سورية لا ينقذها إلا الحياد

 

سورية اليوم أحوج ما تكون إلى سياسة وطنية مستقلة تقوم على الحياد؛

 

حيادٍ خارجي يحمي القرار والسيادة، وحيادٍ داخلي يحمي المجتمع من الانقسام والتطييف والتعصب.

 

فالحياد ليس موقفاً من المحاور الخارجية فحسب، وإنما هو مبدأ وطني شامل:

لا تنحاز الدولة إلى محور إقليمي أو دولي في سياستها الخارجية، ولا تنحاز في الداخل إلى طائفة أو عشيرة أو منطقة أو جماعة على حساب أخرى.

 

فالخروج من أزمات سورية لا يكون باستبدال محور بمحور، ولا بالانتقال من ارتهان إلى ارتهان، وإنما باستعادة القرار الوطني، وبناء علاقات متوازنة مع الجميع، على أساس المصالح السورية أولاً.

والحياد الخارجي لا يعني العزلة، ولا يعني الضعف أو التخلي عن الحقوق والسيادة؛ بل يعني أن تكون سورية صديقة للجميع، وليست تابعة لأحد، وأن ترفض استخدام أراضيها أو قرارها الوطني في صراعات الآخرين.

أما الحياد الداخلي فيعني أن تكون الدولة على مسافة واحدة من جميع مواطنيها، فلا تميّز بينهم على أساس الطائفة أو المذهب أو العشيرة أو المنطقة أو الانتماء السياسي، ولا تسمح بتحويل هذه الانتماءات إلى أدوات للصراع أو الإقصاء.

 

【فإذا كان النظام السابق قد استخدم، بدهاء سياسي أحياناً وبغباء سياسي أحياناً أخرى، الطائفية والمناطقية والعشائرية أدوات لإدارة المجتمع وتفتيته وإثارة المخاوف والانقسامات، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث اليوم هو إعادة إنتاج الأدوات نفسها بأسماء جديدة.】

 

[ومن الأمثلة التي تستحق التوقف عندها قضية الجامع الكبير في حلب؛ فقد عُرف تاريخياً بهذا الاسم، كما ارتبط بمقام النبي زكريا (عليه السلام)، بينما طُرحت في عهد النظام السابق تسمية «الجامع الأموي» كتسمية رسمية من خلال مشروع مرسوم، وفق ما هو متداول. وهنا ينبغي التمييز بين الاسم التاريخي للمعلم والتسمية الرسمية، واحترام تاريخ المدينة وذاكرتها، وإبعاد أسماء المعالم الدينية والتاريخية عن التجاذبات السياسية والطائفية].

 

>__متطلبات الحياد الوطني الشامل.

 

1. حياد سورية عن المحاور

_عدم الانضمام إلى أي محور إقليمي أو دولي.

_إقامة علاقات متوازنة مع جميع الدول على أساس المصالح السورية.

_رفض استخدام الأراضي السورية في صراعات الآخرين.

_حماية استقلال القرار والسيادة الوطنية.

 

2. حياد الدولة تجاه مواطنيها.

 

__مساواة جميع السوريين في الحقوق والواجبات.

__عدم التمييز على أساس الطائفة أو المذهب أو العشيرة أو المنطقة.

__أن تكون مؤسسات الدولة لجميع السوريين دون استثناء.

__اعتماد المواطنة أساساً للعلاقة بين المواطن والدولة.

 

3. تحصين المجتمع من الطائفية والقبلية.

 

__تجريم الخطاب الذي يحرض على الكراهية أو الإقصاء على أساس طائفي أو قبلي.

__منع وصف القوى والأحزاب والمجموعات والأفراد بأوصاف طائفية أو قبلية بقصد التصنيف أو التحريض.

__منع استخدام التسميات الطائفية والقبلية في تسمية المجمعات السكنية والشوارع والأبنية والمرافق العامة.

__رفض إعادة إنتاج الانقسامات تحت أي مسميات جديدة.

 

4. حماية التاريخ والذاكرة الوطنية.

 

__احترام الأسماء التاريخية للمدن والمعالم والمواقع الدينية والتراثية.

__التمييز بين الاسم التاريخي والتسمية الرسمية.

__عدم تحويل أسماء المعالم إلى أدوات للصراع السياسي أو الطائفي.

__إخضاع أي تغيير للتسمية لقواعد قانونية واضحة تحترم تاريخ المكان وذاكرة أهله.

 

5. العدالة الاجتماعية ومواجهة البطالة.

 

 

__إطلاق برامج وطنية حقيقية للتشغيل.

__إعطاء الأولوية للعاطلين عن العمل في مشاريع الدولة وإعادة الإعمار.

__توفير دخل أو إعانة اجتماعية للعاطلين عن العمل وفق إمكانات الدولة وضوابط واضحة.

__حماية المواطن من الفقر واليأس اللذين يشكلان بيئة خصبة للتطرف والانقسام.

 

6. دولة القانون

تطبيق القانون على الجميع دون استثناء.

رفض العقاب الجماعي والعدالة الانتقامية.

 

محاسبة الفرد على فعله، لا الجماعة على فعل فرد منها.

 

حماية حقوق جميع المواطنين وممتلكاتهم دون تمييز.

 

_____إن سورية التي نريدها ليست سورية المحاور، ولا سورية الطوائف والعشائر والمناطق، بل سورية الدولة والمواطنة والقانون.

فالحياد الذي تحتاجه سورية واحد:

【حياد في الخارج عن المحاور، وحياد في الداخل عن الاصطفافات؛】

 

دولة لا تكون طرفاً في صراع الآخرين، ولا تكون طرفاً ضد أي من مواطنيها.

 

__إنقاذ سورية يبدأ عندما يصبح القرار السوري سورياً، وعندما تتساوى الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين، وعندما يكون ولاء الدولة لمصالح شعبها ووطنها، لا لأي محور أو جماعة.

 

المواطنة فوق الطائفة، والقانون فوق الجماعة، والدولة فوق كل الاصطفافات.

فلا يمكن بناء وطن قوي بأدوات التفتيت نفسها التي أضعفت الوطن.

 

الوطن الأقوى هو الوطن الذي تتساوى فيه الحقوق والواجبات بين جميع أبنائه.

 

سعيد فارس السعيد

كاتب وباحث استراتيجي مستقل

«صوت من أجل شرق يولد من تحت الرماد، لا من تحت الركام.»

شارك