الجنوب ليس ورقة انتخابية…  وبيان الخطيب ودعوة الحوار الوطني

 

 

كتب / سعيد فارس السعيد

 

جاء بيان نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، العلامة الشيخ علي الخطيب، ليؤكد مجدداً أن الجنوب لا يمكن أن يكون ورقة في أي بازار سياسي أو انتخابي، وأن المرحلة التي يمر بها لبنان تتطلب مقاربة وطنية تتجاوز الحسابات الضيقة، وتضع مصلحة لبنان وأمنه واستقراره ووحدته فوق كل اعتبار.

ومن هنا، فإن قراءة بيان العلامة الخطيب لا ينبغي أن تتوقف عند موقفه من محاولة توظيف الجنوب سياسياً، بل يجب أن تُقرأ في سياق أوسع من المواقف التي عبّر عنها وكررها خلال المرحلة الماضية، وفي مقدمتها الدعوة إلى حوار وطني جامع.

فالعلامة الخطيب، ومن باب الحرص والغيرة على مقام رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة وموقعهما الوطني، سبق أن طلب وكرر الطلب من رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ومن رئيس الحكومة الدعوة إلى حوار وطني، باعتبار أن الحوار هو الإطار الطبيعي لمعالجة القضايا الوطنية الكبرى، وخصوصاً في الظروف الاستثنائية التي يعيشها لبنان.

وبهذا المعنى، فإن بيان الخطيب الأخير لا يأتي منفصلاً عن تلك الدعوات، بل يشكل امتداداً طبيعياً لها وتأكيداً عليها.

فعندما يحذر العلامة الخطيب من تحويل الجنوب إلى ورقة انتخابية، فهو في الوقت نفسه يطرح السؤال الأهم: كيف يمكن للبنان أن يتعامل مع تحديات الجنوب، ومع الاعتداءات الإسرائيلية، ومع الاستحقاقات السياسية والأمنية المقبلة، من دون تفاهم وطني جامع؟

وهنا تبرز أهمية دعوته إلى الحوار.

فالقضية ليست مجرد خلاف في وجهات النظر حول الجنوب، وليست مادة للمزايدات السياسية أو الانتخابية، وإنما هي قضية وطنية تتصل بسيادة لبنان وأمنه ومستقبل أبنائه. ومن الطبيعي أن تحتاج مثل هذه القضايا إلى نقاش وطني هادئ ومسؤول، تشارك فيه القوى السياسية والمكونات اللبنانية، برعاية المؤسسات الدستورية.

ومن هذا المنطلق تحديداً، يمكن فهم حرص العلامة الخطيب على أن تأتي الدعوة إلى الحوار من موقع رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة، لأن المطلوب ليس إنشاء إطار سياسي موازٍ للمؤسسات، ولا نقل مسؤولية الدولة إلى أي جهة أخرى، بل تفعيل دور المؤسسات الدستورية في جمع اللبنانيين حول طاولة واحدة.

وهنا تكمن النقطة الأهم في بيان الخطيب: إنه لا يطرح الجنوب باعتباره قضية فئة أو منطقة، بل باعتباره قضية لبنان بأكمله.

فالجنوب الذي يدفع ثمن الاعتداءات الإسرائيلية هو جزء من لبنان، وأهله مواطنون لبنانيون، وأمن الجنوب من أمن الوطن، وأي معالجة لقضيته يجب أن تنطلق من هذه الحقيقة لا من الحسابات الانتخابية.

كما أن التحذير من تحويل الجنوب إلى ورقة انتخابية يحمل في طياته دعوة إلى عدم استخدام معاناة الناس في التجاذبات الداخلية. فالانتخابات تأتي وتذهب، أما الدولة والوطن والسيادة ومصالح الناس فتبقى.

ومن هنا، يصبح الحوار الوطني الذي دعا إليه العلامة الخطيب أكثر إلحاحاً، لأن المرحلة لا تسمح بمزيد من الانقسام، ولا تحتمل أن يبقى اللبنانيون أسرى سجالات سياسية تتكرر مع كل استحقاق.

إن المطلوب هو الانتقال من إدارة الخلاف إلى إدارة التفاهم، ومن ردود الفعل إلى وضع رؤية وطنية واضحة، ومن استخدام الملفات الحساسة في المنافسة السياسية إلى وضعها على طاولة الحوار الوطني.

وهذا تحديداً ما يجعل بيان العلامة الخطيب جديراً بالقراءة بعيداً عن التفسيرات الانتخابية الضيقة.

فالبيان، في جوهره، يقول إن حماية الجنوب لا تكون بتوظيفه سياسياً، وإن حماية لبنان لا تكون بتعميق الانقسام، وإن مواجهة المرحلة المقبلة لا يمكن أن تتم إلا من خلال رؤية وطنية جامعة وحوار وطني مسؤول.

ولذلك، فإن دعوة العلامة الخطيب إلى الحوار ليست موقفاً مستجداً فرضه البيان الأخير، بل هي موقف سبق أن طرحه وكرره، واليوم يعيد تأكيده في لحظة سياسية دقيقة، انطلاقاً من حرصه على مقام الرئاسة والحكومة وعلى أن تتحمل المؤسسات الدستورية مسؤوليتها في جمع اللبنانيين وصياغة رؤية مشتركة للمرحلة المقبلة.

إن الرسالة التي يمكن استخلاصها من بيان الخطيب واضحة:

الجنوب ليس ورقة انتخابية، ومعاناة أهله ليست مادة للمزايدة، والحوار الوطني ليس ترفاً سياسياً، بل ضرورة لحماية لبنان في هذه المرحلة.

ومن هنا، فإن الكرة تبقى في ملعب المؤسسات الدستورية والقوى السياسية اللبنانية: هل نذهب نحو مزيد من الانقسام والمزايدات، أم نلتقط دعوة الحوار ونحوّلها إلى فرصة لبناء تفاهم وطني يحمي لبنان والجنوب معاً؟

إن لبنان اليوم بحاجة إلى كلمة سواء، وإلى حوار لا يلغي الاختلاف، وإنما ينظمه داخل إطار وطني يحفظ الدولة والمؤسسات والوحدة الوطنية.

وهذه هي، في جوهرها، الرسالة التي تتكامل بين بيان العلامة الشيخ علي الخطيب ومواقفه السابقة الداعية إلى الحوار الوطني.

 

سعيد فارس السعيد

كاتب وباحث استراتيجي مستقل

شارك