائفية موجودة في المجتمع.

السؤال الأهم هو: كيف تعمل الدولة على إعادة إنتاجها؟

وهذه نقطة تجعل دراسة الطائفية دراسة للدولة نفسها، لا للمجتمع وحده ، فالدولة قد تكون أداة لتجاوز الطائفية، وقد تكون في ظروف أخرى آلية لإعادة إنتاجها ، وهذا يفسر لماذا تبدو الطائفية في بعض الدول المشرقية أكثر رسوخًا من مجرد كونها هوية اجتماعية؛ فهي تصبح أحيانًا جزءًا من بنية السلطة وتوزيع الموارد والتمثيل السياسي.

البنية البطريركية وسلطة الأب الحاكم

يرتبط ذلك بأزمة ثانية تتمثل في البنية البطريركية.

كما يحلل هشام شرابي في دراساته حول المجتمع الأبوي، أُلبست الدولة الحديثة في كثير من التجارب العربية لباسًا أبويًا؛ فتحولت المؤسسات الحديثة، من البرلمانات والأحزاب إلى البيروقراطية، في

وهنا نجد مفارقة أخرى.

المؤسسة قد تبدو حديثة من الخارج: وزارة، وبرلمان، وحزب، وإدارة، وانتخابات. لكن العلاقات التي تتحرك داخلها قد تكون علاقات شخصية وأبوية.

في هذه الحالة لا يصبح المواطن مواطنًا بالمعنى الكامل، بل قد يتحول إلى تابع ينتظر الخدمة من الزعيم أو الحاكم أو الوسيط. وهكذا تعود علاقة “الأب والأبناء” القديمة إلى داخل المؤسسة الحديثة.

وهذا يفسر جزئيًا لماذا يمكن أن توجد مؤسسات دستورية حديثة إلى جانب علاقات سياسية غير حديثة.

فالمشكلة ليست في شكل المؤسسة وحده، وإنما في نوع العلاقات الاجتماعية التي تنتجها وتعيد إنتاجها.

الاقتصاد الريعي والتبعية

أما الأزمة الثالثة فتتمثل في الاقتصاد الريعي ، لقد اتسمت هياكل الاقتصاد في عدد من دول الشرق الاوسط ووادي النيل بالاعتماد على الريع النفطي أو المساعدات الخارجية أو تحويلات المغتربين، إلى جانب ضعف الإنتاج الحقيقي وغياب العدالة الاجتماعية في توزيع الثروة.

وهنا الريع لا يؤثر في الاقتصاد فقط ، بل إنه يؤثر في علاقة الدولة بالمجتمع ، فعندما تعتمد الدولة على مورد لا يأتي بصورة أساسية من الضرائب المباشرة على المواطنين ، يمكن أن تضعف العلاقة التعاقدية بينهم وبينها.

فالدولة التي تعتمد بصورة كبيرة على الضرائب تحتاج إلى مواطن قادر على المطالبة بالمقابل: أين تذهب أموالي؟ ماذا تقدم لي الدولة؟

أما الدولة الريعية فقد تستطيع، في بعض الحالات، أن تمول جزءًا من وظائفها من موارد خارج العملية الإنتاجية الاجتماعية المباشرة.

وهذا قد يضعف الضغط الاجتماعي باتجاه المساءلة، ويعزز الزبائنية والتوزيع السياسي للموارد ، وبذلك يرتبط الاقتصاد الريعي بالأزمة السياسية والاجتماعية، وليس الاقتصادية فقط.

الهشاشة والتدخلات الجيوسياسية

أما الأزمة الرابعة فهي هشاشة الدولة أمام التدخلات الإقليمية والدولية ، لقد ظلت المنطقة مسرحًا لتقاطعات جيوسياسية تنافسية ، ساهمت في حالات مختلفة في إضعاف سيادة بعض الدول وانهيار مؤسساتها المركزية، كما ظهر في تجارب العراق وسوريا ولبنان وليبيا واليمن والسودان… وهنا نعود مرة أخرى إلى العلاقة بين الدولة والمجتمع.

فحين تضعف الدولة، لا يختفي المجتمع السياسي، بل تعود الوحدات الاجتماعية الأصغر إلى لعب أدوار أكبر: الطائفة، والعشيرة، والحزب، والمنطقة، والشبكات الاقتصادية، وأحيانًا القوى المسلحة . وهذا يعيد إنتاج المسار الذي بدأنا منه في هذه المحاضرة ، ففي البداية كانت الدولة محاولة لتجاوز التجزئة القرابية وبناء سلطة مركزية ، أما عندما تضعف الدولة الحديثة، فإن المجتمع قد يعود إلى البحث عن الحماية داخل البنى الوسيطة ، ومن هنا فإن أزمة الدولة ليست فقط أزمة مؤسسات، بل أزمة علاقة اجتماعية بين الدولة والمجتمع.

إنكار التعدد وصهر الجماعات

من المشكلات البنيوية التي رافقت تشكّل الدولة الوطنية في بلاد مابين النهرين ووادي النيل، ثم امتدت بأشكال مختلفة إلى شمال أفريقيا، تعاملها مع التعدد الإثني واللغوي والثقافي بوصفه مشكلة ينبغي ضبطها، لا باعتباره مكوّناً أصيلاً من مكونات المجتمع والدولة ، فقد نشأت الدولة الحديثة في مجتمعات لم تكن متجانسة إثنياً أو لغوياً، وكان الأكراد والأمازيغ والنوبيون والبجا والتبو والطوارق والآشوريون والسريان وغيرهم جزءاً من التاريخ الاجتماعي والسياسي والاقتصادي لهذه الأقاليم قبل نشوء الدولة الوطنية بحدودها الحديثة ، ومع ذلك، اتجهت بعض مشاريع بناء الدولة إلى إنتاج تصور أحادي للأمة، يقوم على ربط المواطنة والهوية الوطنية بثقافة الأغلبية ولغتها وروايتها التاريخية.

ولم يكن هذا المسار واحداً في جميع الدول، كما لم تتخذ سياسات الصهر الشكل نفسه في كل مرحلة تاريخية ، ففي بعض الحالات جرى إنكار وجود جماعة إثنية بوصفها جماعة متميزة، وفي حالات أخرى جرى الاعتراف بوجودها اجتماعياً مع إنكار حقوقها اللغوية والثقافية، بينما اتخذ الأمر في حالات ثالثة صورة التعريب أو التتريك أو إعادة تسمية الأماكن أو الحد من استخدام اللغة الأصلية في التعليم والإدارة والحياة العامة ، وهكذا أصبحت عملية بناء الدولة مرتبطة، في بعض التجارب، بعملية إعادة تشكيل المجتمع نفسه وفق تصور مسبق لما ينبغي أن تكون عليه الأمة.

وتكشف الحالة الكردية في سوريا وتركيا والعراق وايران ، والحالة الأمازيغية في الجزائر والمغرب وليبيا، والحالات النوبية والبجاوية والتبوية والطوارقية، عن اختلاف الأشكال التي اتخذها هذا المسار. فالأمازيغ، مثلاً، ليسوا جماعة طارئة على شمال أفريقيا، والأكراد ليسوا جماعة وافدة على الشرق الاوسط ، كما أن النوبيين والبجا جزء من التاريخ العميق لوادي النيل وشرق السودان. ومع ذلك، تعاملت الدولة الوطنية في مراحل مختلفة مع هذه الجماعات من موقع المركز الذي يحدد وحده اللغة الوطنية والهوية القومية والرواية التاريخية المقبولة.

المشكلة هنا لا تتوقف عند مسألة الاعتراف الثقافي ، فعندما تُعرَّف الأمة تعريفاً أحادياً، يصبح الاختلاف الإثني قابلاً للتحول إلى تفاوت في المواطنة . تبدأ العملية غالباً بإنكار اللغة أو الثقافة، ثم تنتقل إلى ضعف التمثيل السياسي، ثم إلى عدم التكافؤ في توزيع الموارد والخدمات والاستثمارات، وقد تنتهي إلى تهميش مجالي يجعل بعض المناطق التي تقطنها جماعات إثنية معينة تبدو وكأنها تقع خارج المجال الفعلي للدولة، رغم أنها تقع في قلب حدودها القانونية.

وهنا تظهر مفارقة أساسية في تجربة الدولة الوطنية :الجماعات التي أسهمت في تكوين المجال التاريخي للدولة قد تجد نفسها لاحقاً مطالبة بإثبات أصالتها داخلها ، فبدلاً من أن تكون الدولة إطاراً سياسياً يستوعب تعدد مكوناتها، قد تتحول إلى أداة لإعادة ترتيب هذا التعدد وفق هرمية بين مركز ثقافي وسياسي يُعرّف الأمة، وأطراف يُطلب منها الاندماج في تعريف لم تشارك بالضرورة في صياغته.

ولا يعني ذلك أن كل الدول اتبعت سياسة واحدة تجاه الجماعات الإثنية، ولا أن كل مطالب هذه الجماعات كانت متطابقة، كما لا يعني أن الانتماء القومي كان بالضرورة مشروعاً لإقصائها . لكن المشكلة تظهر عندما يتحول الانتماء القومي من إطار ثقافي جامع إلى معيارسياسي  لتحديد درجة الانتماء الوطني، بحيث تصبح العربية والتركية والفارسية ، أو الثقافة التي تمثلها الدولة باعتبارها الثقافة الوطنية الأساسية، معياراً ضمنياً للأصالة والمواطنة الكاملة.

ومن هذه الزاوية، فإن أزمة الدولة الوطنية لا تتمثل فقط في ضعف مؤسساتها أو عجزها عن تقديم الخدمات أو احتكارها للسلطة، وإنما أيضاً في كيفية تعريفها للمجتمع الذي تحكمه ،  فالدولة التي تعجز عن الاعتراف بتعدد الجماعات التي تكوّن مجتمعها تجد نفسها أمام مفارقة: فهي تسعى إلى بناء الوحدة الوطنية من خلال إلغاء بعض مظاهر الاختلاف، لكنها قد تنتج، في المقابل، شعوراً بالاغتراب لدى الجماعات التي ترى أن الدولة لا تمثلها بصورة متساوية.

وتزداد هذه المشكلة وضوحاً عندما يترافق الصهر القومي مع التهميش السياسي والمجالي ، فالمناطق التي تسكنها جماعات إثنية غير مندمجة في تعريف الدولة للأمة قد تصبح أقل حظاً في التنمية والاستثمار والتمثيل، فتتحول الهوية الإثنية من مجرد انتماء ثقافي إلى إطار للاحتجاج السياسي والمطالبة بالحقوق ، وعند هذه النقطة لا تعود المسألة مسألة أقلية بالمعنى الديموغرافي فقط ، بل تصبح مسألة علاقة بين المركز والأطراف ، وبين الدولة ومجتمعها ، وبين مفهوم المواطنة كما تصفه القوانين وممارستها الفعلية.

ومن هنا يمكن فهم جانب من الأزمات الممتدة في الشرق الاوسط  ووادي النيل وشمال أفريقيا: لم تكن المشكلة دائماً في وجود التعدد، وإنما في عجز الدولة عن تحويل هذا التعدد إلى مصدر للمواطنة المشتركة بدلاً من التعامل معه باعتباره تهديداً لوحدة الدولة . فالدولة الأكثر استقراراً ليست بالضرورة الدولة التي نجحت في صهر اختلافات مجتمعها ، بل الدولة التي استطاعت أن تجعل الانتماءات الإثنية واللغوية والثقافية المختلفة متوافقة مع الانتماء الوطني العام ، بحيث لا يضطر المواطن إلى الاختيار بين هويته الأصلية وهويته الوطنية.

وبذلك يصبح الاعتراف بالتعدد جزءاً من إعادة بناء الدولة نفسها، لا مجرد تنازل تقدمه الدولة للأقليات ، فالأكراد والأمازيغ والنوبيون والبجا والتبو والطوارق وغيرهم ليسوا جماعات تقع خارج تاريخ الدولة، وإنما هم من مكونات التاريخ الذي سبق الدولة الوطنية وأسهم في تشكيل المجال الذي قامت عليه ، والمطلوب ليس إعادة إنتاج دول إثنية متنافسة داخل الدولة ، بل الانتقال من دولة تسعى إلى توحيد المجتمع عبر الصهر إلى دولة تستطيع توحيد المجتمع عبر المواطنة.

خاتمة: من الدولة التي حكمت المجتمع إلى الدولة التي تحتاج إلى إعادة بناء علاقتها به

تكشف الرحلة الطويلة التي قطعناها أن الدولة في الشرق الاوسط ووادي النيل وشمال افريقيا ليست معطى جغرافيًا أو سياسيًا ثابتًا وأزليًا، وإنما هي سيرورة تاريخية وسوسيولوجية معقدة.

بدأت هذه السيرورة عندما خرجت السلطة تدريجيًا من نسيج القرابة وأصبحت أكثر ارتباطًا بالفائض الزراعي، وتنظيم المياه، والتخزين، والإدارة، ثم تطورت إلى دول المدن والإمبراطوريات، والخلافة، والدولة العثمانية، وصولًا إلى الدولة الوطنية الحديثة.

لكن هذه الرحلة لا تعني أن التاريخ تحرك في خط مستقيم من البساطة إلى التعقيد، أو من القبيلة إلى الدولة ثم انتهى الأمر.

فالعلاقات القديمة لم تختفِ.

  • القرابة استمرت.
  • والعشيرة استمرت.
  • والطائفة استمرت.
  • والزعامة المحلية استمرت.
  • والدين استمر بوصفه عنصرًا من عناصر الشرعية والهوية.

لكنها جميعًا دخلت في علاقات جديدة مع الدولة ، وهنا تكمن فائدة السرد التاريخي كله ، لإنه لا يقول لنا فقط متى ظهرت الدولة، وإنما يساعدنا على فهم لماذا تبدو الدولة التي نعيش داخلها اليوم بهذه الصورة.

فحين نسأل لماذا يصعب أحيانًا بناء المواطنة في الشرق الاوسط وشمال افريقيا ، أو لماذا تعود الطائفية والعشائرية بقوة في لحظات الأزمات، أو لماذا تتحول المؤسسات الحديثة إلى شبكات زبائنية، فإن الجواب لا يمكن أن يبدأ من الدستور الحالي وحده ، علينا أن نعود إلى التاريخ الطويل الذي تشكلت فيه العلاقة بين السلطة والمجتمع.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم السؤال الأخير: لماذا تبدو الطائفية ملازمة للدولة في الشرق الاوسط وشمال افريقيا ؟

لأن الدولة الحديثة لم تنشأ فوق مجتمع خالٍ من الروابط السابقة، ولأنها لم تستطع دائمًا أن تنتج عقدًا اجتماعيًا يجعل المواطنة أقوى من الانتماءات الفرعية، ولأن بعض الأنظمة السياسية أعادت توظيف الطائفة والعشيرة والعائلة في إدارة السلطة والموارد.

لكن هذا لا يعني أن الطائفية قدر تاريخي لا يمكن تجاوزه ، فإذا كانت الدولة نفسها سيرورة تاريخية، فإن علاقة المجتمع بها قابلة لإعادة البناء ، فالمطلوب ليس القضاء على التنوع الديني أو المذهبي أو العشائري، وإنما نقل هذا التنوع من كونه أساسًا للامتياز السياسي والحماية الزبائنية إلى كونه جزءًا من مجتمع مواطنين متساوين ، وهنا تصبح إعادة بناء الدولة عملية اجتماعية قبل أن تكون عملية إدارية.

فالدولة القوية ليست الدولة التي تملك أكبر جهاز قسري، بل الدولة التي تستطيع أن تجعل المواطن يرى نفسه فيها، لا خارجها؛ وأن تجعل القانون أقوى من الوسيط، والمؤسسة أقوى من الزعيم، والمواطنة أقوى من الطائفة، والمصلحة العامة أقوى من شبكة القرابة.

وبهذا المعنى، فإن تاريخ الدولة في المشرق العربي ووادي النيل ليس تاريخ المؤسسات السياسية وحدها، بل تاريخ العلاقة المتغيرة بين السلطة والمجتمع والفائض والقرابة والهوية.

ومن سومر إلى الدولة الوطنية الحديثة، ظل السؤال نفسه يعود بأشكال مختلفة:

كيف يمكن تحويل جماعة بشرية متعددة الروابط والمصالح إلى مجتمع سياسي تتساوى داخله الحقوق، وتصبح الدولة ملكًا عامًا لا ملكًا لفئة أو طائفة أو عائلة؟

ربما هنا تحديدًا تكمن المسألة التي ما زالت الدولة الوطنية مطالبة بحسمها.

 

المراجع

أولًا: المراجع العربية

  1. ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد. (2000). المقدمة. دار الكتب العلمية.
  2. باقر، طه. (2009). مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة. دار الوراق للنشر.
  3. بريستد، جيمس هنري. (د.ت.). تاريخ مصر من أقدم العصور حتى الفتح الفارسي. دار المعارف.
  4. حسن، سليم. (2021). موسوعة مصر القديمة. الهيئة المصرية العامة للكتاب.
  5. قرم، جورج. (د.ت.). انفجار المشرق العربي: من الحرب العثمانية إلى الحرب الإقليمية. دار الساقي.
  6. كريمر، صموئيل نوح. (1981). التاريخ يبدأ من سومر: تسع وثلاثون أولية في التاريخ المدون. جامعة بنسلفانيا.
  7. فخري، أحمد. (د.ت.). مصر الفرعونية: تاريخها ومصادر دراستها. دار المعارف.

ثانيًا: المراجع الأجنبية

  1. Carneiro, R. L. (1970). A theory of the origin of the state. Science, 169(3947), 733–738.
  2. Childe, V. G. (1950). The urban revolution. Town Planning Review, 21(1), 3–17.
  3. Fried, M. H. (1967). The evolution of political society: An essay in political anthropology. Random House.
  4. Gellner, E. (1981). Muslim society. Cambridge University Press.
  5. Godelier, M. (1986). The making of great men: Male domination and power among the New Guinea Baruya. Cambridge University Press.
  6. Kemp, B. J. (1989). Ancient Egypt: Anatomy of a civilization. Routledge.
  7. Khoury, P. S., & Kostiner, J. (Eds.). (1990). Tribes and state formation in the Middle East. University of California Press.
  8. Polanyi, K. (1944). The great transformation: The political and economic origins of our time. Farrar & Rinehart.
  9. Scott, J. C. (1998). Seeing like a state: How certain schemes to improve the human condition have failed. Yale University Press.
  10. Service, E. R. (1975). Origins of the state and civilization: The process of cultural evolution. W. W. Norton.
  11. Sharabi, H. (1988). Neopatriarchy: A theory of distorted change in Arab society. Oxford University Press.
  12. Wittfogel, K. A. (1957). Oriental despotism: A comparative study of total power. Yale University Press.
  دكتوراة في الأنثروبولوجيا الاقتصادية، كاتب، باحث، مدرّب، خبير في الحماية الاجتماعية والحوار الاجتماعي
دكتوراة في الأنثروبولوجيا الاقتصادية، كاتب، باحث، مدرّب، خبير في الحماية الاجتماعية والحوار الاجتماعي

شارك