
من الجنوب إلى بيروت… هل نحن أمام ولادة لبنان سياسي جديد؟
بقلم : أمين السكافي
هناك لحظات في تاريخ الدول لا تعلن عن نفسها بصوت مرتفع. لا يأتي أحد ليقول: انتهى عهد وبدأ عهد آخر. يحدث الأمر بهدوء، في تبدّل موازين القوى، وفي لغة البيانات، وفي شكل المفاوضات، وفي انتشار الجيش على الحدود، وفي نوع الأسئلة التي تصبح فجأة مطروحة على طاولة السلطة.
ولبنان اليوم يقف، على الأرجح، أمام واحدة من هذه اللحظات.
فالجنوب لم يعد مجرد جبهة عسكرية مفتوحة بين لبنان وإسرائيل، كما لم يعد النقاش حول السلاح مسألة أمنية منفصلة عن مستقبل الدولة. ما يجري في الجنوب يتصل مباشرة بشكل لبنان المقبل: من يملك قرار الحرب والسلم؟ من يحتكر القوة؟ من يقرر السياسة الخارجية؟ وما هو موقع لبنان في الخريطة الجديدة للشرق الأوسط؟
والأهم: هل نحن أمام معالجة لأزمة عابرة، أم أمام إعادة تأسيس للتوازن اللبناني الذي حكم البلاد منذ نهاية الحرب الأهلية؟
من هنا يبدأ السؤال الحقيقي.
الجنوب… حيث تبدأ التحولات الكبرى
لطالما كان الجنوب اللبناني مرآة للتوازنات الإقليمية. فمنذ عقود، لم يكن ما يجري على الحدود منفصلاً عن الصراع العربي ـ الإسرائيلي، ولا عن العلاقة السورية ـ اللبنانية، ولا عن صعود المقاومة، ولا عن الدور الإيراني في المنطقة.
لكن الجديد اليوم أن الجنوب أصبح أيضاً ساحة لإعادة تعريف وظيفة الدولة نفسها.
فالحكومة اللبنانية تتحدث بصورة أكثر وضوحاً عن دور الجيش وانتشاره في الجنوب واستعادة الدولة لسيادتها، فيما يستمر النقاش حول سلاح «حزب الله» ومستقبل العلاقة بين المقاومة والدولة. وفي الوقت نفسه، تتحدث إسرائيل عن ترتيبات أمنية جديدة في الجنوب، بينما تتحرك واشنطن وعواصم عربية وأوروبية في اتجاهات متعددة للضغط والتفاوض وإعادة ترتيب المشهد.
وهنا تكمن خطورة اللحظة.
لأن المسألة لم تعد: هل يبقى السلاح أم يزول؟
المسألة أصبحت: أي لبنان سيولد إذا تغيرت معادلة السلاح؟
وهذا سؤال مختلف تماماً.
الطائف… الاتفاق الذي أنهى الحرب ولم ينهِ الأزمة
لفهم ما يحدث اليوم، علينا العودة إلى الطائف.
اتفاق الطائف لم يكن مجرد تعديل دستوري. كان تسوية تاريخية أعادت توزيع السلطة بين الرئاسات والطوائف، ونقلت الثقل التنفيذي إلى مجلس الوزراء، وأقرت المناصفة بين المسلمين والمسيحيين، ووعدت بإلغاء الطائفية السياسية تدريجياً، وبناء دولة واحدة ذات سلطة مركزية، وبسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية.
لكن الطائف حمل في داخله تناقضاً كبيراً.
لقد أنهى الحرب الأهلية، لكنه لم ينتج دولة مكتملة السيادة.
فقد بقي لبنان يعيش طويلاً بين ثلاث حقائق متناقضة: دولة دستورية، ونظام طائفي، وتوازنات أمنية وعسكرية تتجاوز الدولة في بعض المراحل.
وكان الجنوب المثال الأوضح.
فبعد انتهاء الحرب، بقي الاحتلال الإسرائيلي في أجزاء من الجنوب حتى عام 2000، ثم جاءت المقاومة المسلحة لتصبح أحد أهم عناصر القوة اللبنانية في مواجهة إسرائيل. وبعد الانسحاب الإسرائيلي، لم تُحسم بصورة نهائية العلاقة بين المقاومة والدولة، بل دخل لبنان في مرحلة طويلة من «المعادلة» التي جمعت الجيش والشعب والمقاومة، ثم تحولت هذه المعادلة إلى واحدة من أكثر القضايا انقساماً في الحياة السياسية اللبنانية.
واليوم، يبدو أن هذه الصيغة نفسها وصلت إلى لحظة اختبار تاريخية.
من 2005 إلى 2026… لبنان الذي تغيّر أكثر مما اعترف
منذ اغتيال رفيق الحريري وخروج الجيش السوري من لبنان، تغيرت بنية الحياة السياسية.
سقطت الوصاية السورية المباشرة، لكن لبنان لم ينتقل إلى دولة مستقلة مكتملة القرار. دخل في انقسام 8 و14 آذار، ثم جاءت حرب تموز 2006، وبعدها 7 أيار 2008، واتفاق الدوحة، ثم سنوات الفراغات والتعطيل والتسويات.
وفي كل مرة كان اللبنانيون يعتقدون أنهم وصلوا إلى تسوية نهائية، كانت المنطقة تعيد فتح الأزمة من جديد.
ثم جاءت الحرب السورية.
فإذا بلبنان يجد نفسه مرة أخرى في قلب صراع إقليمي أكبر من قدرته على الاحتمال.
ثم جاءت 17 تشرين، والانهيار المالي، وانفجار المرفأ، والفراغات السياسية، وصولاً إلى حرب غزة وما تلاها من اشتعال الجبهة اللبنانية.
وهكذا، لم يعد السؤال اليوم: كيف نعيد لبنان إلى ما كان عليه؟
لأن لبنان الذي كان قائماً قبل 2019 لم يعد موجوداً.
واللبناني الذي عاش قبل الانهيار المالي ليس هو اللبناني نفسه اليوم.
والاقتصاد الذي كان يقوم على المصارف والتحويلات والخدمات لم يعد قادراً على إنتاج النموذج القديم.
والطبقة السياسية التي اعتادت إدارة الأزمات بالتسويات لم تعد تملك دائماً الأدوات نفسها.
بل حتى الطوائف نفسها تغيّرت مواقعها النفسية والسياسية.
لقد تغير لبنان من الداخل، بينما كان العالم من حوله يتغير بسرعة أكبر.
إيران ليست إيران القديمة… وسوريا ليست سوريا القديمة
وهنا تدخل المنطقة في صلب الحكاية اللبنانية.
فلبنان لم يكن يوماً جزيرة.
إنه جزء من منظومة شرق أوسطية تتأثر بما يحدث في دمشق وطهران والرياض وتل أبيب وواشنطن.
والعام 2026 حمل تحولاً بالغ العمق في هذه المنظومة بعد الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران في 28 شباط، وما نتج عنها من اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي واستهداف القيادة والمنشآت النووية الإيرانية، وهو تطور وصفه مجلس العلاقات الخارجية بأنه أعاد تشكيل علاقة المنطقة بالولايات المتحدة بصورة واسعة.
بغض النظر عن الموقف من الحرب أو نتائجها، فإن لبنان لا يستطيع تجاهل آثارها.
فإذا تغيرت قوة إيران الإقليمية، فإن شبكة التحالفات التي بنتها طهران خلال عقود ستدخل حكماً في مرحلة إعادة حساب.
وإذا كانت سوريا قد دخلت بدورها مرحلة مختلفة، فإن الحدود اللبنانية ـ السورية لم تعد تتحرك ضمن المعادلات التي عرفها لبنان لعقود.
وفي المقابل، تعمل إسرائيل على تثبيت معادلات أمنية جديدة في الشمال، بينما تحاول الولايات المتحدة إدارة المنطقة من خلال الضغط والتفاوض وإعادة بناء ترتيبات أمنية وسياسية جديدة.
وهنا يصبح لبنان، مرة أخرى، جزءاً من عملية أكبر منه.
لكن الخطر ليس في الخارج وحده
المشكلة التي يجب ألا نهرب منها هي أن لبنان يحمل أزمته في داخله أيضاً.
فإذا كان الخارج يريد تغيير قواعد اللعبة، فإن الداخل اللبناني نفسه يريد إعادة توزيع القوة.
هناك من يريد دولة أقوى.
وهناك من يريد إنهاء ازدواجية السلاح.
وهناك من يرى أن المقاومة لا تزال ضرورة في مواجهة إسرائيل.
وهناك من يخشى أن يؤدي نزع السلاح إلى ترك الجنوب مكشوفاً.
وهناك من يرى أن الدولة لا يمكن أن تكون دولة كاملة طالما أن قرار الحرب والسلم خارج مؤسساتها.
وهناك طوائف وقوى سياسية ترى في اللحظة الحالية فرصة لإعادة بناء الدولة، وأخرى تخشى أن تكون إعادة بناء الدولة عنواناً لإعادة توزيع النفوذ الطائفي والسياسي.
وهنا يكمن أخطر ما في المرحلة.
لأن الصراع على السلاح قد يتحول، إذا أسيء التعامل معه، إلى صراع على هوية لبنان نفسه.
هل نحن أمام طائف جديد؟
ربما يكون هذا هو السؤال الأكثر إثارة.
ليس بالضرورة أن يأتي «طائف جديد» في قاعة عربية أو برعاية دولية أو من خلال مؤتمر رسمي.
قد يأتي أولاً على شكل وقائع.
انتشار الجيش.
ترتيبات الحدود.
مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة مع إسرائيل.
إعادة تعريف مهمة اليونيفيل.
إعادة صياغة العلاقة مع سوريا.
تبدل موقع حزب الله في الدولة.
تغير علاقة لبنان بالخليج.
إعادة بناء الاقتصاد.
ثم، في مرحلة لاحقة، قد تتحول هذه الوقائع إلى تسوية سياسية ودستورية.
ولهذا فإن ما يجري حول الجنوب يستحق قراءة تتجاوز الخندق والحدود.
فالحديث عن انتشار الجيش في الجنوب، وعن السيادة، وعن التفاوض مع إسرائيل، وعن مستقبل السلاح، ليس مجرد حديث أمني. إنه يمس جوهر النص الذي قام عليه لبنان بعد الطائف.
فالطائف نفسه نصّ على بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي، وحل الميليشيات وتسليم أسلحتها، كما نص في المقابل على تحرير الأراضي اللبنانية المحتلة ونشر الجيش على الحدود وتعزيز وجود القوات الدولية.
لكن التاريخ اللبناني أثبت أن النصوص وحدها لا تصنع الدول.
الدول تصنعها موازين القوة، والتوافقات الداخلية، والبيئة الإقليمية.
وهذه العناصر الثلاثة تتحرك الآن معاً.
المشكلة الحقيقية: ماذا بعد السلاح؟
حتى لو افترضنا أن لبنان وصل إلى تسوية حول السلاح، فإن السؤال الأصعب سيأتي بعدها.
ماذا نفعل بالجنوب؟
كيف نعيد إعمار القرى؟
كيف نضمن أمن الناس؟
كيف نعيد الاقتصاد المحلي؟
كيف يتحول الجيش إلى مؤسسة قادرة على حماية الحدود؟
كيف يصبح قرار الحرب والسلم قراراً وطنياً لا موضوعاً للانقسام؟
وكيف تقنع البيئة التي احتضنت المقاومة طوال عقود بأن الدولة أصبحت قادرة فعلاً على حمايتها؟
هذه الأسئلة أهم من شعار «نزع السلاح».
لأن السلاح ليس بندقية فقط.
السلاح هو أيضاً نتيجة لفشل الدولة.
وإذا أزيلت النتيجة ولم يُعالج السبب، فقد يولد سلاح آخر، أو أزمة أخرى، أو شكل آخر من أشكال الانقسام.
لبنان الجديد لن يولد من بيروت وحدها
لهذا قد يكون من الخطأ أن نراقب القصر الجمهوري والسرايا ومجلس النواب فقط.
لبنان الجديد، إن كان يولد فعلاً، فقد يبدأ من الجنوب.
من القرى التي دفعت ثمن الحروب.
من الناس الذين يريدون الأمن ولا يريدون أن يعيشوا دائماً على خط التماس.
من الجيش الذي يحاول أن يثبت أن الدولة تستطيع العودة إلى حدودها.
من المقاومة التي تواجه سؤالاً تاريخياً عن مستقبل دورها.
ومن إسرائيل التي تحاول تحويل التفوق العسكري إلى ترتيبات سياسية وأمنية ثابتة.
ومن واشنطن التي تريد إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية.
ومن طهران التي تواجه مرحلة مختلفة.
ومن دمشق التي تبحث عن موقع جديد.
ومن الخليج الذي يريد لبنان مستقراً وقابلاً للحياة.
ثم يصل السؤال إلى بيروت.
أي لبنان نريد؟
لبنان الدولة القوية؟
لبنان التوازن الطائفي؟
لبنان المقاومة؟
لبنان الحياد؟
لبنان العربي؟
أم لبنان الذي يحاول، كما فعل دائماً، أن يجمع كل هذه المتناقضات في صيغة واحدة؟
ربما تكون الإجابة القادمة هي الأهم منذ الطائف.
لأن لبنان لم يعد يملك رفاهية تأجيل الأسئلة.
والجنوب، هذه المرة، لا يرسل إلى بيروت مجرد أصوات المدافع.
إنه يرسل إليها سؤالاً أكبر:
هل تستطيع الدولة أن تستعيد دورها من دون أن تخسر مجتمعها، وهل تستطيع المقاومة أن تعيد تعريف دورها من دون أن تخسر قضيتها؟
بين السؤالين يقع مستقبل لبنان.
وإذا نجح اللبنانيون في إيجاد إجابة، فقد تكون هذه بداية ولادة سياسية جديدة.
أما إذا فشلوا، فقد لا يكون «الطائف الجديد» تسويةً جديدة، بل مجرد اسم آخر لأزمة جديدة.
فالتاريخ لا يعيد نفسه تماماً.
لكنه، في لبنان تحديداً، يحب أن يعيد طرح الأسئلة نفسها بأسماء مختلفة .



