إسرائيل بعد ثلاث سنوات من طوفان الأقصى.                 

 

بقلم : أمين السكافي

دولةٌ قوية… لكن ماذا بقي من الداخل؟

 

في السادس من تشرين الأول/أكتوبر 2023، كانت إسرائيل تنظر إلى نفسها باعتبارها القوة الأكثر تفوقاً في الشرق الأوسط: جيشٌ من أقوى جيوش العالم، تفوق جوي واستخباري وتكنولوجي، منظومات دفاع صاروخي متقدمة، اقتصاد حديث تقوده التكنولوجيا، علاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة، ومسارٌ عربي بدأ يتسع من اتفاقات أبراهام إلى احتمالات تطبيع سعودي.

 

وفي السابع من تشرين الأول تبدّل المشهد.

 

لم يكن «طوفان الأقصى» مجرد هجوم عسكري كبير؛ كان صدمة في مفهوم الأمن الإسرائيلي نفسه. قُتل نحو 1200 إسرائيلي، وأُخذ 251 شخصاً رهائن، وانكشف عجز استخباري وعسكري وسياسي عن منع عملية واسعة داخل الأراضي الإسرائيلية. ومنذ ذلك اليوم لم تعد إسرائيل تخوض حرباً واحدة، بل دخلت في سلسلة من المواجهات المتداخلة: غزة، ثم جبهة لبنان، ثم ضربات متبادلة مع إيران، وصولاً إلى الحرب المباشرة مع إيران في 2026.

 

والسؤال الذي يفرض نفسه بعد نحو ثلاث سنوات ليس فقط: ماذا فعلت إسرائيل بغزة ولبنان وإيران؟ بل: ماذا فعلت هذه الحرب بإسرائيل نفسها؟

 

 

أولاً: ثلاث سنوات غيّرت الخريطة الأمنية

 

يمكن تقسيم المرحلة إلى خمس محطات:

 

7 تشرين الأول 2023: انهيار مفاجئ لنظرية الردع الإسرائيلي على جبهة غزة.

 

8 تشرين الأول 2023: فتح حزب الله جبهة الشمال تحت عنوان إسناد غزة، لتصبح إسرائيل أمام حرب ذات جبهتين.

 

2024: انتقال المواجهة الإسرائيلية ـ الإيرانية من حرب الظل إلى تبادل الضربات المباشرة.

 

2025: استمرار آثار الحرب على المجتمع والاقتصاد، مع تحول غزة من ملف عسكري إلى أزمة سياسية ودبلوماسية وقانونية عالمية.

 

2026: دخول إيران وإسرائيل في حرب مباشرة واسعة، بما جعل العمق الإسرائيلي نفسه ساحة حرب مفتوحة.

 

وهنا وقع التحول الأخطر: المواطن الإسرائيلي الذي كان يعتقد أن الحرب تجري على الحدود، اكتشف أن الصاروخ يستطيع الوصول إلى قلب إسرائيل.

 

 

الجيش الإسرائيلي: لم يُهزم… لكنه لم يعد كما كان

 

من الخطأ القول إن الجيش الإسرائيلي انهار. فهو ما زال يمتلك تفوقاً جوياً وتكنولوجياً واستخبارياً هائلاً.

 

لكن من الخطأ أيضاً القول إن المؤسسة العسكرية خرجت من السنوات الثلاث بلا أضرار.

 

فالجيش اضطر إلى تعبئة الاحتياط بصورة طويلة ومستمرة، وخاض عمليات على جبهات متعددة، وتحمل خسائر بشرية، وأُنهكت وحدات الاحتياط، فيما أصبحت حماية الجبهة الداخلية مهمة عسكرية بحد ذاتها.

 

وبحسب أرقام عسكرية إسرائيلية نقلت في ربيع 2026، تجاوز عدد قتلى الجيش منذ بداية حرب غزة 935 قتيلاً، مع أكثر من 6400 جريح، وهي أرقام لا تشمل وحدها كل الخسائر غير المباشرة المرتبطة بالضغط النفسي والاستنزاف الطويل للاحتياط.

 

والأهم من الأرقام هو الأثر العقائدي.

 

إسرائيل بنت جزءاً كبيراً من أمنها على فكرة أن الحرب يجب أن تنتقل سريعاً إلى أرض الخصم. لكن حرباً طويلة من غزة إلى لبنان وإيران أثبتت أن إسرائيل نفسها يمكن أن تبقى تحت النار، وأن التفوق العسكري لا يعني القدرة على منع الخصم من إيقاع الألم.

 

الاقتصاد: الدولة لم تنهَر… ولكن الحرب أصبحت جزءاً من ميزانيتها

 

ربما تكون هذه أكثر النقاط التي تحتاج إلى دقة.

 

إسرائيل لم تدخل مرحلة الإفلاس، ولم ينهَر اقتصادها. قطاع التكنولوجيا ما زال قوياً، والأسواق المالية بقيت قادرة على العمل، والاحتياطات والمؤسسات النقدية وفّرت قدراً مهماً من الاستقرار.

 

لكن الثمن أصبح هائلاً.

 

تشير تقديرات بنك إسرائيل إلى أن الحرب أزالت ما يعادل نحو 8.5% من الناتج المحلي الإجمالي من مسار النمو، بما يقدر بنحو 177 مليار شيكل. كما ارتفعت نسبة الدين إلى الناتج من نحو 60% في 2023 إلى قرابة 70% في 2026، بينما تضاعف الإنفاق الدفاعي ليبلغ نحو 8% من الناتج.

 

وهذه ليست مجرد أرقام مالية.

 

فحين يرتفع الإنفاق العسكري بهذا الحجم، يصبح السؤال: من يدفع ثمن الحرب؟

 

التعليم؟ الصحة؟ البنية التحتية؟ الضرائب؟ الخدمات الاجتماعية؟

 

ولهذا حذّر محافظ بنك إسرائيل من أن الحكومة المقبلة ستضطر إلى معالجة عبء الدين وإعادة توجيه الاقتصاد تدريجياً من اقتصاد الحرب إلى النمو المدني.

 

وقدّرت مصادر أخرى التكلفة الكلية للحروب التي خاضتها إسرائيل منذ 7 تشرين الأول بنحو 400 مليار شيكل أو أكثر، مع اختلاف المنهجيات في احتساب التكلفة المباشرة وغير المباشرة.

 

السياحة: القطاع الذي تحوّل إلى ضحية دائمة

 

السياحة من أكثر القطاعات التي كشفت معنى «الدولة غير المستقرة».

 

قبل الحرب كانت إسرائيل تستقبل ملايين السياح، لكن الحرب أدت إلى انهيار حاد في السياحة الوافدة. وتشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن القطاع تعرض منذ 7 تشرين الأول 2023 لضربة شديدة وصلت إلى شبه توقف في السياحة الوافدة في الفترة الأولى.

 

وفي 2025 لم يصل عدد السياح إلا إلى نحو 1.3 مليون، وفق وزارة السياحة الإسرائيلية، بينما بقيت الأرقام أدنى بكثير من مستويات ما قبل الحرب.

 

وفي أيار/مايو 2026، كانت أعداد الوافدين أقل بنحو 83% من أيار 2023، وفق بيانات نقلتها وسائل إعلام اقتصادية إسرائيلية.

 

إذن الحرب لم تضرب الدبابات والطائرات فقط؛ ضربت الفندق والمطعم وشركة الطيران وقطاع الخدمات والصناعة المرتبطة بالسائح.

 

الهجرة المعاكسة: حين يبدأ الإسرائيلي بالتفكير في الرحيل

 

ربما لا توجد علامة أكثر حساسية على أزمة الثقة من أن يبدأ مواطنو الدولة بالتفكير في مغادرتها.

 

بين 2023 و2025 غادر 268,509 إسرائيليين البلاد لإقامات لا تقل عن ثلاثة أشهر، وفق بيانات ودراسات إسرائيلية، مقارنة بـ183,219 في الفترة المماثلة السابقة. وفي 2025 وحدها وصل عدد المغادرين إلى أكثر من 90 ألفاً.

 

ولا يعني ذلك أن 268 ألف شخص هاجروا نهائياً؛ وهذه نقطة مهمة.

 

لكن الاتجاه نفسه مقلق، خصوصاً عندما يتعلق بأصحاب المهارات العالية.

 

وتشير تقارير إلى أن موجة المغادرة شملت متخصصين في التكنولوجيا والصحة والمهن عالية المهارة، ما يثير مخاوف من «نزيف أدمغة» طويل المدى.

 

وهنا تصبح المسألة أمنية أيضاً.

 

الدولة الحديثة لا تحتاج فقط إلى الجنود؛ تحتاج إلى المهندس والطبيب والمبرمج والباحث ورجل الأعمال.

 

المجتمع الإسرائيلي: من الخوف من العدو إلى الخلاف حول الدولة

 

الحرب كشفت انقسامات كانت موجودة قبل 7 تشرين الأول، لكنها أصبحت أكثر حدة بعده.

 

هناك خلاف بين العلمانيين والمتدينين، وبين من يريدون حرباً طويلة ومن يريدون إنهاءها، وبين عائلات الأسرى والحكومة، وبين من يرى أن الأولوية للأمن ومن يرى أن المشكلة السياسية لا يمكن حلها عسكرياً.

 

ثم جاءت قضية الخدمة العسكرية لليهود الحريديم لتضيف طبقة أخرى من التوتر.

 

فالمجتمع الذي يطلب من جنود الاحتياط التضحية بأشهر وسنوات من حياتهم يجد نفسه أمام سؤال: هل الخدمة والعبء والتضحية موزعة بصورة عادلة؟

 

وهكذا أصبح الانقسام الداخلي نفسه جزءاً من معادلة الأمن القومي.

 

نتنياهو: الرجل الذي لم يسقط… لكنه لم يعد الرجل الذي كان

 

هذه هي المفارقة الكبرى.

 

بنيامين نتنياهو ما زال قادراً على المنافسة، وما زال يمتلك قاعدة يمينية صلبة، وما زال جزء كبير من الإسرائيليين يرى أنه الأكثر خبرة في مواجهة إيران وحماس وحزب الله.

 

لكن 7 تشرين الأول أصبح بالنسبة إليه عبئاً تاريخياً.

 

والأخطر أن القضية لم تعد فقط قضية «هل كان الجيش مستعداً؟»، بل: ماذا كان يعرف المستوى السياسي؟ ومتى عرف؟ ولماذا لم يتصرف؟

 

وفي أيلول 2026 انفجرت قضية جديدة بعد تقارير صحافية زعمت أن الرئيس الإماراتي محمد بن زايد حذر نتنياهو قبل الهجوم من نية حماس تنفيذ عملية كبيرة. نتنياهو نفى ذلك بشدة، بل اتخذ إجراءات قانونية ضد ناشري هذه الرواية. ولذلك ينبغي التعامل معها حتى الآن باعتبارها ادعاءً صحافياً متنازعاً عليه، وليس حقيقة قضائية مثبتة.

 

لكن سياسياً، الضرر موجود حتى قبل الحسم القضائي.

 

لأن السؤال أصبح جزءاً من الانتخابات.

 

الانتخابات: هل يستطيع نتنياهو البقاء؟

 

الانتخابات مقررة في 27 تشرين الأول/أكتوبر 2026.

 

والمعركة الحالية لا تشبه الانتخابات الإسرائيلية التقليدية.

 

المعسكرات لا تتنافس فقط حول اليمين واليسار؛ بل حول سؤال: هل يبقى نتنياهو أم يبدأ عصر ما بعد نتنياهو؟

 

وتشير استطلاعات حديثة إلى أن حزب غادي أيزنكوت «يشعر» يتقدم في بعض الاستطلاعات ليصبح أكبر حزب بنحو 25 مقعداً، مقابل نحو 21 لليكود، مع اختلاف الأرقام بين الاستطلاعات.

 

لكن هذه ليست نهاية القصة.

 

فالانتخابات الإسرائيلية تُحسم في الكنيست المؤلف من 120 مقعداً، ويحتاج رئيس الحكومة إلى ائتلاف يصل إلى 61.

 

وتشير استطلاعات أخرى إلى أن كتلة نتنياهو قد تبقى في حدود 50–54 مقعداً، أي دون الأغلبية، بينما يقترب معسكر المعارضة من الرقم نفسه أو يتجاوزه إذا نجحت أحزابه في تجاوز نسبة الحسم.

 

وهنا تكمن العقدة.

 

قد يفوز نتنياهو بالمركز الأول ولا يستطيع تشكيل الحكومة.

 

وقد يفوز أيزنكوت بالمركز الأول ولا يستطيع تشكيلها.

 

غادي أيزنكوت: أخطر منافس لنتنياهو؟

 

أيزنكوت يمتلك ورقة يصعب على نتنياهو مواجهتها: هو رجل أمن من داخل المؤسسة العسكرية.

 

كان رئيساً لأركان الجيش، وبالتالي يستطيع أن يخاطب الإسرائيلي الذي يريد الأمن، لكنه يريد في الوقت نفسه محاسبة القيادة السياسية عن إخفاق 7 تشرين الأول.

 

وهذا يجعله أكثر خطورة من معارضة يسارية تقليدية.

 

هو لا يقول للإسرائيلي: «تخلَّ عن الأمن».

 

بل يقول له، بصورة أكثر قابلية للتسويق: «أنا أعرف الأمن مثلكم، لكنني أعتقد أن نتنياهو أخطأ في إدارته».

 

ولهذا تشير استطلاعات حديثة إلى صعوده وتقدمه في بعض القياسات الشخصية والحزبية.

 

نفتالي بينيت: الورقة اليمينية البديلة

 

بينيت يمثل احتمالاً مختلفاً.

 

فهو لا يأتي من اليسار، ولا من معسكر السلام التقليدي، بل من اليمين الإسرائيلي نفسه.

 

وهذه ميزة استراتيجية.

 

إذا كان جزء من ناخبي نتنياهو يريد حكومة أكثر يمينية أو أكثر حزماً، لكنه فقد الثقة بنتنياهو شخصياً، فإن بينيت يستطيع أن يصبح محطة انتقال.

 

لكن مشكلته هي أن المعسكر المناهض لنتنياهو يحتاج إلى أكثر من شخصية قوية؛ يحتاج إلى هندسة ائتلافية.

 

وهنا تظهر المفارقة: قد تكون الانتخابات المقبلة أقل ارتباطاً بمن يحصل على أكبر شعبية، وأكثر ارتباطاً بمن يستطيع جمع الأطراف المختلفة حول حكومة واحدة.

 

يائير لابيد وليبرمان: مهمتهما أصعب

 

يائير لابيد ما زال لاعباً مهماً، لكنه يواجه مشكلة أن مركز المعارضة لم يعد ملكه وحده.

 

أيزنكوت وبنيت دخلا إلى المنطقة التي كان يحتلها.

 

أما أفيغدور ليبرمان فيمتلك قاعدة علمانية ويمينية معادية لنتنياهو، لكنه أيضاً يحتاج إلى الحفاظ على قوته البرلمانية وتجاوز نسبة الحسم.

 

والقاعدة الذهبية في انتخابات إسرائيل 2026 هي:

 

كل حزب صغير لا يتجاوز 3.25% قد يحوّل آلاف الأصوات إلى لا شيء، وقد يقرر عملياً من يشكل الحكومة.

 

ولهذا يسعى نتنياهو بصورة عاجلة إلى توحيد اليمين ومنع تشظيه، بينما تبقى الخلافات بين بن غفير وسموتريتش وغيرهما مشكلة انتخابية حقيقية.

 

إسرائيل والعالم: خسارة المعركة على الصورة

 

لكن أكبر آثار السنوات الثلاث ربما لا تظهر في ميزانية الدولة ولا في عدد الطائرات.

 

تظهر في صورة إسرائيل في العالم.

 

صور غزة، الدمار، النزوح، الجوع، أعداد الضحايا، والعمليات العسكرية في لبنان، خلقت تحولاً عميقاً في النقاش العالمي حول القضية الفلسطينية.

 

ولا يمكن اختزال الأمر بكلمة «كراهية».

 

الأدق أن نقول إن إسرائيل تواجه تراجعاً حاداً في الشرعية السياسية والأخلاقية لدى قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي، ولا سيما في أوروبا والجامعات والمجتمعات الشبابية.

 

وتحولت القضية الفلسطينية من ملف دبلوماسي مزمن إلى قضية مركزية في السياسة الدولية.

 

وفي أيلول 2026 فرضت بريطانيا وفرنسا وكندا ودول أخرى إجراءات تجارية مرتبطة بالمستوطنات، فيما ردت إسرائيل بإجراءات دبلوماسية ضد بريطانيا، في تصعيد يعكس اتساع الخلاف مع دول كانت جزءاً مهماً من البيئة الغربية الداعمة لها.

 

وفي المقابل، يجب عدم المبالغة: إسرائيل لم تصبح دولة معزولة بالكامل؛ فالولايات المتحدة ما زالت حليفها المركزي، كما أن إسرائيل تمكنت في 2026 من افتتاح سفارة في سلوفينيا في مؤشر على أن العلاقات الخارجية ليست في اتجاه واحد.

 

إذن الصورة أكثر تعقيداً من «إسرائيل معزولة».

 

إنها إسرائيل أكثر اعتماداً على الحلفاء، لكنها أقل قدرة على التحكم في صورتها الدولية.

 

السؤال الفلسطيني عاد من الباب الكبير

 

ربما تكون هذه أعظم نتيجة سياسية للحرب.

 

قبل 7 تشرين الأول، كان هناك اعتقاد واسع في إسرائيل بأن القضية الفلسطينية يمكن إدارتها، لا حلها.

 

كانت اتفاقات التطبيع مع بعض الدول العربية توحي بأن إسرائيل تستطيع بناء منظومة إقليمية جديدة بينما تبقى القضية الفلسطينية مؤجلة.

 

لكن غزة أعادت القضية إلى مركز النظام الدولي.

 

أصبح الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وحل الدولتين، والاستيطان، والاحتلال، والقانون الدولي، والحقوق الفلسطينية، موضوعات حاضرة بقوة في العواصم الغربية.

 

ولذلك فإن إسرائيل لا تواجه اليوم أزمة أمنية فقط.

 

إنها تواجه السؤال الذي حاولت السياسة الإسرائيلية تأجيله سنوات طويلة:

 

ماذا تفعل إسرائيل بالفلسطينيين، وماذا يفعل الفلسطينيون بمستقبل إسرائيل؟

 

الخاتمة: إسرائيل التي خرجت من 7 تشرين الأول ليست إسرائيل التي دخلته

 

بعد ثلاث سنوات، لا يصح القول إن إسرائيل انهارت.

 

لم تنهَر.

 

ولا يصح القول إن جيشها دُمّر.

 

لم يُدمّر.

 

ولا يصح القول إن اقتصادها انهار.

 

لم ينهَر.

 

لكن التاريخ لا يقيس الدول فقط بالسقوط الكامل.

 

أحياناً تبدأ التحولات الكبرى عندما يبقى الهيكل واقفاً، بينما تتغير داخله أشياء لا تُرى بسهولة.

 

لقد تغيرت الثقة.

 

تغيرت عقيدة الأمن.

 

تغيرت صورة الجيش.

 

ارتفعت كلفة الدفاع.

 

ارتفع الدين.

 

تراجعت السياحة.

 

ازدادت الهجرة إلى الخارج.

 

أُنهك الاحتياط.

 

انقسم المجتمع حول الحرب والدين والعدالة والخدمة العسكرية.

 

وأصبحت الحكومة نفسها موضع سؤال تاريخي حول مسؤولية 7 تشرين الأول.

 

وفي الخارج، لم تعد إسرائيل قادرة بسهولة على تقديم نفسها للعالم باعتبارها مجرد دولة صغيرة محاصرة تبحث عن الأمن؛ فقد أصبحت أفعالها في غزة والضفة ولبنان جزءاً أساسياً من الصورة التي يُحكم عليها من خلالها.

 

أما الانتخابات المقبلة، فهي لذلك ليست مجرد معركة بين نتنياهو وأيزنكوت وبينيت ولابيد وليبرمان.

 

إنها، في جوهرها، استفتاء إسرائيلي على السنوات الثلاث الماضية.

 

هل يريد الإسرائيلي استمرار نموذج نتنياهو: قوة عسكرية، حكومة يمينية، مواجهة مفتوحة مع إيران وحلفائها، وتقديم الأمن العسكري باعتباره الحل؟

 

أم يريد نموذجاً جديداً: إعادة بناء المؤسسات، تحقيقاً في إخفاق 7 تشرين الأول، تخفيف الاستنزاف العسكري، إصلاح العلاقة مع الاقتصاد، وإعادة ترميم العلاقات مع العالم؟

 

والأرجح أن المعركة لن يحسمها من يصرخ أعلى، ولا من يَعِد بانتصار أكبر.

 

سيحسمها الخوف.

 

الخوف من حرب جديدة.

 

الخوف من إيران.

 

الخوف على الأبناء.

 

الخوف من انهيار الاقتصاد.

 

الخوف من هجرة الكفاءات.

 

والخوف، قبل كل شيء، من أن تكون إسرائيل قد دخلت مرحلة لا تستطيع فيها أن تنتصر نهائياً ولا أن تعود إلى ما قبل 7 تشرين الأول.

 

وهنا تكمن المفارقة التاريخية الكبرى:

 

إسرائيل ما زالت تملك القوة التي تجعلها قادرة على خوض الحرب، لكنها بدأت تدفع ثمناً متزايداً لأن الحرب أصبحت أسلوب حياة.

 

وإذا كان الأمن هو الأساس الذي قامت عليه الدولة الإسرائيلية الحديثة، فإن السؤال الذي ستطرحه انتخابات 2026 ليس فقط: من سيحكم إسرائيل؟

 

بل:

 

أي إسرائيل ستبقى بعد هذه الحرب؟

 

إسرائيل التي تريد أن تعيش دائماً داخل الحرب؟

 

أم إسرائيل التي تدرك، للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، أن الأمن لا يمكن أن يكون عسكرياً فقط، وأن فلسطين التي حاولت إدارتها من خلف الجدران والأسلاك والصواريخ عادت إلى قلب مستقبلها السياسي والأخلاقي والاستراتيجي؟

شارك