باب المندب … من يملكه يملك مقاليد القوة السعودية و الامارات الى اين في اليمن

 

#عدنان_الروسان

 

اليمن ليس ساحة لحرب واحدة كما يُروَّج في الإعلام؛ بل هو جحيمٌ مصغر تتصارع فيه ستة مشاريع إقليمية ودولية في وقت واحد!

 

بين عقيدة طهران، وحسابات الرياض، وطموح أبوظبي المائي، أصبحت الخارطة اليمنية لغزاً يعجز أعتى المحللين عن تفكيكه. أهلاً بكم في قراءة المسرح الذي تحولت فيه التحالفات إلى مواجهات، والصدمة أن ما خفي في كواليس الجنوب والساحل.. كان أعظم وأخطر مما جرى على الجبهات!

 

طلب مني عشرات القراء وبإلحاح الحديث عن الموضوع اليمني، والحقيقة أن قراءة الإشكال اليمني شديدة التعقيد؛ فمسرح العمليات ومناطق النفوذ متناثرة ومتداخلة.وإذا أردنا أن نتوخى الحذر ونبتعد عن كل الروايات المطروحة، سواء الرواية السعودية أو الإماراتية أو الحوثية أو الإيرانية، فسيكون لزاماً علينا حينئذٍ أن نقول إن ما يجري في اليمن ليس حرباً واحدة، بل عدة حروب متداخلة تقف وراءها قوى متضادة ومختلفة أيضاً؛

 

فهناك حرب داخلية على السلطة، وصراع بين الشمال والجنوب، وصراع إقليمي سعودي–إيراني، ومنافسة سعودية–إماراتية داخل المعسكر المناهض للحوثيين، والذي تغير في الفترة الأخيرة مما دفع الإمارات إلى مغادرة المسرح ولو جزئياً وبصورة مؤقتة ربما تحت ضغط سعودي، إضافة إلى كل ذلك هناك البعد الدولي المرتبط بباب المندب والبحر الأحمر.

 

وليس من الحكمة اختزال المشهد كله بالقول إن إيران خلقت الحوثيين وهم ذراعها في اليمن، كما لا يمكن القول إن السعودية هي التي بدأت الحرب وحرضت عليها.

 

لمن يريد أن يقرأ بموضوعية وليس بالتسحيج لطرف دون آخر، لا بد من قراءة المسرح اليمني على الأقل في التاريخ القريب وكيف تطور الأمر ووصل إلى ما صار إليه.وللمرور سريعاً على مراحل تطور المواقف والصراعات في اليمن يمكن أن نجملها على النحو التالي:

 

الوحدة اليمنية عام 1990: لم تحل التناقضات بين الشمال والجنوب، بل حولتها إلى موقف في حالة بيات شتوي طويل.حرب 1994: عمّقت شعور قطاعات جنوبية بأن الوحدة تحولت إلى هيمنة شمالية.

 

الحركة الحوثية: في الشمال، نشأت حركة الحوثيين من بيئة سياسية–دينية زيدية معارضة لنظام علي عبد الله صالح وللتدخل السعودي، وخاضت ست حروب مع الحكومة بين 2004 و2010 تقريباً.

 

ثورة 2011: أضعفت نظام صالح وأدخلت اليمن في مرحلة انتقالية هشة.

 

(2014): تمكن الحوثيون، مستفيدين من تحالف تكتيكي مع علي عبد الله صالح وأجزاءٍ من الجيش، من السيطرة على صنعاء ثم مناطق واسعة.

 

(مارس 2015): تدخل التحالف بقيادة السعودية عسكرياً لإسقاط الحوثيين وإعادة الحكومة المعترف بها دولياً.

 

من هنا تحولت الأزمة الداخلية إلى حرب إقليمية مفتوحة وإلى سلسلة متقطعة من الحروب والهدن.اليوم يسيطر الحوثيون في اليمن على صنعاء ومعظم الشمال والمناطق الأكثر كثافة سكانية، ومن التبسيط اعتبار الحوثيين وكأنهم مجرد دمية إيرانية؛ فالحوثيون لديهم جذور يمنية تاريخية ومصالح يمنية خاصة بهم، ولديهم مشروع سياسي وعسكري مستقل،

 

لكن في الوقت نفسه أصبحت علاقتهم بإيران عميقة جداً عسكرياً وتقنياً وسياسياً بسبب تقاطع المصالح بين الطرفين. والتطورات الحالية تشير إلى أن الدعم الإيراني للحوثيين أصبح عاملاً عسكرياً مهماً، خصوصاً في الصواريخ والطائرات المسيرة والخبرة العملياتية.وليس دقيقاً القول إن الحوثيين ذراع إيراني يأتمر بأمر إيران، ولكن يمكن القول إنهم حلفاء مهمون ويتلقون دعماً لوجستياً ومالياً من إيران ويجدون في هذه العلاقة فائدة كبيرة لهم، وهم يشكلون اليوم جزءاً مهماً في الاستراتيجية الإيرانية.

 

أما في الجهة المقابلة فهناك الحكومة الشرعية اليمنية المدعومة بقوة من السعودية، ومشكلة هذه الحكومة أنها تتشكل من أطياف مختلفة من اليمنيين والتيارات السياسية؛

فهناك قوات طارق صالح، وقوى جنوبية، وقوى قبلية، وقوى إسلامية مثل الإصلاح، وتشكيلات عسكرية مختلفة. وهذه إحدى أكبر مشكلات الحرب التي تقوض مساعي التحالف المناهض للحوثيين، وهي أن المعسكر المناهض للحوثيين لم يكن يوماً مشروعاً سياسياً واحداً.

 

حينما دخلت السعودية الحرب ضد الحوثيين كانت مضطرة من وجهة نظرها لأسباب تتعلق بالأمن القومي للدولة؛ فهي لا تريد قيام سلطة أو دولة حوثية متجذرة في اليمن ومؤتمرةً بأمر إيران مما يشكل تهديداً استراتيجياً للسعودية، ولذلك فهي كانت تقوم بما يشعرها بأن حدودها غير مهددة بالصواريخ والمسيرات، كما كانت تسعى إلى أن تكون في اليمن حكومة صديقة للسعودية لا تهدد طرق الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب،

 

لكن السعودية اكتشفت مع الوقت أن الحسم العسكري مكلف جداً وصعب.ولهذا اتجهت خلال السنوات الماضية نحو التفاوض مع الحوثيين، وأصبحت الأولوية السعودية هي الخروج من الحرب أو تجميدها بشروط مقبولة، وليس بالضرورة تحقيق “نصر عسكري كامل”. غير أن التصعيد الحالي أعاد السعودية إلى موقف أكثر صعوبة؛ فالقيادة السعودية طلبت دعماً أمريكياً ضد الحوثيين -بحسب وكالة أنباء رويترز- بينما لم توافق واشنطن حتى الآن على فتح جبهة أمريكية مباشرة جديدة ضدهم.

 

لقد حاورت واستمعت لأكثر من جنرال عسكري عربي وسياسيين كثر في الاسابيع الاخيرة لمعرفة أسباب وتفاصيل النقطة الأهم والتي ظهرت مؤخراً بين السعودية والإمارات في الموضوع اليمني، ووجدت أن الغالبية يجمعون على أن الإمارات ربما كان لها أجندة خاصة بها، غير أنها دخلت في البداية ضمن التحالف السعودي عام 2015، وكان لديها بالفعل مصلحة في مواجهة الحوثيين وتنظيم القاعدة وحماية خطوط الملاحة.لكن مع مرور الوقت اكتشفت السعودية أنه قد أصبح للإمارات مشروع مختلف جزئياً عن المشروع السعودي،

 

ومن أبرز ما أزعج السعوديين أنهم لاحظوا أن الإمارات كانت تسعى للسيطرة على الموانئ والممرات البحرية تحديداً، كما أنه كان بين أهدافها محاربة الإسلام السياسي المتمثل بحزب الإصلاح وبناء قوة يمنية محلية موالية للإمارات حتى في ظل حكومة يمنية مركزية فيما لو تحقق ذلك، وكانت تسعى للاستثمار في القوى الجنوبية وتجنيدهم معها بعيداً عن أهداف المشروع السياسي المتفق عليه مع السعودية. ولم تكن السعودية مرتاحة لما تقوم به الإمارات ولا لمشروعها في السيطرة على السواحل الجنوبية والغربية وباب المندب،

 

ولكنها أبقت الأمر ضمن نطاق الدبلوماسية السرية وأبدت اعتراضها على سياسات الإمارات، إلا أنه في النهاية وبعد تأكد السعودية أن الإمارات جادة تماماً في مشروعها وأنها قد تكون أخذت موافقات قوى خارجية عليه، خرج الخلاف السعودي الإماراتي للعلن. وكان مما أزعج السعودية بصورة واضحة أنه بينما كانت السعودية تريد، بصورة عامة، يمناً موحداً ومستقراً يمكن التعامل معه كدولة واحدة، كانت الإمارات تبني علاقات قوية مع المجلس الانتقالي الجنوبي، وهو مشروع سياسي يدفع باتجاه استقلال جنوب اليمن أو إعادة دولة الجنوب السابقة، كما دعمت الإمارات تشكيلات عسكرية جنوبية ومحلية مختلفة،

 

وبالتالي أصبح الوضع بالنسبة للسعودية غير قابل للإصلاح ووصل الأمر إلى صدام مباشر بين القوات المدعومة من الطرفين في الجنوب، وتم تلافي التصعيد بعد أن كاد أن ينفلت الأمر من عقاله.

 

وفي الفترة الأخيرة حدث تطور آخر بالغ الأهمية؛ حيث حاول المجلس الانتقالي المدعوم إماراتياً توسيع سيطرته في حضرموت والمهرة، فاعتبرت السعودية ذلك تهديداً مباشراً لمصالحها وأمن حدودها، وردت السعودية عسكرياً، وانتهى الأمر بتراجع كبير للمجلس الانتقالي وانسحاب القوات الإماراتية.

 

الخلاف السعودي–الإماراتي في اليمن لم يعد مجرد تحليل صحفي، بل أصبح صراع مصالح حقيقياً داخل المعسكر نفسه.وهنا، كعادتنا في التحليل السياسي والحوار، نطرح فكرة التأكيد على الثوابت وعدم خلطها بالتحليل حتى نتمكن من فهم عقد الخلاف التي حصلت بين الطرفين:

 

الثابت الأول: أن الإمارات دعمت بقوة المجلس الانتقالي الجنوبي، وأن المجلس الانتقالي يتبنى مشروعاً انفصالياً.

 

الثابت الثاني: أن الإمارات دعمت قوات جنوبية ومحلية خارج السيطرة المباشرة للحكومة المركزية.لذلك من المنطقي القول إن السياسة الإماراتية ساعدت على تقوية المشروع الجنوبي الانفصالي، لكن الإمارات لم تكن هي من خلق فكرة الانفصال، بل استثمرتها واستخدمتها لمصالحها التي تسعى لتحقيقها في اليمن ومناطق أخرى على الشاطئ الآخر للبحر الأحمر. وبالتالي فالإمارات استثمرت في قضية جنوبية موجودة أصلاً، وقوّت أحد أطرافها، واستخدمته كأداة نفوذ.وهكذا تشكل المشهد على النحو التالي:

 

إيران: تدعم الحوثيين وتستفيد من قدرتهم على تهديد السعودية وإسرائيل والملاحة الدولية بما يخدم مصالحها في الإقليم.

السعودية: تدعم الحكومة والقوى المناهضة للحوثيين وتريد يمناً لا يشكل تهديداً لحدودها.

الإمارات: دعمت المواجهة ضد الحوثيين عبر قوى محلية، لكنها في الوقت نفسه بنت نفوذاً مستقلاً في الجنوب والساحل.

الولايات المتحدة: تهتم خصوصاً بأمن الملاحة وبمواجهة إيران والحوثيين وحماية إسرائيل والمصالح البحرية.والنتيجة أن اليمن أصبح ساحة تتقاطع فيها مصالح ستة أو سبعة أطراف، وليس مجرد حرب بين طرفين يمنيين.في الحلقة القادمة سنتحدث عن مآلات التصعيد الجديد والسيناريوهات المتوقعة بين السعودية والإمارات وبين السعودية و الحوثيين

 

شارك