لو كان للصبر وطن، لكان الجنوب.

 

 

بقلم: الكاتبة والمربية فاطمة يوسف بصل

 

لو كان للصبر وطن، لكان الجنوب… ولو كان للكرامة تراب تنام فيه وتصحو، لنامت تحت زيتونه، ولو كان للصمود وجه بشري، لكان وجه أم جنوبية تخفي ارتجاف قلبها خلف ابتسامة، وتودّع أبناءها وكأنها لا تخاف، بينما في أعماقها ألف صلاة وألف خوف وألف رجاء. ولو كان للأرض قلب، لكان قلب الجنوب؛ ذلك القلب الذي نزف طويلًا، لكنه لم يتعلم كيف يتوقف عن النبض.

الجنوب ليس جهة من جهات لبنان، ولا خطًا مرسومًا على خارطة، ولا قرى تتناثر عند حافة الوطن. الجنوب حكاية وطن حين يُختبر، وذاكرة أرض حين تُجرح، ومرآة إنسان حين يُطلب منه أن يختار بين البقاء والانكسار. هو المكان الذي تعلّمت فيه الحجارة أن تصمت حين يكون الكلام موجعًا، وتعلّمت فيه الأشجار أن تصمد حين تعصف الريح، وتعلّم فيه الإنسان أن يحمل وطنه في صدره حين تضيق به الأرض.

في الجنوب، لا يُقاس الزمن بعقارب الساعة، بل بعدد المرات التي انطفأ فيها الخوف في القلب وعاد الأمل ليشعل مكانه شمعة. هناك، يصبح الانتظار امتحانًا يوميًا، وتصبح العودة صلاة مؤجلة، ويصبح مفتاح البيت قطعة من الوطن تُحمل في الجيب، لا لفتح باب فحسب، بل لفتح ذاكرة كاملة. هناك، حيث تمتد أشجار الزيتون على السفوح كأنها ذاكرة خضراء لا تشيخ، يعرف الإنسان أن الشجرة ليست شجرة؛ إنها اسم الجد، ويد الأب، وصوت الأم، وضحكة طفل ركض ذات صيف بين أغصانها. ولذلك حين تُحرق شجرة في الجنوب، لا يحترق خشبها وحده؛ يحترق فصل من كتاب الذاكرة، لكن الجذور تبقى تحت التراب، صامتة وعنيدة، تنتظر أول قطرة مطر لتقول: لم تنتهِ الحكاية.

كم مرة ظنوا أن الجنوب سينحني؟ وكم مرة راهنوا على أن التعب سيهزم أهله؟ لكنهم لم يعرفوا أن الجنوب لا يملك رفاهية النسيان؛ فهو يحمل في ذاكرته أجيالًا كاملة، ويعرف أن الأرض التي تُترك بلا ذاكرة تصبح غريبة، وأن البيت الذي لا يسكنه أهله يتحول إلى حجر، وأن الوطن الذي لا يحرسه الحب يصبح مجرد اسم. لهذا بقي الجنوب؛ بقي لا لأن الحياة فيه كانت سهلة، بل لأن أهله قرروا أن يجعلوا من صعوبتها معنى، ومن وجعها قوة، ومن انتظارهم وعدًا، ومن رماد الأمس بذرة للغد.

وفي الجنوب، للأم حكاية لا تُكتب بالحبر، بل تُكتب بالنبض. هي تلك المرأة التي تعلمت أن تكون أقوى من خوفها، وأن تخبئ دمعتها كي لا يراها طفلها، وأن تقول: لا تخف، فيما قلبها يرتجف أكثر منه. هي التي تضع يدها على رأس ابنها، لا لتمنعه من الرحيل، بل لتمنحه دعاء يرافقه. هي التي تعرف أن الانتظار ليس مجرد وقت يمر، بل عمر كامل يجلس على حافة القلب. الأم الجنوبية لا تحتاج إلى أن ترفع صوتها كي تكون عظيمة؛ يكفي أنها انتظرت، ويكفي أنها فقدت ثم بقيت قادرة على الحب، ويكفي أنها كلما سمعت طرقًا على الباب، ارتجف قلبها بين احتمالين: عودة من تحب، أو خبر لا تستطيع الروح احتماله.

لكن الجنوب، رغم كل ذلك، ليس مقبرة للحزن؛ إنه الحياة نفسها وهي تتحدى الموت. ففي صباحاته رائحة الخبز، وفي حقوله لون القمح، وفي زيتونه ذاكرة لا تُقتلع، وفي أعراس قراه ضحكة تتحدى العتمة، وفي أطفاله شيء من شمس المستقبل. الجنوب يعرف كيف يزرع الفرح في أكثر الأماكن التي ظنها الآخرون عاجزة عن إنبات شيء. وهنا تكمن معجزة الجنوب: أن يخرج من قلب المأساة وهو ما زال قادرًا على أن يحب؛ أن يرى الرماد ولا يكره النار فقط، بل يحلم أيضًا بشجرة جديدة؛ أن يرى الخراب ولا يكتفي بالبكاء على ما كان، بل يبدأ في تخيّل ما سيكون؛ أن يحمل أسماء من رحلوا في قلبه، لكنه يفسح في القلب نفسه مكانًا لأسماء لم تولد بعد.

ذلك هو الصمود الحقيقي؛ فالصمود ليس أن يتحول الإنسان إلى حجر، بل أن يبقى قلبه حيًا رغم كل ما مرّ به، وأن يبقى قادرًا على الحلم بعد أن رأى أحلامًا كثيرة تسقط، وأن يظل قادرًا على مد يده إلى المستقبل، ولو كانت يداه ترتجفان من ثقل الماضي. والجنوب، في كل مرة ينهض فيها، لا يبني بيتًا من الإسمنت فقط؛ إنه يعيد بناء معنى الوطن في داخله. يبني جدارًا، ويعلّق صورة، ويزرع شجرة، ويفتح نافذة، ويضع على الطاولة فنجان القهوة، وكأنه يقول للحرب: مررتِ من هنا، لكنك لم تستطيعي أن تأخذي منا الحياة.

يا له من شعب يعرف كيف ينتصر دون أن يرفع صوته! ينتصر حين يعود الفلاح إلى أرضه، وحين يفتح الطفل كتابه، وحين تُضاء نافذة في قرية أطفأتها الحرب، وحين تُزرع شجرة زيتون مكان شجرة احترقت، وحين تعود الضحكة إلى بيت عرف البكاء طويلًا. تلك هي الانتصارات التي لا تظهر دائمًا في نشرات الأخبار، لكنها تظهر في عيون الناس. فالجنوب لا يريد أن يبقى أسير صور الحرب، ولا يريد أن تكون هويته مرتبطة بالدخان والركام والحدود والخوف؛ الجنوب يريد أن يُرى كما هو في حقيقته: أرضًا للحياة، وموطنًا للكرامة، وبيتًا للناس، وذاكرة لبنانية لا يجوز اختصارها في لحظة اشتعال.

يريد أن يستيقظ أهله ذات صباح فلا يكون أول ما يسمعونه صوت انفجار، بل صوت الحياة؛ صوت المؤذن، أو جرس المدرسة، أو بائع الخضار، أو ضحكة طفل يركض في الطريق. يريد للسماء أن تعود سماء، لا شاشة مفتوحة على الاحتمالات. يريد للأرض أن تستعيد لونها الأخضر، ويريد للإنسان أن يعيش دون أن يضطر كل يوم إلى إثبات قدرته على النجاة. فالجنوب لا يحتاج إلى أن يُطلب منه الصبر إلى الأبد؛ حتى الصابر يتعب، والقلب الذي يحمل الكثير يحتاج يومًا إلى أن يُقال له: آن لك أن تطمئن.

آن للأم أن تنتظر أبناءها من دون خوف، وآن للطفل أن ينام من دون أن يحتفظ في ذاكرته بأصوات الحرب، وآن للمزارع أن يذهب إلى أرضه من دون أن يسأل إن كان الطريق آمنًا، وآن للبيت أن يكون بيتًا لا ملجأ مؤقتًا، وآن للجنوب أن يعيش كما يحق لكل أرض أن تعيش. إن الجنوب لا يريد مجدًا مصنوعًا من الدم، بل مستقبلًا مصنوعًا من الحياة. لا يريد أن تبقى البطولة قدرًا مفروضًا على أبنائه، بل أن تصبح البطولة في التعليم والعمل والإعمار والزراعة وبناء الإنسان. فما أجمل أن تكون بندقية الوطن الأولى كتابًا في يد طفل، وأن يكون سلاحه الحقيقي علمه، وأن تكون أقوى صورة للانتصار مدرسة تعج بالأصوات، وحقلًا أخضر، وبيتًا عامرًا، وأمًا مطمئنة.

يا جنوب لبنان، كم مرة دفنت وجعك تحت ترابك ثم زرعت فوقه زيتونة؟ كم مرة بكيت في الليل ثم خرجت في الصباح كأنك لم تبكِ؟ كم مرة أخذت منك الحرب شيئًا، فأعطيتها في المقابل درسًا جديدًا في البقاء؟ أنت لا تشبه المدن التي تعيش الحروب من بعيد؛ أنت ابن الحكاية. تعرف رائحة الخوف، لكنك تعرف أيضًا رائحة الأرض بعد المطر. تعرف معنى الفقد، لكنك تعرف معنى أن تفتح الباب لجار منكوب. تعرف صوت القصف، لكنك تعرف أيضًا صوت أم تنادي أبناءها إلى مائدة الغداء. تعرف معنى الرحيل، لكنك تحفظ جيدًا الطريق إلى العودة.

ولهذا، حين يعود الجنوبي إلى قريته، فهو لا يعود إلى مكان فحسب؛ يعود إلى طفولته، إلى قبر أبيه، إلى شجرة زرعها جده، إلى مقعد المدرسة، إلى رائحة خبز أمه، إلى الطريق الذي كان يركض فيه صغيرًا، إلى ذاكرة لا يستطيع أي احتلال أو حرب أن ينتزعها من داخله. إن العودة في الجنوب ليست حركة جسد نحو مكان، بل عودة روح إلى موطنها. ولعل أجمل ما في الجنوب أنه، رغم كل ما حدث، لم يسمح للعدوان أن يسرق منه إنسانيته؛ بقي كريمًا، بقي محبًا، بقي قادرًا على استقبال الحياة، وبقي يعرف أن الوطن لا يُبنى بالكراهية وحدها، بل بالحب أيضًا؛ حب الأرض، وحب الإنسان، وحب المستقبل.

فالسلام الذي يستحقه الجنوب ليس سلامًا يُكتب على الورق فقط، بل سلام يسكن البيوت، ويطمئن القلوب، ويعيد للطفل حقه في طفولة طبيعية، وللأم حقها في النوم من دون قلق، وللفلاح حقه في أرضه، وللوطن حقه في أن يرى أبناءه يعيشون بدل أن يعد خساراتهم. ومن هنا، فإن الحديث عن الجنوب ليس حديثًا عن الماضي وحده، بل عن المستقبل أيضًا؛ عن لبنان الذي نريده، عن وطن لا يُترك فيه إنسان وحيدًا أمام الخوف، عن دولة تعرف قيمة أرضها وأهلها، وعن وطن تكون فيه الكرامة والأمان وجهين لحقيقة واحدة.

فالجنوب ليس هامشًا في دفتر لبنان، ولا صفحة يمكن طيّها عند انتهاء الأخبار. إنه صفحة كتبت بالحبر والدم والعرق والدموع، لكنها ما زالت تنتظر أن يكتب اللبنانيون فوقها فصلًا جديدًا عنوانه: الحياة. وفي النهاية، لو كان للصبر وطن، لكان الجنوب؛ ولو كان للكرامة بيت، لكان بيتًا جنوبيًا بقي بابه مفتوحًا رغم العاصفة؛ ولو كان للأمل شجرة، لكانت زيتونة تشق جذورها التراب بعد الحريق؛ ولو كان للصمود صوت، لكان صوت أم تقول لابنها: اذهب، وسأنتظرك.

ولو كان للوطن قلب، لكان قلب الجنوب؛ ذلك القلب الذي نزف، لكنه لم يمت، وتعب، لكنه لم يستسلم، وبكى، لكنه لم ينسَ كيف يبتسم، واحترقت بعض أغصانه، لكنه احتفظ بجذوره. وكلما ظنوا أن الحكاية انتهت، خرج من بين الركام صوت خافت، لكنه عنيد، يقول: هنا الجنوب… هنا أرض تعرف كيف تصبر، وكيف تحب، وكيف تنتظر، وكيف تنهض.

هنا الجنوب، حيث لا يكون البقاء مجرد حياة، بل يصبح موقفًا، ولا تكون العودة مجرد رجوع، بل استعادة للروح، ولا يكون الوطن مجرد أرض، بل قلبًا إذا سكنناه، سكننا إلى الأبد. وسيبقى الجنوب، مهما اشتدت العواصف، شاهدًا على أن الإنسان يستطيع أن يخرج من بين الرماد أكثر إصرارًا على الحياة، وأن الأرض التي شربت من دموع أهلها لا بد أن تُنبت يومًا سلامًا، وأن الصبر مهما طال لا بد أن يفتح نافذة على الفجر.

لو كان للصبر وطن، لكان الجنوب… ولو كان للصبر نهاية، لكانت نهايته يومًا سلامًا يليق بأرض تعبت طويلًا، وبإنسان انتظر طويلًا، وبوطن يستحق أن يستيقظ أخيرًا على صباح لا يخاف فيه أحد من الغد.

شارك