
البرافيسورة ماريز يونس – سؤال الدولة في الشرق الأوسط من منظور مجتمعاتها
تضع الأزمات المتراكمة التي يشهدها الشرق الأوسط اليوم الدولة في صلب النقاش حول حاضر المنطقة ومستقبلها. فالحروب والصراعات الداخلية، وأزمات الشرعية والمواطنة والهوية والتنمية، وتراجع الثقة بالمؤسسات، واتساع الاحتجاج، تكشف جميعها عن مستوى أعمق من الأزمة يرتبط بطبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع. ومن هنا تصبح العودة إلى مفهوم الدولة نفسه مدخلًا معرفيًا لفهم هذه الأزمات: ما الدولة التي نتحدث عنها؟ وكيف تشكلت تاريخيًا علاقتها بالمجتمع؟ وكيف تشكل داخل هذه العلاقة موقع الفرد والجماعة؟ وما التحولات التي طرأت على مصادر الشرعية والانتماء والمواطنة؟ فالدولة، من زاوية علاقتها بالمجتمع، لا تُفهم بوصفها جهازًا إداريًا أو مجموعة من المؤسسات السياسية والقانونية فحسب، وإنما بوصفها بناءً يتشكل داخل شبكة من العلاقات مع القوى والجماعات الاجتماعية، وتتحدد قدرته وشرعيته من خلال ما ينتجه من قواعد وعلاقات بين السلطة والمجتمع.[1] ومن ثم لا يتعلق السؤال بمدى حضور الدولة داخل المجتمع فحسب، إنما أيضًا بموقع المجتمع داخلها، وبكيفية تنظيم العضوية السياسية والحقوق والتمثيل وموقع الفرد والجماعات في علاقتهم بالمؤسسة العامة .
تتتبع هذه الورقة البحثية تحولات العلاقة بين الدولة والمجتمع والفرد من التكوينات السياسية المبكرة، وما تكشفه أزماتها المعاصرة واحتجاجات مجتمعاتها عن حدود العلاقة التي بنتها مع المجتمع، وما انطوت عليه من أزمات في المواطنة والاعتراف والشرعية والتمثيل. ويتقاطع في هذا المسار، مستوى تاريخي ومعرفي يتتبع تشكل الدولة والسلطة وتحولات مؤسساتها ومصادر شرعيتها، مع مستوى آخر يضع في مركز التحليل طبيعة العلاقة التي أنتجتها هذه التحولات بين الدولة والمجتمع والفرد والجماعة.
الدولة والسلطة والمجتمع: في الجذور التاريخية للعلاقة
تقود العودة إلى الجذور التاريخية للدولة في الشرق الأوسط ووادي النيل إلى مساءلة مفهوم الدولة نفسه: هل عرف الشرق الأوسط “الدولة”؟ لا يتعلق هذا التساؤل بإثبات وجود الدولة أو نفيه، حيث عرفت المنطقة بعضًا من أقدم تجارب نشوء التنظيم السياسي المعقد، وإنما يرتبط بالمعايير التي نستخدمها لفهم الدولة عبر سياقات تاريخية متباعدة، وبطبيعة العلاقة التي أنشأها كل شكل من أشكال التنظيم السياسي بين السلطة والمجتمع. فوجود مركز للحكم، وجيش، وجباية، وتشريع، وإدارة، وقدرة على تنظيم الموارد والسكان، يكشف عن تشكل الدولة ومأسسة السلطة، لكنه يفتح في الوقت نفسه مستوى آخر من التحليل يرتبط بموقع المجتمع والفرد والجماعة داخل هذا التنظيم، وبمصادر الشرعية التي تنتظم من خلالها العلاقة مع السلطة.
ومن هنا تكتسب العودة إلى سومر ووادي النيل والحضارات الأولى قيمتها السوسيولوجية. فهي تتيح مساءلة واحدة من أقدم التحولات التي عرفها الاجتماع السياسي: كيف تشكلت السلطة بوصفها بنية متمايزة داخل المجتمع، وكيف أعادت هذه العملية تنظيم العلاقة بين الجماعة ومن يتولى حكمها وإدارة مواردها؟ فقد عرفت المجتمعات الأولى أشكالًا من القيادة والتنظيم ترتبط بالقرابة والجماعة المحلية وتقسيم العمل، ثم أدى الاستقرار الزراعي واتساع التجمعات البشرية ونمو المدن وتراكم الفائض إلى زيادة الحاجة إلى الإدارة وتنظيم الموارد والري والجباية والدفاع والتبادل. ومع هذه التحولات ظهرت وظائف سياسية وإدارية ودينية أكثر تخصصًا، وأخذت إدارة الموارد والقوة والتشريع والرمز تنتقل تدريجيًا إلى أجهزة وفئات تمتلك قدرة متزايدة على التنظيم واتخاذ القرار. ومن هنا بدأ المجال السياسي يكتسب استقلالًا نسبيًا عن بقية العلاقات الاجتماعية، وظهرت مؤسسات قادرة على إدارة المجتمع من موقع يتجاوز العلاقات المباشرة للقرابة والجماعة.
وتطرح هذه اللحظة مسألة أساسية في العلاقة بين الدولة والمجتمع: كيف تتحول الحاجة إلى التنظيم إلى بنية سياسية ذات قدرة على احتكار الموارد والقرار والقوة؟ وكيف تكتسب هذه البنية شرعية تجعل الخضوع لقواعدها جزءًا من انتظام المجتمع؟ وكيف يعاد، في المقابل، تشكيل السلطة من خلال المجتمع والجماعات والعلاقات التي تعمل داخلها؟ ومن هذه الزاوية تصبح سومر ووادي النيل مدخلًا لفهم تاريخ تشكل السلطة ومأسستها، والتحولات المبكرة التي طرأت على العلاقة بين المجتمع ومراكز الحكم، من دون افتراض استمرارية نموذج سياسي واحد يمتد من تلك التكوينات التاريخية إلى الدولة المعاصرة.
تشكل موقع الفرد تاريخيًا داخل شبكة واسعة من الانتماءات الدينية والعائلية والقبلية والإثنية والمحلية التي أدت وظائف تتعلق بالهوية والتضامن والحماية وتنظيم المصالح والوصول إلى الموارد. وقد عملت هذه الجماعات والقوى المحلية بوصفها وسائط بين الأفراد ومراكز الحكم، فدخلت في علاقات تفاوض وتحالف وخضوع ومقاومة معها، فيما اعتمدت السلطة بدورها على هذه الوسائط في إدارة السكان والأقاليم وجمع الموارد وتثبيت النظام.[2] ومن هنا لا يمكن قراءة هذه المرحلة من خلال ثنائية الدولة والمجتمع بالمعنى الحديث، إنما من خلال شبكة أوسع من العلاقات بين السلطة والحكم والقوى الاجتماعية.
ومع التحولات اللاحقة في أشكال الحكم والتنظيم السياسي، يكتسب التمييز المعرفي بين الرعية والمواطنة أهمية مركزية في تتبع تغير التصورات المتعلقة بموقع الفرد في علاقته بالسلطة. فالرعية تشير إلى علاقة يكون موقع الفرد فيها محددًا ضمن نظام سياسي واجتماعي وتراتبي قائم، بينما تحمل المواطنة تصورًا مختلفًا يجعل الفرد عضوًا في مجتمع سياسي، وصاحب حقوق والتزامات تستند إلى علاقة مباشرة بالمؤسسة العامة.[3] وبهذا المعنى، مثل ظهور مفهوم المواطنة تحولًا في تصور موقع الفرد ومصدر حقوقه وفي العلاقة المفترضة بين المجتمع والسلطة، كما مثل تحولًا في تصور الشرعية نفسها، حيث أصبح المجتمع السياسي مرجعًا تأسيسيًا لمشروعية الحكم. غير أن ظهور هذا التصور على مستوى المفهوم لا يعني أن الانتقال من الرعية إلى المواطنة قد تحقق فعليًا أو بصورة متساوية في التجارب التاريخية المختلفة، إنما بقي موضع تفاوت وصراع وإعادة تعريف. ويطرح هذا التحول في تصور موقع الفرد مدخلًا إلى مرحلة مختلفة في تاريخ الدولة، لم يعد فيها السؤال متعلقًا بمأسسة السلطة وتنظيم الحكم وحدهما، إنما بطبيعة العلاقة التي يُفترض أن تربط الفرد بالمؤسسات العامة، وبالموقع الذي يحتله بوصفه مواطنًا في إطار الدولة الحديثة.
الدولة الحديثة: إشكالية انتقال النماذج والتوطين
مثّل تشكل الدولة الحديثة تحولًا عميقًا في طبيعة التنظيم السياسي وفي المفاهيم التي أعادت تعريف العلاقة بين السلطة والمجتمع والفرد. فقد تبلور هذا النموذج داخل مسارات تاريخية ارتبطت بالحروب وبناء الجيوش والجباية واتساع البيروقراطية والتحولات الاقتصادية والاجتماعية، وترافق مع تطور مفاهيم السيادة والأمة والقانون والمواطنة والتمثيل السياسي. ومع هذه التحولات أخذت الدولة تتحدد بصورة متزايدة من خلال الحدود والسيادة والمؤسسات العامة والقواعد القانونية والجهاز الإداري، كما برز تصور معرفي للمجتمع بوصفه مجتمعًا سياسيًا يضم أفرادًا يحملون صفة المواطن. ومع بروز مفهوم المواطنة بوصفه إحدى الروابط المؤسسة للدولة الحديثة، تظهر إشكالية أساسية بالنسبة إلى الشرق الأوسط: إلى أي مدى استطاعت هذه الرابطة السياسية والقانونية المباشرة بين الفرد والدولة أن تعيد تنظيم تاريخ طويل من الروابط والوسائط الاجتماعية التي شكلت علاقة الفرد بالسلطة؟ فالمواطن في التصور الحديث تُعرَّف حقوقه بصفته عضوًا في المجتمع السياسي، ويُفترض أن يقف أمام القانون ضمن قاعدة عامة من المساواة، غير أن هذا التصور لم يتحقق بصورة مكتملة في الواقع منطقة الشرق الأوسط؛ إذ استمرت روابط العائلة والطائفة والقبيلة والجماعة المحلية والهوية الدينية والإثنية في أداء وظائف أساسية في الانتماء والتضامن والحماية والوصول إلى الموارد. ومن هنا لا تكمن المسألة في غياب العلاقة بين الدولة والمجتمع، إنما في طبيعة هذه العلاقة واختلالها؛ فقد توسعت مؤسسات الدولة الحديثة داخل المجتمع، من دون أن يقترن هذا الحضور دائمًا باندماج سياسي موازٍ يقوم على التمثيل والمشاركة والاعتراف بالمواطن.
وفي الوقت نفسه لم تنتج الحداثة السياسية نموذجًا واحدًا للدولة، إنما نماذج ومسارات متعددة، شملت الدولة القومية والليبرالية والاجتماعية والاشتراكية، والصيغ المركزية والفيدرالية، وأشكالًا مختلفة للعلاقة بين الدين والدولة وبين المركز والأقاليم. كما أعيد بناء الدولة نفسها من خلال التعليم والتجنيد والقانون واللغة والإدارة والأسواق الوطنية. وهذا التعدد يجعل المسألة عند الانتقال إلى الشرق الأوسط أقل ارتباطًا بفكرة نموذج واحد جرى نقله، وأكثر اتصالًا بالعناصر والمؤسسات والتصورات التي انتقلت وبالكيفية التي أعيد تشكيلها داخل سياقات اجتماعية وتاريخية مختلفة. فالمجتمعات الأوروبية التي تشكلت فيها الدولة الحديثة عرفت بدورها انتماءات دينية ومحلية وسلالية وطبقية وجهوية، وأعادت عبر مسارات طويلة من الصراع والتفاوض والمؤسسات تنظيم كثير من هذه الروابط داخل أطر سياسية حديثة. ومن هنا لا تصبح خصوصية الشرق الأوسط في وجود القبيلة أو الجماعة الدينية أو الانتماء المحلي في حد ذاتها، وإنما في الكيفية التي تفاعلت بها هذه الروابط مع بناء مؤسسات الدولة، وفي مدى قدرة هذه المؤسسات على استيعاب التعدد ضمن قواعد عامة للمساواة والتمثيل. فإلى أي مدى نشأت علاقة مباشرة بين الفرد ومؤسسات الدولة؟ وهل استطاعت الدولة إعادة تنظيم هذه الروابط داخل مجال سياسي مشترك يقوم على المواطنة المتساوية والاعتراف، أم أنها أعادت إنتاجها داخل مؤسساتها من خلال التمييز والمحسوبيات وشبكات الوساطة، بما أبقى تفاوتًا في الوصول إلى الحقوق والموارد والتمثيل، واستمرار المسافة بينها وبين المجتمع؟
ومن هنا يبرز التمييز بين انتقال نموذج الدولة الحديثة وتوطينه داخل المجتمع. فقد شهد الشرق الأوسط خلال القرنين التاسع عشر والعشرين مسارًا كثيفًا من الإصلاحات الإدارية والعسكرية والقانونية، والتفاعل مع أوروبا، والتدخل والهيمنة الاستعماريين، وتفكك الإمبراطورية العثمانية، ونشوء الانتدابات وإعادة رسم الحدود، ثم الاستقلال وبناء الدول الوطنية. وقد جعل هذا المسار الانتقال سريعًا في بعض أبعاده المؤسسية، غير أن انتقال المؤسسات لم يترافق بالضرورة مع تحول مماثل في العلاقات الاجتماعية والسياسية التي يفترض أن تنتظم حولها. وفي هذا السياق يكتسب مفهوم “الدولة المستوردة” لدى برتران بادي أهميته بوصفه مدخلًا لمساءلة شروط انتقال النموذج الحديث وما فعلته به النخب والمجتمعات بعد انتقاله.[4] فبصرف النظر عن كون بعض عناصر الدولة قد انتقلت بالفرض الاستعماري أو بالإصلاح أو الاقتباس أو التبني المحلي، تبقى المسألة متعلقة بما حدث بعد انتقالها: كيف توطنت هذه المؤسسات داخل المجتمع؟ وهل استطاعت مجتمعات المنطقة ونخبها أن تنتج منها صيغة للدولة تستجيب لشروطها التاريخية والاجتماعية؟ وهل تحولت المواطنة إلى رابطة فعلية بين الفرد والمؤسسة العامة، أم بقيت مسافة بين الشكل المؤسسي للدولة وبين العلاقات الاجتماعية والسياسية التي تعمل من خلاله؟ ومن هنا لا يعني التوطين البحث عن نموذج “أصيل” في مواجهة نموذج “غربي” أو “مستورد”، وإنما القدرة على إنتاج صيغة مؤسسية للدولة تنطلق من السياقات المحلية، وتستفيد من الخبرة الحديثة، وتحول المواطنة والمساواة والتمثيل من مبادئ قانونية إلى علاقة فعلية بين الدولة والمجتمع.
حصيلة الدولة الوطنية: حدود البناء من أعلى وصعود الفعل المجتمعي
مع الاستقلال دخلت الدولة مرحلة أصبحت فيها النخب المحلية مسؤولة مباشرة عن بناء المؤسسات وتحديد السياسات وبناء العلاقة مع المجتمع. وقد حملت هذه المرحلة طموحات السيادة والتنمية والتحرر والعدالة الاجتماعية، وتنوعت نماذج الحكم بين تجارب قومية واشتراكية وملكية وجمهورية ودينية وتوافقية، فيما توسعت الدولة في التعليم والصحة والتوظيف والبنية التحتية، وتضخمت أجهزتها البيروقراطية والعسكرية والأمنية وأدوارها في توزيع الموارد وإتاحة الفرص. غير أن هذا التوسع ترافق، في عدد من التجارب، مع مركزية شديدة للسلطة ومساحات محدودة أو متفاوتة للمشاركة والمساءلة، كما بقي الاعتراف بالتعدد الاجتماعي والثقافي والإثني والديني متفاوتًا، بحيث لم تكن العضوية في الدولة تعني دائمًا تمتع جميع الأفراد والجماعات بالموقع نفسه في “دولة المواطنة”، أو بالقدرة نفسها على التعبير والتمثيل والوصول إلى المجال العام. وفي بعض البلدان تشكل عقد اجتماعي ضمني منح الدولة دورًا واسعًا في توفير التعليم والتوظيف والدعم والاستقرار مقابل حضور سياسي محدود للمواطن، وهو ما وفر درجات من الاستقرار في مراحل معينة، لكنه لم يحسم مسألة العلاقة بين الدولة والمجتمع، لجهة الاعتراف بالمواطنين، أفرادًا وجماعات، بوصفهم أعضاء متساوين في المجتمع السياسي.
ومع تغير الظروف الاقتصادية والديموغرافية، واتساع التعليم، وتفاعل مجتمعات المنطقة مع العالم والعولمة والتحولات الرقمية والتكنولوجية التي أتاحت للأفراد مساحات أوسع للمعرفة والتعبير والتواصل، تغير المجتمع نفسه وارتفعت توقعاته تجاه الدولة في المشاركة والعدالة والشفافية والكرامة والاعتراف. وهنا ظهرت بصورة أوضح المسافة بين اتساع حضور الدولة المؤسسي وبين قدرتها على بناء رابطة سياسية تقوم على الثقة والمساواة والتمثيل. فماذا كانت ردة فعل المجتمع تجاه عقود من بناء الدولة والتحديث والإصلاح، وما الذي كشفته احتجاجاته عن حصيلة العلاقة التي أنتجتها الدولة معه؟
شكّلت احتجاجات 2011 في عدد من دول الشرق الأوسط أحد أقوى أشكال عودة المجتمع إلى مركز المشهد السياسي في مواجهة نماذج حكم قامت بدرجات متفاوتة على مركزية السلطة وأحادية القرار وضعف المشاركة والتمثيل. وقد أظهرت هذه اللحظة أن اتساع أجهزة الدولة ومؤسساتها وقدرتها على الإدارة والضبط لا يعني أن المجتمع أصبح عنصرًا ساكنًا داخلها، أو أن المواطنة تتحقق بمجرد التنظيم القانوني والمؤسسي. فقد أعادت المجتمعات المحتجة تأكيد حضورها بوصفها فاعلًا في الشأن العام ومصدرًا للمطالب والشرعية، ووضعت موضع المساءلة النموذج الذي اختزل، في عدد من التجارب، التحديث والنهضة في بناء الدولة من أعلى من دون بناء حضور موازٍ للمجتمع داخلها.[5] وإذا عدنا إلى الشعارات التي رفعتها الاحتجاجات على اختلافها، يجمعها في العمق قاسم مشترك يتمثل في مطلب الاعتراف: الاعتراف بالفرد بوصفه مواطنًا كامل العضوية، وبحقه في الكرامة والحرية والتمثيل والمشاركة، وبالمجتمع بوصفه شريكًا في القرار والشرعية.[6] ومن هذه الزاوية، كشفت احتجاجات 2011 عن أزمة حكم لم تكن متصلة بالاستبداد واحتكار السلطة فحسب، بل أيضًا بموقع المواطن داخل الدولة، وبالفجوة بين المواطنة بوصفها مبدأً قانونيًا وبين الاعتراف والتمثيل والمساواة بوصفها ممارسة فعلية .
أزمة البديل: من مطلب المواطنة إلى تعثر إنتاج الدولة البديلة
غير أن اللحظة التي أعقبت الاحتجاجات كشفت مفارقة أساسية. فقد خرجت قطاعات واسعة من المجتمع مطالبة بالكرامة والحرية والمساواة والتمثيل والمواطنة، لكن انهيار أو تراجع أنظمة الحكم القائمة لم يؤدِّ بالضرورة إلى صعود قوى سياسية تحمل تصورًا للدولة يترجم هذه المطالب إلى مواطنة متساوية ومجال سياسي مشترك. ففي عدد من التجارب، تقدمت قوى وتنظيمات استندت إلى مرجعيات دينية أو هوياتية أو جماعاتية، وحملت تصورات متفاوتة لموقع الفرد والجماعة، ولعلاقة الدين بالدولة، ولحقوق النساء والأقليات والتعدد السياسي. وهنا ظهرت أزمة البديل: ففي حين عبر المجتمع عن رفضه الحاسم لنموذج الدولة القائم، بقي الاتفاق على طبيعة الدولة الجديدة وقواعد عضويتها السياسية أكثر هشاشة.
وتعيد هذه المفارقة إلى الواجهة الإشكالية التاريخية نفسها التي رافقت بناء الدولة في المنطقة. فقد جرى تحديث الدولة، في جانب مهم من تجاربها، عبر نقل مؤسسات وقوانين وأجهزة وصيغ سياسية حديثة، بينما بقي إدماج التحولات الاجتماعية المحلية وبناء علاقة متبادلة بين الدولة ومجتمعاتها أكثر تعثرًا. ولم تتشكل المواطنة دائمًا من خلال مسار طويل تشارك فيه القوى الاجتماعية في إعادة تعريف الدولة وتفاوضها حول الحقوق والتمثيل والانتماء، بقدر ما قُدّمت في كثير من الأحيان من أعلى، باعتبارها وضعًا إداريًا تنظمه الدولة ومؤسساتها. لذلك أمكن للدولة أن تتوسع إداريًا وقانونيًا من دون أن تعيد بالضرورة تنظيم الانتماءات والولاءات والوسائط الاجتماعية داخل رابطة سياسية مشتركة.
وعندما تراجعت قبضة السلطة، لم يكن المجتمع فضاءً خاليًا تنتظر قواه بناء نظام جديد من نقطة الصفر؛ بل ظهرت البنى والتيارات والتنظيمات التي راكمت حضورها داخله خلال العقود السابقة. وكان بعضها أكثر تنظيمًا وقدرة على التعبئة من القوى التي حملت شعارات الاحتجاج العامة. ومن هنا لا تعني النتائج التي أعقبت بعض الانتفاضات أن المجتمعات لم تكن تريد المواطنة، بل تكشف أن المطالبة بالمواطنة لا تنتج وحدها مؤسسات مواطنة، وأن إسقاط سلطة سياسية لا يحل تلقائيًا مسألة الدولة ولا يعيد بناء علاقتها بالمجتمع.
وبهذا المعنى، تكشف أزمة البديل حدود نموذج للدولة حكم المجتمع طويلًا عبر القانون والإدارة وأجهزة السلطة من دون أن ينجح دائمًا في إدماجه سياسيًا أو في إنتاج مجال مشترك يعترف بتعدده. فعندما عبّر المجتمع عن نفسه خارج هذا الإطار، ظهرت داخله في الوقت نفسه تطلعات إلى الحرية والمساواة، وانتماءات ومرجعيات تاريخية ظلت حاضرة ولم تدخل في تسوية سياسية حديثة مستقرة. ولذلك لم يكن التحدي بعد الاحتجاجات مجرد اختيار نخبة جديدة، بل إنتاج صيغة للدولة تستطيع أن تستوعب هذه المجتمعات كما هي، بتاريخها وتعددها وذاكرتها وانتماءاتها، وتحول هذا التعدد إلى مواطنة مشتركة بدل أن يظل أساسًا للتنافس على الدولة أو للاستبعاد منها.
خلاصة
يستدعي الحديث عن فشل الدولة في الشرق الأوسط العودة أولًا إلى سؤال أكثر تأسيسًا: ما الذي تشكّل تاريخيًا تحت اسم الدولة، وأي علاقة بناها مع المجتمع؟ فإذا كانت الأزمة تتعلق بدولة رسخت مواطنة متساوية وتمثيلًا واعترافًا ثم أخفقت في تحقيق التنمية، أمكن تفسير الفشل من خلال الإدارة والسياسات وأداء المؤسسات. أما إذا كان بناء الدولة قد تقدم أساسًا في مستواه القانوني والإداري والأمني، من دون أن يترافق بالقدر نفسه مع بناء مجتمع سياسي قائم على المشاركة والاعتراف، فإن الأزمة تصبح متصلة بطبيعة عملية بناء الدولة نفسها.
وتكشف تجربة المنطقة أن توسع مؤسسات الدولة وقدرتها على إدارة المجتمع لم يؤدِّ تلقائيًا إلى جعل المجتمع حاضرًا داخلها. فالمواطنة ليست مجرد صفة قانونية، بل علاقة سياسية واجتماعية تجعل الفرد عضوًا متساويًا ومعترفًا به، وتتيح للمجتمع المشاركة في القرار والتمثيل والشرعية. وقد أظهرت الاحتجاجات والنزاعات والحروب وأشكال التعبئة خلال العقود الأخيرة أن المجتمع لا يصبح ساكنًا بفعل الإدارة من أعلى؛ بل يحتفظ بقدرته على الفعل، وقد يعبر عنها بالمطالبة بالكرامة والحرية والمشاركة، كما قد يعبر عنها عبر الانتماءات والهويات والصراعات عندما تفشل الدولة في إنتاج مجال سياسي مشترك.
ومن هنا كشفت احتجاجات 2011، ثم أزمة البديل التي أعقبت بعضها، عن وجهين للمسألة نفسها: حاجة المجتمعات إلى الاعتراف والمشاركة، وتعثر تحويل هذه المطالب إلى نموذج مستقر لدولة المواطنة. لذلك قد يكون من الأدق قراءة أزمة الدولة في الشرق الأوسط، في جانب منها، بوصفها تعثرًا في توطين الدولة داخل مجتمعاتها، لا مجرد فشل في إدارة دولة مكتملة. فبناء الدولة لا يتحقق بالمؤسسات والقانون والأجهزة وحدها، وإنما بقدرتها على استيعاب تاريخ المجتمع وتعدده وتحولاته ضمن مواطنة متساوية تجعل المجتمع شريكًا في الدولة ومصدرًا لشرعيتها.
وعليه، فإن سؤال الدولة في الشرق الأوسط ينتهي إلى سؤال العلاقة بالمجتمع: إلى أي مدى استطاعت الدولة أن تجعل المجتمع الذي تحكمه يعترف بها ويجد نفسه حاضرًا ممثلًا به داخلها؟
المراجع باللغة العربية
بيات، آصف. (2022). ثورة بلا ثوار: كي نفهم الربيع العربي (فكتور سحّاب، ترجمة؛ ياسمين قعيق، مراجعة). بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية
بادي، برتران. (1996). الدولة المستوردة: تغريب النظام السياسي (لطيف فرج، ترجمة). دار العالم الثالث.
العروي، عبد الله. (2004). مفهوم الدولة. المركز الثقافي العربي. توجد للكتاب طبعات متعددة؛ وبيانات طبعة 2004 مثبتة ببليوغرافيًا.
غليون، برهان. (1993). المحنة العربية: الدولة ضد الأمة. مركز دراسات الوحدة العربية. وقد صدرت له طبعات لاحقة أيضًا، بينها الطبعة الثالثة عام 2003.
المراجع باللغة الأجنبية
Badie, B. (1992). L’État importé: Essai sur l’occidentalisation de l’ordre politique. Fayard.
Honneth, A. (1995). The struggle for recognition: The moral grammar of social conflicts (J. Anderson, Trans.). MIT Press.
Hourani, A. (1968). Ottoman reform and the politics of notables. In W. R. Polk & R. L. Chambers (Eds.), Beginnings of modernization in the Middle East: The nineteenth century. University of Chicago Press.
Mamdani, M. (1996). Citizen and subject: Contemporary Africa and the legacy of late colonialism. Princeton University Press.
Mann, M. (1986). The sources of social power: Volume I: A history of power from the beginning to A.D. 1760. Cambridge University Press.
Migdal, J. S. (2001). State in society: Studying how states and societies transform and constitute one another. Cambridge University Press.
[1] Migdal, J. S. (2001). State in society: Studying how states and societies transform and constitute one another. Cambridge University Press.
[2] Hourani, A. (1968). Ottoman reform and the politics of notables. In W. R. Polk & R. L. Chambers (Eds.), Beginnings of modernization in the Middle East: The nineteenth century. University of Chicago Press
[3] Mamdani, M. (1996). Citizen and subject: Contemporary Africa and the legacy of late colonialism. Princeton University Press.
[4] بادي، برتران. (1996). الدولة المستوردة: تغريب النظام السياسي (لطيف فرج، ترجمة). دار العالم الثالث.
[5] Bayat, A. (2017). Revolution without revolutionaries: Making sense of the Arab Spring. Stanford University Press.
[6] Honneth, A. (1995). The struggle for recognition: The moral grammar of social conflicts (J. Anderson, Trans.). MIT Press.

بروفيسورة ماريز يونس
أستاذة علم الاجتماع في الجامعة اللبنانية., رئيسة الشبكة الدولية لدراسة المجتمعات العربية
مركز الحداثة الديمقراطية في الشرق الأوسط



