
من يقصف من؟ اليمن والعراق والسعودية… وحرب الممرات التي تقترب من الاقتصاد العالمي
بقلم: أمين السكافي
لم تعد الحرب في المنطقة تُقاس بعدد الصواريخ التي تسقط على المدن، ولا بعدد الطائرات التي تحلق في السماء فقط. ثمة حرب أخرى تجري تحت عنوان أكثر هدوءاً وأشد خطورة: حرب الممرات.
أنبوب نفط، ميناء، مضيق، جزيرة، سفينة تجارية أو طريق بري قد يصبح اليوم أهم من موقع عسكري كامل، لأن من يملك القدرة على تعطيل الطريق لا يحتاج بالضرورة إلى احتلال الأرض. يكفي أن يجعل عبورها مكلفاً أو خطراً.
وفي قلب هذه المعادلة الجديدة يقف مثلث شديد الحساسية: اليمن، العراق، والسعودية. وبين أضلاعه تدخل إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، فيما يمتد أثر المواجهة إلى مضيق هرمز وباب المندب والبحر الأحمر وأسواق النفط العالمية.
أولاً: ماذا حدث للأنبوب السعودي؟
المعلومة الأكثر ثبوتاً حتى الآن أن طائرات مسيّرة هاجمت في أيلول/سبتمبر خط الأنابيب السعودي المعروف باسم East-West Pipeline، وهو خط يمتد نحو 1200 كيلومتر عبر المملكة، ويمنح السعودية قدرة على نقل النفط من المنطقة الشرقية إلى موانئ البحر الأحمر، وبالتالي تقليل الاعتماد على المرور عبر مضيق هرمز.
لكن التطور الأخطر ليس إصابة الأنبوب بحد ذاتها، وإنما مكان إطلاق المسيّرات.
السعودية أعلنت أن الهجوم انطلق من الأراضي العراقية، ثم أكدت الحكومة العراقية أن الهجوم خرج من أراضيها، وأقالت قائد العمليات في محافظة ميسان بعد التحقيقات الأولية. كما اتخذت بغداد إجراءات أمنية وأغلقت معابر حدودية مع إيران بصورة مؤقتة في سياق التحقيق.
وهنا يجب أن نكون دقيقين جداً:
المؤكد هو أن الهجوم انطلق من الأراضي العراقية. أما الجهة التي نفذته فعلياً فلم تعلن بغداد ولا الرياض، حتى الآن، اسماً نهائياً مثبتاً بصورة علنية.
وهذا فرق جوهري.
فالعراق ليس هو من قرر مهاجمة السعودية، كما أن القول إن إيران أمرت بالهجوم يحتاج إلى دليل مستقل، وليس مجرد وجود فصائل عراقية مرتبطة بطهران.
لكن المؤكد سياسياً أن الحادث وضع بغداد أمام مشكلة شديدة التعقيد: سيادة الدولة العراقية أصبحت مرتبطة بقدرتها على منع أراضيها من أن تتحول إلى منصة لضرب دولة مجاورة.
ثانياً: هل اليمن هو الذي يقصف السعودية؟
هنا تبدأ العقدة.
الحوثيون في اليمن أعلنوا خلال الأشهر الماضية استهداف منشآت نفطية ومسارات نقل الطاقة السعودية، وقد أعلنوا في تموز/يوليو أنهم استهدفوا مواقع مرتبطة بنقل النفط من شرق المملكة باتجاه ينبع.
وهذا يجعل الربط بين حرب اليمن والطاقة السعودية منطقياً من الناحية الاستراتيجية.
لكن هجوم أيلول على خط الأنابيب لا يمكن نسبته تلقائياً إلى الحوثيين، لأن نقطة إطلاقه كانت في العراق، وليس اليمن، ولم تعلن جهة عراقية أو سعودية حتى الآن دليلاً علنياً حاسماً يثبت أن الحوثيين هم من نفذوا العملية.
وهنا تظهر للمرة الأولى عبارة «من يقصف من؟».
هل نحن أمام حرب يمنية ـ سعودية مباشرة؟
أم حرب إيرانية ـ سعودية تتوزع جغرافيتها بين اليمن والعراق؟
أم أن هناك فصائل مسلحة تتحرك وفق أجنداتها الخاصة ضمن شبكة إقليمية أوسع؟
الجواب النهائي لم تثبته الأدلة المنشورة حتى الآن.
ثالثاً: وماذا عن مكة؟
هذه هي النقطة الأكثر حساسية، لأنها تنقل الصراع من النفط والموانئ إلى المقدسات.
في 15 و16 أيلول أعلنت السعودية أن دفاعاتها الجوية اعترضت طائرة مسيّرة قالت إنها أُطلقت من اليمن باتجاه منطقة مكة، قبل دخولها المجال الجوي المحظور حول المدينة. وأعلنت الرياض أن أمن الحرمين «خط أحمر».
لكن الحوثيين نفوا بصورة صريحة أن تكون لديهم عملية تستهدف مكة أو أي موقع مقدس، وقالوا إن عملياتهم تستهدف منشآت نفطية وقواعد عسكرية، وليس الأماكن المقدسة.
إذن، هل «تجرأ اليمن على قصف مكة»؟
بحسب الأدلة المتاحة حتى الآن، لا يمكن كتابة هذه العبارة كحقيقة مثبتة.
المثبت هو أن السعودية قالت إن مسيّرة حوثية كانت متجهة نحو مكة وتم اعتراضها قبل دخول المجال المحظور.
أما أن تكون النية الفعلية هي استهداف الكعبة أو الحرم المكي، فهذا استنتاج يتطلب إثباتاً لا توفره المعلومات المنشورة حتى الآن.
وهذا التمييز ليس تفصيلاً لغوياً. فاتهام جهة باستهداف أقدس موقع إسلامي يمكن أن يغير طبيعة الحرب سياسياً وشعبياً ودينياً، ولذلك ينبغي ألا يتحول الاتهام إلى حقيقة قبل اكتمال الأدلة.
رابعاً: لماذا العراق أخطر من أن يبدو؟
لأن العراق يقع في منتصف الخريطة.
اليمن يطل على البحر الأحمر وباب المندب.
السعودية تمتلك الجزء الأكبر من الطاقة الخليجية وقدرة تصدير عبر البحر الأحمر.
أما العراق، فيجلس بين إيران والخليج والشام، ويضم شبكة واسعة من الفصائل المسلحة التي تمتلك قدرات صاروخية ومسيّرات.
ولهذا فإن تحول الأراضي العراقية إلى منصة لضرب السعودية يعني أن الحرب لم تعد محصورة في حدودها الجغرافية التقليدية.
وهذا ما يفسر الإجراءات العراقية السريعة، من التحقيق إلى إقالة المسؤول العسكري وإغلاق المعابر. فبغداد تعرف أن استمرار العمليات من أراضيها يمكن أن يضعها في مواجهة مباشرة مع الرياض، وربما مع واشنطن أيضاً.
خامساً: لماذا أصبح النفط جزءاً من المعركة؟
لأن السعودية بنت خط الشرق ـ الغرب تحديداً كي تمتلك طريقاً بديلاً عن هرمز.
وعندما يتعرض هذا الطريق نفسه للهجوم، تصبح المعادلة مختلفة.
فإذا كان هرمز مهدداً من جهة، والبحر الأحمر وباب المندب مهددين من جهة أخرى، ثم تعرض خط الأنابيب الذي يفترض أن يتجاوز هرمز للهجوم، فإن البدائل نفسها تبدأ بالتقلص.
وهذا ما انعكس على الأسواق. فقد أبلغت مصادر تجارية رويترز أن السعودية خفضت بعض شحنات النفط المتجهة إلى أوروبا بعد أضرار أصابت خط الأنابيب، بينما ارتفعت المخاوف من اضطراب الإمدادات.
وفي 17 أيلول أظهرت بيانات تتبع السفن انخفاضاً حاداً في حركة العبور عبر مضيق هرمز، بالتزامن مع تراجع أيضاً في حركة السفن عبر باب المندب.
وهنا تتحول المسألة من حرب إقليمية إلى مشكلة اقتصادية عالمية.
سادساً: اليمن لا يحتاج إلى احتلال باب المندب كي يؤثر فيه
القوة البحرية لا تعني بالضرورة امتلاك كل مياه المضيق.
يكفي أن تصبح السفن غير واثقة من أمن الطريق.
وهذا ما يجعل باب المندب بالغ الحساسية. فالمضيق يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ومنه تمر التجارة المتجهة إلى قناة السويس وأوروبا.
والتطور العسكري الأخير في الساحل الغربي اليمني جعل المخاوف أكبر، إذ تحدثت تقارير عن تقدم الحوثيين وسيطرتهم على مواقع استراتيجية على ساحل البحر الأحمر واقترابهم من منطقة باب المندب.
وهنا تظهر المعادلة الأخطر:
هرمز من الشرق، باب المندب من الجنوب، والأنبوب السعودي بينهما.
إذا تعطّل أحدها، توجد بدائل.
أما إذا تعرضت البدائل كلها للضغط في الوقت نفسه، فإن تكلفة الطاقة والنقل والتأمين والشحن تبدأ بالارتفاع على مستوى العالم.
سابعاً: ومن يقف في الخلفية؟
هنا تدخل إيران.
إيران لا تحتاج بالضرورة إلى أن تطلق كل صاروخ بيدها. فوجود حلفاء وشبكات مسلحة في العراق واليمن يمنحها عمقاً استراتيجياً، لكن القول إن كل عملية ينفذها هؤلاء تأتي بأمر إيراني مباشر يحتاج في كل حالة إلى دليل.
وفي المقابل، فإن صعود مجتبى خامنئي إلى موقع المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية في آذار/مارس 2026، بعد إغتيال المرشد السابق علي خامنئي، أضاف طبقة جديدة إلى الحسابات الإقليمية. وقد ذكرت رويترز أن مجتبى يتمتع بعلاقات وثيقة مع الحرس الثوري ومؤسسات أمنية قوية داخل النظام .
لكن لا يجوز تحويل هذه الحقيقة إلى دليل تلقائي على مسؤولية طهران عن كل ضربة في العراق أو اليمن.
السياسة الإقليمية أكثر تعقيداً من ذلك.
الخلاصة: الحرب الحقيقية هي على الطريق
إذا نظرنا إلى الأحداث منفردة سنرى مسيّرة هنا، وصاروخاً هناك، واشتباكاً في اليمن، وضربة على أنبوب نفط في السعودية.
أما إذا وضعناها على الخريطة، فسوف تظهر صورة مختلفة:
اليمن عند باب المندب.
السعودية في قلب الطاقة.
العراق بين الخليج وإيران.
هرمز في الشرق.
والبحر الأحمر في الجنوب.
لذلك فإن السؤال الحقيقي لم يعد فقط: من يقصف من؟
بل أصبح:
من يستطيع أن يجعل الطريق إلى النفط أكثر كلفة؟ ومن يستطيع أن يمنع النفط من الوصول إلى البحر؟ ومن يستطيع أن يربط جبهات تبدو منفصلة جغرافياً لتصبح حرباً واحدة؟
أما مكة، فتبقى حتى هذه اللحظة في منطقة الادعاء المتبادل: السعودية تقول إن مسيّرة حوثية كانت متجهة إليها، والحوثيون ينفون استهدافها.
والحقيقة التي يمكن تثبيتها الآن هي اعتراض المسيّرة، لا إثبات نية استهداف الحرم.
لكن الأخطر من المسيّرة نفسها أن المنطقة دخلت مرحلة أصبح فيها الطريق أهم من الهدف، والممر أهم من المدينة، والاقتصاد العالمي أقرب إلى مرمى الحرب مما كان يعتقد كثيرون.
فإذا أُغلِق هرمز، واضطرب باب المندب، وضُربت خطوط الأنابيب، وتحوّل العراق إلى منصة انطلاق، فإن الحرب لا تعود حرب اليمن والسعودية والعراق وحدها.
إنها تصبح حرباً على شرايين الاقتصاد العالمي .



