إرادة الشعوب وسُنّة التغيير.

 

بقلم: سعيد فارس السعيد:

 

قال الله تعالى:

 

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾.

 

هذه الآية الكريمة ليست مجرد توجيه إيماني، بل هي إعلان عن سُنّة من سنن الله في التاريخ والمجتمع؛ فالتغيير الحقيقي لا يبدأ من الخارج، ولا تصنعه المصادفات، وإنما ينطلق من الإنسان: من فكره، ووعيه، وأخلاقه، وإرادته، واستعداده لتحمل المسؤولية.

 

ولعل هذا المعنى هو ما عبّر عنه الشاعر أبو القاسم الشابي بقوله:

 

إذا الشعبُ يومًا أراد الحياة

فلا بدَّ أن يستجيبَ القدرُ.

 

فالقدر هنا لا يُفهم بوصفه قوةً عمياء، وإنما هو تعبير أدبي عن سنن الله في الكون، التي جعلت الإرادة الصادقة، والعمل الجاد، والأخذ بالأسباب طريقًا إلى التغيير. فما من أمة نهضت إلا لأنها آمنت بنفسها، ووحدت صفوفها، وأحسنت استثمار طاقاتها، وأخذت بأسباب العلم والعمل والعدل.

 

إن الأمم لا تُهزم بسبب قلة الإمكانات وحدها، وإنما تُهزم عندما تفقد الثقة بذاتها، ويستبد بها اليأس، وتستسلم للفرقة والانقسام. أما حين يتحول الوعي إلى مشروع، والإرادة إلى عمل، والعمل إلى ثقافة عامة، فإن أبواب النهضة تبدأ بالانفتاح مهما كانت العقبات.

 

لقد علّمنا القرآن أن الإنسان مسؤول عن صناعة مستقبله، وأن الله سبحانه وتعالى لا يحابي أمة على أخرى، وإنما يجري عدله وفق سننه الثابتة؛ فمن أخذ بأسباب التقدم نال ثماره، ومن أهملها دفع ثمن تقصيره.

 

ولهذا فإن إصلاح الأوطان يبدأ بإصلاح الإنسان، وإحياء الضمير، ونشر العلم، وترسيخ قيم الحرية والعدالة والمسؤولية، وبناء مؤسسات تحترم القانون وتصون كرامة المواطن. فنهضة الشعوب ليست حدثًا عابرًا، بل ثمرة جهد طويل وإرادة لا تلين.

 

واجباتنا ومسؤولياتنا

 

وانطلاقًا من هذه المبادئ، فإن علينا جميعًا واجبات ومسؤوليات لا يجوز التهاون بها، لأن بناء الأوطان لا يتحقق بالشعارات، بل بالعمل المشترك والالتزام بالقيم الدينية والإنسانية والوطنية.

 

أولًا: يقول الله تعالى:

 

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.

 

إن التنوع بين البشر هو مصدر غنى وتكامل، وليس سببًا للتنازع والخصومة. وقد جعل الله معيار التفاضل التقوى والعمل الصالح، لا العرق ولا القبيلة ولا المذهب ولا الانتماء السياسي.

 

ثانيًا: يقول تعالى:

 

﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾.

 

فلا نهضة لوطن من دون تعاون أبنائه على الخير والعدل والإصلاح، ولا مستقبل لمجتمع تسوده الكراهية والتحريض والعدوان.

 

ثالثًا: تتحمل المنابر الدينية والثقافية والإعلامية مسؤولية تاريخية في بناء الوعي الوطني، وترسيخ ثقافة الحوار، واحترام التنوع، ونبذ التفرقة والإقصاء وخطابات الكراهية والتكفير، لأن الكلمة قد تكون أساسًا لبناء الأوطان، وقد تكون سببًا في هدمها.

 

رابعًا: إن الدول التي تخرج من الحروب والنزاعات تكون أولى أولوياتها ترسيخ الأمن الاجتماعي، وذلك من خلال تطبيق سيادة القانون على الجميع دون تمييز، وتحقيق العدالة، وصون الحقوق والحريات، واللجوء إلى مختلف أشكال المصالحات الوطنية والمجتمعية التي تطوي صفحات الماضي وتفتح أبواب المستقبل.

 

إن العدالة ليست انتقامًا، بل هي أساس الاستقرار. والمصالحة ليست ضعفًا، بل هي قوة أخلاقية وسياسية تحفظ وحدة المجتمع وتمنع تجدد الصراعات.

 

فلا تُبنى الأوطان بالثأر والانتقام، ولا بالإقصاء أو التخوين أو التكفير، وإنما تُبنى بالعدالة، والرحمة، وسيادة القانون، واحترام الإنسان، وإشراك جميع المواطنين في صناعة مستقبلهم.

 

خاتمة القول :

 

إن الوطن ليس ملكًا لفئة دون أخرى، ولا لطائفة دون غيرها، بل هو البيت الجامع لجميع أبنائه، على اختلاف انتماءاتهم وثقافاتهم. والوطن القوي هو الذي يشعر فيه كل مواطن بأنه شريك في الحقوق والواجبات، وأن كرامته مصانة، وصوته مسموع، ومستقبله مرتبط بمستقبل وطنه.

 

إن الوطن للجميع، والدفاع عنه مسؤولية الجميع، والنهوض به واجب الجميع.

 

فإذا أردنا أن يغيّر الله حال أوطاننا إلى الأفضل، فلنبدأ بتغيير ما في أنفسنا من تعصب وكراهية وأنانية، ولنزرع مكانها قيم المحبة والعدل والتسامح والعمل المشترك. عندها فقط تتحقق سُنّة الله في التغيير، وتنهض الأوطان بإرادة أبنائها، ووحدتهم، وإخلاصهم، وإيمانهم بأن مستقبلهم يصنعونه بأيديهم، في ظل قيم الحق والعدل والخير.

 

والتغيير الحقيقي يبدأ من الإنسان، ويترسخ بالمجتمع، ويثمر في الوطن.

 

فإذا صلحت النفوس، واستقامت القيم، وسادت العدالة، واجتمع الناس على كلمة سواء، أصبح المستقبل أكثر أمنًا وازدهارًا، وتجسدت رسالة الوطن بوصفه بيتًا يتسع للجميع، لا يُقصى فيه أحد، ولا يُظلم فيه أحد، بل يتساوى الجميع في الحقوق والواجبات، ويشتركون جميعًا في بناء حاضرهم وصناعة مستقبل أجيالهم.

شارك