
أشواك الربيع
اشواك الربيع
عَلَى حَافَّةِ الرَّمَادِ
فِي الزَّمَنِ الَّذِي أَضَاعَ لُغَةَ الإِصْغَاءِ،
صَارَ اللَّيْلُ يَنْسُجُ حِكَايَاتِهِ عَلَى وُجُوهِ العَابِرِينَ،
وَصَارَتِ النَّوَافِذُ تُغْمِضُ أَهْدَابَهَا،
كُلَّمَا مَرَّ ظِلٌّ لَا يَحْمِلُ اسْمًا.
العَصَافِيرُ لَمْ تُغَادِرْ أَوْكَارَهَا،
لَكِنَّهَا تَعَلَّمَتْ أَنْ تُخْفِيَ خَفَقَانَ أَجْنِحَتِهَا،
فَقَدْ أَصْبَحَتِ الرِّيَاحُ تَعْرِفُ طَرِيقَ الأَقْفَاصِ،
أَكْثَرَ مِمَّا تَعْرِفُ طَرِيقَ الرَّبِيعِ.
وَفِي السَّاحَاتِ،
يَرْتَدِي الذِّئْبُ ثَوْبَ الرَّاعِي،
وَيُجِيدُ رَفْعَ الرَّايَاتِ،
بَيْنَمَا يَغْرِسُ خَلْفَهَا حُقُولًا مِنَ الأَشْوَاكِ،
لَا يَرَاهَا إِلَّا مَنْ مَشَى حَافِيَ الرُّوحِ.
يَقُولُونَ: إِنَّ النَّهْرَ مَا زَالَ يَجْرِي،
وَيَنْسَوْنَ أَنَّ المِيَاهَ تَحْفَظُ هَمْسَ الغَرْقَى،
وَأَنَّ الضِّفَافَ لَا تَنْسَى
خُطًى لَمْ تَكُنْ يَوْمًا اخْتِيَارًا.
كَمْ مِنْ زَهْرَةٍ قُطِفَتْ قَبْلَ أَوَانِهَا،
وَكَمْ مِنْ غُصْنٍ انْكَسَرَ،
ثُمَّ قِيلَ لَهُ:
هَكَذَا يَكْتَمِلُ البُسْتَانُ.
يَا أَيُّهَا الزَّمَنُ المُثْقَلُ بِالأَقْنِعَةِ،
كَمْ وَجْهًا يَحْتَاجُ الإِنْسَانُ لِيُخْفِيَ وَجْهَهُ؟
وَكَمْ حَقِيقَةً تُؤْجَّلُ،
حَتَّى يَظُنَّ النَّاسُ أَنَّهَا لَمْ تُولَدْ قَطُّ؟
وَسَيَبْقَى الزَّيْتُونُ شَاهِدًا،
وَإِنْ أَثْقَلَتْهُ الحَرَائِقُ،
وَسَتَبْقَى السَّمَاءُ تَعْرِفُ دَرْبَهَا،
وَإِنِ اكْتَظَّ الأُفُقُ بِالرَّمَادِ.
فَالحَقُّ لَا يَمُوتُ بِصَمْتِ النَّاسِ،
بَلْ يَخْتَبِئُ فِي دَمْعَةِ أُمٍّ،
وَفِي صَبْرِ شَيْخٍ،
وَفِي قَلْبِ طِفْلٍ
لَمْ يَتَعَلَّمْ بَعْدُ كَيْفَ يَخَافُ.
ثُمَّ يَعُودُ…
لَا صَاخِبًا،
وَلَا مُتَوَّجًا بِالهُتَافِ،
بَلْ حِينَ تَسْقُطُ الأَقْنِعَةُ وَحْدَهَا،
وَيَعْجِزُ الزَّيْفُ عَنْ تَقَمُّصِ الحَقِيقَةِ،
فَيَعْرِفُ كُلُّ شَيْءٍ اسْمَهُ الأَوَّلَ،
وَتَعُودُ الكَرَامَةُ سَيِّدَةَ المَكَانِ.
بقلم عصام كحلة



