الطريق إلى البحر… لماذا أصبح شرق المتوسط أهم مما نظن؟

 

 

بقلم: أمين السكافي .

 

لم يعد البحر المتوسط، في حسابات القرن الحادي والعشرين، ذلك البحر الذي يفصل أوروبا عن الشرق، ولا مجرد مساحة مائية تتجاور على شواطئها دول متخاصمة ومتعاونة. شرق المتوسط تحديداً يتحول شيئاً فشيئاً إلى عقدة جيوسياسية واقتصادية تلتقي عندها الطاقة والتجارة والموانئ والكابلات البحرية والأمن والممرات الدولية. ومن ينظر إليه من زاوية الغاز وحده، يفوّت نصف الحكاية؛ فالغاز كان بداية التحول، أما الصراع الحقيقي فيدور على ما هو أبعد: من يملك الطريق إلى أوروبا، ومن يملك مفاتيح الطريق بين آسيا والبحر المتوسط؟

 

خلال العقدين الأخيرين، تغيرت وظيفة هذا البحر. اكتشافات الغاز قبالة إسرائيل ومصر وقبرص جعلت قاعه جزءاً من خريطة الطاقة الأوروبية. لكن تطور الأحداث أثبت أن الحقول وحدها لا تصنع القوة؛ القوة في من يملك البنية التحتية التي تنقل الطاقة، ومن يستطيع تحويل موقعه الجغرافي إلى عقدة عبور.

 

وهنا تظهر مصر بقوة. فهي لا تملك فقط قناة السويس، بل تملك أيضاً محطتي إسالة الغاز في دمياط وإدكو، وهو ما جعلها البوابة الطبيعية لتحويل غاز شرق المتوسط إلى غاز مسال يمكن تصديره إلى الأسواق الأوروبية. وتكشف المعطيات الأميركية أن مصر هي، حتى الآن، الدولة الوحيدة في شرق المتوسط التي تمتلك قدرة تصدير الغاز المسال، بينما تخطط قبرص للاستفادة من البنية التحتية المصرية لتصدير غازها.

 

وهنا تبدأ الجغرافيا في كتابة السياسة.

 

فقبرص، الجزيرة الصغيرة، لم تعد هامشاً أوروبياً في البحر؛ أصبحت جزءاً من معادلة الطاقة. وفي تموز 2026 اتخذت شركة TotalEnergies وشريكتها Eni قرار الاستثمار النهائي لتطوير حقل Cronos القبرصي، على أن ينقل الغاز عبر خط بحري إلى مصر، حيث يُسال في دمياط ويصدر إلى أوروبا، مع توقع بدء الإنتاج في 2028.

 

أي أن الغاز القبرصي لن يذهب مباشرة إلى أوروبا؛ بل سيمر عبر مصر. وهذه ليست مسألة تقنية فقط، بل تعني أن البنية التحتية نفسها أصبحت أداة نفوذ سياسي.

 

أما تركيا، فتقرأ شرق المتوسط من زاوية مختلفة. فهي تريد أن تكون جسراً لا يمكن تجاوزه بين آسيا وأوروبا، وترفض أن تُبنى ترتيبات الطاقة والممرات في محيطها من دون أن يكون لها دور فيها. ولذلك فإن الخلافات البحرية والطاقة بين تركيا واليونان وقبرص ليست مجرد نزاعات حدودية؛ إنها جزء من معركة أكبر حول من يملك حق تعريف الجغرافيا الاقتصادية للبحر.

 

وإسرائيل، من جهتها، تحولت من مستورد للطاقة إلى لاعب غازي إقليمي، مستفيدة من حقول مثل ليفياثان وتامار، فيما أصبحت مصر شريكاً ضرورياً لتصريف جزء من هذه الطاقة إلى الأسواق الخارجية. لكن الحرب أثبتت هشاشة هذه المعادلة؛ فإنتاج الغاز وتدفقاته يمكن أن يتأثرا سريعاً بالتوترات العسكرية. وهذا يعني أن أمن الطاقة لم يعد منفصلاً عن الأمن العسكري.

 

وفي قلب هذه المعادلة يقف لبنان.

 

المفارقة اللبنانية أن البلد يمتلك واحداً من أهم المواقع البحرية على الساحل الشرقي للمتوسط، لكنه لم يحوّل هذه الجغرافيا إلى قوة اقتصادية. بل إن تجربته الغازية نفسها تكشف حجم الفجوة بين الموقع والإمكان. فبعد أن لم يحقق حفر بئر قانا في البلوك 9 نتيجة تجارية إيجابية، انتقلت TotalEnergies وEni وQatarEnergy إلى البلوك 8، وبدأ العمل على مسح زلزالي ثلاثي الأبعاد لمساحة تبلغ 1200 كيلومتر مربع لتقييم إمكاناته.

 

لكن الخطأ هو أن ننظر إلى المسألة اللبنانية باعتبارها بحثاً عن «غاز ينقذ الاقتصاد». حتى لو اكتُشفت كميات تجارية، فإن لبنان لن يصبح دولة غازية بين ليلة وضحاها. الأهم هو أن يتحول الساحل اللبناني إلى منصة اقتصادية متكاملة: مرافئ حديثة، تجارة ترانزيت، مناطق لوجستية، خدمات بحرية، كابلات واتصالات، طاقة، صناعات مرتبطة بالموانئ، وربط بري مع الداخل العربي.

 

وهنا نصل إلى الجزء الذي لا يحظى بما يكفي من الاهتمام: الكابلات البحرية.

 

فالاقتصاد الحديث لا يتحرك بالنفط والحاويات فقط. جزء هائل من الاتصالات والبيانات الدولية يعبر تحت البحار عبر كابلات لا يراها أحد. ومع صعود الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والاقتصاد الرقمي، أصبحت البنية التحتية الرقمية البحرية جزءاً من الأمن القومي للدول. ومن هنا يصبح البحر المتوسط ليس طريقاً للسلع والطاقة فحسب، بل طريقاً للمعلومات أيضاً.

 

وهذا يعيد تعريف أهمية الموانئ. فالميناء الحديث لم يعد مكاناً تدخل إليه السفن وتخرج منه؛ إنه عقدة تجمع البحر بالسكك والطرق والطاقة والبيانات والمناطق الصناعية. ولهذا تتنافس القوى على الموانئ والممرات بقدر تنافسها على الحقول.

 

والمشهد الأكبر يتجاوز المتوسط نفسه. فهناك سباق على إنشاء ممرات بديلة تربط آسيا بأوروبا، خصوصاً في ظل المخاطر التي أثبتتها أزمات هرمز والبحر الأحمر. وفي هذا السياق يكتسب مشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC) أهمية خاصة، إلى جانب الطرق البرية والبحرية المنافسة. وتشير دراسات حديثة إلى أن توسيع شبكات الممرات يمكن أن يخفف الاعتماد على نقاط الاختناق البحرية ويعيد توزيع حركة التجارة بين آسيا وأوروبا.

 

وهنا تصبح سوريا أكثر أهمية مما تبدو عليه في الحسابات التقليدية. فهي جغرافياً حلقة بين الخليج والعراق وتركيا والمتوسط، ويمكن لأي استقرار طويل الأمد فيها أن يعيد فتح طرق برية وتجارية نحو الساحل. ولذلك فإن مستقبل سوريا ليس شأناً سورياً فقط؛ إنه جزء من سؤال من يربط الخليج بالمتوسط؟

 

أما لبنان، فالمأساة أن لديه الموقع، لكنه يفتقد حتى الآن القدرة السياسية والاقتصادية على تحويل الموقع إلى مشروع.

 

طرابلس يمكن أن تكون أكثر من ميناء. بيروت يمكن أن تكون أكثر من بوابة استيراد. الساحل اللبناني يمكن أن يكون جزءاً من شبكة المتوسط، لا مجرد شريط عقاري وسياحي. لكن ذلك يتطلب دولة تعرف ماذا تريد، وسياسة خارجية تدافع عن مصالحها، واقتصاداً قادراً على جذب الاستثمار، ومرافئ وبنى تحتية حديثة، واستقراراً أمنياً طويل الأمد.

 

وهنا تكمن المسألة الأعمق: الصراع في شرق المتوسط ليس فقط على الأرض، بل على الطرق التي تمر فوقها وتحتها وحولها الثروة.

 

من يملك الغاز يحتاج إلى ميناء. ومن يملك الميناء يحتاج إلى طريق. ومن يملك الطريق يحتاج إلى أمن. ومن يملك الأمن يستطيع أن يفرض شروط التجارة.

 

لذلك ربما يكون السؤال الصحيح للبنان ليس: «هل لدينا غاز؟»

 

بل: «ماذا نفعل بالبحر الذي لدينا؟»

 

ففي عالم يتغير فيه مركز الثقل الاقتصادي من الحقول إلى الشبكات والممرات، قد يصبح البحر اللبناني أهم من أي بئر غاز. وقد تكون ثروة لبنان الحقيقية، إذا عرف كيف يحميها ويستثمرها، ليست فقط فيما يوجد تحت مياهه، بل في المكان الذي توجد فيه مياهه على خريطة العالم.

 

شرق المتوسط يتغير. ومن لا يملك مشروعاً لبحره، سيجد الآخرين يكتبون مشاريعهم فوقه .

شارك