
الخُبث… حين تتعطّل البوصلة في قلب الإنسان.
بقلم: الكاتبة والمربية فاطمة يوسف بصل
ثَمّةَ وجوهٌ لا يخيفك فيها شيء، لأن ملامحها هادئة، وابتسامتها وادعة، وكلماتها تعرف كيف تختار مواضعها بدقّة. لكنّ بعض الوجوه لا تُقرأ من ملامحها، بل من أثرها بعد أن تغادر. هناك من يترك في روحك طمأنينة، وهناك من يترك وراءه سؤالًا ثقيلًا لا تعرف له اسمًا، حتى تكتشف متأخرًا أن ما حسبته دفئًا لم يكن سوى يدٍ تتدرّب على إخفاء الخنجر.
فالخُبث لا يولد صاخبًا، ولا يعلن عن نفسه على الأبواب، بل ينمو في العتمة، حيث تتشابك الرغبات الصغيرة مع الغيرة، والمصالح مع الأقنعة، حتى يصبح الإنسان قادرًا على ارتداء وجهٍ لا يشبه قلبه، والتحدث بلغةٍ لا تشبه نواياه. وأشدّ الخُبث خطرًا ليس ذاك الذي يطعن، بل ذاك الذي يجعلك تبتسم لمن يحمل لك الطعنة، ويقنعك أن اليد التي تربّت على كتفك إنما جاءت لتطمئن عليك.
في الحياة، قد تخدعنا الوجوه، وقد تُربكنا الكلمات، وقد نمنح ثقتنا لمن لم يكن جديرًا بها؛ لكنّ الزمن لا يجامل أحدًا. فكل قناعٍ له لحظة سقوط، وكل يدٍ تخفي حجرًا سيأتي يومٌ تكشف فيه ما كانت تخبّئه، وكل قلبٍ اختار المكر طريقًا سيجد نفسه، عاجلًا أم آجلًا، واقفًا أمام مرآته وحيدًا.
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية للخُبث… حين تتعطّل البوصلة في قلب الإنسان، فيعرف طريق الحق، ثم يختار أن يسلك الطريق الآخر.
ليس الخُبث أن يكرهك أحد، فالكراهية شعورٌ صريح، مهما كان قاسيًا، ولا يحتاج إلى قناع. لكنّ الخُبث هو أن يضع الإنسان يده على كتفك بالودّ، بينما يخبّئ في الأخرى حجرًا ينتظر اللحظة المناسبة ليرميك به. هو أن يبتسم لك وجهٌ يعرف تمامًا أين يوجعك، ثم يختار أن يضغط على الجرح لا ليضمّده، بل ليتأكد أنك ما زلت تتألّم.
في هذا العالم، لا يأتي الأذى دائمًا على هيئة عاصفة. أحيانًا يتسلّل مثل نسمةٍ باردة من نافذةٍ مفتوحة، لا تشعر بها إلا بعدما تجد قلبك يرتجف. هكذا هو الخُبث؛ لا يطرق الأبواب بعنف، بل يدخل من شقوق الثقة، ويتكاثر في المساحات التي تركناها مفتوحةً لمن ظنناهم أهلًا للأمان.
والخبيث ليس بالضرورة ذلك الذي يرفع صوته أو يعلن عداوته. قد يكون أكثر الناس هدوءًا، وأشدهم أناقةً في الكلام، وأقدرهم على ارتداء الفضائل كما تُرتدى الملابس في المناسبات. يعرف متى يتحدث عن الأخلاق، ومتى يستشهد بالحق، ومتى يضع يده على قلبه متظاهرًا بالصدق، بينما قلبه مشغولٌ بحسابٍ آخر لا علاقة له بما يقول.
إنه لا يرى في الآخرين بشرًا لهم مشاعر وكرامة، بل يرى وجوهًا على رقعةٍ واسعة من المصالح. يقترب ممن يحتاج، ويبتعد عمّن انتهت فائدته، ويصنع من العلاقات سلالم يصعد عليها، ثم يتركها خلفه مكسورة الدرجات. وما يؤلمه ليس أن يخسر إنسانًا، بل أن يخسر فرصةً كان يظنها مربحة.
وما بين الذكاء والخُبث هوّةٌ لا يعبرها إلا من فقد البوصلة الداخلية. فالذكاء نورٌ يهدي صاحبه إلى الطريق، أما الخُبث فهو قدرةٌ على معرفة الطريق الصحيح ثم اختيار الطريق الملتوي، لأن الوصول عبره أسرع أو أقل كلفة. الذكي يستطيع أن ينتصر دون أن يهزم أحدًا، أما الخبيث فلا يشعر بانتصاره إلا إذا رأى غيره يتراجع.
لهذا، كثيرًا ما يكون الخُبث ابنًا شرعيًا للنقص. فالإنسان الواثق لا يحتاج إلى تحطيم الآخرين ليشعر بارتفاعه، والقوي لا يختبئ خلف المؤامرات، والناجح لا يخاف من نجاح سواه. أما الذي يعجز عن صناعة قيمته بنفسه، فيبحث عن قيمةٍ مؤقتة في إطفاء نور الآخرين؛ وكأن ظلامه الداخلي لا يحتمل أن يرى شمعةً مضاءةً في يد أحد.
كم من إنسانٍ قضى عمره ينسج حول نفسه شبكةً من الأكاذيب، حتى نسي شكل الحقيقة! وكم من وجهٍ أتقن تمثيل البراءة، حتى صدّق الدور الذي يؤديه! فالخبيث قد ينجح في خداع الناس لبعض الوقت، لكنه نادرًا ما يستطيع خداع الزمن. والزمن، ذلك القاضي الصامت، لا يحتاج إلى شهودٍ كثيرين؛ يكفيه أن يترك الإنسان يمضي قليلًا، حتى تتساقط من حوله الأقنعة واحدةً تلو الأخرى.
لا شيء يفضح الخُبث مثل المواقف. هناك، حيث لا تنفع الكلمات المنمّقة، ولا المجاملات المصطنعة، يظهر معدن الإنسان كما يظهر الذهب في النار. عند الحاجة، تعرف من يمدّ يده، ومن يمدّ عينه ليرى مقدار سقوطك. وعند نجاحك، تعرف من يفرح لك بصدق، ومن يبحث في فرحتك عن ثغرةٍ ينفذ منها إلى قلبها. وعند غيابك، تعرف من يحفظ غيبتك، ومن يجعل منها وليمةً لكلامه.
ومع ذلك، لا ينبغي للإنسان النقي أن يتحول إلى نسخةٍ مشوّهة ممن آذاه. فأسوأ ما قد يفعله الخُبث بنا أن يقنعنا بأن الطيبة ضعف، وأن الصدق غباء، وأن الوفاء خسارة. كلا، ليست المشكلة في نقاء القلب، بل في أن نمنحه لمن لا يعرف معنى النقاء. وليس مطلوبًا منك أن تطفئ نورك لأن بعض العيون اعتادت الظلام.
تعلّم أن تكون طيبًا، لكن لا تكن ساذجًا. سامح، لكن لا تمنح الخائن مفاتيح بيتك مرةً أخرى. كن رحيمًا، لكن ضع للرحمة أبوابًا لا يدخل منها من اعتاد استغلالها. فالحدود ليست قسوة، والابتعاد ليس حقدًا، والصمت أمام الخبث ليس عجزًا؛ أحيانًا يكون أرقى أشكال الانتصار أن ترفض أن تصبح شبيهًا بمن حاول كسرك.
إن بعض الناس يظنون أن الخبث يمنحهم سلطةً على الآخرين، ولا يعلمون أنه في الحقيقة قيدٌ يلتف حول أرواحهم. فالذي اعتاد الكذب يصبح مضطرًا إلى اختراع كذبةٍ جديدة لحماية القديمة، والذي اعتاد الطعن من الخلف يعيش خائفًا من أن يدور الزمن وتصبح الضحية خلفه. أما الصادق، فقد يخسر معركةً هنا أو علاقةً هناك، لكنه يظل قادرًا على النوم بسلام، لأنه لم يبع ضميره في سوق المكاسب الصغيرة.
وفي نهاية المطاف، لا يبقى من الإنسان مقدار ما أسقطه من الآخرين، ولا عدد الذين خدعهم، ولا الأبواب التي دخلها بالمكر. الذي يبقى هو الأثر الذي تركه في القلوب. هناك، في ذاكرة الناس، يسقط كل ادعاء، ولا ينجو إلا الصدق.
فيا من ظننت أن الخُبث ذكاء، تذكّر أن الشيطان نفسه لا يحتاج إلى كثير من القوة ليغوي، لكنه لا يستطيع أن يصنع قلبًا مطمئنًا. ويا من تأذيت من أصحاب الوجوه المتعددة، لا تجعل جراحك تسرق منك أجمل ما فيك. دعهم يأخذون ما شاؤوا من ضجيجهم، واحتفظ أنت بسلامك.
وفي آخر الطريق، حين تهدأ ضوضاء الحكايات، وتسقط الأقنعة التي طالما أرهقت الوجوه، لن يبقى من كل ذلك سوى الحقيقة… والحقيقة لا تجامل أحدًا.
سيكتشف الخبيث، ولو بعد حين، أن كل حجرٍ أخفاه في يده كان يثقّل روحه، وأن كل طعنةٍ دسّها في ظهر أحد كانت تشقّ في داخله جرحًا لا يراه الناس. سيكتشف أن من عاش يراقب سقوط الآخرين، نسي أن ينظر إلى ما كان يسقط من نفسه.
أما أنت، فلا تسمح لخبثهم أن يسرق منك نقاءك. لا تجعل قلبك يتعلّم القسوة لأن أحدهم أساء استخدام طيبتك، ولا تجعل غدرهم يقنعك بأن الوفاء خطأ. كن طيبًا، لكن بوعي؛ كن صادقًا، لكن لا تكن ساذجًا؛ سامح، لكن لا تمنح من كسرك القدرة على كسرك مرتين.
اتركهم للزمن؛ فهو أعدل من أنصاف الحقائق، وأقوى من كل المؤامرات، وأقدر على كشف ما أخفته الوجوه طويلًا. فالأقنعة، مهما أتقنت التمثيل، تتعب، والحقائق، مهما تأخرت، تجد نافذتها إلى الضوء.
وحين تنكشف الحقيقة، لن تحتاج إلى أن تقول: لقد كنت محقًا. سيكفي أن تنظر إلى نفسك في المرآة، وتجد قلبك ما زال أبيض، وضميرك ما زال هادئًا، وروحك لم تتلوث بما حاولوا أن يتركوه فيها.
فليس الانتصار أن تردّ الخبث بخبث، ولا أن تهزم من حاول إسقاطك؛ الانتصار الحقيقي أن يخرجوا من حياتك، دون أن يأخذوا معهم أجمل ما فيك.
وإذا كان للخبث قناع، فللحق وجهٌ لا يحتاج إلى قناع؛ وإذا كان للخبث طريقٌ طويل، فللحقيقة موعدٌ لا يخطئه الزمن.
فابقَ نقيًا… ليس لأن العالم يستحق نقاءك دائمًا، بل لأنك أنت تستحق أن تنجو من كل ما حاول أن يغيّر قلبك.



