المصراعان: كيف قلبَ اليمنُ حصارَ النفطِ على أصحابِه؟

 

 

من أرادَ أن يخنقَ نفطَ إيرانَ بمصراعٍ واحد، وجدَ نفسَه محاصَراً بمصراعين ، والحصارُ حين يرتدُّ، يرتدُّ على من رسمَه.

 

#المقدمة

أرادت واشنطنُ أن تخنقَ اقتصادَ إيرانَ عبرَ هرمز، فإذا بها اليومَ أمامَ مصراعين لا مصراعٍ واحد: هرمزُ بيدِ طهران، وبابُ المندبِ بيدِ حليفِها في صنعاء. سيطرَ الحوثيون على المخا وجزيرةِ ميون وكاملِ الساحلِ الأحمرِ اليمني، فباتوا في موقعٍ آمرٍ على أحدِ أهمِّ ممرّاتِ الطاقةِ في العالم، وتجاوزَ النفطُ 100 دولار. هذه ليست معركةَ ميناء؛ إنها انقلابٌ في معادلةِ الحصار.

 

#أولاً: منطقُ المصراعين

من يُمسكُ مصراعاً يملكُ ورقةً؛ ومن يُمسكُ مصراعين يملكُ يدَ العالمِ على حنجرتِه. فبين هرمزَ وبابِ المندبِ يمرُّ جزءٌ حاسمٌ من طاقةِ الكوكبِ وتجارةِ السويس. والذكاءُ الاستراتيجيُّ هنا أنّ المحورَ قلبَ سلاحَ الخصم: أميركا التي شنّت حربَ ناقلاتٍ لخنقِ نفطِ إيران، صارت هي المخنوقةَ بنفطِ العالم. ومع أنّ الإغلاقَ الدائمَ المحكمَ للمصراعين أصعبُ ممّا يُقال، يبقى التهديدُ الموثوقُ بالإغلاقِ في اللحظةِ القاتلة سلاحاً قد يفوقُ الإغلاقَ الفعليَّ نفسَه؛ إذ يُبقي الخصمَ والأسواقَ تحت سيفِ الاحتمال.

 

#ثانياً: اليمنُ مهلكةُ السعودية

هنا الفصلُ الأمرُّ لأصحابِ المشروع. دفعَ النظامُ السعوديُّ ما يقاربُ تريليونَ دولارٍ ثمناً لـ«تغييرِ الشرقِ الأوسط» وشراءِ مظلّةِ حمايةٍ أميركية، فإذا بالوعدِ يسقطُ عند أوّلِ امتحان. باحثُ معهدِ دراساتِ الأمنِ القوميِّ الإسرائيليِّ نفسُه يعترف: دولُ الخليجِ في وضعٍ لم تُردْه، مع تهديدِ ممرَّي تصديرِها معاً في آن. وأُغلقَ خطُّ الأنابيبِ السعوديُّ شرق-غرب — البديلُ عن هرمز — بعد استهدافِه. وحذّرَ مقاتلٌ يمنيٌّ ابنَ سلمانَ صراحةً: لن تعبرَ سفينةٌ سعوديةٌ بابَ المندبِ حتى يُرفَعَ الحصارُ عن اليمن. وحين ذهبَ قائدُ القيادةِ المركزيةِ الأميركيةِ إلى ابنِ سلمان، كان السؤالُ الجارح: بعدَ كلِّ ما دُفِعَ لترامب، ماذا كان الجواب؟ لا شيء. سقطَ المشروعُ، وسقطَ معه الوهمُ الأكبر: أنّ الأمنَ يُشترى بالمال. من راهنَ على حمايةٍ مستأجَرةٍ اكتشفَ أنّ الحاميَ يعجزُ عن حمايةِ نفسِه في مصراعين.

 

#ثالثاً: الانسحابُ التكتيكيُّ اليوم — اعترافٌ صغيرٌ بليغ

وفي لبنان، وبعدَ استعراضِ التفجيرِ بألفِ طنٍّ ومئةٍ فوقَ نفقٍ فارغ، انسحبَ العدوُّ تكتيكياً من محيطِ علي الطاهر. والصورةُ الأبلغُ من كلِّ بيان: تركَ آليةَ روبوتٍ عالقةً عجزَ عن سحبِها، فأغارَ عليها لِيُدمّرَها بنفسِه. جيشٌ «منتصرٌ» لا يقدرُ أن يسحبَ روبوتَه من تلّةٍ «سيطرَ عليها»! الانسحابُ التكتيكيُّ ليس كرمَ منتصرٍ ولا هديّة؛ إنه إقرارٌ بأنّ الإمساكَ الدائمَ متعذّر، وأنّ «الحزامَ» يُرسَمُ بالنارِ ويُمحى بالاستنزاف.

 

#رابعاً: هل ينصاعُ نتنياهو للانسحابِ الحتمي؟

الضغطُ البنيويُّ يدفعُ نحو الانسحاب: مصراعان يخنقان الطاقة، ونفطٌ عند 100، وانتخاباتٌ أميركيةٌ يريدُ ترامبُ فيها خفضَ الأسعار، وحليفٌ خليجيٌّ مكشوف. لكنّ حافزَ نتنياهو الشخصيَّ معاكس: الغريقُ كلّما اشتدّ الخناقُ ازدادت حاجتُه إلى حربٍ كبرى تُنجيه، ولذلك يُلوّحُ بالمشاركةِ في «تحريرِ باب المندب» — أي التصعيدَ لا الرحيل. فالخلاصةُ الصادقة: لن ينصاعَ طوعاً، لكنّ الانسحابَ يُفرَضُ عليه بنيوياً — إمّا عبرَ ضغطٍ أميركيٍّ يقدّمُ الأسواقَ والانتخاباتِ على بقائِه، وإمّا عبرَ هزيمتِه في الصندوق. والخطرُ في الأثناء أن يهربَ إلى الأمامِ بحربٍ يُغرقُ بها المنطقةَ لينجوَ من رمادِه.

 

#الخاتمة:

لأهلِنا وبيئةِ المقاومة: الميزانُ يميلُ، والزمنُ يعملُ. مصراعان بيدِ المحور، ونفطٌ يخنقُ الخصمَ، وحليفٌ خليجيٌّ سقطَ وعدُ حاميه، وعدوٌّ ينسحبُ تكتيكياً عاجزاً عن سحبِ روبوتِه. هذه ليست لحظةَ هلعٍ بل لحظةَ صبرٍ واثق.

وتوصيتي خمسُ كلمات: لا تُنقِذوا الغريقَ بالتصعيد. امتصّوا الاستفزازَ واحرموه «حربَ الوجود» التي يشتهيها؛ وادفعوا الدولةَ درعاً إلى الجنوب؛ واحفظوا ورقةَ الردعِ لساعتِها لا لساعتِه؛ وحصّنوا الوحدةَ خندقاً أخيراً؛ ودعوا المصراعين وساعتَي الانتخاباتِ الأميركيةِ والإسرائيليةِ تُتمّان ما بدأه الصمود. من قلبَ حصارَ النفطِ على أصحابِه بالمصراعين، ومن أفشلَ حسمَ تلّةٍ في خمسةِ أشهر، لا ينتظرُ النصرَ من معركةٍ واحدة، بل يصنعُه بالنَّفَسِ الأطول. الصبرُ سلاحُنا، والوحدةُ درعُنا، والزمنُ حليفُنا.

 

قولوا يا رب.

 

د. وسيم جابر

 

شارك